ذاكرتنا تدفعهم للجنون
ذاكرتنا تدفعهم للجنون
فتحي البس
نحتفي اليوم باطلاق كتاب سلمان ناطور: " ستون عاما - رحلة الصحراء ، ذاكرة، سفر على سفر ، و انتظار" .انه تكريس لجهد طويل بذله الكاتب على مدار اكثر من (30) عاما يهدف الى ابقاء الذاكرة الفلسطينية حيّة ، لكي يدحض مقولة بن غوريون التى اعتمدها الصهاينة في مقاربتهم للصراع القائلة" الكبار سيموتون و الصغار سينسون " فأكد سلمان ناطور في هذا الكتاب ومنذ كتابه الاول "ما نسينا "، و في كل نشاطاته و كتاباته ان الكبار يموتون و لكن الصغار يتكاثرون ، وهم يفوقون بكثير من ماتوا ، ويحملون ذاكرة فلسطينية حية مطعمة بالوجع و الالام والخيبات ، و في نفس الوقت بالغضب و الرفض و التحدي و الامل .
اعتمد سلمان ناطور في كتابه لغة شفافة ، بسيطة واضحة ، تصل الى المتلقي بسهولة ، وكاني به من خلال الرواية و المقالة و الخاطرة و السرد التاريخي و الصورة الفنية ، و استخدام لغة الناس البسطاء كما يتحدثون في حياتهم اليومية ، يستهدف الاطفال و الشباب و عموم الناس ليزرع في ذاكرتهم قصيرة الامد ، ما يرسخ ليستقر في ذاكرة طويلة الامد ، لكي لا يتمكن الاعداء من جعل الذاكرة اليومية المفجعة قصيرة الامد ، ذاكرة طويلة ترسخ ، فيصدق قول بن غوريون . نجح سلمان ناطور في جعل الذاكرة الطويلة الامد لكل من يقرا الكتاب غير قابلة للاحلال بنقيضها :الرواية الصهيونية .
في الجزء الاول ، ذاكرة ، يبدأ سلمان ناطور بربط سيرته الشخصية ، بسيرة المجموع فيلفت النظر الى انه من جيل النكبة ، فقد ولد مباشرة بعد حرب 1948 ، و دخل المدرسة في حرب السويس و انهى الثانوية في حرب حزيران ، و تزوج في حرب اكتوبر . ولد الاول في حرب لبنان ، و مات ابوه في حرب الخليج ، وولدت حفيدته سلمى في حرب مازالت مشتعلة.
و ينتقل مباشرة لتعريفنا على حارس الذاكرة ، الشيخ المشقق الوجه ، أبو محمد ، الذي يتماهى من خلال شقوق وجهه مع خارطة فلسطين و تاريخها .
و منذ الفقرة الاولى " الدليل " نتعرف على منهجية سلمان ناطور و هدفه .انه الربط بين ذاكرة من بقي في داخل الوطن ومن اضطرته وحشية العدو للخروج ، فأبو محمد يبلغ اهله في مخيم جنين " اذا تأخرت فاعلموا انني في خربة ابو حرب " و خربة ابي حرب ارض مساحتها عشرة دونمات تقع في الجهة الغربية من الشارع الغربي يوصل بين " عين حوض" و "عين غزال" و هذه الاماكن الثلاثة مرسومة بخطوط متقطعة و نقاط سوداء على خارطة فلسطين- فلسطين يوم كانت بنايات شارع الملك ملكا لعائلة الطبراوي ، و مركز شرطتها حاليا كان مكتبا لشركة الزراعة الغربية المساهمة ليمتد ، و يمتد من اول شارع يافا و حتى مفرق شارع السلام ".
في هذه الفقرة ، ومن فقرات لاحقة نفهم القصة . ابو محمد يشعر بإقتراب نهايتة ، و يريد ان يعود الى ارضه ، فيمر ببيت صديق ترك فيه خزانة عندما خرج من قريته فيها عقد لام محمد ، و كوشان الارض . يأخذهما لانهما تاريخ و ذاكرة و يترك الخزانة.
