الفنانة التونسية سنية مبارك: تحيي رمضان القيروان
تونس-دنيا الوطن-منذر بشير الشفرة
آثرت الفنانة المتألقة و الأستاذة في علوم الموسيقى سنية مبارك أن تطرب أهل القيروان بتونس بإحياء سهرة عانقت فيها الإبداع وزوقت مسامع الحاضرين بمركب أسد ابن الفرات الثقافي بعاصمة الأغالبة ومعقل الفاطميين بأطراف عبقة من المالوف والأغاني الهادفة الملتزمة لم تشأ هذه الفنانة الشابة والتي رسخت قدمها في الفن الطربي منذ سنين أن تلتزم بالخط الشعبوي وتكرر المتداول من الأغاني المطلوبة جدا بتونس ك"عل جبين عصابة يامي الغثيث الحمالي" وغيرها من البدويات المرهفة الحس والبينة الشجن فقد كان خيار الرائدة سنية أشعار الشابي وبرال الفرنسي والجويني التونسي والشعر الملتزم الهادف مثل أغنيتها حرية وهي التي توقع عذابات الفتية الفلسطينيين تحت القنابل الذكية للعدو المغتصب.
كان الإفتتاح والإستهلال الحميمي للمطربة التونسية سنية لهذا العرض الذي اتخذ اسم مقامات للجولة بين الرصد والبياتي والنهوند والسيكه...بدعوة لتلاحين زرياب عن طريق الملحن والفنان فتحي زغندة الذي يجهل الشرق ابداعه وتيهه في التنظير في آلة الموسيقى وجوانبها مع استعمال أوزان موسيقية متناسقة وشجية مع الأداء التي قامت به سنية مبارك التي استحوذت على سمع وأبصار المشاهدين ولكن وجب في هذا المجال أن ننوه بذكاء الإختيارات لدى المطربة التونسية التي تجاوزت محدودية طاقاتها الصوتية وهي من سمات الوسيط (médium) ونجحت في الأداء مع التعويل عى الغنة الحزينة والطربية في "دروب الحياة" و"يا طير المنيار" واستعملت أقصى ما يمكن استخدامه من مساحة ونحن على يقين من أنها توصلت طوال الساعة والنصف الى شد الإنتباه وجمهور الأغالبة معروف بحكمه الصعب وعدم انخراطه في المجاملة.
لقد غاصت المدونة الغنائية لدى الفنانة سنية مبارك في التلوينات المتوسطية وبينت قدرات التونسي على اتقان الغناء بالبرتغالية والإسبانية والفرنسية طبعا دون تبيان لكنة ودون صعوبة تذكر مع التزام الخط الكلاسيكي العربي والمغناة الوهابية والدرويشية...يمكن للعرض مقامات أن يقيم دار الأبرا المصرية ولا يقعدها لما فيه من شمولية وموسوعية فالمطربة سنية برهنت على رهافة الحس والذوق الرفيع والروح الملتزمة حيث غنت للطفل الفلسطيني بكل جوارحها وكشفت المظلمة الدائبة بأسلوب فني رائق وكان عليها لزاما أن تخرجه في كليب حتي يهب على الشرق ولكن سنية بقية فاشلة في تسويق ذاتها في السوق الشرقية العظيمة التي تمزج الجماهيرية بالنجاح الفني...لدى سنية مبارك تمكن هائل من المقامات وهي تجيد العودة دوما الى درجة الإرتكاز في السلم وتميل الى تحفيز النبرة الجزائرية الفذة في تأدية الموال وهو التوجه ذاتهالذي سار اليه المطرب التونسي الشاب محمد الجبالي بيد أن التيه في التلوين الصوتي للسوبرانو واتخاذ رقرقات طربية في المد مثلما يبديها الرائد صابر الرباعي ويبهج التلاعب بذبذباتها في"اتحدى العالم" مثلا ينقص سنية....إن الفنانة التونسية سنية غاصت في فن الجويني وكلمات الروائي علي الدوعاجي " حبي يتبدل يتجدد ما يتعدش كيف يتعدد" وقامت بطرح لترجمة لا تقل أصالة وطرافة عن الأصل وذكرتنا وجوان باث وايديث بياف الفرنسية في طرائق تلويناتها الشجنية والمرحية في آن.
