هل يقبل الشاعر والمثقف الليبي المشاركة في مهرجان تشارك فيه إسرائيل؟

هل يقبل الشاعر والمثقف الليبي المشاركة في مهرجان تشارك فيه إسرائيل؟
طرابلس-دنيا الوطن-غيداء التواتي
لاشك إن المتتبع للوضع العام، لكل محاولات إسرائيل للتطبيع مع الدول العربية التي لا تقيم علاقات معها، ليس بخافية على كل ذي بصيرة ، وتوالت هذه المحاولات عبر تاريخ طويل إما بمحاولة التطبيع الاقتصادي بتصدير بضائع ذات منشأ إسرائيلي، وإغراق الأسواق العربية بها،مرورا بمحاولة التطبيع الثقافي التي تعتبر من أخطر أنواع التطبيع ، حيث تستهدف الفئة الأهم في البلدان العربية والإسلامية الفئات المثقفة ،والتي يستمع إليها عامة الشعب ويوليها احتراما وتقديرا.
ولربما يذكرنا هذا بمحاولة التطبيع الاقتصادي، الذي حاولت إسرائيل بها ضم باقي الدول التي لاتعترف بوجودها تحت جناحها ،وضمها لمعسكر أصدقاء إسرائيل ، بغطاء ومسمى (الإتحاد من أجل المتوسط)،ولاشك إن موقف ليبيا من هذا الإتحاد كان قويا، ورافضا لكل محاولات الجلوس مع إسرائيل في أي نوع من هذه التجمعات والنشاطات، وقوفا وإيمانا بقضية شعب يعاني منذ 1948 ولا يمكن بأي حال قبول الجلوس أو المشاركة في فعاليات تشارك فيها أي دولة تحتل دولة ، وتنكل بشعب حتى لو كان هذا الشعب في أقاصي الأرض ،ولا تربطنا به أي صلات هذا ما يبدو واضحا في موقف الشارع الليبي إجمالا .
وتوازيا مع الإتحاد من أجل المتوسط الذي سعت له فرنسا وحاولت بكل الطرق الضغط على ليبيا للمشاركة فيه، ومع تنامي حاجة إسرائيل لتأمين أمنها الذي لا تنفك عن البحث عن وسائل لتأمينه،كانت هناك طرق ملتوية لتحقيق أمن إسرائيل ولاشك إن اجتماع مثقف إسرائيلي ومثقف عربي أو مسلم أو أي كان من مناهضي الاحتلال، أمر يستحق أن نقف عنده كثيرا ، ما الذي يمكن أن يفعله هذا المثقف أثناء اجتماعه بذاك الذي يعيش وينتمي لدولة عنصرية وهمجية،وما الذي يجعل هذا المثقف يعيش في فلسطين المحتلة إن كان حقا حسب مزاعمه يناهض الحرب ويدعو للسلام ؟ هنا يكمن السر في مهرجان " لوديف " لربما اسم هذا المهرجان يبدو مألوفا ومعروفا جدا للوسط الثقافي في ليبيا ، وربما لا يشكل اسم المهرجان هذا أي أهمية للبعض،وبسؤالي لبعض المثقفين الليبيين، تفاجأت بعدم معرفة بعضهم بكنه هذا المهرجان ،وبأنهم ليس لديهم علم بمشاركة صهيونية فيه والذي تحتضنه بلدة لوديف هذه البلدة فرنسية تقع على بعد مسافة نصف ساعة تقريبا من مونبيليه ، في الجنوب ،وهذه البلدة لم تكن معروفة من قبل ، بينما كانت معروفة للفرنسيين لأنها تشتهر بصناعة أزياء الجنود ، ومن ثم اشتهرت بعد ذلك بمهرجان الشعر المتوسطي الذي يُدعى إليه، كل من هم يقطنون حوض البحر، ومن لايقطنون حوض البحر (مثل شعراء من سلطنة عمان والإمارات والعراق والعديد من الدول العربية فقط لا تواجدهم مع المهرجان لانهم عرب ) ولا نعرف حقا ما علاقة الإمارات وسلطنة عمان بهذا المهرجان الذي هدفه الرئيسي حسب ما يزعم منظموه هو ( تقوية العلاقات المتوسطية والوصول لعلاقات ثقافية مشتركة)
وتتوقف مظاهر العمل والحركة كلها لصالح الشعر في بلدة لوديف ،وتقام الندوات والأمسيات الشعرية في كل مكان ،على النهر ، في الشارع ، وفي الفنادق والساحات ، حيث يسود الشعر والشعر فقط ،ويجد المثقف العربي نفسه في هذه المعمعة وقد تأبط كتابه ليلقي قصائد الوله والشوق والعتاب، والحرقة بينما تُغتصب الأرض ،ويموت برصاص عدو العرب الآلآف الأطفال والنساء في غزة ورام الله ،ويحاول الصهاينة هدم القدس الشريف لبناء هيكلهم الثالث حسبما يعتقدون.
ولاشك إن الهدف من هذا كله هو وضع، المثقفين العرب في مواجهة الإسرائيليين ومن ثم نقل آراء، وثقافات إسرائيلية للشارع العربي،تمهيدا للتطبيع الشامل الكامل.
ولاشك إن هرع المثقفين العرب لمثل هذه التجمعات هو نابع من تمجيد العرب لكل ما هو غربي،فلن يرفض بالتأكيد أي مثقف دعوة لحضور فعاليات في فرنسا، وبحضور عالمي مكثف ،فهي فرصة لن تتكرر للتعريف بنفسه عالميا.
شاركت ليبيا في هذا المهرجان على مر السنوات الماضية ،ولا نعلم حقا كيف تتم المشاركات في مثل هذا المهرجان وعلى أي أساس تتم المشاركة ؟
في هذه السنة شاركت فعاليات نسائية من ليبيا في مهرجان لوديف للشعر، وحقا لا اعلم بمدى معرفة الشخصيتان اللتان شاركتا بماهية هذا المهرجان؟ وما هي أهدافه وهل لديهما الوعي الكلي بمخاطر هذه المشاركة؟ وماذا عن كل من سبقوهما في المشاركة؟ كل هذه التساؤلات فعلا تحتاج لإجابات، ولم يتسنى لي سوى أخذ رأي بعض المثقفين الليبيين من خارج الوطن وداخله حول رأيهم بالمشاركة في فعاليات تضم مثقفين صهاينة؟
