أنفاق غزة ونيقوسيا قصة عالقة وأحلام تائهة

أنفاق غزة ونيقوسيا قصة عالقة وأحلام تائهة
ثلاثة شبان يعيشون في مربع واحد من نفس القرية,تفصل بينهم بعض أشجار اللوز ذات اللحاء الغليظ, مما يعنى الجفاف وهروب تلك الأشجار إلى الخدعة لحماية بقائها, وبعض أشجار النخيل والزيتون, ومساحات صغيرة من الأرض المخصصة للبناء, ينتظر أصحابها رفع الحظر عن مواد البناء لإنشاء مساكن لأسرهم عليها .

أشرف وأمجد ,أصدقاء إحسان بحكم الجوار, يتناولون الشاي ,والأحاديث,والوجبات الشعبية التي يصنعونها بأنفسهم,ويحلم كل على طريقته, وفى الحرب الأخيرة بدآ ثلاثتهم مرهقين ومشوشين,وقد احتاجوا إلى وقت طويل حتى أفاقوا من الصدمة التي عانى منها تقريبا كل الناس في غزة

أحسان يجوب قطاع غزة طولا وعرضا بحثا عن عمل, كما يفعل عشرات الآلاف من الشبان الذين غالبا لا يصادفهم الحظ فينضمون إلى طوابير الفقراء الذين تصل نسبتهم إلى أكثر من 85% من اجمالى السكان في غزة,والذين يعيشون على بطاقات الإغاثة , أما إحسان فقد وجد ضالته في الأنفاق,هناك يعمل أكثر من 15000 شاب , الكل مضطر هنا للعمل , على الرغم من أن الأنفاق تتعرض للانهيارات ,والى القصف, ويموت فيها معدل شخصين في اليوم الواحد, وفى بعض الانهيارات يقضى 7 أو 8 أشخاص في انهيار واحد,ولكن من ينجوا من الموت فعلية أن يكون مستعدا للحفر تحت الأرض ساعات طويلة أو إخراج بضائع , العمل في الأنفاق ليس متعة على الإطلاق.

أشرف وأمجد يغادرون بصعوبة بالغة للدراسة في نيقوسيا, السفر عبر المعابر هو قطعة من جهنم, المسافر يبقى قلقا حتى تهبط الطائرة التي تقله في أماكن بعيدة عن المعابر, ولا يوفق كل شخص بالسفر, الإجراءات هنا صعبة للغاية.

بعد غروب الشمس بقليل, بدأ خبر وفاة إحسان بصعقة كهربائية في أحد الأنفاق يتسلل إلى الحيز الضيق في مكان سكنه, ومع اشتداد وتيرة مكالمات الجوال ,تأكد خبر الوفاة.
في صباح اليوم التالي كان سكان الحي مرعوبون لدى سماعهم خبر وفاة إحسان , وانكمش الأطفال في بيوتهم ولم يخرجوا للعب في طرقات الحي كما هو مألوف.

في بيت العزاء جلس الناس وكأنهم يقبضون على الجمر, عندما تنظر في وجوههم يمكنك أن تقرأ الكثير من الحزن, والشقاء والضياع , وعندما جاء أصدقاء إحسان لتقديم واجب العزاء, كانت هناك فرصة لسماع المزيد عن أسباب الوفاة, ثم عن العمل في الأنفاق, وعن أهميتها في سد احتياجات السكان من السلع المختلفة, وأخذ الحديث يشتد تارة وينخفض تارة أخرى بين مؤيد ومعارض للأنفاق, لكن الجميع يجمع على أن فتح المعابر هو الطريقة الصحيحة لإنهاء الأنفاق.

لقد أصبحت الأنفاق منذ الحصار على غزة قبل حوالي 3 أعوام تلبى بعض احتياجات السكان من المواد الأساسية مثل المشتقات البترولية, والسلع الغذائية, واللحوم, وبعض السلع الأخرى, الأنفاق ليست ممنوعة , فأصحابها يحصلون على تراخيص, ويدفعون ما يسمى "بالدية" للذين يموتون في الأنفاق, وتبلغ قيمة الاستثمارات في الأنفاق حوالي 500 مليون دولار, ويقدر الخبراء قيمة التداول السنوي في تجارة الأنفاق بحوالي 300 مليون دولار.

ومن المعروف أن قيمة التبادل التجاري لقطاع غزة قبل الحصار كان يقدر بحوالي 5 مليارات دولار تستحوذ إسرائيل على أكثر من 85% منه.

وعلى أي حال منذ بدء الحصار لا يسمح إلا بدخول 39 سلعة إلى قطاع غزة من بين 9000 سلعة كان يستوردها الغز يون من إسرائيل بالدرجة الأولى, كما أن السلع التي تأتى عبر الأنفاق هي باهظة الثمن,وكثير منها أقل جودة من غيرها.

في نيقوسيا أشرف يستلم صور جثمان صديقة إحسان فيغمى عليه ويظل فاقدا الوعي في غرفته حتى يخرجه موظف بيت الطلاب إلى المستشفى, أما أمجد الذي استلم نفس الصور بالماسنجر ,فوفر على نفسه انهيارا عصبيا كالذي حدث لأخيه فلم يشاهد الصور, وبقى الاثنان يغطان في حزن على صديقهما.

هكذا تشاء الأقدار إن يعيش أشرف وأمجد في نيقوسيا المدينة المقسمة التي لها اسمان,أسم يوناني وآخر تركي, وعلى الرغم من التعقيدات السياسية الكثيرة هناك, إلا أن حياة الناس أقل معاناة, فالتواصل بين الشطرين مؤمن بدرجة معقولة, والهدوء يساعد الناس على التفكير والتدبير,فقبرص اليونانية رغم صغر مساحتها أصبحت تجلب ملايين السياح في كل عام فتحولت إلى قارة صغيرة يأتيها الناس من كل مكان.

د.كامل خالد الشامي
أستاذ جامعي وكاتب مقيم في قطاع غزة
[email protected]

التعليقات