تسخين الجبهة السورية ـ العراقية:الاتهام العراقي المفاجئ والمأمور ضد سوريا

تسخين الجبهة السورية ـ العراقية:الاتهام العراقي المفاجئ والمأمور ضد سوريا
من ضحايا التفجيرات الاخيرة في العراق
تسخين الجبهة السورية ـ العراقية

بقلم: سمير عبيد *

علينا جميعا معرفة حقيقة مهمة دبلوماسيا وسياسيا، وهي أن رئيس حركة عدم الانحياز وللدورة الحالية والتي ستستمر لثلاث سنوات هو الرئيس المصري حسني مبارك، وهذا يعطي لمصر ثقلا سياسيا ودوليا لن تغفل عنه الولايات المتحدة وإسرائيل، وستحاول واشنطن وتل أبيب استغلال ذلك وبمساعدة القيادة في مصر ضد إيران وأصدقائها في المنطقة،خصوصا وأن هناك ترتيبات سرية متقدمة بين بغداد من جهة و القاهرة من جهة أخرى، ومن خلال القناة الأميركية لتكون مصر لاعبا قويا في العراق والمنطقة.

ولقد نبه الكاتب وعبر وسيط ثالث أطرافا مهمة في الهرم السياسي والحكومي في العراق، ومن خلال رسالة احتوت على رؤية سياسية، وطالبهم من خلالها بالحذر من التحالفات والمحاور العربية والإقليمية، وعليهم أن يذهبوا بالعراق ليكون بنفس موقع "النمسا" أبان الحرب الباردة بين المعسكر الغربي من جهة و المعسكر الشرقي من جهة أخرى، والتي من خلاله حافظت النمسا على كيانها وشعبها ومستقبلها ومن خلال أتباع سياسة الحياد، ولأنها وقعت جغرافيا كحد فاصل بين المعسكرين الغربي والشرقي ، وهاهو العراق الآن بموقع النمسا أي هو الحد الفاصل بين الترك والفرس، وبين معسكر الممانعة ومعسكر الاعتدال العربيين ، وكذلك بين العرب وإيران ، وهذا بحاجة إلى قيادة عراقية حكيمة وعاقلة ومنتبهة على الدوام، وبإمكانها ومن خلال هذا الموقع الذي فرضته الظروف صنع النجاحات من خلال استغلال جميع الأطراف ولمصلحة العراق، وليس لمصلحة فئات سياسية معينه هدفها الاستحواذ على السلطة، والبقاء فيها لأطول فترة ممكنة ، ومن خلال زج العراق في أتون التحالفات والمحاور الخطرة.

ومن هذا المنطلق اندفعت مصر نحو الملف اللبناني والعراقي لتزاحم إيران وأصدقائها وبشكل تصعيدي، وفي بداية الأمر إعلاميا وأستخباريا ولوجستيا ودبلوماسيا لحين ولادة التحالف الدولي الذي سيكسب الشرعية الدولية هذه المرة ،وكالشرعية التي أكتسبها في عام 1991 حول ملف الكويت، وأن الجهة المقصودة في هذا التحالف هي إيران وأصدقائها في المنطقة ( دول + منظمات وأحزاب) ومن أجل ذلك تحرك الإسرائيليون دبلوماسيا وسياسيا وأستخباريا وإعلاميا، وباشروا بالزيارات المكوكية "العلنية والسرية" نحو جميع العواصم المهمة في العالم من أجل بلورة تحالف دولي ضد إيران وأصدقائها، والتي سيسبقها هندسة جبهة عريضة في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وتكون مساندة لأي خطوات مقبلة ضد إيران وسوريا وحزب الله وحركة حماس وبعض الأطراف التابعة أو الصديقة لإيران في المنطقة ، وهناك أموالا عربية خرافية قد وضعت في خدمة هذه التحركات السرية والعلنيّة!!.


دمشق والغزل الأميركي.. والابتسامة العربية الزائفة..!

نعود ونؤكد أن التحركات الأميركية على دمشق ليست عن قناعة بل هي غزل كاذب، وكنا نراقب ونتعجب حول نسبة التفاؤل التي أبدتها بعض الأطراف السورية، فعلى الجميع عدم نسيان تقسيم المنطقة التي أشرفت عليه أدارة الرئيس بوش، وعندما وضعت في بادئ الأمر سوريا إلى جانب محور الشر الذي ضم ( أفغانستان والعراق وإيران) وحينها أنتبه وزير الخارجية الأميركي السابق الجنرال " كولن باول" ونبه الإدارة عن خطأ استراتيجي خطير، وربما سيقلب الرأي الإسلامي ضد الولايات المتحدة عندما يجد بأن جميع دول محور الشر هي "إسلامية" حينها اقترحوا وضع كوريا بدلا عن سوريا مؤقتا، كمحور من محاور الشر!!.