لدى سنية مبارك مشروع موسيقي كبير ونرى جازمين أن العمل الدؤوب الذي تقوم به جد مفيد للمدونة التونسية لأنه يشجع الإجتهاد ويميط اللثام عن قدسية الماضي فقد يأتي جيل بأفضل من لاموني الي غاروا مني ومن "هاك تلالي" وأحسن دليل مراهنتها على الفرقة الشابة التي تولف مابين التخت الشرقي والغربي ذي السولوهات الإسبانية الميل كالغيتار والكمان الغربي التوجه والتزويق مع أننا نؤكد على السبق العظيم للفنان الراحل محمد عبد الوهاب حين اترأ على الآلة وضمن الغرب في الشرق بكل التناسق الممكن...وحتى نفي لهذه الفنانة حقها نرى من واجبنا ذكر ما صرحت به للزميل عادل نحاتي في موقع القيروان التفاعلي:
"
وقالت الفنانة سنية مبارك بعد الحفل ردا على أسئلة الصحفيين أنها تغني منذ عشرين سنة بلهجات مختلفة ولغات متنوعة ولكنّها متشبثة بهويتها التونسية المتوسطية وأن عرض مقامات قدمته في كثير من البلدان كفرنسا وايطاليا واليونان والجزائر وأمريكا وعن سؤال لأحدهم عن مدى تأثرها بماجدة الرومي قالت أنها رغم صداقتها بهذه المطربة فلها كيانها وشخصيتها الفنية الخاصة وأنها لا تتشبه بأيّ كان وعن سؤال حول موقفها من الجيل الحالي من الفنانين قالت أن فرقتها الموسيقية كلها من الجيل الشبابي المتكون والمبدع وأن هناك من أبناء هذا الجيل طاقات كبرى لا تجد مثلها في الأجيال السابقة وأنها تتعاون معهم كما أنه لا يمكن أيضا رفّ القدامى الذين مازالوا يبدعون ويطورون من تجاربهم. وعن سؤال حول الفيديو كليب وموقفها منه أجابت بكونها لا ترفضه بل أن لها موقف من تسليع المرأة وجعلها بضاعة يسوقون بها أغانيهم التي ربما تكون محترمة.
وسألتها عن علاقتها بالشعر والشعراء في أعمالها الموسيقية فقالت أن الكلمة هي أساس الأغنية فلا بد أن تحمل المعاني والأحاسيس في صور شعرية جميلة فالكلمات والشعر أساس أي عمل غنائي محترم.
وأضافت لقد تعاملت مع الشاعر العربي الكبير محمود درويش وأوشكنا أن نتفق على مشاريع غنائية ولكن الموت اختطفه ورغم ذلك مازلت مصرة على الغناء له أكثر من أيّ وقت مضى كذلك غنيت لنزار قباني وناظم حكمت ونازك الملائكة رائدة الشعر الحر ولامعة عباس عمارة وأطمح لغناء أشعار محمد الغزّي الذي تعجبني أشعاره بمعانيها الكبرى وجمال صورها وأنا الآن بصدد التحضير لمشاريع مع الشاعرين خالد الوغلاني وجميلة الماجري.
وعن الجوّ الموسيقي في مقامات قالت أنها قراءة تونسية للموروث المتوسطي للأساتذة زغندة وبن عثمان والقيزاني ومبارك حاولنا من خلاله خلق جوّ موسيقي مشترك في الأصالة ومتفتح على الآخر." ( انظر الموقع)
لقد لاحظنا كيف تستمع الفنانة سنية الى الأشعار الفذة وتحاول توظيفها غناء وذلك شيء مبهر ومميز ولربما لم تعجبها ملاحظتنا حول طرائق الأداء لديها فلو قامت بمنح أغنية لصوت يختلف عن صوتها من رموز الأداء بتونس لكان تفتح الأغنية توريقا يجاوز الروعة...لدى سنية مبارك ذكاء عظيم في الإختيار والبرمجة والرهان وهي كفيلة مثل المميز مروان خوري بمنح بعض ما لديه لمن في صوتة لؤلؤ غير بين اللمعان...أصوات مثل درصاف الحمداني ودرة الفورتي تنتظر العجلة الفنية الدافعة الى مخازن الإبداع والطيران في فلك الشرق الهائل ومثلما توصلت المطربة الراحة ذكرى محمد الى دغدغة الوجدان العربي ومجاوزة التصنيفات الغريبة من أن الفن المغاربي محلي فقد تكون فيه منافذ كبرى لخلاص السوق الشرقية التي تلازم اليوم النسق الخليجي " مثل صدفة" و"بودعاك يا الضنا" وغيرها ...النغم والنسق الخليجي رائع ولكن توجه المشرق والمغرب الى مماهاته بمثل إشكالا في حد ذاته فلا تنوع ولا أصالة وهذا ما يفسر العودة القوية في تونس الى أغاني البدو الشجية وأغنيات السبيعينية الممتعة للجويني" لاموني الىي غاروا مني" والصادق ثريا "زوز حمامات" والقاد الراحل علي الرياحي " عل رقوبة بيت الشعر".
