الامارات:دراسة تطالب الاتحاد الاوروبي بمحاربة التمييز وكراهية الأجانب
ابوظبي – دنيا الوطن-جمال المجايدة
دعت دراسة صدرت حديثا عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ابوظبي الاتحاد الأوربي لان يفي بالالتزامات الواقعة على عاتقه، مما يعني أن مسائل الهجرة واللجوء يجب ألا تقلص إلى بعدها الأمني فقط وتشديد المراقبة عليها، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار شمولية أوجهها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وقالت الدراسة التي اعدها الباحث عبد العالي حور ان هذا الأمر يقتضي تنمية الحوار والتعاون الثقافي مع الرغبة في دعم التفاهم المشترك بين الشعوب والحضارات، وذلك بمحاربة التمييز وكراهية الأجانب والعنصرية وعدم التسامح .
واشارت الدراسة الي ان قضايا حقوق الإنسان تعتبر من أبرز القضايا المعاصرة التي أعادت تكييف المفهوم التقليدي للسيادة ليستجيب للتطورات التي شهدتها الإنسانية في هذا المجال، والتي كرست المفهوم النسبي للسيادة.
وقد أصبحت الحرية الواسعة التي كانت تتصرف بموجبها الدول في مجال حقوق الإنسان مقيدة في كثير من المستويات بمعايير دولية وإقليمية، قانونية وعرفية، ولم تعد السيادة سلطة مطلقة تسمح للدولة بالقيام بما يمنعه صراحة القانون الدولي، بل أصبحت مشروطة بمعايير إنسانية واسعة تعطي لفكرة السيادة مفهوم "السيادة المسؤولة".
وقالت إن هدف حقوق الإنسان الأساسي والوحيد ضمان وضع أخلاقي إنساني لكل فرد، لكن بعد ويلات الحربين العالميتين التي تم فيهما تجاهل كل ما هو إنساني، بدأت الدول تنزع باتجاه تدويل هذه الحقوق وفرض احترامها عبر تكريسها في ميثاق الأمم المتحدة، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، الذي مثل صدوره نقلة تاريخية مهمة في تنظيم علاقة الدولة بمواطنيها، إلا أن طبيعة الإعلان ومنطلقاته الخاصة أدت إلى قيام الدول، ولاسيما الكبرى منها، بتوظيفه سياسياً، وبخاصة خلال فترة الحرب الباردة.
مراقبة حقوق الإنسان
لقد تأسست منظمات دولية تراقب حقوق الإنسان على المستوى الدولي، بحيث إن انتهاك أي دولة لحقوق الإنسان يجعلها موضع انتقاد مشروعاً من الدول الأخرى وكذلك من المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية. وهكذا أصبحت مسألة حقوق الإنسان تمثل أحد اهتمامات السياسة الخارجية، بل بدأت تؤثر في شكل العلاقات الدولية، حيث صار مبدأ احترام حقوق الإنسان أحد المعايير المهمة في تحديد العلاقات والمعاملات الدولية، وكذلك في قياس التطور السياسي لأي مجتمع، فالمفهوم أخذ يكتسب عالمية جديدة ذات فاعلية أكبر بعد أن كان مجرد شعار تتضمنه مواثيق الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.
التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان
عمل الأوربيون على إقامة علاقات وطيدة بين التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان في إطار علاقاتها التعاونية مع بلدان العالم الثالث، وعلى رأسها البلدان المتوسطية التي ترتبط مع أوربا بعلاقات اقتصادية وسياسية وثقافية قديمة جداً ومعقدة من جهة، وعلاقات يفرضها التاريخ ويحكمها مسار بناء مستقبل المنطقة المتوسطية وتؤطرها الجغرافيا من جهة أخرى.
و قد عمد الاتحاد الأوربي من لحظة تأسيسه إلى تدعيم علاقاته بجيرانه المتوسطيين مستنداً في ذلك إلى النصوص الصريحة لمعاهدة روما؛ فالمغرب وتونس ذكرا صراحة في البروتوكول الملحق باتفاقية روما لسنة 1957، وذلك نظراً للعلاقات الاقتصادية المتميزة التي تربط هاتين الدولتين بفرنسا.