فكان رد الشاعر "عبد الدائم اكواص" قطعيا لا وبدون تعليق منه.
بينما استطرد الشاعر "الحبيب الأمين"قائلا:
هل أستطيع القول أنك واعية بالفارق بين الإلتقاء بمثقفين يهود أو بمثقفين صهاينة.؟ مؤكد انك على وعي بهذا.
ولنقل انك تقصدين صهاينة بكل مالهم وما عليهم من مرجعية، صهيونية منذ مؤتمر بازل وديباجة هرتزل الشهيرة، وما نراه من تطبيقات، عملية للفكر الصهيوني الذي يؤكد المؤرخين والدارسين ترسخ جذوره بأسس ومبادئ الفكر النازي بطبعته الهتلرية، رغم محاولة أتباعه عرض مسرحية معاداته كونه أوقع الأذى بهم عبر تخليد أسطورة المحرقة بالوعي الإنساني بعد أن تحولت إلى معتقد سياسي ،وإلى شبه قسم ولاء يتزاحم الساسة، والمثقفين ورجال الأعمال وحتى الرياضيين في العالم على أدائه تعبيرا منهم على الإخلاص للنسل اليهودي المسكين والعظيم، وحتى صدور قرار الأمم المتحدة منذ سنتين أو ثلاث بشأن تكريس المحرقة كذكرى للألم وتخصيص يوم عالمي لها مأساة.
أما بخصوص المثقفين الصهاينة واللقاء بهم ، بالمطلق مؤكد لا وألف لا ... بالتخصيص كأن نقول أن هناك ندوة أو مؤتمر له غرض وغاية كالحوار لأجل شان ثقافي أو إعلام، وخارج نطاق المبارزة بالمرجعيات، والتشبث بها في عراك لا جدوى ولا فائدة منه ..يمكن الإلتقاء بهم بعلنية وشفافية كأي مثقفين نختلف معهم فكريا،.، أكثر مما نحن عليه من تشظيء وانقسام وفتنة في الرأي والمصلحة .أن تجارب كثيرة ماضية وراهنة فشلت في التلاقي حول مائدة مستديرة للخلوص إلى وثائق تفاهم مجدية وعملية ما يجعلها في أفضل التوصيفات مجرد صالونات للتطبيع ومنابر لكسر حاجز الخشية ،والعار بين المثقفين العرب للزج بهم في غواية التفريط..،ليظل الكاسب الوحيد الجانب الصهيوني الذي سيحرق ورقة المثقف العربي الجسور، والمبدئي أمام جمهوره العربي وهذه معركة أخرى سيخسرها المثقف العربي كما خسرها السياسي العربي على مائدة المفاوضات من كامب ديفيد إلى اوسلو وواى ريفير وكامب ديفيد الثانية .... والخ ... طبعا لا ننسى أن غلاة المثقفين الصهاينة غذوا بفكرهم ومنشوراتهم ونفوذهم بالأوساط السياسية والإعلامية العالمية منابع الفكر المتعصب المحافظ البروتستانتي بأمريكا وأنتج لنا نسخة يانكية هم ما نسميهم ويبسمون أنفسهم بالمحافظين الجدد ولب فكرهم قائم على نصرة اليهود وقادتهم الصهاينة وإقامة الهيكل ودعم الدولة اليهودية بلا حدود، وبلا قيود ولديهم روزنامة أهداف من التواريخ الدينية وأساطير العهد القديم..أمام كل هذه الرؤى يستحيل الوصول إلى لقاء مع صهاينة يدعمون سفك الدماء ويرون في خصومهم من العرب والمسلمين خنازير وصراصير، ويضعون كل الثقل الحضاري العربي والفكر الإسلامي تحت بند الأفكار المعادية للسامية ،والمهددة لكيان اليهود ودولتهم المدعومة بوعد إبراهيم وجند الرب.. وان ما يقومون به سيعجل بتمام التاريخ الأرضي ونهاية الكون بإقامة مملكة أورشليم عقب نزول المسيح لنصرة بني يعقوب. انه سجال الحتميات الثلاث للأديان الأرضية الكبرى، نجح اليهود الصهاينة في زرعه بغضائه بالتيار المسيحي اليهودي وحرفه نحو كيانهم كما هي صورة هرمجدون النمطية بالعقل الجمعي المسيحي المعاصر.. من هنا تبدو الإستحالة باللقاء والالتقاء، أقل فنون الممكن وأفضل صناعات المتاح.
..أنها مخاتلة لا ينبغي التورط بها دون وضع إطارات،واشتراطات لجدواها وعلى أي أسس ستقوم والى ماذا ستفضي وهذه الأسئلة تطرح ذاتها بقوة أيضا ولا تروق للطرف الصهيوني لكي يرحب بها لأنه يريدها بعينه وناطقة بلسانه،ومؤيدة لما في يده ويقف عليه ..
أما الشاعر "عبد الباسط ابوبكر محمد" وعند مواجهته بهذا السؤال استطرد قائلا :
في رائي ان الفكرة المسيطرة على الندوة أو المهرجان هي المهم ، فإذا كان المهرجان يضمر نوعاً من التطبيع الثقافي خصوصاً في أساليب الدعوات وشكلها
الأمر الذي يدعو للشبهة والقلق ، وكذلك أسماء المدعوين وجنسياتهم وكذلك أهداف ومستهدفات المهرجان الباطنة والظاهرة.
فالمثقف العربي لآن هو الخط الأخير الصامد أمام موجة التطبيع مع العدو الصهيوني ،هذا العدو الذي تقف الإنسانية جميعها لتدينه ليس فقط لأنه يحتل أرضاً بل لأنه لا يحترم أقل مبادئ الرحمة والإنسانية
في رائي المثقف هو نقطة الانطلاق للتعرف على فحوى هذه المهرجانات التي تستهدف في باطنها إسقاط صمود الثقافة
خصوصاً في زمن المعلوماتية والفضاءات المفتوحة ،وتوفر المعلومات المختلفة حول اغلب الأنشطة الثقافية العربية والعالمية ، المهم في هذه الأنشطة هو ما تضيفه لنا ، وليس ما تأخذه منا وهذا في نظري سؤال يجب أن يطرح أولاً.

