عمليات حفظ السلام ..دراسة في التطورات وسياقاتها المستقبلية

عمليات حفظ السلام ..دراسة في التطورات وسياقاتها المستقبلية
ابوظبي –دنيا الوطن- جمال المجايدة
تحاول هذه الدراسة الصادرة عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بابوظبي الخروج بنتائج ودروس من عمليات حفظ السلام يمكن الإفادة منها في طرح رؤية شاملة حول أهدافها والشروط التي يجب تحقيقها ليتم إطلاقها، وتحاول تحليل التحديات التي تواجهها، وتؤثر مجتمعة على نوع الأداء الذي تقوم به القوات، ونوع المشاركة وحجمها. فهذه دراسة لعمليات حفظ السلام باعتبارها تدخلاً من طرف ثالث، وهو الأمم المتحدة، انطلاقاً من دراسة مدى فاعلية تعاطي المنظمة الدولية مع الصراعات الداخلية العنيفة، ومحاولة إيجاد بعض الإجابات عن السؤال الأكثر حسماً حول طبيعة تطور هذا الدور في المستقبل.
إن أهم ما تخلص إليه الدراسة التي اعدها الباحث خالد حامد شنيكات
أن الأمم المتحدة تمتاز عن غيرها للقيام بمهمات سلام في العالم؛ بالنظر إلى أن لديها مزايا عديدة تجعلها تستمر بوصفها خياراً أول لإطلاق هذه العمليات برغم مشاركة المنظمات الإقليمية والدول، وذلك لعدة أسباب: أنها تمثل الشرعية السياسية؛ إذ لا توجد منظمة دولية تملك مثل هذه السلطة والاعتراف. وأنها توزع كلفة مثل هذه المهام بين أعضائها. وأنها قادرة على إقناع الكثير من الأطراف بإيصال المساعدات والإعانات الإنسانية وصنع السلام، وبناء الدول. وأن لها ميزة نسبية في قدرتها وتنافسيتها الإقليمية على مستوى مواجهة الأزمات والصراعات مقارنة بالمنظمات الإقليمية، ولذا كانت السمة العامة لعمليات حفظ السلام هو ازديادها المستمر.

عمليات حفظ السلام

لم ترد في ميثاق الأمم المتحدة إشارة مباشرة محددة إلى عمليات حفظ السلام، لكن مجلس الأمن، الذي أناط به الميثاق مسؤولية الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وجد في عمليات حفظ السلام أداة دبلوماسية تساعده على الوفاء بواجباته. ويمكن اعتبار مجموعات مراقبة وقف إطلاق النار التي تم إرسالها من قبل الأمم المتحدة إلى فلسطين وكشمير في أواخر عقد الأربعينيات من القرن المنصرم، وكذلك تلك القوات التي حاربت تحت علم الأمم المتحدة في كوريا البدايات الأولى لهذه العمليات.
ولعل انبثاق قوة طوارئ الأمم المتحدة التي شُكلت على عجل وتم إيفادها إلى مصر إبان أزمة السويس كان بداية تطور عمليات حفظ السلام بشكل جوهري، وقد تجسدت ملامحه بشكل جلي في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات، حيث تم إطلاق ست عمليات لاعتبارات مختلفة.
إن عمليات حفظ السلام في الأساس أسلوب براجماتي وحل بديل ابتكره الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة داج همرشولد في منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم؛ إذ ليس المطلوب منها التمييز بين المعتدي والضحية، بل أن تكون أكثر حيادية ونزاهة في التعامل مع الصراع، وألا تستخدم القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس؛ فالهدف الرئيسي من ورائها هو حماية السلام.
منذ نهاية الحرب الباردة تغيرت طبيعة عمليات حفظ السلام؛ إذ لم تعد مقيدة بوجود مراقبين غير عسكريين، ولعل ذلك يعود إلى تضمين مهامها أموراً معقدة ومركبة؛ فالصراعات لم تعد تحدث بين الدول فقط، بل بين قادة الحرب المحليين أيضاً (صراعات محلية)، وذلك بسبب سحب دعم الدول الكبرى لعدد من الدول النامية وبعض الدول المستقلة حديثاً، مما أدى إلى إضعاف أنظمتها كثيراً، وخلقَ فراغاً في السلطة تم ملؤه بأمراء الحرب المحليين. إن نموذج ما بعد الحرب الباردة تضمن إجابات وظيفية متعددة لضرورات مركبة ومعقدة حدثت في الدول الفاشلة، حيث لم تعد الحكومات قادرة على ممارسة سيادتها على كل أراضيها، نتيجة وقوع هذه الظروف والتطورات قبل تصميم حلول فعالة لمثل هذه التحديات، الأمر الذي ترتب عليه استخدام مصادر عسكرية في إطار عمليات حفظ السلام لإنجاز كثير من الأهداف السياسية والإنسانية.
