لهذه الأسباب .. لن تدخل إيران في الفوضى العمياء

لهذه الأسباب : لن تدخل إيران في ( الفوضى العمياء)

بقلم: سمير عبيد *

ــ ملاحظة إستراتيجية:

إن الخطة التي أنتهجها الغرب والولايات المتحدة ضد إيران هي "الثورة المخملية + حرب الاستنزاف ..ثم الحصار السياسي والدبلوماسي) وهي حرب من نوع آخر، والسبب هو لمنع إيران من توجيه ضربة صاروخية أو جوية أو ثأرية ضد أحد، بحجة أن المشكلة داخلية، وليس ورائها إسرائيل والولايات المتحدة والغرب والعرب كي توجه ردها إلى هؤلاء جميعا، أو إلى طرف منهم.

وبهذا... قد نجحت واشنطن والغرب في عملية توريط الشباب وتثويرهم ،ولكن لن يستمر هذا النجاح طويلا، خصوصا بعد خطاب مرشد الثورة آية الله السيد علي الخامنئي، والذي أستطاع أن يؤشر إلى الجهات التي تؤجج بالفتنة وأدامتها في إيران وبمقدمتها واشنطن وعواصم غربية ، وبالتالي حسم الأمر لصالح الرئيس نجاد، مع تحذير للشباب ولموسوي وكروبي ومن معهم.

وبالتالي أصبح شعار المعركة هو " لعبة الذكاء والوقت" فالولايات المتحدة والغرب يراهنون على جر الجيش " العسكر"، والمراهنة على زيادة التضحيات بوسط المتظاهرين ،وبقاء المظاهرات في الشوارع ولمدة أكثر ، وعلى طريقة المعارضة في لبنان .

والسلطات الإيرانية من جهتها سوف تراهن على الصبر، وأبعاد الجيش تماما عن هذا الملف، والعمل على شق صف الإصلاحيين والمتظاهرين بطرق الترغيب المغرية، والترهيب الناعمة ، خصوصا وأن مايحصل لهو اختبار حقيقي للنظام الإيراني وقوته.


ــ تدخلات غير أخلاقية ومنافقة....في شأن داخلي صرف!!

أن مايدور داخل إيران هو حراك سياسي داخلي وطبيعي، و متعلق بالشؤون الداخلية لإيران، وأنه خلاف الإخوة والرفاق بدليل أن جميع الأطراف متمسكة بنهج الثورة وشعاراتها، لهذا من العيب والمخجل التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وبهذه الطريقة الفجة.

ولكن الغرب المنافق لا يريد هذا ،وعندما يُقرر سحق الأعراف الدبلوماسية والأخلاقية، ومن خلال التباكي وبدموع التماسيح على الحرية وحقوق الإنسان في إيران وغيرها، وهناك يُهجّر ويُنفى ويُنتهك ويُقتل الإنسان وبأسلحة وأدوات غربية وأميركية وإسرائيلية في العراق وأفغانستان والصومال وباكستان وفلسطين وغيرها، وأمام مرأى وعيون الولايات المتحدة التي تبكي على حقوق الإنسان، والغرب الذي يكيل بمكيالين.

فها هو محمد البرادعي على سبيل المثال يتباكى على ما حلّ بالعراق وأن العراق مسكين وكسر ظهره، وأنه ليس فيه أسلحة دمار شامل والكلام للبرادعي، وهو الذي كان جنديا وفيا للمحافظين الجُدد، عندما نفذ جميع طلباتهم وأجندتهم في العراق، وكان مساعد مخرج للمخرج الأميركي في نسج أفلام إدارة بوش ضد العراق ،والتي بُنيت على الكذب والتزوير والغش من أجل بسط المشروع التلمودي القديم ضد بابل وأهلها ، والذي بموجبه أعادوا العراق إلى عصر ماقبل الدولة، وأصبح مهدد بالتقسيم وبالتفتت بعد تهجير الملايين، وتغييب الآلاف، ونشر المخدرات والرذيلة والجريمة والإرهاب ،وهكذا يُراد لباكستان ولبنان وأفغانستان والصومال وحتى إيران ،وحتى هناك مؤامرة نسجتها و أعدتها إسرائيل وواشنطن وبمساعدة البرادعي نفسه ضد سوريا وغيرها!.