وهذا يعني أن سوريا في قلب أجندة جماعات الضغط الأميركي " اللوبي" أي في قلب مشروع الفوضى الخلاقة " العمياء" ولكن هناك إسرائيل التي تؤجل فيها خوفا من انهيار حدودها مع سوريا، وخوفا من أن تغرق في الفوضى نفسها ، لهذا تحاول شق العرب أولا، وها هي نجحت في ذلك تقريبا، ومن ثم جذب عواصم وأنظمة إسلامية مساندة لخطة السلام الجماعية " سلة السلام الواحدة" والتي من أجلها سافر الملك الأردني عبد الله الثاني إلى واشنطن، وأجتمع مع الرئيس أوباما .

ولكن أدارة أبوما حاولت خلق أو صنع ثغرات إيجابية في الخطط الأميركية ضد سوريا، وكذلك حاول الرئيس أوباما الحصول على بعض التنازلات من سوريا مقابل تحسين الخطط الموضوعة ضدها منذ أدارة الرئيس بوش، ولكن الجانب السوري تنازل ببعض الملفات التي لا تؤثر على الأمن القومي السوري، وتشدد ضد موضوع التحديث في سوريا ضمن الأجندة الأميركية، ورفض بحث ملف الجيش السوري الذي يُقلق إسرائيل والمحافظون الجُدد، ورفض التدخل في شؤون المطار ونقاط الحدود ، علما أن الجانب السوري وافق على الدوريات المشتركة عند الحدود العراقية ـ السورية ،ووافق على التنسيق الإستخباري ، ووافق على المشاركة في الحرب ضد الإرهاب ، ووافق على إعادة علاقته مع حماس، ولكن كل هذا لم يقتنع به الجانب الأميركي، وخصوصا الوفد العسكري الذي زار دمشق أخيرا، ولأن الهدف الرئيسي غير ذلك تماما ،بل هو تغيير الأوضاع في سوريا لصالح مشروع الشرق الأوسط الكبير!!.

وحتى أن التقارب بين بعض عواصم " جبهة الاعتدال" العربي والعاصمة دمشق كان تحت شعار "الابتسامات الزائفة" وقد تحركت تلك العواصم العربية بأوامر أميركية لتعطي قوة للتحرك الأميركي نحو دمشق، وتسبغه بالمصداقية والجدية الزائفتين ، ويبدو أن السوريين كانوا يعرفون ذلك، فتصرفوا مع تلك العواصم بحذر شديد ، وعندما شعرت الولايات المتحدة بالحرج اتجاه الصمود السوري ، لا بل اتجاه الرد السوري العنيف عندما قرر الرئيس بشار الأسد زيارة طهران وتهنئة الرئيس نجاد، وانتقاده الشديد للتدخل الغربي في شؤون الدول وإيران ، وكانت رسالة قوية إلى واشنطن بالدرجة الأولى، فجاء الرد من العراق ضد سوريا ، وهو الرد الذي ستتبعه تبعات قانونية ودبلوماسية ومن خلال ملف" مفبرك" و كان جاهزا ضد دمشق ،ولكنه كان ينتظر التوقيت فقط.


الاتهام العراقي المفاجئ و" المأمور" ضد سوريا....!

لقد خفف السوريون على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي أضطر على اتهام دمشق، وأضطر على سحب السفير العراقي من دمشق، وعندما قالها السوريون وعلنا " أن وراء ذلك ضغوطات خارجية" وهذه هي الحقيقة، خصوصا وأن المالكي في وضع حرج للغاية بعد أن تكالب عليه الخصوم، وتزامن هذا مع التفجيرات الإرهابية الدامية التي ضربت بغداد في يوم الأربعاء "الدامي" بتاريخ 19 أغسطس 2009 .

فالأتهمات الأولى التي صدرت من أطراف سياسية في بغداد حول الجهة التي هي وراء التفجيرات الدامية كانت ضد دولة عربية بعينها، وليست سوريا، وحتى أن المالكي وعندما علق على موضوع الإنفجارات حاول أبعاد التهمة عن تلك الدولة وعن سوريا عندما قال " أن وراء هذه التفجيرات جهات سياسية متصارعة.. وتحالف البعث مع التكفيريين" وكان يقصد البعث العراقي، ولكن الجهة التي اتهمت تلك الدولة العربية المجاورة للعراق غيرت اتهاماتها ووجهتها ضد دمشق، وعلى لسان جبهة أصبحت جزء من الائتلاف العراقي الجديد، وفجأة تغيرت جميع الملامح السياسية، فاجتمعت الاتهامات ضد سوريا وسط صدمة معظم المراقبين والمحللين وبمقدمتهم الشعب العراقي، وعُرف أن وراء ذلك ضغوطات أميركية!.

