المصادر المستقبلية للطاقة في الخليج العربي هيدروكربونية أم نووية أم متجددة؟

المصادر المستقبلية للطاقة في الخليج العربي هيدروكربونية أم نووية أم متجددة؟
ابوظبي –دنيا الوطن- جمال المجايدة
باتت الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية تدرك الحاجة الملحة إلى إحداث زيادة جوهرية في معدلات إنتاج الطاقة الكهربائية خلال العقود القادمة دعماً لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. ويعتبر سكان هذه الدول اليوم الأعلى استهلاكاً للطاقة عالمياً على صعيد الفرد الواحد، ليس بسبب الظروف المناخية القاسية فحسب، بل ونتيجة للاستخدام المفرط للكهرباء، وغياب الفاعلية عن وسائط نقلها وتوزيعها وأنماط استهلاكها. ومن أجل تلبية الاحتياجات المستقبلية للطاقة، لا مفر من تحقيق زيادة كبيرة في معدلات توليد الكهرباء، وإحداث خفض مهم في نسبة استهلاك الفرد وفيما يذهب هدراً منها.
ومن المعروف أن عملية التنمية الاقتصادية، ومشروعات التطوير الحضري المتواصلة في منطقة الخليج العربي تظل مرهونة بتوفير الطاقة من شتى مصادرها. وإذ يضع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية هذه التحديات في تقديره، فقد عقد مؤتمره السنوي الثالث عشر للطاقة في أبوظبي، خلال الفترة 19-21 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، تحت عنوان «المصادر المستقبلية للطاقة في الخليج العربي: هيدروكربونية أم نووية أم متجددة؟».
وقد دعي للمشاركة في هذا المؤتمر عدد من صنّاع السياسة والخبراء الزائرين، لمناقشة الأفكار والرؤى حول الهيكل المستقبلي لقطاع الطاقة في منطقة الخليج، والتحديات التي تواجهها دول الخليج في مجال تلبية احتياجاتها المتعاظمة للطاقة.
ولذلك يشكل هذا الكتاب توليفة ثرية لوجهات النظر الثاقبة والقيّمة هذه، من حيث تقييم اتجاهات الطلب على الطاقة في منطقة الخليج والتوقعات المواكبة لها على مدى العقود القادمة، وتدارس الحاجة إلى تقوية سبل الحفاظ على موارد الطاقة والكهرباء، والأساليب التي يمكن بها الحد من الارتفاع المتوقع في الطلب. وهو يتفحص أيضاً الدور المحتمل لمصادر الطاقة المتجددة في دفع عجلة مشروعات توليد الكهرباء ونقلها، ويعرض تقييماً لمدى ملاءمة الطاقة النووية كمصدر بديل لإنتاج الكهرباء خلال العقود القادمة. ويتناول الكتاب بالبحث أيضاً المشاغل الفنية والجيوسياسية والاستراتيجية التي تكتنف استخدام الطاقة النووية في منطقة ذات أهمية حيوية كمنطقة الخليج العربي.

الطلب علي الطاقة

بينما يتجه العالم نحو تخفيض الطلب على الطاقة خلال العقود القليلة القادمة، ثمة حاجة واضحة وملحة لصنع القرار الذي يتصف ببعد النظر. وبما أن التصنيع والتوسع الاقتصادي السريع في أوربا وأمريكا الشمالية في القرن التاسع عشر كان وقوده الفحم الحجري، فإن عدداً أكبر من البشر خرجوا من الفقر في القرن العشرين، والفضل في ذلك يرجع إلى النفط والطاقة التي يوفرها. برغم ذلك، فالنفط أيضاً هيدروكربون ملوث، واستخدامه غير الكفء يؤدي إلى تزايد استهلاكه وإلى رفع أسعاره. علاوة على ذلك، وعلى نحو متزايد، يعتبر الاستهلاك الغزير للنفط، وبخاصة عندما لا يكون فعالاً اقتصادياً، استخداماً مهدراً لشكل قيّم من أشكال الطاقة ينتج غالباً في مناطق غير مستقرة تقع بعيداً عن الدول المستهلكة الرئيسية.