كل ما في هذا الجزء ، تذكير بالارض و الناس و حياتهم في زمن الاتراك ، و الانجليز ، و ما جرى عام النكبة من وحشية ، قتل و طرد و تدمير بعد سنوات الطمأنينية التى كانوا يعيشونها ، وفيها فرح و روح تواقة للحياة ، و يزرع فيها الاحتلال الانجليزي البغيض الفرقة و المؤامرة بين ابناء الشعب و بتنسيق مع الصهاينة ، ويرويها سلمان ناطور بسخرية ، فيربط بين صراع العائلات والمخاتير و القرية المجاورة ، رمز المستوطنات التى جاورت القرى الفلسطينية ، و وثق اهلها بحسن جوارهم ، فنرى مختارها شلومو يتآمر و يرشو الضابط الانجليزي و يوفر له ما يحتاج حتى المراة الشقراء التى يريدها بديلا لزوجته ، فتشتعل الحرائق بين العائلات ، يسمح للعائلة الاولى بشراء بابور طحين ، و للثانية بشراء معصرة زيت ، فينتهي الحريق بإبعاد العائلتين ،وتدمير المعصرة و بابور الطحين ، و سيلان الدم ليصفو الامر للقرية المجاورة – المستوطنة.
يروي سلمان ناطور ، على لسان ابو محمد احداث الحرب التى انتهت بالنكبة ، فيؤكد ان خروج الفلسطينين من قراهم كان بفعل القتل المدروس ، و التهجير المطعم بالتخويف ، و اثارة الرعب بقتل الشباب امام اهاليهم ،و القضاء على الشيوخ الذين حاولوا الاحتماء بالكنائس و الجوامع و البيوت بحيث يدب الرعب في قلوب الجميع، و لعل مأساة تحويل مرج بن عامر ، رمز الحياة الخصبة و الغنية ، الى مستنقع يبتلع ثلاثة عشرة من المسنين الذين يعجز ابناؤهم عن انقاذهم ، تجعل البدن يقشعر ، و تطبع في الذاكرة صورة وحشية و همجية للعدو الذي يهدم القرى و يقتل ابناءها و يلغي ملامحها ، و يستبدل اسماءها ، و يحيل حياة من ينجون من الموت و الطرد الى جحيم ، و يمارس ضدهم كل اصناف التمييز و الاذلال .
المهم اننا نقرأ اسماء القرى المدمرة و قصص عن بطولات الدفاع عنها ، و قصص ابنائها الذين انتقلوا ليعيشوا على مشارف ارضهم في مدن و قرى اخرى ، فترسخ في ذاكرتنا الاسماء والكلمات و المعاني الاصلية النقيضة لما هو كل جديد غريب مفروض .
هذه هي الفكرة الاساسية في هذا الجزء من الكتاب ، يلخصها ابو محمد الشيخ المشقق الوجه حيث تحمل انامله المرتعشة مفكرة صغيرة ، تتراقص و هو يقلب صفحاتها و تكاد تسقط من بين يديه ، فيحكم قيضته عليها : " اذا راحت هالمفكرة ، راحت حياتي ، صار عمري ثمانين سنة و اكثر ، كله مسجل في هالمفكرة، قلت انا راح موت ، و التاريخ مش راح يموت ، يمكن في ناس بدهم يموتوا التاريخ بس لا ، كله مسجل في هالمفكرة"
عظمة كتاب سلمان ناطور انه لم يترك ما في المفكرة ملكا لابي محمد ، انه يجعله ملكا لنا جميعا ، و لاولادنا و احفادنا ، فنقرأها لترتيط ذاكرة من ظل في الوطن بذاكرة من خرج منه ، و جميعهم يرتبطون بالمكان وبالتوق للعودة ، و بالحنين الى ما كان عليه ، لعل الجميع يستطيعون في مقبل الايام ان يعيدوا للمكان هويته و جماله و حياته السعيدة .
يركزعلى ان الذاكرة هي حياة باقية ، من يفقدها يموت ،و لعل قصة االلاجئ من بيت جبرين الذي صدمه اختطاف الجيش لابيه ، ففقد النطق و الارتباط بالواقع ، و ظل يجلس امام دكان اخيه في مخيم في غزة ينتظر عودة ابيه الذي لا يعود حتى مات ، و قصة عباس الفران ، الذي ظل يحرس المكان في الساحة المركزية في حيفا، يراقب ما يجريه السكان الجدد من تغييرات عليه ، ينتظر عودة عائلته ، ليعيد للمكان صورته الاصلية ، فيموت لانه يعيش خارج الوافع ينتظر، تدفعنا قصة الاثنين لكي نبقي الذاكرة حية ، مرتبطة بالواقع ، لا نفقدها لنستمر بالحياة . فالنسيان موت ، والذاكرة حياة.