إن الطبق المميز الذي تقدمه المطربة التونسية سنية مبارك قادر على الإمتاع وما تجاوب الجمهور الأغلبي مع فرادة انتاجها الا دليل على رسوخ قدمها ولكن المشكل الأكبر الذي طالما عاني من فنانون مثل صابر الرباعي وغيره هو التعرف على مدى التعرف على غزارة عطاء صوته...لا ينكر أحد من أن الفنان الطربي صابر الرباعي قد أدى بتونس قبل رحلته الشرقية أفضل الأغاني ك"سلطان هواك"... ولكن سطوة الإعلام لا تبدي غير "مزيانة" و"رائعة خلص ثارك"...وتعلن ميلاده الجديد...
فهل قدر سنية أن تهب عليها رياح الشرق حتى تعانق آفاق الفن الشهير وتبلغ ضفاف الجماهير الى تخوم الشرق الأقصى؟ العالم قرية صغير ولا شي يتخفى فما الذي حجب الجمهور العربي عن سنية؟
إن غناء سنية مبارك باللغة الفرنسية يشهد لها بسعة الإطلاع ولكن هذا الرأي يقع تحت طائلة النقد لأن طرائق تأديتها باللغة الأجنبية من زاية نظر المتخصصين لا يقول بتفرد هذه المطربة بأسلوب غنائي ونبر ولهجة بعينها وانما هي خليط من المماهات والتقليد لبياف ايديث وسلين ديون في مدها وجاك برال في شجنه...مع الملاحظة أن الترجمة الحرفية لقصيد أيها الحب للشابي لم يكن في مستوى التوقعات ففيه جمل هجينة مثل" السؤال مطروح" وكان لزاما عليها أن تختار المترجم الأصلح...question est posée
وقد يكون من المغامرة أن تلج سنية الى روح المقام الحجاز وتغترف من فن طلال مداح بالكلمة والأداء فتستقر على نصب الكلاسيكيات وتتجنب فرضيات التجريب والتنقل باللغات:
"أعاتك يا بنت الخــــلائف عاتــكــــــا
أنيلي فتىً أمسـى بــــــحـبك هـالكـــــا
تــبـدت وأســراب لـهــا فـقتلننــــي
كــــذلك يقتلن الرجــــال كـــذلكـــا
يـقـلـبـن ألـحـاظـاً لـهـن فواتــــــرا
ويحملن من فوق النعال السبائكـــا
إذا غفلت عنا العيون التي نـــــرى
سلكن بنا حيث اشـتهين المسالكــا
وقـلـن لـنـا لـو نـسـتطيع لزاركـــم
طـبيبـان مـنـا عـالـمـان بـدائــــــك
فـهـل مـن طبيب بالعـراق لعلــــــه
يـداوي سـقيـما هـالـكـا مـتـهالكا "
أسلوب يأتي ضمن التوجهات الأس لسنيا مبارك الأستاذة والفنانة...
إن المستمع الحقيقي في هذه اللوحات الفنية ضمن السهرة يجد ثقافة للكون مختارة أو معتمدة من قبل الأستاذة في علم الموسيقى أو كما يحلو للموسيقيين "الموزيكولوجيا" تنير نجوم ابداعها أو تلوينها على التراث الفني، هي ذات العادة التي تعامل معها خلال نظرية العودة للتراث وهم التكرار المعين الوحيد في مرآته التي شكلت الذوق الجماهيري، وآثر أن يكبرسالكا طريقا خلال واحدة منها ليكون في أمدها، ولكنها المحاولات الفنية التي تكون في شوق صوفي للتمتع بها لا تكتمل إلا بتنغيمات صوتية فريدة إشاراتها عميقة لأن الفعل الموسيقي في الأصل فعل حضاري وهو الذي دفع الملحن كعبد الحكيم بالقايد أن يمنح سنية مدخرات فكره في ألواحه الجميلة الممزوجة بالتلاحين الرومنسية العذبة..