وقد قاد هذا إلى ظهور ما يسمى بـ "عمليات فرض السلام" بما فيها التهديد باستخدام القوة أو استخدامها فعلياً. وهذه المهام صنعت العديد من التحديات غير المعتادة في عمليات حفظ السلام التقليدية؛ فقد أصبح هناك عدم تكافؤ بين اتساع تلك العمليات بأنشطتها، وبين حجم قدراتها العسكرية والبشرية والمادية، الأمر الذي أسهم في خلق مشكلات خطيرة أمامها.
وبهذا، فإن هذه الدراسة تهدف إلى فتح النقاش حول عمليات حفظ السلام، وذلك عبر استخدام نوعين من المناهج النظرية لعمليات حفظ السلام المبنية، وهي نظريات حل المشكلات، والنظريات النقدية، من حيث علاقتهما بعمليات حفظ السلام.
وتحاول هذه الدراسة الخروج بنتائج ودروس من عمليات حفظ السلام يمكن الاستفادة منها في طرح رؤية شاملة حول أهدافها والشروط التي يجب تحقيقها ليتم إطلاقها، وتحاول تحليل التحديات التي تواجهها، وتؤثر مجتمعة على نوع الأداء الذي تقوم به القوات، ونوع المشاركة وحجمها. فهذه دراسة لعمليات حفظ السلام باعتبارها تدخلاً من طرف ثالث، وهو الأمم المتحدة، انطلاقاً من دراسة مدى فاعلية تعاطي المنظمة الدولية مع الصراعات الداخلية العنيفة، ومحاولة إيجاد بعض الإجابات عن السؤال الأكثر حسماً حول طبيعة تطور هذا الدور في المستقبل.
لقد رافق تنفيذ عمليات حفظ السلام صعوبات جمة في كثير من الحالات؛ إذ ليس الجميع مستفيدين من تحقيق السلام، وخاصة في حال اشتراك مسببي أو لاعبي الصراع في النشاطات العسكرية المنظمة، فإنهاء العنف وإعادة تأسيس السلطة الشرعية يقلص فرص المشاركة في النشاط الإجرامي العسكري والسياسي، بل يزيد مخاطره، وبالتالي فغالباً ما يلعبون دوراً سلبياً أو مدمراً لمهمات السلام باستخدام العنف لتقويض محاولات تحقيق السلام، كما كان في رواندا أو في الصومال أو في غيرهما. ولكن يبقى نجاح عمليات حفظ السلام مرتبطاً بمدى تأثيرها إيجابياً على حياة المواطنين، وذلك بضمان الأمن والحرية وغيرهما من المتطلبات الأخرى.
إن الشروط الرئيسية لنجاح عمليات حفظ السلام ذات طبيعة مركبة في المستقبل؛ فهي تتمثل في الدعم السياسي، والانتشار السريع بوضعية قوة متينة، ووجود استراتيجية سليمة لبناء السلام؛ أي التأثير إيجابياً على حياة المواطنين.
إن عمليات حفظ السلام التزمت بثلاثة أدوار رئيسية: توفير الآليات لحل الصراعات دون التدخل المباشر من قبل القوى الكبرى في الحرب الباردة، وذلك بمحاولة تقليل خطورة التصاعد العنيف للصراع. وتعبئة المجتمع الدولي تجاه عمليات حفظ السلام لإيجاد الالتزام بحفظ السلام. وتوفير المناخ الدبلوماسي لفتح الطريق أمام مفاوضات إضافية لحل الصراعات بطريقة سلمية. وترتبط فاعلية دور الأمم المتحدة بالتزامها بهذه الأمور، وأفضل مثال لذلك هو الشرق الأوسط. لكن ثمة منتقدين لهذا التقييم، إذ إن الأمر ليس على هذه الصورة المليئة بالتفاؤل دوماً، وإنما هناك حالات من النجاح والفشل.