سفر على سفر، امتداد الذاكرة في نفوس اللاجئين و من غادروا اماكنهم . فدوى حبيب ، رسامة و شاعرة فلسطينية ، تعيش في المنفى ، تنتقل بين المغرب ، و روما و لندن و باريس، تدفع صديقها القادم من الوطن الى ان يعيدها معنويا على الاقل الى مدينتها الاصلية- بيسان ، فيعدها ان يفعل ، فيكتب تفاصيل اسفاره ، خارج الوطن و داخله ، من الشمال الى الجنوب ، فتتعرف من خلال السرد على تاريخ الاماكن و الحياة قبل و بعد الاحتلال ، على التضاريس و النباتات و السكان ، و الحواجز و البشر الجدد الذين ينكلون بأهل البلاد ، يكتب الى فدوى تفاصيل –رحلته و مشاهداته ، يقول: " ننقل ما نشاهد الى الذين لا يقدرون حتى على مشاهدته بعيونهم المجردة ، الى اؤلئك الذين حرموا من البصر او مجرد الوصول الى هذا المكان الذي يبدأ التاريخ منه "، هنا بدأت الذاكرة ، و هنا مكان السؤال الابدي : ماذا يعني الوطن؟.
في الجزء الاخير " انتظار" يفصل سلمان ناطور ، ومن خلال حياة شخصيته الرئيسية احمد بن رابعة ، معاناة من نجا من الموت و الطرد فيبقى في و طنه ، يعيش على اطلال قراه المدمرة ويحاول ان يتدبر لقمة عيش ابنائه فيصطدم بالعنصرية و التمييز و الشقاء ، يتمزق غيظا و هو يرى الاسماء البديلة لاماكنه و الاشخاص الجدد القادمين من كل بقاع الدنيا يسكنون في بيوته و يستغلون ارضه و هو يعمل لديهم مضطرا ليعيش ، يستغلونه و يحاولون تحطيم كرامته ، و يربط بين معاناة هؤلاء ومن تدفق منهم من اللاجئين الى الضفة و القطاع الذين يأتون للعمل في مزارع المستوطنات في ظروف لا يكفي وصفها بالقاسية ، ينتظر الجميع تغيرا قد يحصل.
و في ظل الانتظار ، يعيد سلمان ناطور علينا مرة تلو الاخرى اسماء الاماكن الاصلية و سكانها الاصليون . هذا التكرار المستمر مفيد جدا ، فالذاكرة بحاجة دائما لمن ينعشها و يستخدمها . تموت بدون ذلك . و نحن نريدها ان تبقى لانها حياتنا المستمرة .
يختم سلمان ناطور هذا الجزء قائلا :
" سياتي الينا... سنأتي اليه
كلنا على موعد مع الموت
عندما نولد يبدأ انتظار هذه النهاية
السعادة هي ان تجعل هذا الانتظار هنيئا و جميلا
نهاية الانتظار لقاء جديد" .
ذاكرة سلمان الناطور ، هي ذاكرة المكان و مكان الذاكرة ، ذاكرتنا جميعا اذا تم ربطها بذاكرة الكتاب و المبدعين و الباحثين الاخرين في الوطن و المنافي ، الذين كتبوا لهدف واحد : للاجيال المقبلة كي لا تنسى .
تقول سيرين الحسيني شهيد في مقدمة كتابها " ذكريات من القدس" :
"كتبت عن طفولتي و عن فلسطين في الثلاثينات من القرن الماضي لبناتي و الاجيال التالية التى لعلها تجهل كل شئ عنا و عن طريق عيشنا ، و يبدو لي مهما الحفاظ على الذاكرة لتلك الايام المندثرة ، ذلك ان الامل في مستقبل افضل لا يمكنه ان يتغذى الا بمعرفة حقيقة الماضي" .
و كتبت انا في" إنثيال الذاكرة هذا ما حصل " ان " الماضي المبعثر قطعة من مستقبلنا "،ولنفس الهدف : نقل ذاكرتنا لتمتد الى الاجيال صانعة المستقبل دون ان تهزم .
