رسالة من مواطن فلسطيني ..إلى مؤتمر حركة فتح

بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة من مواطن فلسطيني ...
إلى مؤتمر حركة فتح

بقلم: د. محمد المصري

- أيام قليله تفصلنا عن عقد الدورة السادسة للمؤتمر الوطني العام لحركة فتح، مؤتمر الشعب الفلسطيني، الأيام التي تفصلنا عن اليوم المنشود لعقد المؤتمر بطيئة من شدة الترقب ولهفة الانتظار، فالقلوب متلهفة ومتعلقة بالآمال فالأيام مليئة بالتوقعات وحبلي بالتكهنات، فلقد ارتسمت البسمة على شفاه الناس عندما تنامي لمسامعها تحديد الموعد النهائي لعقد المؤتمر والشروع بالأعمال اللوجستية والفنية لعقده، فالناس التي تفتحت عيونها علي القضية الوطنية رأتها من خلال فتح الثورة بتاريخها المجيد، من عيلبون إلى معركة الكرامة وما جسده الفلسطيني من أبهي صور البطولة إلي لبنان والحصار والختيار والكوفية.
- إلا أن مشاعر الأمل وان عظمت فالخوف لازال له مكان ومشاعر الاطمئنان والشك تراود الكثيرين من مراقبين ومهتمين ومحللين ومتابعين سواء من فتحاويين أو من غير الفتحاويين من أبناء الشعب الفلسطيني، بل لا أبالغ إن قلت أنه من خارج حدود الوطن، وهذا دليل علي عظمة الحدث وضخامته.
- هذا الاهتمام بعقد المؤتمر العام لفتح لا يعتبر اهتماما مبالغ فيه، فمؤتمر فتح بنجاحه أو فشله وبما يتضمنه من برامج وقرارات يعني القضية الوطنية الفلسطينية برمتها، ففتح حامله المشروع الوطني الفلسطيني بكل عناوينه منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة وحتى يومنا هذا، و بالرغم من التغييرات التي حدثت علي ساحة العمل السياسي الفلسطيني، فان الحلم الفلسطيني لازال متعلقا ومرتبطا بالتاريخ الناصع لفتح بشهدائها وتاريخها ومعتقليها وقادتها ورمزها الشهيد القائد أبو عمار الذي امتزج اسمه ويوم ميلاده مع يوم انطلاق أعمال المؤتمر.
- ولا أدل من التأكيد علي هذا الاهتمام تناول كل وسائل الإعلام المحلية والعالمية هذا الحدث التاريخي والهام وكذلك تصريحات القادة السياسيين علي المستويين المحلي والدولي واستفسارهم وسؤالهم عن عقد المؤتمرلادراكهم أهمية المؤتمر وما ينتج عنه من تأثير علي القضية الوطنية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، حتى وصل الاهتمام إلي حد الغوص في أدق التفاصيل من خلال محاولة الكثيرين معرفة أعضاء المؤتمر وميولهم ومواقعهم وأسلوب تفكيرهم وتوجهاتهم السياسية وكيفية تصويتهم ومن سيفوز بعضوية المجلس الثوري واللجنة المركزية، والتوقف عند الاصطفافات والمحاور، بمعني الغوص في تفاصيل ودقائق الأمور وهذا لم يحدث لأي مؤتمر لأي فصيل فلسطيني فهو وبحق يستحق أن يطلق عليه مؤتمر الشعب الفلسطيني، مع التأكيد علي أهمية مؤتمرات كل الأحزاب والحركات السياسية الفلسطينية.
- لهذه الأهمية البالغة للمؤتمر ونتائجه وقراراته فأنني كمواطن فلسطيني أعيش هموم الوطن والقضية لايمكن أن أقف متفرجا أو محايداً أو مراقباً، ففتح ليست ملكاً لأعضاء مؤتمرها أو منتسبيها فما يحصل لفتح سيؤثر على مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية ومصير الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني القائم علي أساس الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
- من هذا المنطلق وعلى أساس هذا الفهم فأنني أعطي لنفسي الحق بأن أقول كلماتي ناصحا ومذكرا لعلها تصل إلي من يهتم بها ويأخذها علي محمل الجد.