بدأ تفاعل أوربا مع دول المتوسط منذ الستينيات من القرن المنصرم، حين وقعت دولها عدداً كبيراً من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع بلدان من جنوب المتوسط أطلق عليها الاتفاقيات التجارية التفضيلية. واستمر هذا الوضع التعاوني طوال السبعينيات والثمانينيات، حتى انتقل من صيغة التعاون إلى صيغة الشراكة في منتصف التسعينيات وتحديداً في تشرين الثاني/نوفمبر 1995 مع انعقاد مؤتمر برشلونة الذي ضم وزراء خارجية دول الاتحاد الأوربي مع نظرائهم من 12 دولة متوسطية، والذي مثل بداية لتحول حقيقي في العلاقات الأورومتوسطية، حيث مهد لعقد سلسلة من الشراكات بين الاتحاد الأوربي والدول المتوسطية الأخرى في إطار ما أصبح يطلق عليه "مسار برشلونة".
لقد أصبح هناك قناعة عالمية بأن عوامل عدم الاستقرار الموجودة أو المحتملة ناتجة عن غياب الديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان؛ لهذا عمل الاتحاد الأوربي على جعل مسألة حقوق الإنسان أحد مكونات سياسته الخارجية وأحد شروط الاتفاقيات التجارية التي يعقدها مع الدول الثالثة، لهذا تضمن إعلان برشلونة تأكيداً على ضرورة احترام حقوق الإنسان والديمقراطية ودولة القانون، بل اعتبرها شرطاً لإقامة منطقة آمنة ومستقرة. كما تضمنت اتفاقيات الشراكة بنداً يتعلق بحقوق الإنسان، وهو المعروف "بشرط حقوق الإنسان".
انتهاكات خطيرة
وبالرغم من إصرار البرلمان الأوربي والعديد من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان على فرض مراجعة دورية وشاملة، وأن يكون الاتحاد مستعداً لتعليق الاتفاقيات في حال استمرار إحدى الدول الشريكة في ارتكاب انتهاكات خطيرة وبصفة مستمرة، فإن أي إجراء لم يتخذ في هذا الاتجاه حتى الآن.
ومن الصعب ألا نسلم بأن الاتحاد الأوربي لديه مصلحة في أن يرى مبادئ حقوق الإنسان قد تم تطبيقها واحترامها بصورة أكثر شمولاً في بلدان المنطقة المتوسطية، إلا أن طريقة تعاطي الاتحاد مع هذه المسألة يطرح سؤالاً حول الهدف من إدماج ملف حقوق الإنسان في مسار برشلونة، وذلك بالمقارنة مع الدول المرشحة لدخول الاتحاد من دول المتوسط.
يكتسب موضوع هذه الدراسة أهمية كبيرة؛ كونه يتجه نحو مقاربتين أساسيتين:
• المقاربة الأولى المرتبطة بالتأكيد على احترام حقوق الإنسان وإقرار الديمقراطية كخيار أساسي، لكنه مع ذلك يبقى رهناً بمدى توافر الوسائل التي تكفل له هذا التطور.
• المقاربة الثانية المرتبطة بطبيعة التعاون الدولي وحقيقته وأبعاده المختلفة ومدى مصداقية معالجته لمفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وتسعى الدراسة لإثبات أو نفي فرضية أن الأوربيين يتجاهلون حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بضمان أمنهم ومصالحهم، وذلك من خلال إبراز مدى التزامهم بتعاليم حقوق الإنسان العالمية، من منطلق عدم قابلية هذه الحقوق للتجزئة، وخاصة في تعاطيها مع ملف الإرهاب والهجرة.
وقد قسمت الدراسة إلى محورين رئيسيين: أولهما، حقوق الإنسان في السياسة الخارجية الأوربية؛ إذ تسعى من خلاله إلى إبراز الممارسة الأوربية في مجال شرط حقوق الإنسان على المستوى الدولي، وكذلك أهم المرتكزات التي تنبني عليها هذه السياسة، وعلاقة حقوق الإنسان بالتنمية والاستقرار في حوض المتوسط. كما تقوم بتحليل مضامين حقوق الإنسان في إعلان برشلونة واتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية. وثانيهما، آثار المتغيرات الدولية والإقليمية على مسألة حقوق الإنسان في الشراكة الأورومتوسطية، بحيث تبين انعكاسات وآثار كل من الهجرة والإرهاب والمبادرات الإصلاحية الجديدة على وضعية حقوق الإنسان في المنطقة المتوسطية، وكيف استغلت هذه المتغيرات للتراجع عن بعض المكتسبات في مجال حقوق الإنسان.