سلمان ناطور ، و كل من كتب عن الذاكرة ، يعرف انها مهمة جدا للإنسان ، فبدونها لا يكون له ماض يستند اليه في بناء حاضره ، و لا مستقبل يتوقعه من الماضي و الحاضر.
تضمن الذاكرة و حدة و كلية الشخصية و بدونها ، يولد الإنسان من جديد كل يوم ، بلا هوية و لا شخصية .
ابدع سلمان ناطور في كتابه في جعل الذاكرة الفلسطينية ممتدة و حية و نابضة ، أبطل مقولة بن غوريون ، لذلك يقترب احفاده الصهاينة الذين إطمأنوا بفعل قوتهم الى تلك المقولة من الجنون ، فهاهم يشنون الحرب على الذاكرة الفلسطينية من خلال قوانين عنصرية فاشية تهدف الى منع الذاكرة الفلسطينية من الإشتعال المستمر الذي يحرق إنتصارات دخلاء ، لا ماض لهم في بلادنا ، و لا مستقبل مهما طال الزمان .
شكرا لسلمان ناطور ، و دعوة لكن من يستطيع ان يحذو حذوه الى ان لا يتأخروا
و لمن لا يعرف سلمان ناطور اوجز فأقول :
• و لد في دالية الكرمل جنوبي حيفا عام 1949
• درس الفلسفة
• عمل في الصحافة منذ العام 1968 و حتى عام 1990 ، حيث اشرف على تحرير الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الحيفاوية ، و مجلة الجديد الثقافية ، و مجلة قضايا اسرائلية
• منسق شبكة التاريخ الشفوي الفلسطيني في مناطق 1948
• من مؤسسي مؤتمر حق العودة و السلام العادل
• الرئيس الاول لإتحاد الكتاب العرب في اسرائيل
• مؤسس لجنة الجديد للسينما الفلسطينية
• عضو ادارة جمعية عدالة
• مدير معهد اميل توما للدراسات الفلسطينية- الاسرائيلية في حيفا 2002-2008
• شارك في العديد من الندوات و المؤتمرات الثقافية
لا زال يمارس عمله الرئيسي : حارس للذاكرة الفلسطينية .
فتحي البس
30-5-2009
فتحي البس
نحتفي اليوم باطلاق كتاب سلمان ناطور: " ستون عاما - رحلة الصحراء ، ذاكرة، سفر على سفر ، و انتظار" .انه تكريس لجهد طويل بذله الكاتب على مدار اكثر من (30) عاما يهدف الى ابقاء الذاكرة الفلسطينية حيّة ، لكي يدحض مقولة بن غوريون التى اعتمدها الصهاينة في مقاربتهم للصراع القائلة" الكبار سيموتون و الصغار سينسون " فأكد سلمان ناطور في هذا الكتاب ومنذ كتابه الاول "ما نسينا "، و في كل نشاطاته و كتاباته ان الكبار يموتون و لكن الصغار يتكاثرون ، وهم يفوقون بكثير من ماتوا ، ويحملون ذاكرة فلسطينية حية مطعمة بالوجع و الالام والخيبات ، و في نفس الوقت بالغضب و الرفض و التحدي و الامل .
اعتمد سلمان ناطور في كتابه لغة شفافة ، بسيطة واضحة ، تصل الى المتلقي بسهولة ، وكاني به من خلال الرواية و المقالة و الخاطرة و السرد التاريخي و الصورة الفنية ، و استخدام لغة الناس البسطاء كما يتحدثون في حياتهم اليومية ، يستهدف الاطفال و الشباب و عموم الناس ليزرع في ذاكرتهم قصيرة الامد ، ما يرسخ ليستقر في ذاكرة طويلة الامد ، لكي لا يتمكن الاعداء من جعل الذاكرة اليومية المفجعة قصيرة الامد ، ذاكرة طويلة ترسخ ، فيصدق قول بن غوريون . نجح سلمان ناطور في جعل الذاكرة الطويلة الامد لكل من يقرا الكتاب غير قابلة للاحلال بنقيضها :الرواية الصهيونية .
