النص الكامل لمقال للرئيس مبارك بعنوان: كيف نحقق سلاما فلسطينيا – إسرائيليا؟
كيف نحقق سلاما فلسطينيا – إسرائيليا؟ *
حسني مبارك
جاء الخطاب المبدع الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما في القاهرة بمثابة نقطة تحول في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، فرسالته كانت واضحة ولا لبس فيها ألا وهى: إن قضايا السياسة والسياسات، وليس صدام القيم، هي التي تفصل بين أمريكا والعالم الإسلامي، وحسم هذه القضايا هو الذي سيبدد هذا الانقسام.
وينبغي أن تتبع الأجندة الطموحة التي طرحها الرئيس أوباما خطوات للأمام تخط مساراً جديداً في العلاقات بين أمريكا من ناحية والعرب والعالم الإسلامي من ناحية أخرى، وإنني أتطلع إلى العمل مع الرئيس (أوباما) من أجل تحقيق هذا الهدف.
فعلى مدى عقود من الزمن، انخرط العالم العربي في عملية مجهدة من المراجعة للذات حول كيفية مواكبة قوى التغير التي تعتمل داخله، بما في ذلك التوقعات الصاعدة للأجيال الشابة التي تنمو سريعاً، وتصاعد الصراعات الإقليمية التي تزعزع الاستقرار، وتضخم تيار التعصب والتطرف.
وقد كانت مصر دوماً في الصدارة من المواجهة مع هذه التحديات، سواء من حيث كونها أول من بادر بمد يد السلام إلى إسرائيل، أو التعامل مع مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، أو مواجهة خطر الإرهاب من خلال الوسطية والتسامح اللذين يشكلان لب تراثنا الديني.
وعبر هذه التحديات وما وراءها، عكفت مصر على عملية إصلاح تشهد نجاحاً في توفير فرص أكبر لشبابنا، والمزيد من التمكين للمرأة، فضلاً عن المزيد من التعددية والحوار الداخلي، ونحن نقر بصراحة بأن الطريق أمام هذه العملية لا يزال طويلاً حتى تلبى تطلعاتنا.
وقد حان الوقت لكي نجدد التزامنا بالتعامل مع هذه التحديات العديدة، ومن بين طائفة التحديات التي تواجهنا، القضية الفلسطينية التي تتطلب تحركاً عاجلاً نظراً للحالة الحرجة التي تمر بها عملية السلام بعد سنوات من الجمود. وقد أبدى الرئيس أوباما رغبة في تولى زمام القيادة من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وعلى العالم العربي أن يرد من جانبه بالقيادة المباشرة.
رغم الانتكاسات التي شهدتها السنوات القليلة الماضية، فمن الأهمية بمكان أن نتذكر أن العديد من عناصر الحل قد تم التفاوض عليها بالفعل. فبعد ما يربو على عقدين من التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ بداية عملية أوسلو للسلام، أضحت العديد من تفاصيل التسوية النهائية معروفة جيداً، علاوة على ذلك، فإن مبادرة السلام العربية التي تبنتها القمة العربية في بيروت عام ٢٠٠٢ تطرح إطاراً إقليمياً لمثل هذه التسوية، فلأول مرة في تاريخ هذا الصراع، تلتزم الدول العربية بالإجماع بالتطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل إلى خطوط ١٩٦٧ وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال التفاوض.
والآن يتطلب الطريق إلى التسوية النهائية، القيادة وتضافر الجهود من قبل كل الأطراف، وقد بذلت مصر على مدى السنوات القليلة الماضية جهوداً مضنية لتوحيد القيادة الفلسطينية بشكل يضمن التزامها بحل تفاوضي حول الدولتين..
كما حاولت مصر التوسط حول اتفاق طويل الأمد لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس يمضى بالتوازي مع وساطتنا لتبادل السجناء. وقد جددت خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمصر الشهر الماضي التزامنا باستئناف هذه الجهود.