وبين يدي هذا المؤتمر الفتحاوي الفلسطيني الهام أسجل التالي:
أولاً: البرنامج السياسي
- من أهم الوثائق التي تخرج عن أي مؤتمر لأي حركة تحرر " الوثيقة السياسية "، فهي البوصلة التي تحدد الاتجاه السياسي العام والتكتيكات اليومية والميدانية، فالوثيقة السياسية لمؤتمر فتح ستؤثر علي اتجاه حركة فتح وعلي الاتجاه العام للسياسة الفلسطينية المستقبلية.
- هذه الوثيقة السياسية من المفترض أن تخرج نتيجة لتقييم مرحلة سياسية طويلة،، فترة ما بين المؤتمرين الخامس والسادس وما جري خلالها من عمل سياسي بكل تفاصيله وللتذكير ففي هذه الفترة الطويلة الفاصلة بين المؤتمرين حدث فيها الكثير من العمل السياسي ، ففيها جرت المفاوضات السياسية مع إسرائيل وما نتج عنها من اتفاقيات سياسية شكلت محطات هامة في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وأثرت تأثيراً قوياً ومباشراً على العلاقات الفلسطينية الفلسطينية الداخلية وكرست هذه الاتفاقيات محطات لاستقطابات واصطفافات جديدة على الساحة السياسية الفلسطينية وكانت السبب في تغيير موازين القوي والفعل والتأثير لفصائل العمل السياسي الفلسطيني.
- بالرغم من أن هذه الاتفاقيات تم التوقيع عليها نتيجة ظروف سياسية إقليمية ودولية ورغبة فلسطينية بمحاكاة الواقع السياسي الدولي والإقليمي، إلا أنها تعثرت في الكثير من المحطات وتقدمت في بعضها، لكنها بالمجمل تحتاج إلى وقفه تقييميه نقدية، بهدف تصحيح المسار السياسي الفلسطيني واستحداث تكتيكات واليات تحاكي الواقع الدولي والإقليمي والفلسطيني، بما يخدم تحقيق المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، ففتح اكادمية البرغماتية وقدرتها على التعايش مع كل المنعطفات والظروف والمحاور لقادرة في هذا المؤتمر من التقاط الحقيقة ومحاكاتها.
- هذا التقييم الفتحاوي للمرحلة السابقة سيتناول الوضع السياسي الحالي ارتباطاً بمعرفة دقيقة للموقف الإسرائيلي ومدي استجابته لدفع استحقاقات عملية السلام والاتفاقيات مع التأكيد على أن المرحلة التي يعيشها الوضع الفلسطيني هي مزيج ما بين مرحلة بناء مؤسسات للدولة الفلسطينية العتيدة ومرحلة التحرر الوطني والانعتاق من الاحتلال وممارساته الاحتلالية القائمة على أساس تدمير الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة المستقلة من خلال الاستيطان والجدار وممارسة الاحتلال في تقطيع أوصال الوطن ما بين غزة والضفة وعزل القدس عن الضفة الغربية.
- الوثيقة السياسية للمؤتمر اعتقد أنها يجب أن تحسم الجدل حول العلاقة ما بين المقاومة والعمل السياسي، وكلنا يعلم أن فتح مدرسة المقاومة منذ انطلاقتها، وهي لا تقبل المزايدة من أحد في هذا الجانب وهي بذلك تحسم العلاقة ما بين مرحلة بناء الدولة ومرحلة التحرر الوطني بما تحمله من استحقاقات، وعليه فان التأكيد على العمل السياسي لا ينفصل عن التأكيد علي حق المقاومة في مواجهة الاحتلال، فالمقاومة ليست هدفا بذاتها بل وسيلة وأسلوب وهي ليست جامدة في أسلوب محدد كالكفاح المسلح، فالمقاومة ثقافة وأدوات ووسائل متعددة.