وسوف يشهد مزيج الطاقة في بقية هذا القرن وما بعده -على أقل تقدير- نسبة أعلى كثيراً من الطاقة التي توفرها مصادر غير هيدروكربونية لأسباب تتعلق بالكفاءة، وخفض التلوث، وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وندرة العرض.
ولسنا نبالغ إذا ذكرنا أهمية الطاقة والطريقة التي ساهم بها استخدامها في تطور الحضارة البشرية. فمن قوة العضلات البشرية إلى الاستفادة من الحيوانات وعبر ذلك إلى استخدام الفحم الحجري، والنفط، والانشطار النووي ظلت الطاقة جزءاً لا يتجزأ من التطور البشري. والكهرباء اليوم لا توفر الوقود للإضاءة ومكيفات الهواء التي نعتمد عليها فقط، ولكنها تشكل أساس حياتنا الحديثة من إنتاج الغذاء، والتصنيع، والتشييد إلى التعاملات المالية. بعبارة بسيطة، لا نستطيع العيش من دون الكهرباء.
في العالم المتقدم، والآن في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أيضاً، يؤخذ الوصول إلى الكهرباء كشيء مسلم به. ونتيجة للاستخدام المتنامي والمُهدر للطاقة غالباً (وتحديداً في استهلاك الكهرباء) في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن استهلاك الكهرباء للفرد في مجالات الصناعة والتجارة والمجال المنزلي من بين الأعلى في العالم. وهذا نتيجة للتصنيع المتسارع، والتنمية الاقتصادية، والنمو السكاني، إلى جانب القليل من الاعتبار لإمدادات الطاقة أو الكمية التي تستهلك منها.
ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، نجد أن الاستهلاك يساوي أكثر من متوسط المعدل العالمي بإحدى عشرة مرة. وعلى نحو مغاير، يتمتع الناس في الدول الأقل نمواً بالوعي بالمصدر الذي تأتي منه الطاقة اللازمة للوفاء باحتياجاتهم اليومية. وعبر التاريخ أدت الثروة الفردية المتزايدة إلى الاستخدام المتزايد للطاقة، وقد ألفت مجتمعاتنا الإمدادات الوافرة من الطاقة. وهذا نموذج من المرجح أن يتغير في العقود القادمة، وهذه حقيقة ينبغي أن نعترف بها إذا كان على المجتمع أن يتفادى النكوص إلى الخلف.
يسلط نايف العبادي الضوء في فصله المعنون "خفض استخدام الطاقة: دور الحكومة"، على قطاع الطاقة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي يتصف بزيادات ملموسة في الاستخدام المحلي للنفط والغاز، وبمستوى مرتفع من الطلب على الحمل الكهربائي، واستهلاك مرتفع للفرد من الكهرباء، ومن ثم طلب متزايد لسعات توليد كهرباء إضافية. وحتى تتم المحافظة على المصادر القابلة للنفاد، وحماية البيئة، وزيادة نصيب مجلس التعاون لدول الخليج العربية من صادرات النفط، فإنه ينادي بسياسات فاعلة للطاقة وابتداع وتنفيذ استراتيجيات مناسبة. ووفقاً لما يرى العبادي، فإن استراتيجيات الطاقة هذه يجب أن تدعم توسيع مجال المحافظة على الطاقة، وتحسين الاستفادة منها، وتبادل المعلومات بشأن كفاءة الطاقة، وتشجيع خدمات الطاقة، واستثمارات القطاع الخاص، والاستفادة من التقنيات الفعالة، وتعزيز وتشجيع الوعي بكفاءة الطاقة عبر الحملات وورش العمل.
وهو ينادي أيضاً بتطوير تعريفة طاقة تتفادى الدعم وتجبر الناس على الاستخدام العقلاني للطاقة، إضافة إلى إدخال إجراءات الاستفادة الفعالة من الطاقة في قطاع الإنشاءات لتشمل الاستخدام الفعال لتقنيات ومعدات تكييف الهواء، وتركيب العزل الحراري، وتنفيذ قواعد البناء التي تزيد كفاءة الطاقة.