لقد تناولت الشراكة الأورومتوسطية بصفة شبه حصرية قضايا الحقوق المدنية والسياسية، ولم تتناول القضايا المتعلقة بحقوق المرأة وحقوق المهاجرين وطالبي اللجوء بالشكل نفسه، مما يعني أن تناول الشراكة الأورومتوسطية أتى على حساب المقاربة الشمولية والكونية لحقوق الإنسان.
تعاطي اوروبي غير اخلاقي !
كما أن تعاطي الاتحاد الأوربي مع حقوق الإنسان في الشراكة الأورومتوسطية لم يكن تعاطياً أخلاقياً بقدر ما كان براجماتياً؛ فعندما يتعلق الأمر بالأمن الأوربي فانه لا مجال للحديث عن حقوق الإنسان وضرورة احترامها، علاوة على أن عدم سعي الاتحاد الأوربي إلى تفعيل مقتضيات حقوق الإنسان كما رسمتها أدبيات الشراكة يؤكد أن الاتحاد مازال يتلمس طريقه نحو توحيد سياسته الخارجية، وأن علاقاته مع شركائه لاتزال محكومة بطبيعة علاقة هذه الأخيرة مع مستعمريها.
وإذا كانت سياسة الجوار الأوربية قد حملت جديداً فيما يتعلق بتدبير قضايا حقوق الإنسان، فإنه من المبكر أن نتوقع نجاح أو فشل خطط العمل المنبثقة عنها. فبالنظر إلى غياب النقاط المرجعية والأطر الزمنية، سيعتمد التطور في هذا المجال على الإرادة السياسية والدبلوماسية لوضع أجندة حقوق الإنسان في مكان متقدم من سلم الأولويات، فلقد بقيت الالتزامات المعلن عنها في إعلان برشلونة واتفاقيات الشراكة بدعم واحترام حقوق الإنسان وإقامة دولة القانون وتطبيق المبادئ الديمقراطية ضعيفة ودون ما كان يطمح إليه، وذلك في غياب آليات وطرق للتنفيذ والمراقبة. لكن، مع ذلك يجب ألا ننكر أن هناك مكسباً لا يستهان به؛ وهو النقاش حول حقوق الإنسان الذي لا يمكن رفضه بدعوى رفض تدخل الاتحاد الأوربي في الشؤون الداخلية لشركائه، فهذه الأخيرة أخذت على عاتقها - ولو شكليا على الأقل - التزامات جوهرية في مجال حقوق الإنسان.
ومما لاشك فيه أن العمل من أجل حقوق الإنسان أصبح مكسباً كونياً، وأن حقوق الإنسان مستقلة عن كل شكل مجتمعي خاص، وإذا كان مسلسل الدمقرطة يفترض مجتمعاً تعددياً، فإن إيجاد أنظمة ديمقراطية في حوض المتوسط يجب أن يكون قبل كل شيء نتاج محاولات وصيرورة داخلية؛ مما يفرض على الاتحاد الأوربي احترام الإيقاع التاريخي للتطور نحو الديمقراطية، وحرية كل بلد تبعاً لخصائصه التاريخية والثقافية نفسها، دون إغفال ضرورة مد يد العون له ومده بكل الوسائل التي من شأنها أن تساعده على الوصول إلى هذا المبتغى، شريطة أن يحقق تقدماً ملموساً وحقيقياً.
ويذهب المؤلف إلى أن الاتحاد الأوربي يجانب الصواب عندما يطرح ضرورة احترام حقوق الإنسان كشرط أولي لتقديم المساعدات التي هي محرك التنمية ودافعها الرئيسي في بلدان تعاني الفقر وضعف الموارد، كما أن الدول الشريكة بدورها تجانب الصواب عندما تعتبر أن الأولوية للتنمية الاقتصادية، بل يجب أن تسير التنمية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان نظراً لترابطهما وتكاملهما، بل إن حقوق الإنسان شرط رئيسي لتحقيق التنمية وأن هذه الأخيرة شرط أساسي لضمان احترام حقوق الإنسان.
