حول فيلم شباك العنكبوت

حول فيلم شباك العنكبوت
حول فيلم شباك العنكبوت

الكاتب: حسين شولي

لقد كنت ضمن الجمهور الفلسطيني العريض الذي شاهد فلم "شباك العنكبوت"، وذلك بعد تناول وجبة الإفطار في فندق الجراند بارك في رام الله، يوم الاربعاء الموافق 9/9/2009. لقد جلست، وعلى مدار 90 دقيقة، أشاهد مقاطع الفلم الذي يؤرخّ ويوثق واقعاً عاشه الكثير من الفلسطينيين خلال فترة زمنية قريبة، تخلله غياب أو ضعف سلطة القانون، وعمّت أثناءه أعمال الفوضى والفلتان الأمني بشكل منظم في الكثير من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإكتوى بناره الكثير من المواطنين الأبرياء، الضعفاء والأقوياء على حدّ سواء، دون أن يجدوا آنئذ منفساً جدياً يتظلمون إليه شكايتهم، غير تسجيل الشكوى لدى هذه المؤسسة أو تلك، لتكون رقماً إضافياً في سجلاتها، تنشره في تقرير عابر، أو تتلوه في بيان صحفي باهت، ولم تحظى الكثير من تلك الشكاوى بالتحقيق الجدّي والمحاسبة.

لقد سلّط فلم "شباك العنكبوت"، بالصوت والصورة والتأوهات، نتائج الفلتان الأمني وأعمال الزعرنة والفتوة، حيث كانت هناك مجموعات فوق القانون بحجج وذرائع مختلفة، وعرض الفلم لبعض مظاهر تلك الحقبة التي تقتضي منا نحن الفلسطينيين تذكرها دائماً حتى ندرك حجم التغيير بين ما كان وبين ما هو كائن، وضرورة عدم السماح بالعودة لتلك الحقبة. يعرض الفلم أيضاً إلى كيفية تسلل الفلتان الأمني لمؤسسات إنفاذ القانون وإفساد بعض المسؤولين، وهذا أمر متوقع في ظلّ هكذا حالة، مما يزيد من مصيبة الضحايا، ويجعلهم حيارى وتائهين. وليس بعيداً عن هذه المشاهد المحزنة، يأخذ الفلم المشاهدين، ويأسرهم بلحظات فرح غامرة، قابلها الحضور بالتصفيق الحار، عندما طالت يد العدالة رقاب المجرمين والفاسدين المتسترين عليهم، حيث أودعوا قفص الإتهام في موقف ضعف وذل يليق بأفعالهم، فلا توجد جريمة كاملة مهما بلغة حنكة المجرمين، ومصير المجرمين أن تطالهم يد العدالة، هذا ناموس كوني ثابت ومُجرّب.

بغض النظر عما قيل من تعليقات عن الفلم، خاصة المبالغة في تصوير حالة الفساد، إلا أنه يعتبر مبادرة شجاعة وخلاقة، خاصةً إذا أخذنا بعين الإعتبار عدم وجود خبرات متراكمة في المجال السينمائي الفلسطيني مقارنة مع الغير المجاور، الأمر الذي يوجب علينا بضرورة تشجيعها وإستخلاص العبر منها والبناء عليها بقصد تحسينها وإثرائها. فحالة الفلتان الأمني التي تفشت لفترة من الزمن، أثرى فيها عدد من الفلسطينيين على حساب المواطنين العاديين، وإكتوى بنارها عدد آخر لا يجوز أن تمر مرور الكرام في ذاكرة الشعب، فهناك بيوت ثكلت عزيزاً أو أكثر، وأموال نهبت بغير وجه حق، وأعراض أنتهكت، تتطلب من السلطة الوطنية معالجتها وإنصاف المظلومين والضحايا. كذلك، فإنّ هذه الحقبة المظلمة لا يجوز السماح بعودتها مهما كلف الأمر.

شارك في هذا الفلم 47 ممثلاً، وعلى مدار أربعة شهور، وبالرغم من الأهداف السامية التي سعى الفلم إلى تحقيقها، وفي مقدمتها تسليط الضوء على حالة اللفتان الأمني ونتائجه الكارثية، وإبراز جهود السلطة الوطنية في القضاء عليه من خلال إعمال سيادة القانون وتفعيل سلطة القضاء والنيابة العامة في ملاحقة الجرائم والقبض على المجرمين وإيقاع العقاب الرادع بحقهم، هذه الأهداف السامية وهذا العدد من المشاركين لا يعتبر مبلغ 135 ألف دولار الذي أنفق عليه كبيراً، فإذا قلنا بحسبة إقتصادية بسيطة بأنّ 47 عائلة فلسطينية إستفادت من هذا الفلم، ولو قسمنا المبلغ على عدد الممثلين المشاركين فإن حصة كل ممثل لن تتجاوز 2872 دولاراً، طبعاً هذا مع علمنا بتفاوت الأجر بين ممثل وآخر، ناهيك أن جزءاً من المبلغ ذهب بدل إستخدام أجهزة ومعدات وبيوت في التصوير، وعليه لا أرى أنّ المبلغ كبير، خاصة وأن الفلم تناول الموضوع بشيء من التفصيل، وحاول الوقوف على قدر لا بأس من أحداث تلك المرحلة.

إنّ إنتاج الفلسطينيين لهذا الفلم وبمشاركة هذا العدد الكبير من الممثلين والممثلات يفتح الآفاق لتطور السينما الفلسطينية، ويتيح المجال لتدريب جيل جديد من الممثلين الشباب لمزيد من التطور في المستقبل القريب، وكأن لسان حالهم يقول: "بأننا قادرون على عمل الكثير في حال توفر الدعم والإمكانيات"، ونحن من جهتنا نتمنى على السلطة الوطنية أن تستثمر في المستقبل القريب في هذا المجال، حتى يتاح المجال لتناول الكثير من القضايا الإجتماعية والتاريخية والسياسية من خلال السينما. كذلك، فإنّ عرض هذا الفلم، وبحضور هذا الحشد الكبير من صناع القرار ورجال السياسة والقانون من شأنه أن يترك أثره على الأداء العام بشكل أو بآخر، ومنها: ضرورة تشجيع تطبيق سيادة القانون على الجميع، لا للواسطة أو المحسوبية، لا حصانة لمجرم أو فاسد، يجب فحص كلّ شكوى مهما صغر شأنها، الناس ترى وتراقب وتعرف الظلم والعدل وفي النهاية تحاسب، ...إلخ.

وفي الختام، أرى أنّ فلم "شباك العنكبوت" يجب تشجيعه وإتاحة المجال لعرضه أمام أكبر قدر ممكن من الجمهور الفلسطيني بكافة أطيافه لما يحمله من رسائل بناءة، فهو من شأنه أن يطلعهم على معلومات وحقائق مهمة عن تاريخهم القريب، ومن شأنه أن ينبه ويحذر فئة الشباب إلى أهمية سيادة القانون وضرورة الحفاظ عليها وتحذيرهم من مغبة الوقوع في شرك الجريمة لعواقبها الوخيمة عليهم في المستقبل. وربما تستطيع الكثير من مؤسسات حقوق الإنسان والأجهزة الأمنية والسلطات القضائية إستخدام مادة الفلم أو مشاهد منه في التدريب لما يجسده من ربط الواقع النظري بالواقع العملي. وأخيراً، فإنّه يحقّ لمن رعوا هذا الفلم وومؤلفه ومخرجه أن يفخروا به، ونأمل أن نرى المزيد من هذا النوع من الأعمال في المستقبل.


[email protected]

التعليقات