هذه فتح التي نعرفها

هذه فتح التي نعرفها

د. محمد المصري

- بيت لحم احتضنت المؤتمر السادس الناجح بكل المقاييس لحركة فتح، كما احتضنت السيد المسيح عليه السلام وأمه مريم، فبيت لحم مهد السيد المسيح تعيش مع الناس ومنهم، فهي تعيش معهم من خلال احتضانها لقباب ومآذن الكنس والمساجد، ففيها يتوحد الفلسطيني مع الفلسطيني بكل أطيافه ومعتقداته بتسامح ومحبة.
- بيت لحم تستقبل الآلاف من الناس يومياً ففيها بنية تحتية مهيأة ومجهزة لاستقبال الوفود بشوارعها وفنادقها، زيارات سياحية ودينية وتجارية، بيت لحم وأهلها الكرام تعودوا على احتضان الناس وإكرامهم وتضييفهم بمحبة ورحابة صدر، برغم ما قد أثقل عليهم المؤتمر من إجراءات أمنية تمليها الضرورة، احتضنوا المؤتمر وكانوا مستعدين لتحمل الأعباء شرط أن ينجح المؤتمر بجلساته وقراراته وبسبب هذه المواصفات التلحمية الرائعة كان صوابية اختيار المكان المناسب لعقد المؤتمر، فهي الخطوة الأولى للسيد الرئيس على طريق إنجاح المؤتمر، خطوة بشرت بنجاح المؤتمر، فكما كان التلحميون مستعدين لتفهم الإجراءات وأعبائها وثقلها كان معهم الفلسطينيون في كل مكان بعيونهم الشاخصة لبيت لحم وأذانهم وأفئدتهم المتعلقة والمتشوقة لسماع الأخبار الجيدة والمفرحة بما سيتمخض عنه المؤتمر من مقررات ونتائج.
- وعقد المؤتمر بعد عشرين عاماً بما حملته هذه السنين من مشاكل وخلافات وأعباء أثقلت كاهل الحركة ومنتسبيها من قادة وكوادر وعناصر ومناصرين سجلت كانتصار يضاف إلى انتصارات السيد الرئيس خلال مسيرته النضالية الطويلة والتي تمتد مع عمر الثورة الفلسطينية وتضحيات شعبنا الفلسطيني، انتصاراً للرئيس لما بذله من جهد وما أبداه من تصميم وحرص وعلى ثقته العالية بدور فتح وضرورة استنهاضها والعودة بها إلى سكة القيادة للمشروع الوطني، أمام قناعاته وثقته بدور فتح وضع التصورات والخطط وبذل كل الجهود ليرى هذا المؤتمر النور لتنجح فتح وتنجح القضية الوطنية متخطياً كل الصعاب وكل العراقيل التي وضعت أمام عقده سواء أكانت من الأعداء أو الخصوم أو حتى من بعض الأخوة.
- إن نجاح المؤتمر بجلساته ونقاشاته ومخرجاته اعتبر علامة بارزة ومؤشر واضح على بداية المشوار نحو استعادة فتح لدورها ومكانتها ورياديتها لقيادة المشروع الوطني الذي بدا أنه يتهاوى أمام حالة الضعف الفتحاوي والوضع الفلسطيني المنقسم وصلف وتعنت الاحتلال واجراءته اليومية في القدس والضفة الغربية وغزة.
- لقد فتح المؤتمر كل الملفات الساخنة وتوقف المؤتمرون عندها بكل موضوعية وعمق، ورافق هذا النقاش السخونة والاختلاف أحياناً، والهدوء والتروي أحياناً أخرى، فالملفات مهمة وساخنة وضروي نقاشها والتعمق فيها، بغية وضع الحلول والتصورات، فالقفز عنها يعني العودة للمربع الأول مربع الترهل والتراجع والعشوائية وهذا ما حذر منه السيد الرئيس الذي أكد أن المؤتمر سيد نفسه فهو المكان المناسب لطرح القضايا ونقاشها والخروج بتصورات حولها ولعب السيد الرئيس دور المايسترو الذي يتحكم بكل مجريات الأمور، فكانت مقترحاته وملاحظاته وتصوراته الفيصل لحل أي عقده أو مشكلة لتبقى جلسات المؤتمر سيمفونية رائعة تنال الإعجاب والتصفيق الحار.