إن معالجة دقيقة ومتبصرة لمسألة حقوق الإنسان لا يمكن فصلها عن معالجة سليمة لقضية التنمية والتي تنبني على حق الشعوب في المشاركة والتمتع بمواردها الطبيعية من خلال سيادتها على ثرواتها، وذلك في ظل علاقات اقتصادية مبنية على تعاون حقيقي وفي ظل اعتماد متبادل، ولن يتم ذلك إلا بالتأكيد على ضرورة الاهتمام بالثقافة الديمقراطية والعمل على نشرها وتلقينها لكافة المواطنين بشكل يعمل على تربية الفرد على الممارسة الديمقراطية وعلى تقوية الأسس القائمة عليها وكذا العمل بكل الوسائل للقضاء على الأمية وتثبيت إجبارية التعليم وضمان مجانيته لكل الفئات ووضع مناهج تعليمية عصرية وعلمية تتماشى وحاجيات هذه الدول، وتعريف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم من أجل خلق الظروف المناسبة للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.
إن كلاً من مسلسل برشلونة وسياسة الجوار الأوربية والاتحاد من أجل المتوسط لا تمثل أهدفاً بحد ذاتها بقدر ما تمثل وسائل وصيغ للتعاون يمكن من خلالها للدول الأورومتوسطية تعظيم منافعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبقدر ما تنطوي عليه سياسة الجوار الأوربية والاتحاد من أجل المتوسط من تحديات، فإنها تنطوي أيضاً على فرص يمكن استغلالها، فهي تمثل أقصى ما يمكن للاتحاد الأوربي أن يقدمه لجيرانه فلا يمكن أن ننتظر من الاتحاد الأوربي أن يفتح أبواب العضوية أمام شركائه المتوسطيين. وبالتالي فإن ضرورة التعاون مع الاتحاد الأوربي تقتضيها حاجة المجتمعات جنوب وشرق المتوسطية إلى نهضة شاملة في كل المجالات، بشرط أن يتم هذا التعاون في إطار من الندية والاحترام المتبادل.
إذا كان هذا ما يرجى من الدول الشريكة القيام به، فإن على جميع أطراف الشراكة الأورومتوسطية القيام بالآتي:
• تأسيس برنامج إقليمي لحقوق الإنسان والديمقراطية ضمن إطار الآليات المستقبلية لسياسة الجوار واتحاد من أجل المتوسط.
• العمل على صياغة ميثاق أورومتوسطي لحقوق الإنسان انطلاقاً من حقيقة ترابط وتداخل حقوق الإنسان المتوسطي.
• انتهاج مقاربة إقليمية كلية للنهوض بحقوق الإنسان مع مراعاة عدم قابلية الحقوق للتجزئة.
• تنشيط عملية تنفيذ الاتفاقيات الموجودة وإيجاد آليات لمراقبة تنفيذها.
• تحليل كيفية تفاعل الأجزاء المختلفة من مسيرة برشلونة، وكيف تؤِثر على حقوق الإنسان، على سبيل المثال العلاقة التفاعلية بين تحرير التجارة وحقوق المهاجرين (خاصة وأن الأوربيين يتجهون نحو التشدد أكثر فأكثر في مجال الهجرة) وحقوق المرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
و من الضروري مراعاة أن تتغلب في هذا مقاربة مشتركة ومتوازنة بين الاتحاد الأوربي والدول المتوسطية الشريكة، وهذا يفترض أن يفي الاتحاد الأوربي بالالتزامات الواقعة على عاتقه، مما يعني أن مسائل الهجرة واللجوء يجب ألا تقلص إلى بعدها الأمني فقط وتشديد المراقبة عليها، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار شمولية أوجهها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما يقتضي هذا الأمر تنمية الحوار والتعاون الثقافي مع الرغبة في دعم التفاهم المشترك بين الشعوب والحضارات، وذلك بمحاربة التمييز وكراهية الأجانب والعنصرية وعدم التسامح.