فما هو توجه الفنانة سنية مبارك؟ هل هو المثقف المختار. التونسي أم العربي...؟
تلك الأصول المتألقة التي اعتمدتها الفنانة الهادفة سنية وعملية التلوين على الجزائري والتونسي والأندلسي التي كررتها في أعمالها حتى تكون رهانا للتناسق والوحي في تحديد ذاتها النرجسية التائقة للنور ورؤيتها للإختيارات الموسيقية وهي تنويعات فريدة و خفية تعطل التقليد الأعمى وتشرع للإبداع، ويمكن للمستمع أن يمزج في ذهنه كل الثقافات المرصودة ويحيلها إلى تجربتهم الفنية أن يخلص من رحم النموذج الواحد الغالب الى التفرد والامتياز ولم يكن مثال سنية مبارك هو الأول فلقد سبقها جيل الهادي الجويني بقبولهم إستراتيجية التفتح على الغرب والمتوسط في مستوى الكلمة واللحن وحتى طريقة الأداء... وذلك من أثر في هذه الأعمال المكررة أن توصلنا إليها في هذه المكامن الغنائية التواصلية مع جمهور متعطش للفرادة وهو الذي يحدق من خلالها الى رؤى بعيدة.
يقول بعضهم عن الإبداع :"عندما ينهار كل شيء يبقى الفن هو المدخل إلى الحياة، والحب هو القيمة الوحيدة التي تؤنسن الإنسان وتمنحه وجودا كليا'. بداية دعنا نتحدث عن شكل الصياغة الأدبية في روايتك وعلاقته بالمضمون."
لاحظنا في أعمال الفنانة سنية مبارك تيقظا وتأهبا للمستقبل وسوف تكمل مسيرتها الغناء.
مع ذلك يمكن الحديث عن جرأة في تناول المقامات المتجانسة ً؟
- الواقع الفني العربي كما تراه اليوم..
نود في هذا الموضع أن نقيم علاقة مقاربة مع ما أعلنه الدكتور حسين الهنداوي من وصف لمآثر جميل بشر والمسار الرائد للفنانة سنية مبارك ( فلتعذرنا للملاحظاتنا حول صوتها) أن ندعوها للتعلم الراحل جميل وتحاول التلحين لأن أس العملية الموهبة والذكاء والذوق...لدى سنية نفس التدرج الأكاديمي لدى جميل بشير وذات المقامات المقربة من كونها فهل يصلها بعض فنه.؟
"
وقد سمحت له تجربته الطويلة في الفرقة بتطوير مهارة الارتجال الموسيقي لديه واهلته للقيادة الموسيقية حيث كان يضطلع بنفسه بوضع نوتات الالحان التي تؤديها الفرقة ويحرص على تدريب زملائه على تنفيذها بدقة بعد ان كان يقوم بتحفيظها لمن لا يجيدون قراءة النوتة منهم، كما سمحت له بتعميق معرفته بالتراث الموسيقي العراقي ليصبح احد ابرز الذين ساهموا في حمايته من الضياع وتطويره، اذ قام بتدوين اصعب الالحان القديمة لاسيما في مجال المقامات، من بينها مقام الراست الذي دونه من اول الى آخره وقدمه لأول مرة انطلاقاً من النوتة المدونة في احدى حفلات معهد الفنون .
ومن جانب آخر عمل جميل بشير على اضافة مقدمات موسيقية من تأليفه لعدد كبير من الاغاني الشعبية لتغدو اليوم جزءاً لا يتجزأ منها. كما رفد الموسيقى العراقية بعدد من الالحان الجديدة والمبتكرة والمحافظة في نفس الوقت على الطابع العراقي. والى جانب دوره في الفرقة وفي مجال الانتاج الموسيقي، عمل جميل بشير استاذاً للموسيقى، ولتدريس العود خاصة، في معهد الفنون الجميلة طوال فترة تجاوزت العشرين عاماً ساهم خلالها في تدريب وتكوين نخبة من الموسيقين الذين لمعوا فيما بعد. وكتب عدداً من البحوث والدراسات الموسيقية التطبيقية اشهرها كتاب بجزئين عنوانه «العود وطريقة تدريسه» نشره في عام 1961 وضمنه العديد من نوتات المقامات العراقية ولازال لحد الان من بين اهم المراجع في هذا الصدد. ولقد تفرغ جميل بشير في العقد الاخير من حياته الى الكتابة الموسيقية في بيته الذي حوله الى «ورشة عمل» لتسجيل الاغاني العراقية."
نرى في إحالات الدكتور حسين الهنداوي الى الرائع جميل ينهل منه المطربون المبدعون من أمثال سنية مبارك التونسية الإنتماء والمتوسكية التوجه فهلا اغترفت من معين الشرق الهادر؟
لها كل مقومات التألق والبروز ولكن الفن مغامرة وخروج عن الزمان والمكان....
كان لعرض سنية مبارك أثر بالغ في الوفاء لمقامات مختلفة ومتباينة بحرفية مطلقة ولكن الأساسي حسب رؤيتنا للعمل الإبداعي هو ولوج بوابة الخصوصية لطرق باب القلوب الشرقية المتوهجة.