- لقد جاء أعضاء المؤتمر الوافدين من كل الساحات من مشارق الأرض ومغاربها حاملين هموم فتح والوطن جاءوا ولديهم ما يقولوه ولديهم ما يقترحوه ويناقشوه، انطلاقاً من فهمهم لظروف الحركة السيئة ومشاكلها التي باتت تهدد وجودها ووحدتها، فكانت الجدية سمة المؤتمر الأساسية والتفاني والإخلاص في العمل السمة الأخرى، وتغليب المصلحة الفتحاوية والوطنية السمة الأبرز، فالوضع يستحق ذلك وإلا فان الخيار الأخر التفتت والانقسام والسقوط.
- أثناء الجلسات العامة وداخل اللجان التي تم فرزها طرحت المواضيع ونوقشت ووضعت التصورات والخطوط العامة لتعبيد طريق الحركة المستقبلي، فلقد تضمنت الوثائق السياسية والتنظيمية وغيرها العناوين الكبيرة والصغيرة وتوقفت أمام الماضي بتداعياته واستشراف المستقبل بما قد يحمله من هموم وصعاب تتطلب همة عالية من النشاط والعمل الدؤوب والتفاني والإخلاص لإنقاذ الحركة والمشروع الوطني، فلقد كان مؤتمراً هاماً وناجحاً بكل المقاييس.
- مثل المؤتمر بكل ملفاته ومخرجاته و آلية ادراته محطة هامة من محطات الديمقراطية الفتحاوية والتي من المفترض أن تصبح مثالاً يحتذى به فلسطينياً وعربياً وعالمياً، ففلسطينياً ضربت الديمقراطية الفتحاوية مثالاً رائعاً للنقاش وطرح المواضيع والانتخابات وفرز القيادات وإعادة البناء التنظيمي والخروج من المشاكل ووضع الحلول لها.
- وأثبتت فتح بمؤتمرها أنها صاحبة المشروع الوطني الفلسطيني وحاضنته وحاميته، من خلال تناول المواضيع الوطنية الكبرى وذلك من خلال تقييم تجربة المفاوضات السياسية والتوقف أمامها بعمق وتأكيدها على الربط بين المفاوضات والمقاومة، وأعطت هذا الموضوع الأهمية الكبرى كونه موضوع الوطن ومستقبل القضية الوطنية وتعالت فتح على القضايا الصغيرة الداخلية، فلقد اشتد النقاش في هذه المواضيع الكبيرة وحولها حيث كانت المحطة الأهم في المؤتمر، فكانت القرارات بمستوى الأحداث وأهميتها.
- جاءت وثائق المؤتمر وخاصة السياسية منها تتناسب مع الإستراتيجية العامة لحركة فتح حول أهمية المفاوضات لانتزاع الحقوق الوطنية وبذات الوقت التأكيد على حق المقاومة، وتناولت الوثيقة الأدوات والآليات الجديدة من خلال تقييم المرحلة السابقة لعملية التفاوض وسلبياتها والتي أرخت بظلالها على الحركة ومواقفها السياسية وتحملت أعباء هذا الملف شعبياً ووطنياً.
- إن مخرجات المؤتمر وما تمخض عنها من الوثائق المختلفة والتي تناولت كل القضايا المصيرية والهامة، تتوجت بانتخابات للهيئات القيادية " اللجنة المركزية والمجلس الثوري "، من خلال الانتخابات الحرة في الترشيح والتصويت، وتجاوز العقبات التي أرادت حماس وضعها لعرقلة العملية الديمقراطية من خلال حرمان أعضاء المؤتمر من غزة ومنعهم من التصويت.
- إجراء الانتخابات وترشيح الكثيرين لشغل مواقع في اللجنة المركزية والمجلس الثوري، أعطى انطباعاً للهامش الواسع للحياة الديمقراطية داخل الحركة، فلقد تساوى الجميع بما لهم من حقوق وعليهم من واجبات، الترشح والتصويت كان مثاراً للتكهنات والتوقعات الايجابية منها والسلبية، وربما كان الملف الأكثر حضوراً عند شرائح كثيرة من المجتمع الفلسطيني وعند المراقبين ولدى الأصدقاء السياسيين كما عند الخصوم، ولدى دوائر صنع القرار لبلدان الإقليم والمجتمع الدولي، فالنتائج ليست ملكاً لحركة فتح، فهي حتماً سوف تعطي مؤشرات كبيرة حول موقف الحركة من الملفات الوطنية والإقليمية والدولية.