دعت دراسة صدرت حديثا عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ابوظبي الاتحاد الأوربي لان يفي بالالتزامات الواقعة على عاتقه، مما يعني أن مسائل الهجرة واللجوء يجب ألا تقلص إلى بعدها الأمني فقط وتشديد المراقبة عليها، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار شمولية أوجهها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وقالت الدراسة التي اعدها الباحث عبد العالي حور ان هذا الأمر يقتضي تنمية الحوار والتعاون الثقافي مع الرغبة في دعم التفاهم المشترك بين الشعوب والحضارات، وذلك بمحاربة التمييز وكراهية الأجانب والعنصرية وعدم التسامح .
واشارت الدراسة الي ان قضايا حقوق الإنسان تعتبر من أبرز القضايا المعاصرة التي أعادت تكييف المفهوم التقليدي للسيادة ليستجيب للتطورات التي شهدتها الإنسانية في هذا المجال، والتي كرست المفهوم النسبي للسيادة.
وقد أصبحت الحرية الواسعة التي كانت تتصرف بموجبها الدول في مجال حقوق الإنسان مقيدة في كثير من المستويات بمعايير دولية وإقليمية، قانونية وعرفية، ولم تعد السيادة سلطة مطلقة تسمح للدولة بالقيام بما يمنعه صراحة القانون الدولي، بل أصبحت مشروطة بمعايير إنسانية واسعة تعطي لفكرة السيادة مفهوم "السيادة المسؤولة".
وقالت إن هدف حقوق الإنسان الأساسي والوحيد ضمان وضع أخلاقي إنساني لكل فرد، لكن بعد ويلات الحربين العالميتين التي تم فيهما تجاهل كل ما هو إنساني، بدأت الدول تنزع باتجاه تدويل هذه الحقوق وفرض احترامها عبر تكريسها في ميثاق الأمم المتحدة، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، الذي مثل صدوره نقلة تاريخية مهمة في تنظيم علاقة الدولة بمواطنيها، إلا أن طبيعة الإعلان ومنطلقاته الخاصة أدت إلى قيام الدول، ولاسيما الكبرى منها، بتوظيفه سياسياً، وبخاصة خلال فترة الحرب الباردة.
مراقبة حقوق الإنسان
لقد تأسست منظمات دولية تراقب حقوق الإنسان على المستوى الدولي، بحيث إن انتهاك أي دولة لحقوق الإنسان يجعلها موضع انتقاد مشروعاً من الدول الأخرى وكذلك من المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية. وهكذا أصبحت مسألة حقوق الإنسان تمثل أحد اهتمامات السياسة الخارجية، بل بدأت تؤثر في شكل العلاقات الدولية، حيث صار مبدأ احترام حقوق الإنسان أحد المعايير المهمة في تحديد العلاقات والمعاملات الدولية، وكذلك في قياس التطور السياسي لأي مجتمع، فالمفهوم أخذ يكتسب عالمية جديدة ذات فاعلية أكبر بعد أن كان مجرد شعار تتضمنه مواثيق الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.
التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان
عمل الأوربيون على إقامة علاقات وطيدة بين التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان في إطار علاقاتها التعاونية مع بلدان العالم الثالث، وعلى رأسها البلدان المتوسطية التي ترتبط مع أوربا بعلاقات اقتصادية وسياسية وثقافية قديمة جداً ومعقدة من جهة، وعلاقات يفرضها التاريخ ويحكمها مسار بناء مستقبل المنطقة المتوسطية وتؤطرها الجغرافيا من جهة أخرى.
و قد عمد الاتحاد الأوربي من لحظة تأسيسه إلى تدعيم علاقاته بجيرانه المتوسطيين مستنداً في ذلك إلى النصوص الصريحة لمعاهدة روما؛ فالمغرب وتونس ذكرا صراحة في البروتوكول الملحق باتفاقية روما لسنة 1957، وذلك نظراً للعلاقات الاقتصادية المتميزة التي تربط هاتين الدولتين بفرنسا.