ثانياً: البناء التنظيمي

- الحزب السياسي أو حركات التحرر تقف علي قدمي الوثيقة السياسية والأداة التنظيمية القادرة على حمل هذه الوثيقة وترجمتها على أرض الواقع، فالبناء التنظيمي العمود الثاني الذي يرتكز عليه الحزب السياسي، وهذا يتضمن الهيكلية والمستويات التنظيمية والعلاقة بينها.
- فتح كأي حزب سياسي وكأي حركة تحرر كانت مبنية على أساس تنظيمي هيكلي منصوص عليه بالوثائق التنظيمية، إلا أن هذا البناء التنظيمي لم يكن فاعلاً أو مؤثراً نتيجة لوجود القيادة الرمز المتمثلة بالرمز الشهيد القائد والمؤسس أبو عمار، فقدراته وحضوره والكاريزما الشخصية غيبت كل الهياكل التنظيمية المكتوبة في الوثائق التنظيمية، فهو بشخصيته تنظيم وهيكلية وأداة.
- استشهاد الرمز وغيابه وضع القيادة التي خلفته أمام مسؤوليات ثقيلة ملئيه بالعقبات والأشواك فتراثه وقدراته القيادية لا يمكن لأحد أن يستطيع استنساخها والسبر بذات أسلوبها وطريقه عملها، وقد تجلت هذه المشاكل في فتح بوضوح بارز وجلي في غياب المؤسسات التنظيمية القادرة على نظم العلاقات الداخلية فتشابكت المهمات وتعددت الصلاحيات وتاهت آليات اتخاذ القرارات.
- هذا الوضع التنظيمي يعتبر من أهم الملفات المطروحة أمام المؤتمر فعليه أن يساهم في بناء تنظيم مؤسساتي يقوم على أساس هيكلية تنظيمية واضحة المعالم تتحدد من خلالها المستويات التنظيمية واليات الاتصال بينها والعلاقات بين المستويات القيادية والمستويات الأدنى وانسياب اتخاذ القرارات واليات تنفيذها، أي لا بد لفتح أن تبني على أساس المؤسسات بعد غيابها طويلاً.
- هذا البناء كما أنه يكفل تحديد المستويات التنظيمية واليات اتخاذ القرارات وطريقة تنفيذها، فإنه يضمن التخلص من الدور الشخصي للقيادات والكوادر، واستبدالها بدور المستويات والمهمات، فلقد غيب الأشخاص دور الهيكلية والمستويات بأدوارهم وقدراتهم حتى تحول التنظيم إلي أشخاص أباطرة متنفذين حولوا التنظيم إلى إقطاعيات تتقاسمها النفوذ والولاءات المصلحية الشخصية.
- حركة فتح ومؤتمرها مطالبين بتعزيز مبدأ الديمقراطية وتضمن وصول الكوادر القادرة على اخراح فتح من مشاكلها السياسية والتنظيمية من خلال انتخابات نزيهة بعيدة عن الكولاسات واالاصطفافات والمحاور الجغرافية والمصلحية وتقاسم النفوذ.
- القيادة المنتخبة الجديدة يراها المواطن تمزج ما بين القديم والجديد تكون فيه الأغلبية للكوادر الشابة التي تقدر علي السير بفتح نحو بر الأمان وهذا يعني إنقاذ المشروع الوطني برمته، وذلك من خلال البناء التنظيمي والمؤسساتي بما يضمن إعادة فتح لأخذ دورها القيادي للشعب الفلسطيني، مع الإشارة إلى ضرورة مراعاة الجغرافيا السياسية والسكانية غزة والضفة الغربية والشتات والخارج.
- فتح وبحكم التاريخ تسيطر على معظم المؤسسات المجتمعية من نقابات واتحادات وسفارات ومؤسسات شعبية، هذه الجمعيات والاتحادات والنقابات معطلة بالكامل لا تقوم بعملها المنوط بها والذي من المفترض أن تساهم هذه المؤسسات مساهمه كبيرة في رفد التنظيم بالكوادر وإنتاج القيادات فيما لو كانت هذه المؤسسات فاعلة ومنتجة، ليس هذا وحسب فهي ليست معطلة ولا تعمل بل تحولت إلى إقطاعيات ووكالات خاصة لأشخاص معينين لا يتم تغييرهم لا بالانتخابات ولا بالإزاحة.