بل حتى أن السيد المالكي أضطر أن يقول القول الذي أراده الكبار في العراق، والذين يحتلون العراق ويٌسيرون العملية السياسية فيه ، علما أن طبيعة وضخامة الانفجار، وموقع المنطقة المحصن و الذي حدث فيها الانفجار لا تتلائم ولا حتى بنسبة 5% مع إمكانيات البعثيين ، ولكن الهدف كان واضحا ،وهو نسف الاتفاق الإستراتيجي الذي وقعه المالكي مع القيادة السورية ، و تسخين الجبهة السورية ـ العراقية لكي تضطر دمشق إلى تقديم التنازلات للأميركيين والإسرائيليين في ملفات إستراتيجية، وأهمها الملف الإيراني، والعراقي، واللبناني ، وملف السلام مع إسرائيل ، وموضوع الملفات الداخلية في سوريا.

ولقد جاءت التفجيرات بعد سويعات على إعلان "الاتفاق الإستراتيجي" بين العراق وسوريا ، وكانت عبارة عن رسالة قوية إلى المالكي والقيادة السورية بأن العراق والسوق العراقية محرمان على سوريا ولصالح جهات عربية أخرى.

وجاءت التفجيرات أيضا كرد على قمة "نجاد ـ الأسد" وخصوصا عندما نشرت بعض التقارير الغربية بأن لدى الرئيس السوري بشار الأسد نيّة للعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن ، وهذا يعني نسف الخطط الإسرائيلية التي خلقت من إيران المارد والطوفان القادم والمدمر نحو المنطقة العربية والعالم ،لكي يتم ضرب إيران وتحجيمها لتنفرد إسرائيل بقيادة المنطقة ومن الهند حتى بيروت ومرورا بالعراق!!.

وكل هذا لأن السوريين لم يفتحوا حقائبهم للأميركيين، وخصوصا للعسكريين الكبار الذي زاروا دمشق أخيرا ، والذين اعتبروا الاتفاق الإستراتيجي بين " دمشق وبغداد" بمثابة هدية للسوريين مقابل تعنتهم، وهذا لا يجوز من وجهة نظر الأميركان، فقرروا نسفه وقبل أن يجف حبره، وعندما حصلت المساومة مع المالكي أضطر الرجل للدفاع عن مصالحه المرتبطة بالجانب الأميركي ،فأعلن البراءة من الاتفاق الإستراتيجي، ومن خلال تصعيد الأزمة الأخيرة، والتي ورائها تداعيات قانونية ودبلوماسية ضد دمشق، والهدف هو الحرب النفسية والدبلوماسية ضدها لحين تقديم التنازلات المطلوبة.

ولم يكن التصعيد ضد دمشق من جهة العراق فقط، بل أن هناك عملية تصعيد ناعمة ضدها أيضا في بيروت ، أي أن هناك عملية تسويف في تشكيل الحكومة اللبنانية، وبدعم من واشنطن وبعض العواصم العربية التي لا تريد إشراك حزب الله وأصدقاء سوريا في الحكومة، ولهذا أعطوا أوامرهم للسيد الحريري الابن بالمماطلة و التسويف والحرب النفسية ، ولكن المعلومات المتوفرة تؤكد بأن هناك ملفات خطيرة وجنائية ستثار من " القاهرة ولاهاي ونيويورك " ضد حزب الله، والهدف منعه من المشاركة في الحكومة ، ومن ثم محاولة حصره في صندوق مقفل، ومنعه من التواصل مع دمشق وطهران ، وكل هذا هو مجرد خطوات تصعيدية للمنازلة الكبرى التي ستكون ضد إيران وأصدقائها في المنطقة " دول ومنظمات" ولكن حزب الله منتبه، ولهذا أعطى الضوء الأخضر للجنرال عون ليكون هو الصوت المدافع عن حقوق حزب الله، لكي لا يعطي الحزب فرصة للأميركيين وأصدقائهم العرب من تسجيل الأهداف ضد حزب الله.

ورطة بغداد وتقاعسها عن ملفات خطرة..!