والآن، ينبغي أن تقترن هذه الخطوات بعملية جادة للتفاوض حول التوصل إلى اتفاق للوضع النهائي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ويجب أن تعطى الأولوية لحسم مسألة الحدود الدائمة لدولة فلسطينية ذات سيادة ومتصلة الأراضي على أساس خطوط ١٩٦٧، إذ إن هذا من شأنه أن يطلق التحرك على صعيد أغلب قضايا الوضع النهائي الأخرى بما فيها المستوطنات والأمن والمياه والقدس.
وسيتوقف نجاح هذه المفاوضات على التزامات قوية من قبل الأطراف لدعم مصداقية العملية، فيجب أن يتوقف التوسع العنيد للمستوطنات الذي أدى إلى تآكل التطلعات لحل الدولتين، وأن يتوقف معه حصار غزة، ومن جانبهم ينبغي أن يواصل الفلسطينيون تطوير قدرات مؤسساتهم مع التغلب على انقسامهم من أجل تحقيق تطلعاتهم إلى الدولة.
وبينما يمكن أن يأتي التطبيع الكامل مع إسرائيل فقط بعد تسوية شاملة تشمل المسارات السورية واللبنانية والفلسطينية، فإن الطرف العربي يقف مستعداً لمبادلة الخطوات الجادة التي تتخذها إسرائيل نحو السلام.
والتوصل إلى تسوية تاريخية هو أمر في متناول الأيدي، تسوية تمنح الفلسطينيين الدولة والتحرر من الاحتلال، كما تمنح إسرائيل الاعتراف والأمن لكي تعيش في سلام، ومع تأكيد الرئيس أوباما لقيادة الولايات المتحدة في المنطقة، تبدو في الأفق ثمة فرصة نادرة. ومصر من جانبها تقف مستعدة لاقتناص هذه الفرصة وأنا على ثقة من أن العالم العربي سيفعل الشيء ذاته.
------------
الرئيس المصري
*نص مقال نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية للرئيس المصري حسني مبارك، تحت عنوان"كيف تحقق سلاما فلسطينيا- إسرائيليا؟"، الجمعة 19 يونيو 2009.
حسني مبارك
جاء الخطاب المبدع الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما في القاهرة بمثابة نقطة تحول في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، فرسالته كانت واضحة ولا لبس فيها ألا وهى: إن قضايا السياسة والسياسات، وليس صدام القيم، هي التي تفصل بين أمريكا والعالم الإسلامي، وحسم هذه القضايا هو الذي سيبدد هذا الانقسام.
وينبغي أن تتبع الأجندة الطموحة التي طرحها الرئيس أوباما خطوات للأمام تخط مساراً جديداً في العلاقات بين أمريكا من ناحية والعرب والعالم الإسلامي من ناحية أخرى، وإنني أتطلع إلى العمل مع الرئيس (أوباما) من أجل تحقيق هذا الهدف.
فعلى مدى عقود من الزمن، انخرط العالم العربي في عملية مجهدة من المراجعة للذات حول كيفية مواكبة قوى التغير التي تعتمل داخله، بما في ذلك التوقعات الصاعدة للأجيال الشابة التي تنمو سريعاً، وتصاعد الصراعات الإقليمية التي تزعزع الاستقرار، وتضخم تيار التعصب والتطرف.
وقد كانت مصر دوماً في الصدارة من المواجهة مع هذه التحديات، سواء من حيث كونها أول من بادر بمد يد السلام إلى إسرائيل، أو التعامل مع مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، أو مواجهة خطر الإرهاب من خلال الوسطية والتسامح اللذين يشكلان لب تراثنا الديني.
وعبر هذه التحديات وما وراءها، عكفت مصر على عملية إصلاح تشهد نجاحاً في توفير فرص أكبر لشبابنا، والمزيد من التمكين للمرأة، فضلاً عن المزيد من التعددية والحوار الداخلي، ونحن نقر بصراحة بأن الطريق أمام هذه العملية لا يزال طويلاً حتى تلبى تطلعاتنا.