آثرت الفنانة المتألقة و الأستاذة في علوم الموسيقى سنية مبارك أن تطرب أهل القيروان بتونس بإحياء سهرة عانقت فيها الإبداع وزوقت مسامع الحاضرين بمركب أسد ابن الفرات الثقافي بعاصمة الأغالبة ومعقل الفاطميين بأطراف عبقة من المالوف والأغاني الهادفة الملتزمة لم تشأ هذه الفنانة الشابة والتي رسخت قدمها في الفن الطربي منذ سنين أن تلتزم بالخط الشعبوي وتكرر المتداول من الأغاني المطلوبة جدا بتونس ك"عل جبين عصابة يامي الغثيث الحمالي" وغيرها من البدويات المرهفة الحس والبينة الشجن فقد كان خيار الرائدة سنية أشعار الشابي وبرال الفرنسي والجويني التونسي والشعر الملتزم الهادف مثل أغنيتها حرية وهي التي توقع عذابات الفتية الفلسطينيين تحت القنابل الذكية للعدو المغتصب.
كان الإفتتاح والإستهلال الحميمي للمطربة التونسية سنية لهذا العرض الذي اتخذ اسم مقامات للجولة بين الرصد والبياتي والنهوند والسيكه...بدعوة لتلاحين زرياب عن طريق الملحن والفنان فتحي زغندة الذي يجهل الشرق ابداعه وتيهه في التنظير في آلة الموسيقى وجوانبها مع استعمال أوزان موسيقية متناسقة وشجية مع الأداء التي قامت به سنية مبارك التي استحوذت على سمع وأبصار المشاهدين ولكن وجب في هذا المجال أن ننوه بذكاء الإختيارات لدى المطربة التونسية التي تجاوزت محدودية طاقاتها الصوتية وهي من سمات الوسيط (médium) ونجحت في الأداء مع التعويل عى الغنة الحزينة والطربية في "دروب الحياة" و"يا طير المنيار" واستعملت أقصى ما يمكن استخدامه من مساحة ونحن على يقين من أنها توصلت طوال الساعة والنصف الى شد الإنتباه وجمهور الأغالبة معروف بحكمه الصعب وعدم انخراطه في المجاملة.
لقد غاصت المدونة الغنائية لدى الفنانة سنية مبارك في التلوينات المتوسطية وبينت قدرات التونسي على اتقان الغناء بالبرتغالية والإسبانية والفرنسية طبعا دون تبيان لكنة ودون صعوبة تذكر مع التزام الخط الكلاسيكي العربي والمغناة الوهابية والدرويشية...يمكن للعرض مقامات أن يقيم دار الأبرا المصرية ولا يقعدها لما فيه من شمولية وموسوعية فالمطربة سنية برهنت على رهافة الحس والذوق الرفيع والروح الملتزمة حيث غنت للطفل الفلسطيني بكل جوارحها وكشفت المظلمة الدائبة بأسلوب فني رائق وكان عليها لزاما أن تخرجه في كليب حتي يهب على الشرق ولكن سنية بقية فاشلة في تسويق ذاتها في السوق الشرقية العظيمة التي تمزج الجماهيرية بالنجاح الفني...لدى سنية مبارك تمكن هائل من المقامات وهي تجيد العودة دوما الى درجة الإرتكاز في السلم وتميل الى تحفيز النبرة الجزائرية الفذة في تأدية الموال وهو التوجه ذاتهالذي سار اليه المطرب التونسي الشاب محمد الجبالي بيد أن التيه في التلوين الصوتي للسوبرانو واتخاذ رقرقات طربية في المد مثلما يبديها الرائد صابر الرباعي ويبهج التلاعب بذبذباتها في"اتحدى العالم" مثلا ينقص سنية....إن الفنانة التونسية سنية غاصت في فن الجويني وكلمات الروائي علي الدوعاجي " حبي يتبدل يتجدد ما يتعدش كيف يتعدد" وقامت بطرح لترجمة لا تقل أصالة وطرافة عن الأصل وذكرتنا وجوان باث وايديث بياف الفرنسية في طرائق تلويناتها الشجنية والمرحية في آن.
