الجالية الهندية تسعى للتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية

ابوظبي –دنيا الوطن- جمال المجايدة
لعل التحول الذي شهدته العلاقات الأمريكية - الهندية يعد من أهم التطورات في السياسة الخارجية الأمريكية خلال العقد الماضي، وترى القيادة في كلا البلدين أن عقد اتفاقية تعاون نووي مؤخراً أهم خطوة حتى الآن في "شراكتهما الاستراتيجية" الناشئة. وتسعى هذه الدراسة الصادرة عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بابوظبي للبرهنة على أن هناك "جماعة ضغط هندية" جيدة التمويل وتكتسب حرفية متزايدة، كان لها دور حاسم في دفع أعضاء الكونجرس لتأييد الاتفاقية النووية، وعلاوة على ذلك فإن هذا الحدث قد ينذر ببروز هذه الجماعة؛ بوصفها إحدى أهم الجاليات الإثنية، الساعية للتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، إذا ما استطاعت المحافظة على هذا الزخم لبلوغ أهدافها الطامحة والبعيدة الأمد؛ مثل ضمان مقعد دائم للهند في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
تحاول هذه الدراسة وهي للباحث جيسون أ. كيرك في الجزء الأول منها الدفع بأن الجهود التي يبذلها "لوبي هندي" جيد التمويل ويتمتع بحرفية متزايدة في الكونجرس كانت حاسمة في دفع أعضاء الكونجرس لتأييد الاتفاقية. ويتضمن الجزء الثاني مراجعة موجزة للأدبيات المتعلقة بجماعات الضغط الإثنية والسياسة الخارجية الأمريكية. أما الجزء الثالث فيضع العلاقة بين الولايات المتحدة والهند في سياقها التاريخي الأعم وسياقها الاستراتيجي المتغير. ويتتبع الجزء الرابع تطور الجالية الهندية الأمريكية وأنماط تنظيمها واتصالها والفاعلية السياسية. ويبين الجزء الخامس أن أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين قد شهدت نشاطاً سياسياً متزايداً للجالية، وإرساء الأسس لنفوذ في الكونجرس من خلال "مؤتمرات حزبية هندية" في مجلسي النواب والشيوخ. أما الجزء السادس فيبين كيف أن الهنود الأمريكيين قد نظموا صفوفهم وحشدوا الدعم لمسودة تشريع الاتفاقية بقوة ومهارة يسوغان للجالية أن تدعي أنها قد "وجهت" أغلب الأصوات لمصلحتها. ويلخص الجزء السابع النتائج، ويرصد بعض التحديات المستقبلية التي تواجه "اللوبي الهندي" الجديد.
فبعد فترة طويلة من الجفوة والنفور بين الهند والولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب الباردة وجزء كبير من تسعينيات القرن الماضي، تسعى الآن أقوى ديمقراطيات العالم وأكثرها سكاناً لإقامة "شراكة استراتيجية" تشمل العلاقات الاقتصادية التي تزداد عمقاً، والتمرينات العسكرية المشتركة غير المسبوقة، وعقد اتفاقية نووية ثنائية استثنائية مؤخراً، تتيح الفرصة لقبول الهند بصورة فعالة؛ بوصفها قوة نووية خارج نطاق معاهدة منع الانتشار النووي، وتسمح بتبادل تجاري نووي كان محظوراً في السابق بموجب معاهدة منع الانتشار النووي وقوانين التصدير الأمريكية.
وهذه الاتفاقية، التي أعلنها أولاً رئيس الوزراء الهندي منموهان سنج والرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في أثناء زيارتين رسميتين متبادلتين في تموز/يوليو 2005 وآذار/مارس 2006، ينظر إليها لدى كلتا القيادتين على أنها أهم خطوة حتى الآن في "الشراكة الاستراتيجية" الناشئة بين البلدين. وتعد الصفقة أيضاً مثيرة للجدل بشدة، حيث يراها النقاد خروجاً جوهرياً على معايير منع الانتشار النووي التي مضى عليها عقود من الزمن، وواجهت معارضة قوية من الجماعة المختصة في منع الانتشار النووي بواشنطن.