وهناك ملاحظتان مهمتان: الأولى أن الأمم المتحدة لم تقم بأي مهمة لحفظ السلام في الصراعات بين الدول منذ بداية السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات، والسبب عدم إمكان استصدار قرار من مجلس الأمن لاعتراض إحدى القوتين العظميين. والملاحظة الثانية؛ أن الزيادة الواضحة في مهمات السلام خلال العقد الأول بعد انتهاء الحرب الباردة كانت نتيجة لزيادة عدد مهمات السلام المنجزة بوساطة الطرف الثالث (الأمم المتحدة، المنظمات الإقليمية، الدول). وبالرغم من أن الأمم المتحدة أسست 29 مهمة سلام في الصراعات داخل الدول خلال عقد التسعينيات من القرن المنصرم، فإن المنظمات الإقليمية ومجموعات من الدول أسست 34 مهمة في هذا الشأن خلال الفترة ذاتها.
وقد عكست الـ29 مهمة سلام التي تأسست خلال عقد التسعينيات من القرن المنصرم وما تأسس بعدها من عمليات حفظ السلام ثلاثة أمور: أولاً، رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في استخدام الأمم المتحدة لتقوم بالمهام نيابة عنها وتحت قيادتها. ثانياً، الطلب المتزايد على عمليات حفظ السلام برغم بعض الإخفاقات. ثالثاً، إن هذا الطلب رافقه تطور في مهمات السلام وتغير في أهدافها.
وتذهب الدراسة إلى أن عمليات حفظ السلام تشترك مع عمليات بناء الدول في بعض السمات، وهي بالمجمل تشمل الأمور الآتية: تأسيس مناطق عازلة "منزوعة السلاح" بخطوط من الاتصال بين الجانبين، ومراقبة وقف إطلاق النار، والمساعدة في تطوير القسم العسكري لاتفاقيات وقف إطلاق النار، ومنع محاولات استئناف الأعمال العسكرية، بما فيها تلك المحاولات التي يقوم بها القادة الميدانيون غير المتعاونين. وتسهيل الاتصالات بين القادة الميدانيين المتحاربين أو بين القادة وجيش الحكومة لحل المشكلات التي تسهم في إنهاء الأعمال القتالية في المناطق المحلية المختلفة، بما فيها منع الحوادث التي قد تسبب انهيار وقف إطلاق النار، والمحافظة على القانون والنظام في المناطق التي تم عزلها، وحماية الأهداف المهمة والاستراتيجية؛ مثل مستودعات الذخيرة ومحطات الطاقة والمصانع، والمساعدة في إدارة المساعدات الإنسانية بما فيها توفير الطاقة، والمساعدة في تبادل المقاطعات والأراضي، حسب مقتضيات معاهدات السلام، والمساهمة في إنشاء مخيمات اللاجئين ونقاط تجمع للأشخاص المثيرين للشغب وذلك للمحافظة على القانون والنظام، والمساعدة في تنظيم نشاطات السلطات المدنية وفق الاتفاقيات، ومراقبة وقف إطلاق النار، وإجراء الانتخابات المحلية أيضاً، كما حدث في كل من ناميبيا وأنجولا وموزمبيق والكونغو وتيمور ليستي، وضمان الوصول الآمن للمساعدات الإنسانية خلال الصراع، كما كان واضحاً في كل من الصومال ورواندا وليبيريا والسودان.
وقد أدى هذا التوسع في المهمات إلى إنشاء قسم عمليات حفظ السلام التابع للأمم المتحدة في بداية التسعينيات لدعم الطلبات المتزايدة لعمليات حفظ السلام ذات الطبيعة المركبة، وشرع القسم في إنجاز مهام جديدة تتضمن كل الأعمال والإجراءات التي تجري بعد انتهاء الجانب العسكري من الصراع؛ وتتلخص في تجديد الهياكل والمؤسسات الاجتماعية والسياسية القابلة لمنع تجدد الصراع مرة أخرى، وتجديد الثقة بين الأطراف المتحاربة سابقاً، وتوفير الضمانات، ولو بالحد الأدنى، لبقاء الشعب على قيد الحياة، وحل مشكلات اللاجئين، وتجديد الاقتصاد أو إعادة بعثه، وتفعيل الهياكل المدنية بما فيها المسؤولية أمام القانون، وإنجاح النظام والرعاية الصحية والتعليم.
