فى غزة سقوط عزبة عبد ربة وليلة سقوط غرناطة

بقلم:د.كامل خالد الشامي
أستاذ جامعي وكاتب مقيم فى قطاع غزة

كان مسلمو الأندلس كلما اشتد بهم الأمر يستنجدون يملوك المغرب,الذين لم يألوا جهدا فى نصرة إخوانهم آنذاك , وفى النهاية سقطت الأندلس وسقطت غرناطة, رغم النوايا الحسنة للحفاظ عليها.

أما عزبة عبد ربة تلك المنطقة السكنية الآمنة التي تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة غزة, فلم ينصرها أحد, فوقعت مهشمة مثل هيروشيما بعد القنبلة, فى ليلة من ليالي ا لحرب البغيضة التي شنت على قطاع غزة فى أواخر العام المنصرم ,واستمرت طيلة 22 يوما, لم تكن تلك المنطقة الصغيرة معروفة إلا لدى سكانها , فهى منطقة يغلب عليها الطابع الريفي, ولا تساوى شيئا فى علوم العسكر.

انتشر أفراد الجيش الإسرائيلي فى حواريها ,وفى وديانها, بدباباتهم وطائراتهم, وجرافاتهم,وحاصروها , ثم فجروا بيوتها بيتا بيتا, فتحولت من منطقة كانت تصنع الحياة إلى ركام يحتوى على أحلام سكانها ,وذكريات سكانها, وآمال سكانها .اختفت منها معالم الحياة, فلم يبقى فيها إلا الألم, والدموع,وبعض الناس القلائل,الذين لم يستوعبوا أن منطقتهم قد تلاشت.

لا أحد يعرف اليوم لماذا دمرت عزبة عبد ربة؟ولكن المرجح أنها دمرت لتكون مثالا للرعب بين السكان فى غزة وفى البلدان المجاورة.

بالأمس مررت على تلك العزبة , فكان حجم الدمار كبيرا, من الصعب وصفة بالكلمات, وقد لفت انتباهي رجل مسن,كان يسكن تحت أنقاض منزلة, الصدمة ما زالت فى عينية واضحة, ولكنى قررت الابتعاد بسرعة , حتى لا يشعر الرجل أنى أزعجه , ثم صادفتني, امرأة تحمل على رأسها القليل من الحطب,ذاهبة به إلى حطام بيتها , حيث تسكن مع أطفالها الستة.

الغريب فى الأمر أن عزبة عبد ربة أصبحت اليوم مزارا لطلاب المدارس والجامعات, وحتى الوفود الأجنبية , والصحافية ,والاغاثية, والتضامنية, أصبحوا يقصدون تلك العزبة ليروا حجم الدمار الذي طالها.

تشتت سكانها وأصبحوا يعيشون فى خيام , تنقصهم كل ضروريات الحياة,ولكنهم يعيشون على أمل أن يهب إخوانهم ببناء العزبة مرة أخرى.

ربما يسخر البعض من عنوان هذه المقالة, لأن الفرق بين غرناطة , وعزبة عبد ربة شاسع, لكن القدر هنا واحد, فقد حوصر سكان غرناطة,واضطروا إلى أكل لحوم خيولهم, وقططهم, أما فى عزبة عبد ربه فالمأساة أكبر, لقد أضطر سكانها إلى استخدام ملابس أطفالهم, ليشعلوا بها النار للحصول على ماء ساخن وذلك بسبب الحصار الظالم المفروض على سكان قطاع غزة.

ولكن, وبرغم كل هذه الظروف الصعبة, وبالرغم من أن زجاجة العطر قد انكسرت, وفاحت منها رائحة الاختلاف, وعلى الرغم من أن عقد الوفاق قد انفرط,, فما زلنا نلتف حول ضوء الشمعة التي نشعلها كل يوم ,ونهتف من حولها بصوت عال كلنا عزبة عبد ربه.

التعليقات