في الجزء الاول ، ذاكرة ، يبدأ سلمان ناطور بربط سيرته الشخصية ، بسيرة المجموع فيلفت النظر الى انه من جيل النكبة ، فقد ولد مباشرة بعد حرب 1948 ، و دخل المدرسة في حرب السويس و انهى الثانوية في حرب حزيران ، و تزوج في حرب اكتوبر . ولد الاول في حرب لبنان ، و مات ابوه في حرب الخليج ، وولدت حفيدته سلمى في حرب مازالت مشتعلة.
و ينتقل مباشرة لتعريفنا على حارس الذاكرة ، الشيخ المشقق الوجه ، أبو محمد ، الذي يتماهى من خلال شقوق وجهه مع خارطة فلسطين و تاريخها .
و منذ الفقرة الاولى " الدليل " نتعرف على منهجية سلمان ناطور و هدفه .انه الربط بين ذاكرة من بقي في داخل الوطن ومن اضطرته وحشية العدو للخروج ، فأبو محمد يبلغ اهله في مخيم جنين " اذا تأخرت فاعلموا انني في خربة ابو حرب " و خربة ابي حرب ارض مساحتها عشرة دونمات تقع في الجهة الغربية من الشارع الغربي يوصل بين " عين حوض" و "عين غزال" و هذه الاماكن الثلاثة مرسومة بخطوط متقطعة و نقاط سوداء على خارطة فلسطين- فلسطين يوم كانت بنايات شارع الملك ملكا لعائلة الطبراوي ، و مركز شرطتها حاليا كان مكتبا لشركة الزراعة الغربية المساهمة ليمتد ، و يمتد من اول شارع يافا و حتى مفرق شارع السلام ".
في هذه الفقرة ، ومن فقرات لاحقة نفهم القصة . ابو محمد يشعر بإقتراب نهايتة ، و يريد ان يعود الى ارضه ، فيمر ببيت صديق ترك فيه خزانة عندما خرج من قريته فيها عقد لام محمد ، و كوشان الارض . يأخذهما لانهما تاريخ و ذاكرة و يترك الخزانة.
كل ما في هذا الجزء ، تذكير بالارض و الناس و حياتهم في زمن الاتراك ، و الانجليز ، و ما جرى عام النكبة من وحشية ، قتل و طرد و تدمير بعد سنوات الطمأنينية التى كانوا يعيشونها ، وفيها فرح و روح تواقة للحياة ، و يزرع فيها الاحتلال الانجليزي البغيض الفرقة و المؤامرة بين ابناء الشعب و بتنسيق مع الصهاينة ، ويرويها سلمان ناطور بسخرية ، فيربط بين صراع العائلات والمخاتير و القرية المجاورة ، رمز المستوطنات التى جاورت القرى الفلسطينية ، و وثق اهلها بحسن جوارهم ، فنرى مختارها شلومو يتآمر و يرشو الضابط الانجليزي و يوفر له ما يحتاج حتى المراة الشقراء التى يريدها بديلا لزوجته ، فتشتعل الحرائق بين العائلات ، يسمح للعائلة الاولى بشراء بابور طحين ، و للثانية بشراء معصرة زيت ، فينتهي الحريق بإبعاد العائلتين ،وتدمير المعصرة و بابور الطحين ، و سيلان الدم ليصفو الامر للقرية المجاورة – المستوطنة.
يروي سلمان ناطور ، على لسان ابو محمد احداث الحرب التى انتهت بالنكبة ، فيؤكد ان خروج الفلسطينين من قراهم كان بفعل القتل المدروس ، و التهجير المطعم بالتخويف ، و اثارة الرعب بقتل الشباب امام اهاليهم ،و القضاء على الشيوخ الذين حاولوا الاحتماء بالكنائس و الجوامع و البيوت بحيث يدب الرعب في قلوب الجميع، و لعل مأساة تحويل مرج بن عامر ، رمز الحياة الخصبة و الغنية ، الى مستنقع يبتلع ثلاثة عشرة من المسنين الذين يعجز ابناؤهم عن انقاذهم ، تجعل البدن يقشعر ، و تطبع في الذاكرة صورة وحشية و همجية للعدو الذي يهدم القرى و يقتل ابناءها و يلغي ملامحها ، و يستبدل اسماءها ، و يحيل حياة من ينجون من الموت و الطرد الى جحيم ، و يمارس ضدهم كل اصناف التمييز و الاذلال .