لقد باتت كيفية الوفاء بالطلب العالمي المستقبلي على الطاقة مصدر قلق متنامٍ بالنسبة إلى كل من الحكومات والسكان، ولكنها مازالت تنتظر الدراسة التامة، فضلاً عن معالجتها. لقد أرغمت أسعار النفط المرتفعة في سبعينيات القرن العشرين الدول الصناعية الرئيسية المستهلكة على أن تخفض استخدامها للطاقة، ولكن منذ ذلك الوقت تم التغلب على العوائق السياسية التي كانت تقف وراء عملية الإمدادات، واستمر الاستهلاك في الزيادة. وسوف تنشأ القيود العالمية المستقبلية من عجز مصادر الطاقة التقليدية الراهنة الواضح عن الوفاء بالطلب، وهذه مشكلة أساسية ينبغي أن نعيرها اهتمامنا.
ويذكر لويس إتشافاري أن الحالة الراهنة للطلب على الطاقة وعرضها توفر فرصاً لتطوير الطاقة النووية لكي تكمل أنواع الوقود الأحفوري والمصادر المتجددة للطاقة. ويطرح فكرة أن مصادر الطاقة النووية والمتجددة متكاملة عبر كثير من الطرق، ويمكن أن تسهم في أنواع متوازنة من مزيج الطاقة في معظم الدول، بما في ذلك دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لأن الطاقة النووية ملائمة لمعظم متطلبات إنتاج كهرباء الحمل الأساسي خدمة للصناعات الكثيفة الطاقة، والأماكن الحضرية الكبيرة، بينما نجد أن المصادر المتجددة تتكيف بشكل أفضل مع إمداد الأماكن النائية، حيث يكون الربط الشبكي غير عملي اقتصادياً. وهذا سوف يسمح بالمزيد من الاستخدام الاقتصادي للهيدروكربونات، سواء في الصادرات أو في مجالات أخرى مثل البتروكيماويات. وبرغم أنه يقر بأن متطلبات تطوير السعات النووية الداخلية ربما تطرح تحدياً في الدول النامية أو الناشئة، فإن تنفيذ برامج الطاقة النووية سوف يوفر في نهاية الأمر فرصاً لتطوير سعات داخلية في حقل التقنية المتقدمة.
يقول صالح المانع إن هناك نزعة واضحة اليوم في معظم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية نحو تبني خيار نووي سلمي كمصدر لإنتاج الطاقة وتحلية المياه. وينسب هذا التطور إلى حقيقة أن إنتاج الطاقة التي تولدها المحطات النووية والمفاعلات أرخص في المتوسط بنحو 25-30% من الطاقة الكهربائية التي يولدها الديزل أو الغاز الطبيعي، وأن تكلفة إنتاج متر مكعب من المياه المحلاة في محطة نووية تبلغ نحو ربع التكلفة اللازمة لإنتاج المياه المحلاة في محطات التحلية بالتقطير أو محطات التحلية بالتقطير الوميضي المتعدد المراحل. ومع ذلك يسلط الضوء على العوامل المتعلقة بالسياسة المحلية، والبيئة، والقدرات الأهلية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي تثبط تبني سياسات تناصر تشييد محطات نووية كبرى في دول الخليج العربية، ويوصي ببناء محطات صغيرة بالتحديد للبحث العلمي تكون تابعة للجامعات ومراكز البحوث لكي تضفي على دول مجلس التعاون القدرة على تعزيز الكفاءة العلمية والقدرات البحثية. ويذهب إلى أن هذه المقاربة سوف يكون لها تداعيات سياسية واستراتيجية أخف كثيراً من تبني المنشآت النووية الكبيرة الحجم.
