مقهى ديليس بين غزة وباريس والحصار والجدار

مقهى ديليس بين غزة وباريس والحصار والجدار
جلس أبو نضال أمام منزلة الذي يقع على طريق زراعي ترابي , وهو يحاول أن يستبدل بطارية الراديو,وكان يردد "حتى البطاريات لم تعد نافعة",فالبطاريات الموجودة في الأسواق تأتى من الأنفاق وهى غالبا منتهية الصلاحية ومثلها مئات السلع الأخرى.
الطقس بارد نسبيا, ولكن السماء خالية من السحب,ولقد تأخر موسم المطر هذا العام بضعة أشهر,وعلى ما يبدوا أن قطاع غزة دخل أيضا ضمن المناطق التي تعانى من التغير المناخي.

أبو نضال بعيش على أطراف المدينة في الجهة الشرقية من قطاع غزة, وبيته البسيط لا يبعد كثيرا عن عائلة السمونى الذين قضى منهم العشرات على أيدي الجيش الاسرائيلى في الحرب الأخيرة على غزة.

في هذه المنطقة ذات الطابع الريفي تنقطع الكهرباء بين ثماني إلى عشر ساعات في اليوم,مثلها مثل بقية أرجاء قطاع غزة, وخلال الحرب دمرت الكثير من المزارع وبيوت المزارعين, وقد هجر المنطقة الكثير منهم للعيش في مخيمات قريبة بانتظار التعويض والأعمار.

لكن الراديو مهم بالنسبة إلى أبو نضال وأم نضال,فمن خلاله يتابعون أخبار الأسرى في السجون الإسرائيلية, الذين تتراوح أعدادهم بين 7000-8000 ,العدد الأكبر منهم من الضفة الغربية,وأقل من 1000 أسير من قطاع غزة من بينهم نضال,وتقول أم نضال أن دموعها لم تجف منذ أن اعتقل ابنها قبل حوالي 7سنوات عندما كان عائدا من السفر.

أبو نضال يقول إن ابنة لم يشارك في أي عمليات حربية ضد إسرائيل,ولكنة اعتقل بتهمة نقل أموال إلى منظمات فلسطينية,وأغلب الأسرى في السجون الإسرائيلية بسبب انتماءاتهم,وللضغط على التنظيمات.

أم نضال وزوجها يترقبون على أحر من الجمر أن تتم صفقة تبادل الأسرى, حتى يعود نضال وعدد كبير من الأسرى إلى بيوتهم مقابل أن يطلق سراح الجندي الاسرائيلى الأسير لدى تنظيمات فلسطينية,على الرغم أن احد لا يعرف من هم الأسرى الذين سوف يطلق سراحهم, إلا أن الكل ينتظر عودة ابنة أو ابنته .

في الطرف الغربي من مدينة غزة يقع مقهى ديليس,بالقرب من المجلس التشريعي الذي تم تدميره حتى آخر حجر وتم إزالة الركام بالكامل.
المقهى من الداخل يشبه المقاهي الباريسية بألوانها الداكنة تتخللها بعض القطع الزجاجية.
رواد هذا المقهى من الطبقة المثقفة,من الصحافيين,وطلاب الجامعات, وبعض العاملين في المنظمات الأهلية وعدد قليل من الضيوف الدوليين الذين بقوا في قطاع غزة.
في المقهى تختلط رائحة الكابوتشينوا مع دخان السجائر ,وأصوات ماكينات طحن القهوة التي كانت قبل فترة وجيزة من ضمن قائمة المواد الممنوعة من دخول قطاع غزة.
ويتناول الحضور الذين تبدوا الهموم واضحة في وجوههم القهوة ويناقشون بهدوء مشوب بالإحباط موضوعات الساعة التي تدور في أذهان أهل غزة,مثل موضوع تبادل الأسرى ,ولكن الموضوع الذي يتناولونه بصدمة هو موضوع سرقة أعضاء الشباب الفلسطيني الذين قتلهم الجيش الاسرائيلى ,ثم أخضع جثثهم للتشريح على الرغم من أن سبب الوفاة معروف.
حان موعد نشرة الأخبار,توقعات بتعطل صفقة التبادل, وإنشاء جدار فولاذي على الحدود مع غزة, خيم صمت على ضيوف المقهى, ثم بدء الضيوف ينصرفون إلى أحاديثهم,والبعض منهم يجرى المكالمات الهاتفية .
قبل عدة أعوام جاء شاب فلسطيني يعيش في باريس إلى غزة وأنشأ هذا المقهى واختار له اسم فرنسي"ديليس" أي الدفء,كما اخترع خلطة من القهوة أصبحت مشهورة في كل بيوت قطاع غزة,غادر الرجل مع الذين غادروا عندما أخذت الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة تتردى,لكن رائحة قهوة ديليس مازالت تعبئ سماء غزة.

د.كامل خالد الشامي
أستاذ جامعي وكاتب مقيم في قطاع غزة
[email protected]

التعليقات