المهم اننا نقرأ اسماء القرى المدمرة و قصص عن بطولات الدفاع عنها ، و قصص ابنائها الذين انتقلوا ليعيشوا على مشارف ارضهم في مدن و قرى اخرى ، فترسخ في ذاكرتنا الاسماء والكلمات و المعاني الاصلية النقيضة لما هو كل جديد غريب مفروض .
هذه هي الفكرة الاساسية في هذا الجزء من الكتاب ، يلخصها ابو محمد الشيخ المشقق الوجه حيث تحمل انامله المرتعشة مفكرة صغيرة ، تتراقص و هو يقلب صفحاتها و تكاد تسقط من بين يديه ، فيحكم قيضته عليها : " اذا راحت هالمفكرة ، راحت حياتي ، صار عمري ثمانين سنة و اكثر ، كله مسجل في هالمفكرة، قلت انا راح موت ، و التاريخ مش راح يموت ، يمكن في ناس بدهم يموتوا التاريخ بس لا ، كله مسجل في هالمفكرة"
عظمة كتاب سلمان ناطور انه لم يترك ما في المفكرة ملكا لابي محمد ، انه يجعله ملكا لنا جميعا ، و لاولادنا و احفادنا ، فنقرأها لترتيط ذاكرة من ظل في الوطن بذاكرة من خرج منه ، و جميعهم يرتبطون بالمكان وبالتوق للعودة ، و بالحنين الى ما كان عليه ، لعل الجميع يستطيعون في مقبل الايام ان يعيدوا للمكان هويته و جماله و حياته السعيدة .
يركزعلى ان الذاكرة هي حياة باقية ، من يفقدها يموت ،و لعل قصة االلاجئ من بيت جبرين الذي صدمه اختطاف الجيش لابيه ، ففقد النطق و الارتباط بالواقع ، و ظل يجلس امام دكان اخيه في مخيم في غزة ينتظر عودة ابيه الذي لا يعود حتى مات ، و قصة عباس الفران ، الذي ظل يحرس المكان في الساحة المركزية في حيفا، يراقب ما يجريه السكان الجدد من تغييرات عليه ، ينتظر عودة عائلته ، ليعيد للمكان صورته الاصلية ، فيموت لانه يعيش خارج الوافع ينتظر، تدفعنا قصة الاثنين لكي نبقي الذاكرة حية ، مرتبطة بالواقع ، لا نفقدها لنستمر بالحياة . فالنسيان موت ، والذاكرة حياة.
سفر على سفر، امتداد الذاكرة في نفوس اللاجئين و من غادروا اماكنهم . فدوى حبيب ، رسامة و شاعرة فلسطينية ، تعيش في المنفى ، تنتقل بين المغرب ، و روما و لندن و باريس، تدفع صديقها القادم من الوطن الى ان يعيدها معنويا على الاقل الى مدينتها الاصلية- بيسان ، فيعدها ان يفعل ، فيكتب تفاصيل اسفاره ، خارج الوطن و داخله ، من الشمال الى الجنوب ، فتتعرف من خلال السرد على تاريخ الاماكن و الحياة قبل و بعد الاحتلال ، على التضاريس و النباتات و السكان ، و الحواجز و البشر الجدد الذين ينكلون بأهل البلاد ، يكتب الى فدوى تفاصيل –رحلته و مشاهداته ، يقول: " ننقل ما نشاهد الى الذين لا يقدرون حتى على مشاهدته بعيونهم المجردة ، الى اؤلئك الذين حرموا من البصر او مجرد الوصول الى هذا المكان الذي يبدأ التاريخ منه "، هنا بدأت الذاكرة ، و هنا مكان السؤال الابدي : ماذا يعني الوطن؟.
في الجزء الاخير " انتظار" يفصل سلمان ناطور ، ومن خلال حياة شخصيته الرئيسية احمد بن رابعة ، معاناة من نجا من الموت و الطرد فيبقى في و طنه ، يعيش على اطلال قراه المدمرة ويحاول ان يتدبر لقمة عيش ابنائه فيصطدم بالعنصرية و التمييز و الشقاء ، يتمزق غيظا و هو يرى الاسماء البديلة لاماكنه و الاشخاص الجدد القادمين من كل بقاع الدنيا يسكنون في بيوته و يستغلون ارضه و هو يعمل لديهم مضطرا ليعيش ، يستغلونه و يحاولون تحطيم كرامته ، و يربط بين معاناة هؤلاء ومن تدفق منهم من اللاجئين الى الضفة و القطاع الذين يأتون للعمل في مزارع المستوطنات في ظروف لا يكفي وصفها بالقاسية ، ينتظر الجميع تغيرا قد يحصل.