من ناحية ثانية، يحذر كينيث كاتزمان من أنه لا يوجد خبير أو حكومة حقيقة تؤمن بأن البرنامج النووي الإيراني أغراضه سلمية كلية، فينبغي أن تفهم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن برامجها النووية لن يتم تصورها على أساس أنها برامج سلمية كليةً، بغض النظر عن التقنية التي تستخدمها، أو درجة محدودية رأس مالها البشري الأهلي في البحوث النووية. ويقول إنه نسبة إلى قدرة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على دفع أسعار استثنائية للتقنية، واستيراد المهارات، فإن البرنامج سوف يعتبر في نهاية الأمر الهدف منه إنتاج سلاح نووي، إذا قرر قادة مجلس التعاون أن هذا هو الاتجاه الذي يجب أن يمضي فيه البرنامج. ويضيف أن تصور النية في امتلاك أسلحة نووية، أو على الأقل هذا الخيار، سوف يفرض نفسه، في رأي الكثير من الاستراتيجيين، بغض النظر عن المنطق الفني وفاعلية وحجة مجلس التعاون في أنه يحتاج للطاقة النووية بسبب اضمحلال صادرات النفط، أو لأي تبرير آخر يمكن طرحه.
إن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تملك إمكانيات هائلة فيما يتعلق بمصادر الطاقة المتجددة لإنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر. ويبين فرانز تريب أن الإشعاع الشمسي هو إلى حد كبير أكبر مصدر مع إمكانيات فنية تتجاوز طلب المنطقة على الكهرباء في الحاضر والمستقبل بمقادير مضاعفة. ويزعم أنه بكيلومتر مربع من الصحراء يمكن حصد نحو 250 جيجاواط ساعي (GWh) من الكهرباء سنوياً باستخدام المجمعات الحرارية الشمسية المركزة كخزانات وقود في محطات طاقة دورة البخار التقليدية.
وكذلك، توفر الطاقة الفولطية الضوئية والرياح، والطاقة الجيوحرارية من الصخور الجافة والساخنة في الأعماق، والكتل الحيوية من النفايات البلدية والزراعية، إمكانيات كبيرة لتوليد الطاقة، برغم أنها ليست واسعة كتلك الخاصة بتركيز الطاقة الشمسية. وفي تقديره أن الأمر سوف يستغرق حتى عام 2020 لكي تحقق المصادر المتجددة نصيباً كبيراً من توليد الطاقة، بعد نحو 15 عاماً من النمو الثابت لتقنية الطاقة المتجددة. وهو يستشرف أيضاً وقتاً سوف تحل فيه الطاقة الشمسية محل أنواع الوقود الأحفوري في محطات الطاقة التقليدية، وتطيل توافرها لعقود أو حتى قرون. وتماماً مثل زيت الوقود أو الغاز الطبيعي، يمكن أن تصدر الطاقة الشمسية إلى أوربا عبر خطوط الضغط العالي للتيار المباشر لنقل الطاقة مع درجة عالية جداً من الكفاءة والتكلفة المنخفضة. ووفقاً لما يرى تريب، يمكن أن تظل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية دولاً مصدرة للطاقة، ولكن بدلاً من الاعتماد على مصادر الوقود الأحفوري المحدودة، سوف تقوم الصادرات على الطاقة الشمسية.
وفي تحليل شامل لإمكانيات الطاقة الشمسية والرياح لتوليد الطاقة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يحث وهيب الناصر وناصر الناصر دول مجلس التعاون على الاستفادة من آلية التنمية النظيفة، وتجارة الكربون، وشهادات خفض الانبعاث. ويقولان إنه يمكن توفير النفط والغاز في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واستخدامهما أيضاً في صناعة البتروكيماويات والتطبيقات الأخرى. ويقدمان عدداً من التوصيات، بما في ذلك أنه ينبغي تشييد المباني في دول مجلس التعاون في شكل مبانٍ مستدامة (مثلاً مع معدات فولطية ضوئية متكاملة في المبنى)؛ وينبغي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن تركز على البحث والتطوير لتطوير أدوات وتقنيات طاقة متجددة تجارية؛ ويجب أن تفكر بجدية في التصنيع في مجال الطاقة المتجددة، وقطاعات الطاقة وإنتاج الماء، ما يقتضي إصلاح تعليم الهندسة والعلوم في دول المنطقة.