ولكن الورطة التي وقعت بها الحكومة العراقية عندما أعلن ما يسمى بتنظيم " الدولة الإسلامية في العراق" مسؤوليته عن أنفجارات الأربعاء الدامي، وهذا بحد ذاته يُبرىء الجانب السوري، ويرفع الهالة الجبارة التي أعطتها الحكومة للبعثيين على أنهم وراء التفجيرات الدموية، ويُفترض بكل محلل ومراقب أن لا يستثني اللاعب القوي والمؤثر في العراق والمنطقة ،والذي يمتلك كافة الإمكانيات الهائلة وهو المحتل الأميركي، وعلينا بهذه المناسبة التذكير بما قاله المحلل السياسي الأميركي " وين ماديسون" والذي يكتب عمودا في صحف " ميامي هيرالد، وهيوستن كرونيكل، وفيلادلفيا أنكوايرر، ومواقع أميركية مهمة" وعندما قال:

" أن الولايات المتحدة استوردت المتمردين الأفغان لمصلحة القاعدة في العراق " وقال " علمت من مصادر أستخبارية خدمت عام 2007 في قاعدة "طليل" الجوية في العراق ،والمعروفة لدى الجيش الأميركي باسم "Camp Adder" والتي كانت تسمى بقاعدة الأمام علي الجوية واحتلتها القوة الجوية الأميركية في وقت مبكر وهي في الناصرية، أن أجهزة المخابرات الأميركية استوردت "مرتزقة أفغان" لدخول العراق بهدف مهاجمة المدنيين، وأفراد الجيش والشرطة العراقيين ، وكذلك مهاجمة قوات التحالف، بضمنها جنود الجيش الأميركي.. ولقد جند هؤلاء من قبل زعماء في طالبان، ودفعت لهم مبالغ ضخمة كنتيجة لخدماتهم في العراق"

فلماذا لا يتم البحث عن هؤلاء وعلاقتهم في الإنفجارات التي تحدث في العراق، وكذلك لماذا لا يتم الحديث عن 90 ألف مرتزق يصول ويجول في العراق، وجاءوا لغرض القيام بحمامات الدم، ويمتلكون الطائرات والدبابات والمدافع المختلفة، وفوق كل هذا يمتلكون الحصانة التي تحميهم من المسائلة ، بل أن هناك جهات أميركية تمتلك تقنيات التعامل عبر الأقمار الاصطناعية في العراق، وبإمكانها شل جميع الأجهزة في العراق، وبمقدمتها تقنيات الفحص والتفتيش!!!.

كيف يخرج المالكي من الورطة..!

هل لدى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الثقة بالجانب الأميركي والجانب العربي الذي ُيناكف دمشق، بأنهما سوف يدعمانه لولاية ثانية مقابل الاشتراك في السيناريوهات الأميركية ضد إيران ودمشق، وأصدقائهما في المنطقة؟

فالحقيقة نحن لا نعتقد أن المالكي يمتلك هذا الضمان ، وهو الذي يُنظر إليه من قبل العواصم العربية التي تناكف طهران ودمشق بأنه الزعيم الطائفي والموالي لإيران ، وبالتالي ليست هناك ضمانات، بل العكس هو الصحيح، خصوصا وأن المالكي نفسه قد صرّح بأن هناك أطرافا عربية تضخ بملايين الدولارات لتغيير نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة ، ولصالح جهات معينة وبعيدة جدا عن المالكي والأطراف السياسية المهيمنة على صنع القرار.

ومن هنا تبرز ملامح لعودة نوري المالكي نحو الائتلاف الوطني العراقي الجديد لكي لا يكون كبش الفداء في مغامرات ليست محسوبة ولصالح واشنطن وبعض العواصم العربية التي تناكف طهران ودمشق ، ولكن هل سيلحق المالكي من إنقاذ نفسه وحزبه وهو الذي أعطى الضوء الأخضر للمصريين ليدخلوا العراق بقوة وبدعم أميركي؟

لهذا فعندما يُقرر المالكي العودة للائتلاف الجديد سوف تضطر الولايات المتحدة والعواصم العربية المذكورة لاختيار أطراف أخرى ، ولكنها لن تتمكن لضيق الوقت، ولهذا ربما ستؤجل الانتخابات البرلمانية في العراق ،وبالتالي ستلجأ الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التصعيد الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي المتشدّد ضد طهران ودمشق ، وربما سيخرج العراق من مغامرات غير محسوبة!!.

كاتب ومحلل سياسي عراقي
26 ـ8 – 2009

التعليقات