وقد حان الوقت لكي نجدد التزامنا بالتعامل مع هذه التحديات العديدة، ومن بين طائفة التحديات التي تواجهنا، القضية الفلسطينية التي تتطلب تحركاً عاجلاً نظراً للحالة الحرجة التي تمر بها عملية السلام بعد سنوات من الجمود. وقد أبدى الرئيس أوباما رغبة في تولى زمام القيادة من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وعلى العالم العربي أن يرد من جانبه بالقيادة المباشرة.
رغم الانتكاسات التي شهدتها السنوات القليلة الماضية، فمن الأهمية بمكان أن نتذكر أن العديد من عناصر الحل قد تم التفاوض عليها بالفعل. فبعد ما يربو على عقدين من التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ بداية عملية أوسلو للسلام، أضحت العديد من تفاصيل التسوية النهائية معروفة جيداً، علاوة على ذلك، فإن مبادرة السلام العربية التي تبنتها القمة العربية في بيروت عام ٢٠٠٢ تطرح إطاراً إقليمياً لمثل هذه التسوية، فلأول مرة في تاريخ هذا الصراع، تلتزم الدول العربية بالإجماع بالتطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل إلى خطوط ١٩٦٧ وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال التفاوض.
والآن يتطلب الطريق إلى التسوية النهائية، القيادة وتضافر الجهود من قبل كل الأطراف، وقد بذلت مصر على مدى السنوات القليلة الماضية جهوداً مضنية لتوحيد القيادة الفلسطينية بشكل يضمن التزامها بحل تفاوضي حول الدولتين..
كما حاولت مصر التوسط حول اتفاق طويل الأمد لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس يمضى بالتوازي مع وساطتنا لتبادل السجناء. وقد جددت خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمصر الشهر الماضي التزامنا باستئناف هذه الجهود.
والآن، ينبغي أن تقترن هذه الخطوات بعملية جادة للتفاوض حول التوصل إلى اتفاق للوضع النهائي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ويجب أن تعطى الأولوية لحسم مسألة الحدود الدائمة لدولة فلسطينية ذات سيادة ومتصلة الأراضي على أساس خطوط ١٩٦٧، إذ إن هذا من شأنه أن يطلق التحرك على صعيد أغلب قضايا الوضع النهائي الأخرى بما فيها المستوطنات والأمن والمياه والقدس.
وسيتوقف نجاح هذه المفاوضات على التزامات قوية من قبل الأطراف لدعم مصداقية العملية، فيجب أن يتوقف التوسع العنيد للمستوطنات الذي أدى إلى تآكل التطلعات لحل الدولتين، وأن يتوقف معه حصار غزة، ومن جانبهم ينبغي أن يواصل الفلسطينيون تطوير قدرات مؤسساتهم مع التغلب على انقسامهم من أجل تحقيق تطلعاتهم إلى الدولة.
وبينما يمكن أن يأتي التطبيع الكامل مع إسرائيل فقط بعد تسوية شاملة تشمل المسارات السورية واللبنانية والفلسطينية، فإن الطرف العربي يقف مستعداً لمبادلة الخطوات الجادة التي تتخذها إسرائيل نحو السلام.
والتوصل إلى تسوية تاريخية هو أمر في متناول الأيدي، تسوية تمنح الفلسطينيين الدولة والتحرر من الاحتلال، كما تمنح إسرائيل الاعتراف والأمن لكي تعيش في سلام، ومع تأكيد الرئيس أوباما لقيادة الولايات المتحدة في المنطقة، تبدو في الأفق ثمة فرصة نادرة. ومصر من جانبها تقف مستعدة لاقتناص هذه الفرصة وأنا على ثقة من أن العالم العربي سيفعل الشيء ذاته.
------------
الرئيس المصري
*نص مقال نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية للرئيس المصري حسني مبارك، تحت عنوان"كيف تحقق سلاما فلسطينيا- إسرائيليا؟"، الجمعة 19 يونيو 2009.

التعليقات