ويحث إبراهيم دنجر، في فصله الذي يركز على الطاقة المتجددة في المواصلات، على التحول من اقتصاد الوقود الأحفوري إلى احتضان مصادر الطاقة المتجددة. ويقول: «إننا في حاجة إلى التحول من وجبتنا القائمة على "الغذاء الفقير" إلى واحدة صحية أكثر»، وهو أيضاً يشدد على أهمية التعليم والتدريب، ويقول إنهما مهمان للتغيير في السلوك والعادات. ويذكر أنه يجب أن يكرس مجهود معين لتطوير تقنيات الهيدروجين وخلايا الوقود للمواصلات، مضيفاً أن الاستفادة من الطاقة المتجددة في إنتاج الهيدروجين يمكن أن توفر حلاً محتملاً للمشكلات البيئية الراهنة.
على أي حال، يحذر سليم الرحمن من أن منطقة الخليج العربي لا يوجد فيها دليل على تعزيز المعرفة، أو توليد ملكيات فكرية نافعة في حقل الطاقة البديلة. ويذكر أن دول الخليج العربية تملك مصادر مادية وبشرية لإنجاز المهمة، وأن هذه الحقيقة قد أقر بها صناع القرار. ويوضح ذلك بلفت انتباهنا إلى الأنشطة الأخيرة، مثل إطلاق مبادرة مصدر في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ وإعلان عاهل المملكة العربية السعودية دعمه للطاقة النظيفة؛ وإنشاء الحكومة السعودية مركز التميز البحثي في الطاقة المتجددة. وتحدث عن عدد من المشاريع الأخرى في المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عُمان، ومملكة البحرين، والكويت. مع ذلك، يعتقد أن حجم مثل هذه الجهود أقل بكثير من الجهود التي تبذل في أماكن أخرى، وعلاوة على ذلك، يجب أن تعزز هذه الجهود لكي تحقق التطور تجاه توليد الملكيات الفكرية.
في الدول المتقدمة أخذ إجمالي الطلب على الطاقة ينمو مع توسع الاقتصادات، ولكن استهلاك الفرد أخذ في الهبوط تدريجياً. والأمر ليس كذلك في الدول النامية، والارتفاع السريع في مستويات المعيشة بالنسبة إلى مليارات البشر الذين يعيشون في الصين والهند يثير الاهتمام بخاصة في هذا الصدد. وفي مجلس التعاون لدول الخليج العربية من المتوقع أن يزداد الطلب المستقبلي على الكهرباء سريعاً مع توسع هذه الدول في قواعدها التجارية والسكنية والصناعية. وتوفر أبوظبي مثالاً ملائماً على هذا، فوفقاً لهيئة مياه وكهرباء أبوظبي، كانت ذروة الطلب في الإمارة أقل من 4 آلاف ميجاواط، وبرغم ذلك من المتوقع أن يرتفع الطلب إلى أكثر من 14 ألف ميجاواط بحلول عام 2020. ومن الطبيعي، أن يؤدي التطور السريع للنمو الاقتصادي في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على النفط والغاز الطبيعي ومصادر الطاقة الأخرى.
ويشير بكر بن حمزة خشيم إلى أن الطلب على الكهرباء في الشرق الأوسط أخذ في الارتفاع بأكثر من ضعف معدل الطلب العالمي، والطلب في مجلس التعاون لدول الخليج العربية سوف يصل إلى 292 ميجاواط بحلول عام 2028 من إجمالي الطلب لمنطقة الشرق الأوسط الذي يبلغ 391 ميجاواط. وفي فصله المعنون "استعراض للطلب المتنامي على الطاقة: الاتجاهات والتوقعات والطاقات البديلة" يذكر عدداً من الإجراءات التي يمكن تبنيها للوفاء بالطلب المتزايد في الخليج العربي، بما في ذلك تبني المحافظة على الطاقة، وبرامج إدارة جانب الطلب، ووضع التعريفات، وتكامل شبكات الكهرباء، والمزيد من الاستثمار في الطاقات البديلة، وتبني مشاريع المنفعة المتكاملة.
