أول عرس جماعي يوحد القدس والضفة ضد الجدار

أول عرس جماعي يوحد القدس والضفة ضد الجدار
غزة-دنيا الوطن
نغمات من الزجل الشعبي انطلقت لتطرب آذان الحضور.. وزغاريد الأمهات تطايرت في سماء القدس لتنعش الأرواح.. فيما اصطف 10 عرسان نصفهم من أبناء القدس المحتلة والنصف الآخر من أبناء الضفة ليرسموا لوحة وحدة الوطن رغم الجدار والاحتلال الذي يفصلهما عن بعضهما البعض.
على مدرجات جامعة القدس في بلدة أبو ديس، إحدى ضواحي مدينة القدس، ومع دقات ساعات غروب أمس الخميس أنيرت أفراح أول عرس جماعي يجمع أبناء القدس والضفة، وأعلنت من جديد "مقاومة كل مظاهر الاحتلال التي نالت الإنسان والأرض والثقافة"، كما تقول عفاف الدجاني منسقة العرس.

ولأن الاحتلال الإسرائيلي يمنع فلسطينيي الضفة من الدخول إلى مدينة القدس بعد أن طوقها بجدار الفصل العنصري، وأحكم الحصار عليها، اختار المنظمون بلدة أبو ديس إحدى ضواحي محافظة القدس والتي باتت تقع خارج الجدار مكانا لهذا العرس.

أفراح تراثية

مع تقدم العرسان المشاركين صوب منصة الاحتفال غمرت لحظات السرور صدور مشاهديهم، واندمج آخرون في مراقبة فرق الدبكة والزجل الشعبي وهي تشدوا ألحان الفرح الوطني.

أما الفتيات اللاتي انتظرن لحظات العمر هذه فقد تزيَّنَّ بالثوب الفلسطيني المطرز بخيوط الحرير زاهية الألوان، ليعدن بذاكرة كل من حضر الحفل إلى تراث الآباء والأجداد الذي يسعى المحتل إلى طمسه.

لكن نسمات الفرحة التي هبت على المكان جعلت الجميع ينسى نفسه، ويندمج مع فقرات الحفلة المختلفة، وتقول عفاف الدجاني، رئيسة جمعية دار الرعاية الصحية والاجتماعية لرعاية الأيتام في القدس، وصاحبة الفكرة: "عمت الأفراح الأجواء.. الجميع يرى أن هذا عرسه.. نسينا أنفسنا، فنحن متعطشون للفرحة".

وأضافت لـ"إسلام أون لاين.نت": "الاحتلال يحاول أن ينسينا التاريخ والتراث؛ فالصالات والموسيقى الصاخبة باتت سمة بارزة في أفراحنا الفلسطينية.. اليوم نحن نعود إلى أصالة آبائنا وأجدادنا".

تلملم حروفها لترسم بها صورة الفرحة التي سلبها المحتل بانتهاكاته في حق الشعب الفلسطيني وثقافته، وتضيف: "ثوب العروس هو نموذج لتراثنا، واليوم ترتديه بناتنا في عرسها، أهديناها إياه لتحتفظ به في بيتها".

ومن ملامح التراث العطر أيضا: أنغام الألحان الشعبية، وطرقات الدبكة الشعبية التي شارك في تقديمها عدد من الفرق الشعبية، وعلى وقع نغماتها اندمج الحضور، وعمت الفرحة المكان، فيما تعالت أصوات زغاريد النساء فرحا بأبنائهم وبناتهم في يوم زفافهم.

وما إن دقت الساعة لحظات الختام حتى نظم القائمون على الاحتفال عشاء خاصا بعرسان الضفة جمعهم في مدينة رام الله، أما عرسان مدينة القدس فكان عشاؤهم المنتظر يمتزج بنفحات المدينة الأم القدس التي احتضنتهم منذ طفولتهم.