الشاعر "صابر الفيتوري" عبر صراحة على رفضه لأي شكل من أشكال التطبيع وقال : دون مراوغة واستخدام تعبيرات ملتوية للضحك على ذقن الواقع ،علينا أن نرفض أي دعوة من أي جهة تسعي لكسب اعتراف بهذا الجسد الغريب الذي سمي على اسم نبي الله إسرائيل زورا ، لا أخفيك أنني لاحظت عدم معرفة بتواجد بعض المثقفين و الشعراء الليبيين والعرب في بعض الملتقيات والمحافل الدعائية ، وباستعراض بعض أسماء الذين يشاركون في ملتقيات لها الصبغة التطبيعية ، نجدهم غير مؤهلين فكريا للبث في أمور هامة وأساسية على المستوى القومي، ولذا يتم استدراجهم في المشاركة في فعاليات ثقافية تخفي نية صهرهم في محرقة التطبيع مع طابور من طوابير العدو فهم لا يعوا التفاصيل والخفايا.
مثلا شارك في مهرجان ( لوديف) للشعر شعراء ليبيين من هذا الصنف ومنهم من شارك مدفوعا وموهوما بفكرة التعايش بين العرب واليهود بحجة أن هناك اختلاف و فصل بين الصهيونية واليهودية كديانة ، في حين أن الحقيقة تفيد بأن الصهيونية واجهة معتمدة ورسمية لليهودية وهي الناطق باسمها ، طالما لم يتبين خلاف ذلك .
شخصيا الأمر محسوم بالنسبة لي لا لقاء ثقافي مع محتل لجزء من أرضي فانا لست مستعدا للمجازفة بإسمي لأهبه لهم هكذا وأعطي مشروعية للإحتلال والإستيطان الذي لا يملك الشرعية مطلقا ..

الإحتلال الذي لايملك شرعية،بهذه الكلمات اختتم الشاعر صابر الفيتوري تصريحه،وهكذا انهيه ، على المثقف الليبي بوجه الخصوص والعربي بشكل عام أن يعي لكل هذه المحاولات المستميتة من الصهاينة لصهره في بوتقة التطبيع، وبالتأكيد نتمنى أن لا يسقط آخر صف للمقاومة، وهو المثقف الذي نعول عليه كثيرا لمواجهة دولة أقل مايقال عنها إنها إرهابية لما فعلته وتفعله في فلسطين ولبنان ومخيمات اللأجئين التي امطرتها بمجازر تلو الأخرى،ولايسعني في النهاية سوى إن اردد أبيات الشاعر أمل دنقل

لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف

التعليقات