وهناك حلول إضافية لزيادة سعة توليد الكهرباء في الطريق مع المزيد من محطات الطاقة التي تشتغل بالنفط والغاز المخطط لها، وثمة مقترحات في كل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لاستكشاف الطاقة النووية، واهتمام متزايد بالطاقة المتجددة، والمثال الجيد هو مبادرة تأسيس معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا الذي كانت رائدته شركة أبوظبي لطاقة المستقبل. وبالإضافة إلى تقييم متطلبات العرض في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والكيفية التي سوف توفر بها الموازنة بين مصادر الطاقة الهيدروكربونية، والنووية، والمتجددة، فمن المهم جداً أيضاً فحص الطلب المستقبلي.
لقد أخذ الاهتمام بشأن استخدام الفرد للطاقة ينمو تدريجياً في الدول المتقدمة، وذلك إلى حد كبير لأسباب تتعلق بانبعاث غازات الاحتباس الحراري والتغير المناخي، ومن المؤكد أن نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور وبروتوكول كيوتو قد أسهما في الوعي بهذه القضايا، ولكن -في العادة- المحافظة على الطاقة أرخص للعمل التجاري أو الفرد من إهدارها. ومن الطبيعي أن الأمر كذلك في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولكن لم تنفذ أي دولة من هذه الدول سياسة ذات مصداقية لكبح الطلب على الكهرباء عبر حوافز مالية أو غيرها. وبرغم أن هناك حوافر بيئية واضحة، فمن الحس الاقتصادي الجيد أيضاً، بالنسبة إلى كل من الأفراد والدول، خفض كمية الطاقة التي يحتاج إليها كل شخص يومياً، والمحافظة مع ذلك على مستوى المعيشة نفسه أو مستوى معيشة أفضل.
ويمكن أن توفر الزيادة في كفاءة الطاقة والنزعة نحو المحافظة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ منتصف السبعينيات وحتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين بعض الأمثلة الجيدة لكيفية الوفاء بهذا المتطلب عبر مشاركة الحكومة، والضغط المتزايد على المستهلكين. ومن المؤكد أن هناك كثيراً من الفرص لخفض استهلاك الفرد من الطاقة في دولة الإمارات العربية المتحدة، مثلاً. ووفقاً للبنك الدولي، فقد استهلك الفرد الساكن في الإمارات العربية المتحدة في المتوسط طاقة تساوي 11 طناً من مكافئ النفط عام 2000، وهذا الرقم أكثر من 20 ضعف ما استهلكه الفرد الساكن في الهند في المتوسط. وبالمقارنة، استهلك الأمريكي في المتوسط ما يفوق قليلاً 8 أطنان من مكافئ النفط.
يهدف هذا الكتاب الذي يحتوي على مداولات مؤتمر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الثالث عشر للطاقة بعنوان "المصادر المستقبلية للطاقة في الخليج العربي: هيدروكربونية أم نووية أم متجددة؟" إلى تناول مشكلة كيفية الوفاء بمثل هذه الزيادة في الطلب، كما هو متوقع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بأكثر الطرق فاعلية واستدامة في العقود القادمة. ويأتي اليوم معظم إنتاج دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من الكهرباء من خلال الغاز، ولكن استخدام الهيدروكربونات لا يمكن أن يستمر بلا نهاية. وفي ضوء أهمية إمدادات مستقرة من الطاقة لاقتصادات المنطقة، والحاجة إلى اكتشاف تقنية جديدة وتطويرها وتنفيذها، فإن الانتقال الثابت حيوي، وسوف يتطلب عقوداً من التخطيط والتنفيذ. وفيما يتعلق باقتصاد الطاقة، فإن عام 2050 يقع في أول منعطف تماماً.
وتحتاج دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية -فردياً وجماعياً- إلى استراتيجية طاقة نظامية وشاملة لوضع أولويات استخدام الطاقة، وخفض الاستهلاك لكي تحقق أقصى الفوائد من الإنتاج. ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن أي زيادة إضافية في الاستهلاك المنزلي سوف تمثل بلا شك ضرراً في المديين المتوسط والطويل. علاوة على ذلك، يجب أن تدرس دول المنطقة احتمالات تنفيذ حلول ذات جدوى وفاعلية لكي تستفيد من الطاقات المتجددة المتاحة، مثل المصادر الشمسية والرياح، عبر دراسات اقتصادية مفصلة.

التعليقات