لدى سنية مبارك مشروع موسيقي كبير ونرى جازمين أن العمل الدؤوب الذي تقوم به جد مفيد للمدونة التونسية لأنه يشجع الإجتهاد ويميط اللثام عن قدسية الماضي فقد يأتي جيل بأفضل من لاموني الي غاروا مني ومن "هاك تلالي" وأحسن دليل مراهنتها على الفرقة الشابة التي تولف مابين التخت الشرقي والغربي ذي السولوهات الإسبانية الميل كالغيتار والكمان الغربي التوجه والتزويق مع أننا نؤكد على السبق العظيم للفنان الراحل محمد عبد الوهاب حين اترأ على الآلة وضمن الغرب في الشرق بكل التناسق الممكن...وحتى نفي لهذه الفنانة حقها نرى من واجبنا ذكر ما صرحت به للزميل عادل نحاتي في موقع القيروان التفاعلي:
"
وقالت الفنانة سنية مبارك بعد الحفل ردا على أسئلة الصحفيين أنها تغني منذ عشرين سنة بلهجات مختلفة ولغات متنوعة ولكنّها متشبثة بهويتها التونسية المتوسطية وأن عرض مقامات قدمته في كثير من البلدان كفرنسا وايطاليا واليونان والجزائر وأمريكا وعن سؤال لأحدهم عن مدى تأثرها بماجدة الرومي قالت أنها رغم صداقتها بهذه المطربة فلها كيانها وشخصيتها الفنية الخاصة وأنها لا تتشبه بأيّ كان وعن سؤال حول موقفها من الجيل الحالي من الفنانين قالت أن فرقتها الموسيقية كلها من الجيل الشبابي المتكون والمبدع وأن هناك من أبناء هذا الجيل طاقات كبرى لا تجد مثلها في الأجيال السابقة وأنها تتعاون معهم كما أنه لا يمكن أيضا رفّ القدامى الذين مازالوا يبدعون ويطورون من تجاربهم. وعن سؤال حول الفيديو كليب وموقفها منه أجابت بكونها لا ترفضه بل أن لها موقف من تسليع المرأة وجعلها بضاعة يسوقون بها أغانيهم التي ربما تكون محترمة.
وسألتها عن علاقتها بالشعر والشعراء في أعمالها الموسيقية فقالت أن الكلمة هي أساس الأغنية فلا بد أن تحمل المعاني والأحاسيس في صور شعرية جميلة فالكلمات والشعر أساس أي عمل غنائي محترم.
وأضافت لقد تعاملت مع الشاعر العربي الكبير محمود درويش وأوشكنا أن نتفق على مشاريع غنائية ولكن الموت اختطفه ورغم ذلك مازلت مصرة على الغناء له أكثر من أيّ وقت مضى كذلك غنيت لنزار قباني وناظم حكمت ونازك الملائكة رائدة الشعر الحر ولامعة عباس عمارة وأطمح لغناء أشعار محمد الغزّي الذي تعجبني أشعاره بمعانيها الكبرى وجمال صورها وأنا الآن بصدد التحضير لمشاريع مع الشاعرين خالد الوغلاني وجميلة الماجري.
وعن الجوّ الموسيقي في مقامات قالت أنها قراءة تونسية للموروث المتوسطي للأساتذة زغندة وبن عثمان والقيزاني ومبارك حاولنا من خلاله خلق جوّ موسيقي مشترك في الأصالة ومتفتح على الآخر." ( انظر الموقع)
لقد لاحظنا كيف تستمع الفنانة سنية الى الأشعار الفذة وتحاول توظيفها غناء وذلك شيء مبهر ومميز ولربما لم تعجبها ملاحظتنا حول طرائق الأداء لديها فلو قامت بمنح أغنية لصوت يختلف عن صوتها من رموز الأداء بتونس لكان تفتح الأغنية توريقا يجاوز الروعة...لدى سنية مبارك ذكاء عظيم في الإختيار والبرمجة والرهان وهي كفيلة مثل المميز مروان خوري بمنح بعض ما لديه لمن في صوتة لؤلؤ غير بين اللمعان...أصوات مثل درصاف الحمداني ودرة الفورتي تنتظر العجلة الفنية الدافعة الى مخازن الإبداع والطيران في فلك الشرق الهائل ومثلما توصلت المطربة الراحة ذكرى محمد الى دغدغة الوجدان العربي ومجاوزة التصنيفات الغريبة من أن الفن المغاربي محلي فقد تكون فيه منافذ كبرى لخلاص السوق الشرقية التي تلازم اليوم النسق الخليجي " مثل صدفة" و"بودعاك يا الضنا" وغيرها ...النغم والنسق الخليجي رائع ولكن توجه المشرق والمغرب الى مماهاته بمثل إشكالا في حد ذاته فلا تنوع ولا أصالة وهذا ما يفسر العودة القوية في تونس الى أغاني البدو الشجية وأغنيات السبيعينية الممتعة للجويني" لاموني الىي غاروا مني" والصادق ثريا "زوز حمامات" والقاد الراحل علي الرياحي " عل رقوبة بيت الشعر".
