بين يدي المسؤول في رحاب المؤسسة الرسمية

بين يدي المسؤول في رحاب المؤسسة الرسمية
بين يدي المسؤول في رحاب المؤسسة الرسمية

بقلم: آصف قزموز
كاتب فلسطيني-رام الله

التكاملية، المؤسساتية، التبادلية، العقلانية، الحوارية الفصائلية، التنموية، التراكمية، الاستيطانية...إلخ كلها مصطلحات ومقولات باتت تشكل اليوم جزءاً مكوّناً لفسيفساء الهمّ الفلسطيني اليومي الشامل، بكافة المعاني والأبعاد والدلالات الواسعة والضيّقة على وجهي الخصوص والعام.

فمبدأ التكامل وأهميته الاستراتيجية الخاصة، لم يعد يقتصر على رسم السياسات والبرامج الاجتماعية وحسب، وإنما بات يشكل ضرورة ملحة لمختلف مناحي ومكوّنات الحياة الفلسطينية الملتهبة على مختلف المستويات في أتون الأزمة الداخلية القائمة.

ولعلّ في انعقاد المؤتمر الوطني "نحو سياسة اجتماعية متكاملة في فلسطين"، ما يؤشّر لعلامة بارزة ومضيئة في طريق السائرين قدماً نحو بناء وتطوير المؤسساتية في فلسطين وقيام الدولة القوية المعافاة من كل سوء وشائبة، القائمة على بنيان اقتصادي مرصوص وأكثر تحرّراً وانفلاتاً من نير التبعية للاحتلال. بل إنها تؤسس بحق لمصدّات عنيدة وقوية في وجه رياح السموم الاستيطانية والاحتلالية المتطرفة المتطلعة أبداً لاستحواذ الفلسطينيين وابتلاعهم أرضاً وشعباً وحضارة.

مثل هذا التوجه الجاد في طريق التكاملية البنّاء، لا بد أن يكون خياراً استراتيجياً وثابتاً من ثوابت المجتمع الفلسطيني لا تتزعزع قواه أو تنفصم عراه، ذلك لأن الظروف الاستثنائية المستعصية التي يعيشها الشعب الفلسطيني باتت تشكل واهاً مدوّيةً في أتون وضعنا المأزوم.

وإذا كان رسم السياسات الصائبة وذات المهنية العالية والمسؤولة، يحتاج لأناس أكفاء ومؤهلين ممن راكموا وتدرّجوا في الخبرة والمعرفة في العمل المؤسسي، فإن د. سلام فيّاض يكون قد أصاب كبد الحقيقة وعداه اللوم حين عمد لإدخال وزراء جدد في الحكومة الثالثة عشرة ومن قبلها الثانية عشرة، من كفاءات وكادرات كان لها باع طويلة وأيادٍ بيضاء مشهودة وتركوا بصمات في النزاهة والمهنية إبان عملهم على السلم الوظيفي لذات المؤسسة التي استحقوا اليوم أن يترأسوها كوزراء وليس كموظفين، ما يجعل الأمل في إعادة الاعتبار للمهنية الوظيفية وفي الرقي بعمل تلك المؤسسات والبناء التراكمي فيها تأسيساً على ما سبق وأنجز، أكثر ضمانة وتأكداً من أي وقت مضى، لأن لهؤلاء الأفضلية القصوى في القدرة على سبر غور بواطن الأمور وظواهرها في المؤسسة،س وعلى امتلاك رؤية علمية ثاقبة نابعة من الخبرة والمعرفة والكفاءة معاً وليس واحدة دون الأخرى أو دون الاثنتين. وفي هذا الاختيار سنة حميدة تستحق التقدير في مفهوم المهنية الوظيفية. وبذلك يمكن للمسؤول أن يكون الفيصل القادر على حسم أمور المؤسسة بتسوية الصفوف وسدّ الفُرَج، من على قاعدة التكاملية والتناغم العادل ما بين القدرات والاحتياجات، الحافظة للتوازن ما بين القدرة على صون واحترام الحقوق الفردية التي تكفلها النظم والقوانين وحماية الحق العام الذي تجسّده الواجبات والمهام المنوطة بالمؤسسة والقائمة على أكتاف الفرد، عندها يصبح المسؤول أكثر أهلية وكفاءة في جعل السياسات المبتغاة تتناغم وتتكامل مع مثيلاتها ونظيراتها الأخريات ضمن اطار سياسة اجتماعية وطنية فلسطينية متكاملة، فيكون على رأس مؤسسته بدراً تمام بدلاً من أن يكون نجماً آفلاً خلت من قبله نجوم واجرام (بكسر الهمزة وفتحها معاً).

فشتّان ما بين أن يكون المسؤول سليل المؤسسة التي عمل فيها وكان ابناً باراً بها قبل أن يصبح قائدها، وبين من يهبط عليها من حيث لا تدري ولا تحتسب، فلا يسعفه الزمن ولا الحشم للتبصّر بمكنوناتها ودهاليزها الخفيّة والمرئية، ولا تعفيه المعرفة النظرية من أهمية الخبرة والتجربة الحسّيّة عن كثب لقيادتها والحفاظ على احترام العقد الاجتماعي الذي جمعه بها، كما ينبغي دون فقد البوصلة والاتجاه.

