مركز شرطة من الطين بقطاع غزة

مركز شرطة من الطين بقطاع غزة
غزة-دنيا الوطن
يتجول المقاول يوسف أبو أحمد بين عماله متفقداً سير البناء في أول مركز شرطة من الطين في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، في تجربة هي الأولى من نوعها في القطاع.

ويسعى أبو أحمد (47) عاماً لإتمام العمل في المركز الذي بدأ بناءه قبل نحو شهر على أن يتم خلال ثلاثة أشهر، لكنه يتوقع أن يحتاج الأمر قسطاً أكبر من الوقت.

ويعزو تقديراته للمدة المطلوبة إلى أن تجربة بناء بهذا الحجم، خاصة مع التصميم الذي وضع فكرته المهندس إسماعيل أبو سخيلة أساساً ليكون مقراً عاماً يتم استخدامه بشكل مستمر إلى أنه يحتاج وقتاً أطول لإتمامه بطريقة تسهم بإطالة عمره.

ويذكر–بينما يشير إلى المقر الذي يرتفع بنيانه تدريجياً – أن العمل على مدار 24 ساعة، كما أن عدد العاملين يتراوح ما بين 40 – 60 شخصاً متنوعين ما بين البناءين والمساعدين وعمال "الخلطة والصب"، فضلاً عن وجود أربعة مهندسين و3 مشرفي عمال.

وحول الخبرة التي يحملها في هذا المجال، يوضح أبو أحمد أنه يعمل مقاول بناء منذ 28 عاماً، فيما اعتبر أن تجربته حديثة في البناء بالطين، حيث حصل عليها من العمل في تشييد مبنى طيني في بيت لحم ومما شاهده في مناطق أخرى من الضفة، حيث ينتشر فيها هذا النوع من البناء أكثر من القطاع.

البداية
ويشير إلى أن قرار إنشاء المبنى بهذه الطريقة، جاء بسبب ظروف الإغلاق والحصار وعدم توفر مواد البناء، فضلاً عن ندرة ما يوجد منها في القطاع- هذا إن لم يكن سعره مرتفعاً.

ويؤكد أن ما شجعه على التقدم بعرض لتنفيذ المشروع هو إحساسه بأن هذا الأمر سيكون خدمة للتراث من خلال استخدام مادة غريبة وفريدة في إقامة مبنى مدني خدماتي من الطين هو الأول في غزة.

ويشعر بشئ من الفخر بأن هذا المشروع سيكون أول مشروع ينفذه في القطاع على شكل مبنىً تراثياً من البداية وحتى النهاية، من الحجر الأول وحتى السقف الذي سيكون عبارة عن أقواس وقباب تشير إلى البناء الفلسطيني التقليدي.

ويقول إن طاقم العمل في معظمهم هم من العاملين في البناء بالاسمنت، ولأن البناء بالطين شئ مختلف، تم تدريبهم وعقد محاضرات مختلفة لتعريفهم بالعمل وتجهيزهم وتقسيمهم على مختلف المراحل للتنفيذ.

ويضيف: "نحن نستفيد من هذه التجربة كثيراً ويتم تقييم العمل خطوة خطوة، لكي نتجاوز أية أخطاء، بما يزيدنا خبرة لتنفيذ أية مشاريع في المستقبل".

خطوات البناء
وحول خطوات البناء، يذكر أبو أحمد أن العملية بدأت باختيار الطين ومن ثم تكوين الخلطة المناسبة (من قش وطين ورمل ومواد –لم يفصح عنها- لتقوية تماسك الحجر)، وصب القوالب وتجفيفها في الشمس ليومين أو ثلاثة، وبعد ذلك يتم نقل الطوب إلى مكان آخر لتجميعه تمهيداً لاستخدامه.

وينوه إلى أنه بالتزامن مع تجهيز الطوب تم حفر مناسيب معينة لوضع أساسات المبنى على عمق متر وستين سنتمتراً عن مستوى الشارع العام، واستخدام ركام المباني المدمرة و"الكركار"، فيما تم صب "حزام" من الخرسانة زيادة في الأمان لضمان ثبات المبنى واستقراره.

ويتابع المقاول – فيما يمسك بحجر من الطين حديث الصب- أن فريق المهندسين العاملين أجرى اختبارات واسعة على أنواع مختلفة من الطين المتوفر في القطاع حتى توصل إلى نوع مناسب لما يحتاجه المشروع، وتم وضع المعايير والمقادير اللازمة لتكوين "الخلطة".

ويوضح أن مساحة البناء الكلية تقدر بخمسمائة وثمانين متراً مربعاً بكل ما يحتويه من تصميمات، مشيراً إلى أن المبنى يحتاج ما لا يقل عن 180 ألف حجر من الطين (حجم الحجر الواحد 30 * 10 سم2) لإتمام عملية تشييده، حيث سيكون جزء منه على طابق أرضي وجزء أرضي على طابقٍ ثانٍ.

مركز جديد
من جانبه، أعرب مدير مركز شرطة "مدينة الشيخ زايد" الرائد ماهر عدوان عن سعادته لكون المركز الذي يديره هو الأول من نوعه في القطاع يبنى بهذا الشكل، معتبراً أن هذا الأمر يؤكد على أن الشعب الفلسطيني قادر على إيجاد بدائل ليواصل حياته ومسيرته.

ويشير إلى أن الحرب دمرت مراكز الشرطة ومواقعها، فيما منع الحصار والإغلاق مواد البناء من الدخول لتشييد أو على الأقل استصلاح ما أمكن من المقرات الشرطية والأمنية، وهو ما اضطر وزارة الداخلية في غزة إلى استحداث بدائل للقيام بالعمل المطلوب منها.

ويقول عدوان إن مركز الشرطة حديث النشأة وجاء لتغطية الفراغ الأمني في المنطقة ومحيطها، ويعمل فيه خمسة وخمسون عنصراً ما بين ضابط وضابط صف وفرد، ويجري تطويره حالياً من حيث العدد والمرافق.

ويضيف أن "بداية المركز كانت في الخيام والغرف المتنقلة (الكرافانات)، وسيبقى الحال على ما هو عليه حتى يتم استلام المقر الجديد المبني من الطين، رغم أن ذلك ليس بديلاً لكن هذا الموجود وما نريد أن نتأقلم معه في الوضع الحالي".

ويتابع: "سنسعى جاهدين إلى إنجاح المشروع، فالمبنى ليس سوى وسيلة، لكن العزيمة والإصرار يمكن أن يصنع المستحيل"، متمنياً لهذه التجربة النجاح وأن يتم تعميمها على باقي المراكز التي تدمرت بفعل الحرب الصهيونية على قطاع غزة.

التعليقات