لهذا....يجب أن يقف العراقيون والعرب والمسلمون جميعا ضد نشر الفوضى "العمياء" في إيران، لأنها ضربة لدول وشعوب ومستقبل المنطقة كلها، فالفوضى التي يراد نشرها في إيران ،هي أخطر من جميع الأوبئة والحروب والبراكين، لأن لها تداعيات خطيرة للغاية، وطويلة الأمد على الدول الخليجية ، والعربية، وعلى القضية الفلسطينية، وعلى قوى الممانعة وحتى الاعتدال، وعلى العراق ، وعلى لبنان، وعلى الاقتصاد العالمي، وعلى جمهوريات الاتحاد السوفيتي ، وعلى روسيا والصين وغيرها.

وبالتالي ستحدث فوضى عالمية تقود إلى صدامات وحروب قاسية للغاية،خصوصا وأن إيران تمتلك قاعدة قوية من القوة البشرية والعسكرية والتكنولوجية والجوية والصاروخية ، وبالتالي فهي سوف لن تستسلم عندما تُفرض عليها الفوضى العمياء ، ولكن بنفس الوقت لن تتدحرج نحو الفوضى إطلاقا، وأن حصل هذا ـ لا سمح الله ـ سوف يكون آخر الأوراق، وحينها سيكون شعار إيران ( عليّ وعلى أعدائي).

استحالة حدوث الفوضى الخلاقة ( العمياء) في إيران... ولهذه الأسباب:

إن النظام المُتشكّل في إيران ليس هجينا، بل هو صنع إيراني صرف، وبنسبة 100%، وبالتالي فأن أسراره في صندوق إيراني مُحكم، ولهذا فأن جميع نقاط الضعف في داخل النظام الإيراني غير معروفة وغير مُكتشفة من قبل الغرب والولايات المتحدة، وأن المُكتشف منها هو سطحي جدا، لأن النظام الإيراني ليس ساذجا ،بل رتب النظام وصنع حوله شبكات معقدة من الدوائر والموانع، وبالتالي صعب ويصعب اختراقها، ولهذا لجأ الغرب والولايات المتحدة إلى أسلوب التثوير الشعبي، والعمل على التصدع القومي!.


ولكن لن يحدث هذا بسهولة ،لأن هناك مؤسسات عليا، وأسفلها مؤسسات وسطى، وأسفلها مؤسسات أدنى ..وهكذا، ولكن التوزيع الأهم هو :

1. جبهة المرشد آية الله السيد علي الخامنئي، وهي الجبهة العليا والتي تستند ولحد الآن على الجيش الإيراني، فهناك علاقة أيديولوجية وروحية بين المرشد والجيش، وبالتالي فعندما أيد المرشد نجاد فهذا يعني أن الجيش الإيراني مع الرئيس نجاد، ولهذه الجبهة دعم جماهيري هائل من خلال مبدأ التقليد عند الشيعة، و وبما أن السيد الخامنئي مجتهد مُقلّد ـ بفتح اللام ـ من قبل الجماهير الشيعية فهذا يعني أن في بيده سلاح قوي جدا، وهو سلاح ( الفتوى)!.

2. جبهة الشيخ البراغماتي هاشمي رفسنجاني ،والذي يمثل رأس قاطرة طبقة الاقتصاد ( عصب إيران والنظام) لأن له علاقة تاريخية وأخلاقية ونفعية مع طبقات التجار ورجال الاقتصاد ( البازار)، ولكنه أي الرفسنجاني يمثل مسمار أمن النظام من الناحية التنظيمية والتاريخية، وبالتالي فهو صندوق أسرار النظام وعلى الأقل لـ 25 عاما.

3. جبهة الرئيس أحمدي نجاد، والذي له علاقة قوية جدا مع الحرس الثوري ( الباسيج)، ومع طبقات الفقراء في المجتمع الإيراني ، وأن هذه الجبهة ليست بعيدة عن جبهة المرشد الخامنئي ، بل هي قوة لها في السراء والضراء.

