عجوز فلسطينية تعيش معزولة بمحاذاة الحدود الإسرائيلية اللبنانية

عجوز فلسطينية تعيش معزولة بمحاذاة الحدود الإسرائيلية اللبنانية
غزة-دنيا الوطن
في ساحة بيتها القديم المعزول عن مساكن البشر،في نقطة طالما كانت ساخنة جدا، بمحاذاة الحدود الإسرائيلية اللبنانية، التقيت الحاجة نمرة عباس وهي بدوية ثمانينية أنهكتها الحروب على مر السنوات الماضية بين المتخاصمين على طرفي الشريط الحدودي.

وفي كل حرب كان لها نصيب من القذائف التي سقطت على بيتها وزلزلت الأرض من تحتها، وملأت قلبها رعبا، ومشيئة الله وحدها حالت دون إصابتها، رغم إصابة ولديها.

وتظهر على بعد أمتار قليلة، من منطقة هذه العجوز، بلدات لبنانية قريبة، مثل الضهيرة وعلما الشعب وغيرهما، وحيث يمكن ملاحظة حركة الناس وسماع أصواتهم بصورة جلية، ولا يشوب ذاك المشهد إلا أسلاك الحدود المكهربة.

وكانت الحاجة نمرة في حينه بصحة جيدة، أما اليوم فهي تستعين بعكازين للتنقل في باحة البيت، وتلقي اللوم بتدهور حالها على الحروب.

مع هذا كله ترفض نمرة ترك دارها، وبقيت وحيدة هناك، بعد رحيل كل جيرانها إلى قرية عرب العرامشة القريبة، فهي كما قالت لـ"العربية.نت" تعيش على "الهوا الشمالي والأصوات القادمة من لبنان" على مرمى قدم منها. والهواء الشمالي، يضرب فيه المثل في فلسطين 48 لنقائه وخفته وصفاته المنعشة.

وتقول "هذه الدار غالية على قلبي ولن اتركها رغم الصعوبات"، قالت نمرة وتابعت "لا اخرج من هنا لو فتفتوا عظامي. اسكن هنا منذ 80 عاما أي قبل قيام إسرائيل والعروض الإسرائيلية لم تقنعني بالرحيل. الأرض أغلى من الروح وهذا المكان هو روحي".

عايشت نمرة جميع الحروب والمعارك التي دارت بين الإسرائيليين واللبنانيين، لكنها لا تذكر تواريخ محددة وإن كانت تذكر أحداثا عايشتها.

تقول: "عشت أياما عصيبة هنا وحروب كثيرة. كنا نهرب للاختباء في المغارات القريبة، فلم يكن لدينا ملجأ آخر. جرحت القذائف ولدّي، واحد منهما لا زال يعاني من إعاقة حتى اليوم بعد أن اخترق البارود عاموده الفقري، والآخر توفي، ليس بسبب الحرب ولكن الله أخذ أمانته".

واستذكرت حادثة أخرى فقالت: "في حرب أخرى أصابت قذيفة أخرى بيتي وهدمت جزءا منه وأحرقت ما حوله. اشتعلت النيران من حولي وانبعث دخان كثيف، والله هو الذي سلمني من الإصابة".

وأسهبت نمرة: "كانت لبنان وإسرائيل تتبادلان إطلاق القذائف والنيران وأنا وسطهما على هذه الأرض. وفي الحرب الأخيرة عام 2006، التي قتل فيها ثلاثة من أبناء القرية المجاورة عرب العرامشة، كنت أنا هنا وسط الخوف والمهانة. لبنان تضرب إسرائيل، وإسرائيل تضرب على لبنان، وأنا هنا خائفة لا اعرف ماذا افعل. والخوف أنهك جسمي وأتنقل اليوم بصعوبة بواسطة عكازين".


حنين مخفي إلى لبنان

وتتحدث هذه العجوز أن اصولها قائلة "ولدت في لبنان وخرجت منه وعمري نحو 14 عاما وتزوجت هنا".

تضيف "أنا لا اعرف أهلي الذين لم أراهم منذ صغري. لا اعرف إن كانوا أحياء أم أمواتا. لا اذكرهم ومنذ رحلت لم تراهم عيوني. بيننا شريط وحقل ألغام".

وحين سألت نمرة عن مدى شوقها إليهم والى لبنان، عادت وظنت أن هذا قد يؤذيها امنيا، فتحفظت مرة أخرى، ولكن عندما سألتها إن كانت تحلم بالسلام، أفرغت ما في قلبها وقالت جملة آثرت أن أبقيها بالعامية:" علوا (يا ريت) يصير سلام لأركب معاك من هين لبيروت. خلينا نشوف حياتنا قبل ما نموت. نشوف العرب".

ومع أي توقع بحرب قادمة فإن الحاجة الحاجة نمرة ستبقى وحيدة هي وقططها الكثيرة التي تربيها لتحميها من الأفاعي والزواحف المختلفة، وكلبها، وديكها ودجاجتها وصهريج المياه في باحة منزلها، وبوابة مهترئة في منطقة حدودية التصوير ممنوع فيها بدون إذن مسبق، وهذا إن دلّ على شيء قد يدل على ضيق المساحة التي يمكن لنمرة وبناتها التحرك فيها، ويدل على مدى سخونة تلك النقطة وحساسيتها.

التعليقات