إن الطبق المميز الذي تقدمه المطربة التونسية سنية مبارك قادر على الإمتاع وما تجاوب الجمهور الأغلبي مع فرادة انتاجها الا دليل على رسوخ قدمها ولكن المشكل الأكبر الذي طالما عاني من فنانون مثل صابر الرباعي وغيره هو التعرف على مدى التعرف على غزارة عطاء صوته...لا ينكر أحد من أن الفنان الطربي صابر الرباعي قد أدى بتونس قبل رحلته الشرقية أفضل الأغاني ك"سلطان هواك"... ولكن سطوة الإعلام لا تبدي غير "مزيانة" و"رائعة خلص ثارك"...وتعلن ميلاده الجديد...
فهل قدر سنية أن تهب عليها رياح الشرق حتى تعانق آفاق الفن الشهير وتبلغ ضفاف الجماهير الى تخوم الشرق الأقصى؟ العالم قرية صغير ولا شي يتخفى فما الذي حجب الجمهور العربي عن سنية؟
إن غناء سنية مبارك باللغة الفرنسية يشهد لها بسعة الإطلاع ولكن هذا الرأي يقع تحت طائلة النقد لأن طرائق تأديتها باللغة الأجنبية من زاية نظر المتخصصين لا يقول بتفرد هذه المطربة بأسلوب غنائي ونبر ولهجة بعينها وانما هي خليط من المماهات والتقليد لبياف ايديث وسلين ديون في مدها وجاك برال في شجنه...مع الملاحظة أن الترجمة الحرفية لقصيد أيها الحب للشابي لم يكن في مستوى التوقعات ففيه جمل هجينة مثل" السؤال مطروح" وكان لزاما عليها أن تختار المترجم الأصلح...question est posée
وقد يكون من المغامرة أن تلج سنية الى روح المقام الحجاز وتغترف من فن طلال مداح بالكلمة والأداء فتستقر على نصب الكلاسيكيات وتتجنب فرضيات التجريب والتنقل باللغات:
"أعاتك يا بنت الخــــلائف عاتــكــــــا
أنيلي فتىً أمسـى بــــــحـبك هـالكـــــا
تــبـدت وأســراب لـهــا فـقتلننــــي
كــــذلك يقتلن الرجــــال كـــذلكـــا
يـقـلـبـن ألـحـاظـاً لـهـن فواتــــــرا
ويحملن من فوق النعال السبائكـــا
إذا غفلت عنا العيون التي نـــــرى
سلكن بنا حيث اشـتهين المسالكــا
وقـلـن لـنـا لـو نـسـتطيع لزاركـــم
طـبيبـان مـنـا عـالـمـان بـدائــــــك
فـهـل مـن طبيب بالعـراق لعلــــــه
يـداوي سـقيـما هـالـكـا مـتـهالكا "
أسلوب يأتي ضمن التوجهات الأس لسنيا مبارك الأستاذة والفنانة...
إن المستمع الحقيقي في هذه اللوحات الفنية ضمن السهرة يجد ثقافة للكون مختارة أو معتمدة من قبل الأستاذة في علم الموسيقى أو كما يحلو للموسيقيين "الموزيكولوجيا" تنير نجوم ابداعها أو تلوينها على التراث الفني، هي ذات العادة التي تعامل معها خلال نظرية العودة للتراث وهم التكرار المعين الوحيد في مرآته التي شكلت الذوق الجماهيري، وآثر أن يكبرسالكا طريقا خلال واحدة منها ليكون في أمدها، ولكنها المحاولات الفنية التي تكون في شوق صوفي للتمتع بها لا تكتمل إلا بتنغيمات صوتية فريدة إشاراتها عميقة لأن الفعل الموسيقي في الأصل فعل حضاري وهو الذي دفع الملحن كعبد الحكيم بالقايد أن يمنح سنية مدخرات فكره في ألواحه الجميلة الممزوجة بالتلاحين الرومنسية العذبة..