و في ظل الانتظار ، يعيد سلمان ناطور علينا مرة تلو الاخرى اسماء الاماكن الاصلية و سكانها الاصليون . هذا التكرار المستمر مفيد جدا ، فالذاكرة بحاجة دائما لمن ينعشها و يستخدمها . تموت بدون ذلك . و نحن نريدها ان تبقى لانها حياتنا المستمرة .
يختم سلمان ناطور هذا الجزء قائلا :
" سياتي الينا... سنأتي اليه
كلنا على موعد مع الموت
عندما نولد يبدأ انتظار هذه النهاية
السعادة هي ان تجعل هذا الانتظار هنيئا و جميلا
نهاية الانتظار لقاء جديد" .
ذاكرة سلمان الناطور ، هي ذاكرة المكان و مكان الذاكرة ، ذاكرتنا جميعا اذا تم ربطها بذاكرة الكتاب و المبدعين و الباحثين الاخرين في الوطن و المنافي ، الذين كتبوا لهدف واحد : للاجيال المقبلة كي لا تنسى .
تقول سيرين الحسيني شهيد في مقدمة كتابها " ذكريات من القدس" :
"كتبت عن طفولتي و عن فلسطين في الثلاثينات من القرن الماضي لبناتي و الاجيال التالية التى لعلها تجهل كل شئ عنا و عن طريق عيشنا ، و يبدو لي مهما الحفاظ على الذاكرة لتلك الايام المندثرة ، ذلك ان الامل في مستقبل افضل لا يمكنه ان يتغذى الا بمعرفة حقيقة الماضي" .
و كتبت انا في" إنثيال الذاكرة هذا ما حصل " ان " الماضي المبعثر قطعة من مستقبلنا "،ولنفس الهدف : نقل ذاكرتنا لتمتد الى الاجيال صانعة المستقبل دون ان تهزم .
سلمان ناطور ، و كل من كتب عن الذاكرة ، يعرف انها مهمة جدا للإنسان ، فبدونها لا يكون له ماض يستند اليه في بناء حاضره ، و لا مستقبل يتوقعه من الماضي و الحاضر.
تضمن الذاكرة و حدة و كلية الشخصية و بدونها ، يولد الإنسان من جديد كل يوم ، بلا هوية و لا شخصية .
ابدع سلمان ناطور في كتابه في جعل الذاكرة الفلسطينية ممتدة و حية و نابضة ، أبطل مقولة بن غوريون ، لذلك يقترب احفاده الصهاينة الذين إطمأنوا بفعل قوتهم الى تلك المقولة من الجنون ، فهاهم يشنون الحرب على الذاكرة الفلسطينية من خلال قوانين عنصرية فاشية تهدف الى منع الذاكرة الفلسطينية من الإشتعال المستمر الذي يحرق إنتصارات دخلاء ، لا ماض لهم في بلادنا ، و لا مستقبل مهما طال الزمان .
شكرا لسلمان ناطور ، و دعوة لكن من يستطيع ان يحذو حذوه الى ان لا يتأخروا
و لمن لا يعرف سلمان ناطور اوجز فأقول :
• و لد في دالية الكرمل جنوبي حيفا عام 1949
• درس الفلسفة
• عمل في الصحافة منذ العام 1968 و حتى عام 1990 ، حيث اشرف على تحرير الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الحيفاوية ، و مجلة الجديد الثقافية ، و مجلة قضايا اسرائلية
• منسق شبكة التاريخ الشفوي الفلسطيني في مناطق 1948
• من مؤسسي مؤتمر حق العودة و السلام العادل
• الرئيس الاول لإتحاد الكتاب العرب في اسرائيل
• مؤسس لجنة الجديد للسينما الفلسطينية
• عضو ادارة جمعية عدالة
• مدير معهد اميل توما للدراسات الفلسطينية- الاسرائيلية في حيفا 2002-2008
• شارك في العديد من الندوات و المؤتمرات الثقافية
لا زال يمارس عمله الرئيسي : حارس للذاكرة الفلسطينية .
فتحي البس
30-5-2009

التعليقات