وفي هذا السياق؛ فإن المثال الأكثر وضوحاً على ذلك التطور في مهمات عمليات حفظ السلام كان في يوغسلافيا السابقة وتيمور الشرقية، وهو ما يتجلى بوضوح فيما ذهب إليه الجنرال الأمريكي المتقاعد وليم ناش الذي أرسل إلى إقليم كوسوفا عام 1999 كمدير مدني للأمم المتحدة فيه، حيث قال "إن مهمتي كانت تنحصر في محاولة توفير الخدمات وإدارة أسس المشاريع والترويج للتنمية المستدامة والمشاركة السياسية".
إن أهم ما تخلص إليه الدراسة أن الأمم المتحدة تمتاز على غيرها للقيام بمهمات سلام في العالم؛ بالنظر إلى أن لديها ميزات عديدة تجعلها تستمر بوصفها خياراً أول لإطلاق هذه العمليات رغم مشاركة المنظمات الإقليمية والدول، وذلك لعدة أسباب:
• أنها تمثل الشرعية السياسية؛ إذ لا توجد منظمة دولية تملك مثل هذه السلطة والاعتراف.
• أنها توزع كلفة مثل هذه المهام بين أعضائها.
• أنها قادرة على إقناع الكثير من الأطراف بإيصال المساعدات والإعانات الإنسانية وصنع السلام، وبناء الدول.
• أن لها ميزة نسبية في قدرتها وتنافسيتها الإقليمية على مستوى مواجهة الأزمات والصراعات مقارنة بالمنظمات الإقليمية، ولذا كانت السمة العامة لعمليات حفظ السلام هو ازديادها المستمر.
كما تخلص الدراسة إلى أن هناك عوامل أساسية لنجاح عمليات حفظ السلام عموماً، وهي:
• يجب على المجتمع الدولي أن يحلل بنجاح المشكلة قبل أن يصف عمليات حفظ السلام كعلاج، فأغلبية أو كل أطراف الصراع مطلوب منها أن تلتزم بوقف القتال.
• كل الأطراف الرئيسية في الصراع يجب أن تجمع على أهمية دور الأمم المتحدة في مساعدتها لحل صراعاتها.
• يجب على أعضاء مجلس الأمن أن يوافقوا على مدخلات العملية، وأن يكون هناك تفويض محدد وواضح وقابل للتحقيق، كما يتعين أن يكون التوظيف سريعاً لعمليات حفظ السلام، وينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية كلية للمساعدة في حل الصراع الذي يتطلب جهوداً سياسية واقتصادية وتنموية وإنسانية وفيرة تدار بشكل متواز.
• يتطلب تحقيق النجاح في عمليات حفظ السلام الوقت الكافي، وذلك لأن بناء القدرات الوطنية للدول المبتلاة بالصراع وإعادة الثقة تأخذ وقتاً، وهو ما يتطلب مهنية عالية.
إن الطلب المتزايد على عمليات حفظ السلام هو السبب الحقيقي لطرح مسألة تطويرها باعتبارها ليست فقط أداة للحل بين دولتين، بل أداة للحل بين الأطراف المتحاربة داخل الدولة نفسها أيضاً، ولهذا ظهرت الطبيعة المتعددة لعمليات حفظ السلام.
إن عمليات حفظ السلام ستبقى تواجه تحديات حقيقية على مستوى التمويل، فبرغم كل الاقتراحات المتعلقة بالميزانية وكيفية توفير التمويل المطلوب للحفاظ على فاعلية تلك العمليات، فإنها لم تجد طريقها للتنفيذ تقريباً.
ويؤكد سلوك الأمم المتحدة في توظيف عمليات حفظ السلام تحيزها النسبي، وهو من الانتقادات التي توجه إليها من داخلها وخارجها، ولعل هذا مرتبط بمصالح الدول الكبرى ونتيجة للتحيز الذي يمتاز به النظام الدولي نفسه.
إن المحاولات التي قامت بها الأمم المتحدة، ومنها: إنشاء قسم لعمليات حفظ السلام، والإصلاحات التي تقدم بها العديد من الأطراف تعتبر غير كافية؛ فهي إما أن تكون واجهت مشكلة في تنفيذها، أو أن هذه التوصيات تحتاج إلى مراجعة وتدقيق. وهذا لا ينفي أن الأمم المتحدة حسَّنت قدراتها في إدارة عمليات حفظ السلام، ولكن الأمر هنا نسبي، فلابد من قواعد أكثر انسجاماً عند المشاركة في عمليات حفظ السلام.

التعليقات