ومع ذلك فقد سجل مجلسا النواب والشيوخ الأمريكيان في التصويت على اعتماد الاتفاقية (وهو المطلوب بموجب قانون المعاهدات والصادرات الأمريكي) تأييداً كبيراً للصفقة (في تموز/يوليو وتشرين الثاني/نوفمبر 2006 على التوالي). لقد قرب هذا، المبادرة الرئاسية خطوة نحو اعتمادها كسياسة (ما تزال جوانب من الصفقة بانتظار اعتمادها لدى مجموعة الموردين النوويين الدولية، ويتعين على الحكومة الهندية أن تولي سياستها الداخلية المثيرة للنزاع عنايتها). لقد كانت الموافقة المدوية في الكونجرس مفاجئة؛ لا بسبب المخاوف من الانتشار، التي أثارها الخصوم فحسب، وإنما بسبب توقيت إقرار مشروع القانون؛ وهو الانتخابات النصفية للولايات، مبادرةً من رئيس تتدنى شعبيته على نحو متزايد آنذاك، وهو الرئيس جورج بوش.
تحاول هذه الدراسة في الجزء الأول منها الدفع بأن جماعات المواطنين الهنود - الأمريكيين في الولايات المتحدة الأمريكية، والجهود التي يبذلها "لوبي هندي" جيد التمويل ويتمتع بحرفية متزايدة في الكونجرس، كانت حاسمة في دفع أعضاء الكونجرس لتأييد الاتفاقية. أضف إلى ذلك أن هذا الحدث يمكن أن يمثل تعزيزاً لوجود "لوبي هندي"، وينذر ببروز هذه الجماعة؛ بوصفها إحدى أهم الجاليات الإثنية التي تسعى للتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين. وتركز الأدبيات العلمية الحالية الخاصة بجماعات الضغط الإثنية والسياسة الخارجية الأمريكية على جاليات مثل الأمريكيين من أصول يهودية وكوبية (كان "اللوبي الإسرائيلي" بصورة خاصة موضوعاً لحوارات مثيرة حدثت مؤخراً)، ولكن الأمريكيين من أصول هندية يكتسبون الشهرة بسرعة أيضاً، وثمة إمكانية أن تكون لذلك مضاعفات على السياسة الأمريكية في منطقة جنوب آسيا وما وراءها.
يتضمن الجزء الثاني من الدراسة مراجعة موجزة للأدبيات المتعلقة بجماعات الضغط الإثنية والسياسة الخارجية الأمريكية. أما الجزء الثالث فيضع العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند في سياقها التاريخي الأعم وسياقها الاستراتيجي المتغيرين، كما يوضح أن الهنود الأمريكيين بعيدون عن العامل الوحيد الذي يقرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند. وقد كانت المبادرة الرئاسية بصورة خاصة حاسمة، علماً أنها هي ذاتها ينظر إليها على أنها استجابة لظروف استراتيجية متغيرة (مثل نهاية الحرب الباردة، وتصاعد القوة الصينية). ويتتبع الجزء الرابع تطور الجالية الهندية الأمريكية وأنماط تنظيمها واتصالها والفاعلية السياسية، ولاسيما في الفترة التي تلت صدور قانون الهجرة والجنسية عام 1965، الذي زاد كثيراً الفرصَ المتاحة أمام الهجرة الهندية إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من أن بعض صفات الجالية ينسجم والتوقعات العامة حول فاعلية جماعات الضغط الإثنية (يحصل الهنود الأمريكيون عموماً على دخول أسرية أعلى من المتوسط مثلاً، وهم مركزون جغرافياً في دوائر انتخابية محددة)، فإن هناك صفات أخرى يبدو أنها تقف عائقاً أمام التأثير في السياسات. وعلى سبيل المثال، فإن مؤسسات الجالية حتى وقت قريب كانت مجزأة جداً، وفق أسس حرفية أو لغوية - ثقافية. ومع ذلك، كما يبين الجزء الخامس، فإن أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين قد شهدت نشاطاً سياسياً متزايداً في الجالية (ولاسيما في أوساط جيل الشباب)، واهتماماً شديداً بصورة خاصة، من حيث تشجيع الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتراف بالهند "بوصفها قوة ناشئة" على الساحة العالمية، وقيام علاقة وثيقة بين البلدين، وإرساء الأسس لنفوذ في الكونجرس من خلال "مؤتمرات حزبية هندية" في مجلسي النواب والشيوخ.