إعادة اللُّحْمَة

أهداف ودوافع عديدة وراء طرح فكرة العرس المقدسي التراثي الجماعي، كما تقول عفاف الدجاني؛ حيث تقول إن أحد هذه الدوافع هو "تهويد القدس الذي يمارسه الاحتلال، وانعكس على جميع مناحي الحياة.. فالجدار والحصار الإسرائيلي أبعد القدس عن باقي الضفة.. ونحن اليوم نعيد اللحمة لهذا الوطن، وإن كان بشكل رمزي".

دافع آخر هو "تشجيع الشباب المقدسي بشكل خاص والفلسطيني بشكل عام على الزواج من الفتيات الفلسطينيات، بعد أن أشارت بعض الدراسات إلى ذهاب بعض الشباب للزواج من أجنبيات خارج الوطن للفرار من الواقع المفروض على الفلسطينيين".

ولم تغفل عفاف الدجاني السبب الاقتصادي المتردي الذي بات يعيشه الفلسطينيون في مدينة القدس وباقي مدن الضفة نتيجة الحصار والإغلاق الإسرائيلي المستمر، وتقول: "هناك تأخر في عمر الزواج لدى الشباب، وهناك أيضا نسبة كبيرة من الخاطبين منذ أكثر من عام، وما زالوا ينتظرون استكمال استعدادات الزواج".

وبحسب عفاف الدجاني، فإن هذا العرس الجماعي وفر على كل من شارك به نحو 70% من تكاليف الزواج، "وهذا أمر مشجع للشباب".

وتشير إلى أن هذه الفعالية التي تعد الأولى على مستوى الوطن سيليها عرس مقدسي تراثي آخر يتم الإعداد له خلال الفترة القليلة القادمة، ووصل عدد المسجلين للمشاركة فيه حتى الآن 45 عريسا من أبناء القدس والضفة.

فرحة للوطن

أما العرسان المشاركون فلم تكن فرحتهم توصف بهذا العرس، كما أخبرنا محمد الديسي قبل أن يعتلي منصة العرس بساعات، ويقول: "تخيلوا.. لم أكن في يوم من الأيام أتوقع أن أتزوج بهذه السهولة.. أنا أطير من الفرحة الآن، وفرحتي أكبر لأنني في عرس يمثل فرحة للوطن كله وليس لي وحدي فقط".

وسيحصل كل عريس وعروس -بالإضافة إلى حفل الزفاف المجاني- على الأثاث والأدوات الكهربائية اللازمة للبيت و"نقوط" بقيمة 2000 دولار، وهدية للعروس بقيمة 1000 دولار، وساعات يدوية، إضافة إلى 30 صورة مجانية لكل عروس وعريس.

وكالعادة يكون عنصر المفاجأة التدخلات الإسرائيلية والتي منعت العريس فضل العمر وعروسه وفاء العمر من الوصول في وقت حفل الزفاف.

وبحسب ما نشرته "شبكة فلسطين الإخبارية" على الإنترنت، فقد استغرقت رحلة العروسين من مدينة جنين بالضفة إلى موقع الحفل 9 ساعات بسبب الحواجز التي تنشرها إسرائيل بين المدن، وسرقت قوات الاحتلال فرحتهم بهذا اليوم، وقامت بإطلاق القنابل والغاز تجاههما على معبر قلنديا رافضة تمريرهما رغم توضيحهما للجنود بأنها سيشاركان في العرس الجماعي.

وتزعم إسرائيل أن بناء الجدار ضروري لمنع تسلل المسلحين الفلسطينيين من الضفة إلى داخل الخط الأخضر (الذي يفصل فلسطين المحتلة عام 1948 عن فلسطين المحتلة عام 1967) للقيام بعمليات استشهادية.

ويعد نحو 35 ألف فلسطيني محاصرا في "المنطقة المغلقة" بين الجدار والخط الأخضر، بينهم نحو 10 آلاف بحاجة للحصول على "تصاريح إقامة دائمة" خاصة لدخول الضفة الغربية.

ويقتطع الجدار مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية، ويعرِّض الكثيرين من سكان هذه المناطق للطرد أو للعزل، كما يُعَدّ تغييرًا على أرض الواقع للوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، خلافا لقرارات الشرعية الدولية.

التعليقات