بدأ تفاعل أوربا مع دول المتوسط منذ الستينيات من القرن المنصرم، حين وقعت دولها عدداً كبيراً من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع بلدان من جنوب المتوسط أطلق عليها الاتفاقيات التجارية التفضيلية. واستمر هذا الوضع التعاوني طوال السبعينيات والثمانينيات، حتى انتقل من صيغة التعاون إلى صيغة الشراكة في منتصف التسعينيات وتحديداً في تشرين الثاني/نوفمبر 1995 مع انعقاد مؤتمر برشلونة الذي ضم وزراء خارجية دول الاتحاد الأوربي مع نظرائهم من 12 دولة متوسطية، والذي مثل بداية لتحول حقيقي في العلاقات الأورومتوسطية، حيث مهد لعقد سلسلة من الشراكات بين الاتحاد الأوربي والدول المتوسطية الأخرى في إطار ما أصبح يطلق عليه "مسار برشلونة".
لقد أصبح هناك قناعة عالمية بأن عوامل عدم الاستقرار الموجودة أو المحتملة ناتجة عن غياب الديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان؛ لهذا عمل الاتحاد الأوربي على جعل مسألة حقوق الإنسان أحد مكونات سياسته الخارجية وأحد شروط الاتفاقيات التجارية التي يعقدها مع الدول الثالثة، لهذا تضمن إعلان برشلونة تأكيداً على ضرورة احترام حقوق الإنسان والديمقراطية ودولة القانون، بل اعتبرها شرطاً لإقامة منطقة آمنة ومستقرة. كما تضمنت اتفاقيات الشراكة بنداً يتعلق بحقوق الإنسان، وهو المعروف "بشرط حقوق الإنسان".
انتهاكات خطيرة
وبالرغم من إصرار البرلمان الأوربي والعديد من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان على فرض مراجعة دورية وشاملة، وأن يكون الاتحاد مستعداً لتعليق الاتفاقيات في حال استمرار إحدى الدول الشريكة في ارتكاب انتهاكات خطيرة وبصفة مستمرة، فإن أي إجراء لم يتخذ في هذا الاتجاه حتى الآن.
ومن الصعب ألا نسلم بأن الاتحاد الأوربي لديه مصلحة في أن يرى مبادئ حقوق الإنسان قد تم تطبيقها واحترامها بصورة أكثر شمولاً في بلدان المنطقة المتوسطية، إلا أن طريقة تعاطي الاتحاد مع هذه المسألة يطرح سؤالاً حول الهدف من إدماج ملف حقوق الإنسان في مسار برشلونة، وذلك بالمقارنة مع الدول المرشحة لدخول الاتحاد من دول المتوسط.
يكتسب موضوع هذه الدراسة أهمية كبيرة؛ كونه يتجه نحو مقاربتين أساسيتين:
• المقاربة الأولى المرتبطة بالتأكيد على احترام حقوق الإنسان وإقرار الديمقراطية كخيار أساسي، لكنه مع ذلك يبقى رهناً بمدى توافر الوسائل التي تكفل له هذا التطور.
• المقاربة الثانية المرتبطة بطبيعة التعاون الدولي وحقيقته وأبعاده المختلفة ومدى مصداقية معالجته لمفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وتسعى الدراسة لإثبات أو نفي فرضية أن الأوربيين يتجاهلون حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بضمان أمنهم ومصالحهم، وذلك من خلال إبراز مدى التزامهم بتعاليم حقوق الإنسان العالمية، من منطلق عدم قابلية هذه الحقوق للتجزئة، وخاصة في تعاطيها مع ملف الإرهاب والهجرة.
وقد قسمت الدراسة إلى محورين رئيسيين: أولهما، حقوق الإنسان في السياسة الخارجية الأوربية؛ إذ تسعى من خلاله إلى إبراز الممارسة الأوربية في مجال شرط حقوق الإنسان على المستوى الدولي، وكذلك أهم المرتكزات التي تنبني عليها هذه السياسة، وعلاقة حقوق الإنسان بالتنمية والاستقرار في حوض المتوسط. كما تقوم بتحليل مضامين حقوق الإنسان في إعلان برشلونة واتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية. وثانيهما، آثار المتغيرات الدولية والإقليمية على مسألة حقوق الإنسان في الشراكة الأورومتوسطية، بحيث تبين انعكاسات وآثار كل من الهجرة والإرهاب والمبادرات الإصلاحية الجديدة على وضعية حقوق الإنسان في المنطقة المتوسطية، وكيف استغلت هذه المتغيرات للتراجع عن بعض المكتسبات في مجال حقوق الإنسان.