غير أنه تبعاً لكل الأسباب الاستراتيجية الدولية الواسعة للتحول الأخير في العلاقات الأمريكية - الهندية، تبقى ثمة مخاوف مشروعة حول بعض أوجه الشراكة - وليس ذلك إلا الاتفاقية النووية - وهذا يجعل دعم الكونجرس غير مضمون. أما الجزء السادس فيبين كيف أن الهنود الأمريكيين - برغم الخلافات الهائلة - قد نظموا صفوفهم وحشدوا الدعم لمسودة التشريع بقوة ومهارة يسوغان للجالية أن تدعي أنها قد "وجهت" أغلب الأصوات لمصلحتها. ويلخص الجزء السابع النتائج، ويرصد بعض التحديات المستقبلية التي تواجه "اللوبي الهندي" الجديد.
إن الذي نخلص إليه من هذا هو حجة تسوغ الاهتمام بالبيئة الاستراتيجية الخارجية للعلاقات الدولية، والكيفية التي يمكن لهذه البيئة أن "تفتح الأبواب" أمام اتجاهات جديدة في السياسة الخارجية الأمريكية، وعوامل سياسية داخلية أيضاً، يمكن أن تكون حاسمة في دفع السياسة في اتجاه معين. وفي عام 2006، اجتمعت قصتان تاريخيتان: إحداهما تتضمن التعميق المستمر للعلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند منذ عام 1998، والأخرى تتضمن تعزيزاً عاماً للقدرة التنظيمية داخل الجالية الهندية الناشئة في الولايات المتحدة. ولولا هذه القدرة التنظيمية لكان من غير المحتمل أن تتغلب الاتفاقية الهندية الأمريكية - الهندية الجريئة على العقبات التي وضعها الكونجرس عام 2006، ولكن إذا تطلعنا قدماً فإن الصفقة يجب أن تتجاوز المراجعات المثيرة للنزاعات في مستويات تتعدى نطاق "اللوبي الهندي"، بين دول نووية أخرى. وإذا قدر لها أن تنهار فقد يكون ذلك مربكاً للعلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند وللجالية الهندية الأمريكية الملهبة المشاعر، وهي التي قادت هذه الصفقة في الكونجرس الأمريكي.
لقد كانت تعبئة الهنود الأمريكيين العامل الحاسم وراء تأييد الكونجرس الكاسح لاتفاقية بوش- سنج حول التجارة والتعاون النوويين بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند للتخلص من القيود الطويلة الأمد بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي وقانون الصادرات الأمريكي. ولولا الجهود النشيطة "للوبي هندي" حديث الاحتراف في الكونجرس، والاتصالات الشخصية للهنود الأمريكيين بالمشرعين والأعضاء، والحملات الإعلامية والمطالبات من قبل القاعدة الشعبية، لكانت جهود الخصوم - وخاصة بالنسبة إلى جماعة مصالح مشتركة عريقة لمنع الانتشار النووي في واشنطن وأنصارها في الكونجرس - قد قضت عليها.
إذا عدنا بنظرنا إلى الوراء فسنجد أن بناء "اللوبي الهندي" قد استغرق وقتاً طويلاً فالجالية تشترك فيما بينها كثيراً من الصفات الديمغرافية العامة التي ربطها العلماء بفاعلية اللوبي الإثني في نفوذ السياسة الخارجية، ولاسيما الغنى، والتركز الجغرافي. أما تاريخياً فهناك صفات أخرى للجالية الهندية الأمريكية - وخاصة من حيث تقسيمها إلى اتحادات مهنية ضيقة، أو روابط هندية مرتبطة باللغة والمنطقة - كان يمكن أن تعوق عملية التعبئة السياسية المتماسكة. لكن نموذج التنظيم قد تم تطويره مؤخراً ليشمل جماعات سياسية علنية، وقد ربطت تقنيات الاتصالات الحديثة منظمات مجتمعية كانت تقوم في السابق على نظام الخلايا. كما أدى تغير الأجيال إلى ظهور ناشط أصغر سناً يتصف بالثقة بالنفس والاهتمام بمركز الهند العالمي، والذكاء في طرائق السياسة الأمريكية.