نعم، إن انعقاد هذا المؤتمر في هذا الظرف بالذات، من شأنه أن يشكل المقدمة الأولى والخطوة الضرورية نحو تمكين الشعب الفلسطيني من الصمود والبناء الذاتي الذي يؤسس لرسم سياسة اجتماعية ببعد تنموي شامل، من خلال وضع الأطر والأدوات الملائمة ليس لصياغتها وحسب، وإنما للتنفيذ والمراقبة الشاملة التي من شأنها أن تعزّز مبدأ الشفافية والمسألة وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص لعموم أبناء الشعب الفلسطيني على نحو أكثر إنصافاً، بعيداً عن الفساد والمحسوبية واعتبارات العرق والدين والانتماء السياسي، وكخطوة على طريق تحقيق الأمن والاستقرار والشراكة في بناء السلام الشامل وقيام الدولة العصرية القوية والخالية من الاحتلال والاستيطان.

صحيح أن المجتمع الفلسطيني الفتي والسلطة الفلسطينية حديثة الولادة نسبياً، مازالت تعصف بهما إشكالات جمّة تصعّب المسيرة وتعيقها في كثير من الأحيان، وعمليات التداخل والتضارب وعدم وضوح الرؤية لكثير من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، لا سيّما لجهة الاختصاصات وحدود الصلاحيات، ربما تشكل عائقاً أمام مسيرة بناء الدولة على أسسٍ مهنية مؤسساتية بحتة ببعد تنموي حقيقي، لكنه الأمر الذي يجب أن يدفعنا للتمسك بناصية التنمية والاصلاح الإداري، وبما تحقق من إنجازات طيبة على هذا الصعيد لتطويرها والبناء عليها واستكمالها بشمولية وتكاملية متناغمة ومتوازنة تفعّل أدوار المؤسسات وترفع من كفاءاتها كعلامات مضيئة وشاهدة على المرحلة.

كل هذا يضاعف حجم المسؤوليات وأعبائها في المستويات السياسية والإدارية المختلفة، ذلك لأن رسم سياسة اجتماعية متكاملة حقة في فلسطين بات وبالضرورة يتطلب ربطاً خلاّقاً ما بين رسم هذه السياسة وعمليات التطوير الاجتماعي على التوازي المتناغم تكاملياً والمتوازن واقعياً. وبالتالي لن تقف الحدود الأدبية لهذه المسؤولية عند حدود رسم السياسة وحسب، وإنما تتطلب كذلك تنظيم وبرمجة السياسات وتعليلها واختيار الوسائل والأدوات المناسبة لترجمتها واقعاً ملموساً، ومتابعتها وتقصّيها وتقويمها بمنتهى الشفافية التي تجعل هذه السياسات ملكاً للجميع وبوصلة وطنية تحدّد اتجاهات نشاطاتهم وإبداعاتهم المختلفة.ولن تستقيم الأمور ما لم تقف كل جهة معنية بهذا الأمر عند حدها ومسؤولياتها بمفهوم إنتاجي خلاّق، وتتحدد المعايير التقويمية والتقييمية والاطار المرجعي الموحّد والناظم لها، الذي يقوم على رؤية اقتصادية واجتماعية سياسية ذات بعد استراتيجي، يكون عماد نهوضها وتنفيذها القطاع الخاص الأكثر قدرة وتأهّلاً لتشكيل النواة والقاعدة الاقتصادية الصلبة للكيان الفلسطيني المستقل، وبناء الدولة العصرية القوية الأكثر انعتاقاً من نير التبعية الاقتصادية التي كبّلت الشعب الفلسطيني لسنين طويلة.

وهنا لا بد من إعادة التأكيد على أهمية سيادة النظرة الموضوعية والعقلانية المتوازنة بعيداً عن الحسابات الصغيرة الحاملة لفيروسات العدمية السياسية والفئوية الضيقة المقيتة، وبأن ما تحقق وأنجز من نقلة نوعية في الوضع الفلسطيني البنيوي والمؤسسي المقونن بمنظور اصلاحي تطويري واصلاح في برامج الصرف التنموية، يؤسس لتعزيز وبناء الأرضية الصلبة والنواة الحية بعمادها الأساسي وركيزتها الاستراتيجية القطاع الخاص، كخطوة مهمة وحاسمة على طريق بناء الدولة الفلسطينية الخالية من الاستيطان والاحتلال والقابلة للحياة نمواً وتطوراً وتعايشاً بنّاءً مع شركاء المصالح والقواسم المشتركة، في اطار السلام والاستقرار المعزّز بالشمولية والديمومة.

لكني أعود وأقول: إن الإرتقاء نحو رسم سياسة اجتماعية متكاملة في فلسطين هو أمر في غاية الأهمية ومستوياتها القصوى، لكن حتى نكون أمام سياسات ناجعة وملبّية، فإن ضمانة هذا الأمر تتطلب وقبل كل شيء وضع رقابة صارمة على الأداء اليومي للمؤسسات ومدى التزامها بالنظم والقوانين، إضافة لتكريس مأسسة الأجسام الراسمة لها ومبدأ الشفافية الحقيقية التي توصلنا لجعل السياسات أكثر رسوخاً وتجذّراً وطنياً، وعدم جعلها عرضة للعبث الفردي مطبوعة بطابع الشخصنة، لتظل ملكاً خالصاً للمؤسسة وإن تعاقب الأفراد أو تغيّروا. فلتكن وزارة التخطيط بيتاً وموئلاً للسياسة الاجتماعية المتكاملة، وعنواناً ومرجعية للراسمين والمخططين. آخذين بالاعتبار والاحترام المقولة التاريخية "خطوة عملية واحدة خير من دزينة برامج". وفي مطلق الأحوال ستظل السياسات أمانة بين يدي المسؤول في رحاب المؤسسة الرسمية.

[email protected]

التعليقات