لقد تناولت الشراكة الأورومتوسطية بصفة شبه حصرية قضايا الحقوق المدنية والسياسية، ولم تتناول القضايا المتعلقة بحقوق المرأة وحقوق المهاجرين وطالبي اللجوء بالشكل نفسه، مما يعني أن تناول الشراكة الأورومتوسطية أتى على حساب المقاربة الشمولية والكونية لحقوق الإنسان.
تعاطي اوروبي غير اخلاقي !
كما أن تعاطي الاتحاد الأوربي مع حقوق الإنسان في الشراكة الأورومتوسطية لم يكن تعاطياً أخلاقياً بقدر ما كان براجماتياً؛ فعندما يتعلق الأمر بالأمن الأوربي فانه لا مجال للحديث عن حقوق الإنسان وضرورة احترامها، علاوة على أن عدم سعي الاتحاد الأوربي إلى تفعيل مقتضيات حقوق الإنسان كما رسمتها أدبيات الشراكة يؤكد أن الاتحاد مازال يتلمس طريقه نحو توحيد سياسته الخارجية، وأن علاقاته مع شركائه لاتزال محكومة بطبيعة علاقة هذه الأخيرة مع مستعمريها.
وإذا كانت سياسة الجوار الأوربية قد حملت جديداً فيما يتعلق بتدبير قضايا حقوق الإنسان، فإنه من المبكر أن نتوقع نجاح أو فشل خطط العمل المنبثقة عنها. فبالنظر إلى غياب النقاط المرجعية والأطر الزمنية، سيعتمد التطور في هذا المجال على الإرادة السياسية والدبلوماسية لوضع أجندة حقوق الإنسان في مكان متقدم من سلم الأولويات، فلقد بقيت الالتزامات المعلن عنها في إعلان برشلونة واتفاقيات الشراكة بدعم واحترام حقوق الإنسان وإقامة دولة القانون وتطبيق المبادئ الديمقراطية ضعيفة ودون ما كان يطمح إليه، وذلك في غياب آليات وطرق للتنفيذ والمراقبة. لكن، مع ذلك يجب ألا ننكر أن هناك مكسباً لا يستهان به؛ وهو النقاش حول حقوق الإنسان الذي لا يمكن رفضه بدعوى رفض تدخل الاتحاد الأوربي في الشؤون الداخلية لشركائه، فهذه الأخيرة أخذت على عاتقها - ولو شكليا على الأقل - التزامات جوهرية في مجال حقوق الإنسان.
ومما لاشك فيه أن العمل من أجل حقوق الإنسان أصبح مكسباً كونياً، وأن حقوق الإنسان مستقلة عن كل شكل مجتمعي خاص، وإذا كان مسلسل الدمقرطة يفترض مجتمعاً تعددياً، فإن إيجاد أنظمة ديمقراطية في حوض المتوسط يجب أن يكون قبل كل شيء نتاج محاولات وصيرورة داخلية؛ مما يفرض على الاتحاد الأوربي احترام الإيقاع التاريخي للتطور نحو الديمقراطية، وحرية كل بلد تبعاً لخصائصه التاريخية والثقافية نفسها، دون إغفال ضرورة مد يد العون له ومده بكل الوسائل التي من شأنها أن تساعده على الوصول إلى هذا المبتغى، شريطة أن يحقق تقدماً ملموساً وحقيقياً.
ويذهب المؤلف إلى أن الاتحاد الأوربي يجانب الصواب عندما يطرح ضرورة احترام حقوق الإنسان كشرط أولي لتقديم المساعدات التي هي محرك التنمية ودافعها الرئيسي في بلدان تعاني الفقر وضعف الموارد، كما أن الدول الشريكة بدورها تجانب الصواب عندما تعتبر أن الأولوية للتنمية الاقتصادية، بل يجب أن تسير التنمية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان نظراً لترابطهما وتكاملهما، بل إن حقوق الإنسان شرط رئيسي لتحقيق التنمية وأن هذه الأخيرة شرط أساسي لضمان احترام حقوق الإنسان.