فما هو توجه الفنانة سنية مبارك؟ هل هو المثقف المختار. التونسي أم العربي...؟
تلك الأصول المتألقة التي اعتمدتها الفنانة الهادفة سنية وعملية التلوين على الجزائري والتونسي والأندلسي التي كررتها في أعمالها حتى تكون رهانا للتناسق والوحي في تحديد ذاتها النرجسية التائقة للنور ورؤيتها للإختيارات الموسيقية وهي تنويعات فريدة و خفية تعطل التقليد الأعمى وتشرع للإبداع، ويمكن للمستمع أن يمزج في ذهنه كل الثقافات المرصودة ويحيلها إلى تجربتهم الفنية أن يخلص من رحم النموذج الواحد الغالب الى التفرد والامتياز ولم يكن مثال سنية مبارك هو الأول فلقد سبقها جيل الهادي الجويني بقبولهم إستراتيجية التفتح على الغرب والمتوسط في مستوى الكلمة واللحن وحتى طريقة الأداء... وذلك من أثر في هذه الأعمال المكررة أن توصلنا إليها في هذه المكامن الغنائية التواصلية مع جمهور متعطش للفرادة وهو الذي يحدق من خلالها الى رؤى بعيدة.
يقول بعضهم عن الإبداع :"عندما ينهار كل شيء يبقى الفن هو المدخل إلى الحياة، والحب هو القيمة الوحيدة التي تؤنسن الإنسان وتمنحه وجودا كليا'. بداية دعنا نتحدث عن شكل الصياغة الأدبية في روايتك وعلاقته بالمضمون."
لاحظنا في أعمال الفنانة سنية مبارك تيقظا وتأهبا للمستقبل وسوف تكمل مسيرتها الغناء.
مع ذلك يمكن الحديث عن جرأة في تناول المقامات المتجانسة ً؟
- الواقع الفني العربي كما تراه اليوم..
نود في هذا الموضع أن نقيم علاقة مقاربة مع ما أعلنه الدكتور حسين الهنداوي من وصف لمآثر جميل بشر والمسار الرائد للفنانة سنية مبارك ( فلتعذرنا للملاحظاتنا حول صوتها) أن ندعوها للتعلم الراحل جميل وتحاول التلحين لأن أس العملية الموهبة والذكاء والذوق...لدى سنية نفس التدرج الأكاديمي لدى جميل بشير وذات المقامات المقربة من كونها فهل يصلها بعض فنه.؟
"
وقد سمحت له تجربته الطويلة في الفرقة بتطوير مهارة الارتجال الموسيقي لديه واهلته للقيادة الموسيقية حيث كان يضطلع بنفسه بوضع نوتات الالحان التي تؤديها الفرقة ويحرص على تدريب زملائه على تنفيذها بدقة بعد ان كان يقوم بتحفيظها لمن لا يجيدون قراءة النوتة منهم، كما سمحت له بتعميق معرفته بالتراث الموسيقي العراقي ليصبح احد ابرز الذين ساهموا في حمايته من الضياع وتطويره، اذ قام بتدوين اصعب الالحان القديمة لاسيما في مجال المقامات، من بينها مقام الراست الذي دونه من اول الى آخره وقدمه لأول مرة انطلاقاً من النوتة المدونة في احدى حفلات معهد الفنون .
ومن جانب آخر عمل جميل بشير على اضافة مقدمات موسيقية من تأليفه لعدد كبير من الاغاني الشعبية لتغدو اليوم جزءاً لا يتجزأ منها. كما رفد الموسيقى العراقية بعدد من الالحان الجديدة والمبتكرة والمحافظة في نفس الوقت على الطابع العراقي. والى جانب دوره في الفرقة وفي مجال الانتاج الموسيقي، عمل جميل بشير استاذاً للموسيقى، ولتدريس العود خاصة، في معهد الفنون الجميلة طوال فترة تجاوزت العشرين عاماً ساهم خلالها في تدريب وتكوين نخبة من الموسيقين الذين لمعوا فيما بعد. وكتب عدداً من البحوث والدراسات الموسيقية التطبيقية اشهرها كتاب بجزئين عنوانه «العود وطريقة تدريسه» نشره في عام 1961 وضمنه العديد من نوتات المقامات العراقية ولازال لحد الان من بين اهم المراجع في هذا الصدد. ولقد تفرغ جميل بشير في العقد الاخير من حياته الى الكتابة الموسيقية في بيته الذي حوله الى «ورشة عمل» لتسجيل الاغاني العراقية."
نرى في إحالات الدكتور حسين الهنداوي الى الرائع جميل ينهل منه المطربون المبدعون من أمثال سنية مبارك التونسية الإنتماء والمتوسكية التوجه فهلا اغترفت من معين الشرق الهادر؟
لها كل مقومات التألق والبروز ولكن الفن مغامرة وخروج عن الزمان والمكان....
كان لعرض سنية مبارك أثر بالغ في الوفاء لمقامات مختلفة ومتباينة بحرفية مطلقة ولكن الأساسي حسب رؤيتنا للعمل الإبداعي هو ولوج بوابة الخصوصية لطرق باب القلوب الشرقية المتوهجة.

التعليقات