- القيادات التي أفرزتها الانتخابات للجنة المركزية كما أعلن عنها تعتبر توليفة تعكس الصورة الحقيقة لبنية فتح التنظيمية والسياسية وحتى الأيدلوجية، فلقد مثلت القائمة كل التوجهات والآراء والاصطفافات في الحركة، فهي لجنة مركزية تعكس حالة وبنية حركة فتح بطريقة تكاد تكون دقيقة، فلقد تمثل باللجنة المركزية الأجيال المؤسسة والوسطي والشابة، وتمثلت فيها الجغرافيا والمهنية والكفاءات والتجربة النضالية والأمنية والشتات.
- نتائج الانتخابات للجنة المركزية أبرزت بوضوح نجاح أعضاء من ذوي الخلفيات الأمنية وهم أكثر من غيرهم وهذا يدلل على أن أعضاء المؤتمر أرادوا توجيه رسالة مفادها بأن الحركة بحاجة إلى قادة أقوياء ولديهم قدرات على الضبط والعمل للمرحلة القادمة بما تحمله من ملفات هامة ومعقدة.
- اللجنة المركزية الجديدة من المرجح أن تعمل مع الرئيس بطريقة مغايرة عن سابقتها التي كانت تعتمد المناكفة والاختلاف، فجل أعضاء اللجنة الجديدة هم ممن عملوا مع الرئيس في مواقع مختلفة وكانوا من المقربين منه والمنسجمين مع توجهاته.
- إن التنوع والاختلاف بين أعضاء اللجنة المركزية قد يبدو أنه سيتسبب في وجود خلافات وتناقضات وصراعات داخلية، لكن الحقيقة والمنطق أن هذا التنوع سيعكس حالة من النشاط والهمة العالية وسيثري النقاشات حول المواضيع المختلفة، وسيساهم في الحفاظ على التوازن داخل صفوف الحركة في كل مستوياتها التنظيمية القاعدية والقيادية.
- أهم المواضيع المطروحة أمام أعمال اللجنة المركزية الجديدة إعادة اللحمة لشقي الوطن وتوحيد النظام السياسي الفلسطيني من خلال الحوار الوطني الفلسطيني والابتعاد عن ردات الفعل وطي صفحة المناكفات والاحتراب الإعلامي والسياسي، وذلك لايلاء القضايا الوطنية كالاستيطان والجدار والقدس واللاجئين حقها من الاهتمام والنضال الوطني.
- والاهتمام بمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال الشروع الفوري في إعادة بنائها وتنشيط مؤسساتها وإعادة الاعتبار لما تمثله من هوية وطنية وسياسية معنوية للشعب الفلسطيني، وكذلك إعادة صياغة جديدة للعلاقات الوطنية الفلسطينية الداخلية بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس من الشراكة والتفاهم والأخوة، وهذا يتطلب من الفصائل الوطنية أن تساهم بدورها وتقوم بخطوات عمليه لتشارك فتح في صياغة هذه العلاقات الوطنية، فلا يكفي الانتظار لما ستقوم به القيادة الفتحاوية الجديدة، فإذا كانت القيادة الفتحاوية تتحمل مسؤولية وطنية بهذا الاتجاه فعلى الفصائل الأخرى ذات المسؤولية وعليهم أن يلتقطوا نجاح المؤتمر والتنسيق مع القيادة الجديدة التي ستكون أقوى من سابقتها في قدرتها على اتخاذ القرارات الوطنية.
- انتهاء أعمال المؤتمر السادس لحركة فتح وما مثله من أهمية فتحاوية ووطنية سيكون الخطوة الأولى نحو عودة فتح وانطلاقها من جديد لقيادة المشروع الوطني الفلسطيني والتصدي للتحديات الماثلة أمام هذه المشروع، فلقد كان المؤتمر كبيراً بنجاحه وملفاته وقراراته مما جعل منه محط الاهتمام محلياً وإقليمياً ودولياً، المؤتمر كبيراً برئيسه الذي تعالى عن الصغائر عندما وجه كلماته الأخوية إلى فاروق القدومي ليعود عن خطأه ويعود لحضن فتح ليبقى محافظاً على مسيرته وتاريخه، فخوف الرئيس على القدومي عبر عن هامش التسامح والأخوية الكبيرة لديه وقدرته على التعالي على الصغائر، وهذه ليست غريبة عن حركة فتح وقيادتها، وهذه هي فتح التي نعرفها.

التعليقات