4. جبهة الإصلاحيين على خط الثورة، وهي الجبهة التي يمثلها ( مير موسوي + الشيخ كروبي) وهي الجبهة التي لها أنصار في البرلمان ،وبين الطبقات الاجتماعية الوسطى، ولكنها لا تشكل قوة مهمة عندما يكون الحديث عن توازن القوى في إيران، إلا بعد الانتخابات الأخيرة ، ولقد تورطا ـأي موسوي وكروبي ـ ليكونا رأس قاطرة التغيير لصالح غيرهم.

5. جبهة الإصلاحيين الليبراليين، والمتعطشين للعمل مع الغرب ،وهي الجبهة التي يمثلها ( الرئيس السابق محمد خاتمي، ونائبه السابق أبطحي، والسياسي يزدي ، ونخب من المثقفين والفنانين وغيرهم) وهي الجبهة التي ورطت " موسوي وكروبي" وجعلتهما في المقدمة من أجل إحراقهما أولا، ومن ثم يكونا كبش الفداء دفاعا عن خاتمي وجماعته ، وأن هذه الجبهة لها أنصار كثر داخل المجتمع الإيراني، ولكنها ليس لها قاعدة داخل الجيش والحرس الثوري.

6. جبهة المتشددين " الراديكاليين" والمتشبثين بأطروحات الأمام الخميني، ويقودها الشيخ " جنتي" وجماعته والذين يسيطرون على مجلس صيانة الدستور في إيران ، ولهؤلاء علاقة قوية مع جبهة المرشد، وعلاقة قوية مع كبار الآيات في مدن " قم ،ومشهد ،وبروجرد، وطهران" وغيرها.

7. جبهة البرلمان والتي يقودها السيد علي لاريجاني والذي يمثل جبهة ( الوسط المحافظ) فهي على علاقة مع جميع الأطراف، ولكن علاقتها مع المرشد هي الأقوى.

وهناك طبقات أخرى، ولها أهمية في الفسيفساء الإيرانية، ولهذا ليس من السهل اختراق النظام والعمل على انهياره، خصوصا وأن الثورات التي حدثت في السابق كانت تعتمد على (الجيش + البازار).. أما اليوم فالأمر مختلف وعندما أصبح البازار شريكا رئيسيا للنظام ، فلقد كان في السابق مقتصر على التجارة داخل المدن ،ومن خلال الاستيراد والتصدير، والهيمنة على القطاع الخاص، واحتكار المال والعلاقة مع الخارج.

أما في الـعشرين عاما الماضية ، فلقد خرج البازار خارج المدن، وأصبح شريكا للسياسيين والملاكين والأقطاعين الكبار من خلال الاستثمار في الزراعة والمعامل والشركات التي تشغل ملايين الفقراء، وبالتالي فبفتوى واحدة من المرشد أو بنداء واحد من الرئيس نجاد ( محبوب الفقراء) سوف يتوقف العمال عن العمل، وحينها سيُمنى البازار ورجال الاقتصاد بخسائر جسيمة ومرعبة ، لهذا لن يتورط البازار هذه المرة بالأحداث السياسية، لأنه أصبح جزء من النظام من جهة ، وأصبح المال الذي يعتمد عليه يمر على النظام قبل وصوله لطبقات التجار ( البازار).!!.

وبالتالي لن يتورط البازار هذه المرة خصوصا عندما أستلم كبار التجار ورجال الأعمال والاقتصاد " طبقة البازار" في إيران رسالتين مهمتين للغاية:

الأولى من الرئيس نجاد عندما نجح بإقحام رفسنجاني واتهامه بالفساد أو التستر عليه، وهو الشخصية المهمة جدا بالنسبة لطبقة البازار,

، والرسالة الثانية والمهمة من المرشد الخامنئي عندما قال في خطبته الأخيرة ( نجاد أقرب لي من رفسنجاني)،.

ولهذا أصبح رجال البازار في حيرة من أمرهم، خصوصا عندما أصبح رأس قاطرتهم وهو الرفسنجاني في خطر، فقرروا الحياد منعا للخسارة والمواجهة والانهيار.

كاتب ومحلل سياسي عراقي
20 – 6-2009

التعليقات