إن معالجة دقيقة ومتبصرة لمسألة حقوق الإنسان لا يمكن فصلها عن معالجة سليمة لقضية التنمية والتي تنبني على حق الشعوب في المشاركة والتمتع بمواردها الطبيعية من خلال سيادتها على ثرواتها، وذلك في ظل علاقات اقتصادية مبنية على تعاون حقيقي وفي ظل اعتماد متبادل، ولن يتم ذلك إلا بالتأكيد على ضرورة الاهتمام بالثقافة الديمقراطية والعمل على نشرها وتلقينها لكافة المواطنين بشكل يعمل على تربية الفرد على الممارسة الديمقراطية وعلى تقوية الأسس القائمة عليها وكذا العمل بكل الوسائل للقضاء على الأمية وتثبيت إجبارية التعليم وضمان مجانيته لكل الفئات ووضع مناهج تعليمية عصرية وعلمية تتماشى وحاجيات هذه الدول، وتعريف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم من أجل خلق الظروف المناسبة للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.
إن كلاً من مسلسل برشلونة وسياسة الجوار الأوربية والاتحاد من أجل المتوسط لا تمثل أهدفاً بحد ذاتها بقدر ما تمثل وسائل وصيغ للتعاون يمكن من خلالها للدول الأورومتوسطية تعظيم منافعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبقدر ما تنطوي عليه سياسة الجوار الأوربية والاتحاد من أجل المتوسط من تحديات، فإنها تنطوي أيضاً على فرص يمكن استغلالها، فهي تمثل أقصى ما يمكن للاتحاد الأوربي أن يقدمه لجيرانه فلا يمكن أن ننتظر من الاتحاد الأوربي أن يفتح أبواب العضوية أمام شركائه المتوسطيين. وبالتالي فإن ضرورة التعاون مع الاتحاد الأوربي تقتضيها حاجة المجتمعات جنوب وشرق المتوسطية إلى نهضة شاملة في كل المجالات، بشرط أن يتم هذا التعاون في إطار من الندية والاحترام المتبادل.
إذا كان هذا ما يرجى من الدول الشريكة القيام به، فإن على جميع أطراف الشراكة الأورومتوسطية القيام بالآتي:
• تأسيس برنامج إقليمي لحقوق الإنسان والديمقراطية ضمن إطار الآليات المستقبلية لسياسة الجوار واتحاد من أجل المتوسط.
• العمل على صياغة ميثاق أورومتوسطي لحقوق الإنسان انطلاقاً من حقيقة ترابط وتداخل حقوق الإنسان المتوسطي.
• انتهاج مقاربة إقليمية كلية للنهوض بحقوق الإنسان مع مراعاة عدم قابلية الحقوق للتجزئة.
• تنشيط عملية تنفيذ الاتفاقيات الموجودة وإيجاد آليات لمراقبة تنفيذها.
• تحليل كيفية تفاعل الأجزاء المختلفة من مسيرة برشلونة، وكيف تؤِثر على حقوق الإنسان، على سبيل المثال العلاقة التفاعلية بين تحرير التجارة وحقوق المهاجرين (خاصة وأن الأوربيين يتجهون نحو التشدد أكثر فأكثر في مجال الهجرة) وحقوق المرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
و من الضروري مراعاة أن تتغلب في هذا مقاربة مشتركة ومتوازنة بين الاتحاد الأوربي والدول المتوسطية الشريكة، وهذا يفترض أن يفي الاتحاد الأوربي بالالتزامات الواقعة على عاتقه، مما يعني أن مسائل الهجرة واللجوء يجب ألا تقلص إلى بعدها الأمني فقط وتشديد المراقبة عليها، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار شمولية أوجهها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما يقتضي هذا الأمر تنمية الحوار والتعاون الثقافي مع الرغبة في دعم التفاهم المشترك بين الشعوب والحضارات، وذلك بمحاربة التمييز وكراهية الأجانب والعنصرية وعدم التسامح.

التعليقات