مقابل هذه الخلفية، ثمة شيء مهم بوضوح يتعلق بالقضية النووية ذاتها: هناك سبب وراء دفع الجالية إلى العمل في هذه القضية كما لم يحدث من قبل. ويرى كثيرون من أفراد الجالية الهندية أنها قضية ذات أهمية كبرى في العلاقات الأمريكية – الهندية منذ تأييد استقلال الهند قبل ستين عاماً مضت. والواقع أن الجالية قد صاغت القضية - لنفسها كما صاغتها لأعضاء الكونجرس - بوصفها تعادل في الوقت الحاضر كفاح الهند لنيل الحقوق والاعتراف في المجتمع الدولي.
ومن الواضح أن التعبئة غير المسبوقة للجالية من لجنة العمل السياسي الهندي في الولايات المتحدة الأمريكية "يوسينباك" USINPAC نزولاً إلى المستويات المحلية، والاستعداد للانخراط في "سياسة المال" الصريحة مع أعضاء الكونجرس، تدل أن الاتفاقية النووية بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند يمكن أن تكون مؤشراً لتعزيز اللوبي الهندي وازدياد إمكانيات ممارسة نفوذ قوي على السياسة الأمريكية في منطقة جنوب آسيا وما وراءها. ولكن من المحتمل قريباً جداً أن تتم مثل هذه التوقعات بثقة عالية.
وعلى الرغم من مرور اتفاقية بوش- سنج النووية من خلال الكونجرس، فإن المبادرة ماتزال تواجه عقبات ممثلة بحاجتها إلى الموافقة على بند واحد على الأقل لدى الدول "النووية الخمس" الأعضاء في مجموعة الموردين النوويين، ومايزال يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية والهند التوقيع على ما يسمى بـ "الاتفاقية 123" بموجب فقرة من قانون الطاقة الذرية الأمريكي عام 1954. ومن المفارقات أنه منذ الإعلان الأولي للصفقة النووية عام 2005، فإنها أصبحت مثاراً للخلاف داخل الهند؛ حيث لاقت انتقاداً من أعضاء المؤسسة العلمية النووية هناك، ومن أحزاب المعارضة، بل من بعض شركاء رئيس الوزراء سنج في التحالف أيضاً (وخاصة الأحزاب اليسارية التي يبدو أنها تنظر إلى أي تعاون بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية على أنه ممقوت، ولو كان حين يدعم مصالح الهند الاستراتيجية). وقد كان الهنود الأمريكيون من جانبهم أقل اهتماماً نوعاً ما من المسؤولين الهنود بتفصيلات الصفقة، ويظهر عموماً أنهم أكثر رضاءً عن التنازلات الأمريكية التي تمت بالفعل. وإذا ما قدر للصفقة أن تُعرقَل فقد يكون لدى الجالية سبب لخيبة الأمل تجاه نيودلهي كما هو الأمر تجاه واشنطن.
بعبارة أخرى، إن الجالية الهندية الأمريكية التي فعلت الكثير لتنشيط المبادرة خلال أشهرها التي مرت بها في الكونجرس الأمريكي كان يمكن أن تكون في وضع يجعلها محبطة لو أن الاتفاقية انهارت في مستويات أخرى. وكان يمكن أن تكون هذه النتيجة مثبطة للمعنويات ومحبطة، وقد تقوض الإنجازات التنظيمية التي تم إحرازها.
وقد عقدت لجنة يوسينباك قبل ذلك ورش عمل لأجل الهنود في المهجر في دول أعضاء أخرى في مجموعة الموردين النوويين؛ مثل بريطانيا وفرنسا، للعمل على تشجيع تشكيل "لوبيات هندية" موازية في تلك الدول بشأن القضية النووية. ولعل هذا التوسع الجانبي، وإن كان خيالياً، كان يمكن أن ينتهي به الأمر إلى تمييع جهود المجموعة كلما اقتربنا من الهند، أضف إلى ذلك أن مبادرات لجنة يوسينباك المخطط لها مستقبلاً تدل على أهداف طامحة جداً، وبصورة رئيسية تأييد الدعم الأمريكي لاحتلال الهند مقعداً دائماً لها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. والأرجح أن مثل هذه الجهود إن نجحت دوماً فستستغرق سنوات قبل أن تثمر، وقد يصبح من الصعب المحافظة على الاهتمام، والتعبئة، والدعم المالي الحالي لدى الجالية الهندية الأمريكية لأجل حملة طويلة الأمد من هذا القبيل.

التعليقات