- أمام هذه المعطيات ولأهمية تلك المؤسسات لابد لمؤتمر فتح من التوقف طويلاً لحل إشكاليات هذه المؤسسات على قاعدة البناء على أسس الديمقراطية والانتخابات وتقليل دور الأشخاص مع ضخ دماء جديدة لقيادة هذه المؤسسات خاصة من الأجيال الشابة الكفؤة والمهنية والقادرة على مواكبة التغييرات العلمية والمنتمية للمشروع الوطني.
- نتيجة لتراكم سنوات طويلة من الإهمال وكثرة الملفات التي تشير إلي الكثيرين بالفساد والرشوة وغياب المحاسبة، فان وجود جهاز الرقابة التنظيمية جهاز المحاسبة والوقوف أمام الكل بغض النظر عن المستويات التنظيمية أصبح من أهم الأجهزة التي لا بد وان تكون أحد إفرازات المؤتمر السادس.
ثالثاً: ملفات طارئة
- الوثيقة السياسية والوثيقة التنظيمية أعمدة المؤتمر، وهي الوثائق الإستراتيجية، فعليها يتم تقييم نتائج المؤتمر وعليها نستطيع أن نرى أين الاتجاه العام للقضية الوطنية الفلسطينية، وعلى أهميتهما فان هناك بعض القضايا الطارئة والتي باتت إستراتيجية وضرورة التوقف عندها من ضرورات نجاح المؤتمر أو فشله.
- أول هذه القضايا الطارئة والإستراتيجية في ذات الوقت قضية الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي والمجتمعي بين غزة والضفة الغربية، هذا الانقسام تتحمل فتح مسؤوليته ليس من باب الخطأ والصواب بل على قاعدة أنها قائدة العمل الوطني الفلسطيني، ففتح أم المشروع الوطني ومن هذا الباب تقع على عاتق فتح مسؤولية إعادة الوحدة للنظام السياسي الفلسطيني وإعادة الوحدة الجغرافية والمجتمعية، وعليه لا بد لقضية الانقسام والانفصال بين جناحي الوطن أن تأخذ حيزا كبيرا من النقاش للوصول إلي حلول واقعية ومنطقية.
- التطرق بجدية وعمق إلي منظمة التحرير الفلسطينية البيت والهوية والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني من خلال التأكيد على ضرورة إعادة بنائها وتفعيلها من خلال إعادة الروح لمؤسساتها وإعطائها أولوية لما لها من تأثير ونفوذ وما تقدمه للشعب الفلسطيني في الشتات واللجوء والخارج، هذا الاهتمام لابد وان يحل مشكلة التداخل ما بين مؤسسات السلطة والمنظمة ودور كل مؤسسة، مع الإشارة إلى أنها إطاراً سياسياً وتنظيمياً لكل أبناء الشعب الفلسطيني على اختلاف مشاربهم السياسية والأيدلوجية.
- مناقشة العلاقات الفلسطينية الداخلية واعتماد مبدأ الشراكة السياسية بدلا من الهيمنة والإقصاء، والابتعاد عن سياسة الاستخدام لفصائل منظمة التحرير في أوقات المناكفات السياسية، فتحديد شكل العلاقات الفلسطينية ضمن أصول وقواعد واضحة مبنية على مبدأ الشراكة ربما يساهم في نسج علاقات صحية وجديدة تساهم في إرساء قواعد التكامل، فقدر فتح أن تكون الراعي والحاضن للمشروع الوطني بكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني.
- على الأخوة المؤتمرين في مؤتمر الرئيس الشهيد أبو عمار أن يراعوا مشاعر الناس ولهفتهم وشوقهم لفتح القوية الموحدة، لفتح التاريخ المجيد والمستقبل، من خلال توفير كل أسباب النجاح للمؤتمر بما يثلج صدور الناس ويعطيهم بارقة أمل نهاية النفق المظلم.

التعليقات