قصة العلاقة الخاصة بين أستاذ أميركي والرئيس الأسد

قصة العلاقة الخاصة بين أستاذ أميركي  والرئيس الأسد
باريس: بورزو دراغي *
ما زال ديفيد ليش يتذكر كيف وقع اختيار تومي لاسوردا عليه في شتاء عام 1980 عندما كان عضوا بفريق «دودجرز» لكرة السلة لتصويب الكرة في مواجهة نجوم كبار أمثال رون سي وريغي سميث ودايفي لوبز وبيل رسل خلال أول يوم له في التدريب قبل بدء الموسم.

ومرت أول كرة قذف بها في اتجاه رون سي فوق رأسه، ما دفع سي إلى أن يرمقه بنظرة غاضبة في أثناء نهوضه من الوحل الذي سقط به. لكن سرعان ما استعاد ليش رباطة جأشه واستمر في تمرير الكرة باقي التدريب دون أن يقترف أخطاء.

وعن هذا الموقف يقول ليش: «بعد ما مررت به، ربما لم يعد هناك ما يخيفني على الإطلاق».

عاد هذا الدرس المستفاد أمام أعين ليش بعد قرابة قرن من الزمان عندما توجّه ليش، الذي يعد حاليا واحدا من الخبراء المرموقين المعنيين بمنطقة الشرق الأوسط، لمقابلة بشار الأسد، الرئيس السوري.

سيطرت مشاعر التوتر على ليش، بل وقليل من الخوف أيضا، ذلك أنه على وشك مقابلة رجل يدّعي المسؤولون الأميركيون أنه يساعد المتمردين بالعراق والمسلحين في لبنان، علاوة على تولّيه السلطة فوق جهاز أمني قوي وموسع داخل واحدة من أكثر دول العالم الخاضعة لسيطرة حكومية محكمة.

لكن سرعان ما استعاد ليش هدوأه، ووجد الأسد مستعدا لمقابلته في الموعد المحدد، بل وفتح بنفسه باب غرفة الاجتماعات المتواضعة، ورحب بالعالم الأميركي.

قبل ذلك بعامين، تحديدا في عام 2002، تقدم ليش بطلب رسمي لمقابلة الأسد من أجل كتاب يعكف على تأليفه، ولم يعدُ الأمر كونه محاولة يائسة، ذلك أن معظم الحكام العرب يفضلون إطلاق بياناتهم عبر القنوات الإعلامية الرسمية، ونادرا ما يبدون استعدادهم لخوض مقابلة. وعليه، كان للاتصال الهاتفي الذي تلقاه ليش من السفير السوري لدى الولايات المتحدة وقع المفاجأة.

خلال الاتصال قال السفير: «دافيد، لقد تمت الموافقة».

ومن هنا، بدأت علاقة فريدة من نوعها طيلة خمس سنوات بين ليش، لاعب فريق «دودجرز» الذي شق طريقه داخل الحقل الأكاديمي، والأسد، طبيب العيون الذي ورث الرئاسة السورية بمحض المصادفة.

ومنذ البداية، وجد الاثنان الكثير من العناصر المشتركة بينهما، أحدها أن القدر تدخل ليغير مسار حياة كل منهما على نحو درامي: من ناحية، تحطمت آمال ليش في عالم كرة السلة جراء إصابة تعرض لها في الكتف، ما دفعه إلى التفكير في سبل أخرى للمضي قدما في مشوار حياته.

وبالفعل، قرر ليش العودة إلى الجامعة، حيث رأى اثنان من أساتذته أن لديه إمكانات كبيرة. والتحق ليش بجامعة هارفارد، حيث نال درجة الدكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط. وفي نهاية الأمر، حصل على وظيفة مدرس في ترينيتي كوليدج في سان أنتونيو. وبمرور الوقت، تأقلم ليش مع الحياة الجامعية.

خلال العطلات الصيفية، حرص ليش على السفر برفقة طلابه إلى مدينة حلب السورية، حيث تجولوا في الأسواق القديمة وأطلال الآثار الرومانية وعكفوا على دراسة اللغة العربية. وفي تلك الأثناء، توطدت أواصر الصداقة بين ليش وأحد مسؤولي حزب البعث الذي تولى إدارة جامعة حلب، وتحول في النهاية إلى مدخله للوصول إلى القيادة السورية.

من ناحية أخرى، رغم كون بشار نجل الرئيس حافظ الأسد، فإنه لم يشارك في الحياة السياسية حتى فترة متأخرة من حياته. وقد تخصص في مجال طب الأعين، وكان في طريقه نحو بناء مستقبل له كجرّاح مرموق.

تعلم بشار اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وقضى بعض الوقت في لندن، حيث كان يتنزه في سيارة «بي إم دبليو 318 آي»، ظل معتزا بها بينما استقر في حياته كأي فرد عادي من أبناء الشريحة الأعلى من الطبقة الوسطى.

لكن جاء عام 1994 حاملا معه مأساة كبرى بمصرع شقيقه الأكبر باسل، رئيس الهيئة الأمنية في ظل رئاسة والده، والوريث للسلطة، جراء حادث سيارة خارج دمشق. وعليه، تم استدعاء بشار، الذي كان يبلغ من العمر حينها 28 عاما، من بريطانيا، والتحق بكلية عسكرية وجرى إعداده لخلافة والده الذي توفي عام 2000.

في هذا السياق، أوضح ليش في كتاب أصدره عام 2005 تحت عنوان «أسد دمشق الجديد»، والذي يؤرخ لصعود نجم بشار الأسد سياسيا: رقصة حياة بشار تذكرني كثيرا بمايكل كورليون في سلسلة أفلام (الأب الروحي)».

واستطرد ليش موضحا أن «مايكل كان الابن الوحيد الذي بدا أن ينأى بنفسه عن النشاط الذي تمارسه عائلته، وعمد إلى رسم مسار لنفسه مختلف تماما عن أقاربه، خصوصا شقيقه الأكبر سوني. فقط بعد مقتل سوني وتردّي الحالة الصحية لوالده، وجد مايكل نفسه مجبرا على المشاركة في نشاط العائلة».

خلال الفترة التي تلت تقدم ليش بطلب لقاء بشار، أقدمت الولايات المتحدة على غزو العراق، الأمر الذي عارضته سورية، ومارس المحافظون الجدد في واشنطن الضغوط على دمشق التي باتت تحت عزلة متنامية. عام 2004 فرض الأميركيون عقوبات اقتصادية صارمة ضد سورية، وفي العام التالي سحبت سفيرها اعتراضا على الدور السوري المزعوم في اغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق الذي تمتع بشعبية كبيرة.

من ناحيته، سافر ليش مرارا إلى سورية لإجراء مقابلات خلال عامي 2004 و2005. وعادة ما كان يجري استقباله داخل القصر الرئاسي أو داخل شقة الأسد المتواضعة، حيث كان يلقى ترحيبا من الأسد وزوجته البريطانية المولد أسماء، التي سبق لها العمل كمحللة مالية.

وعن بشار الأسد أكد ليش: «إنه ودود ومتواضع للغاية، ولا يثير أي شعور بالرهبة مطلقا».

وتناول ليش على نحو متكرر القضايا السياسية الصعبة التي تخلق انقساما بين الولايات المتحدة وسورية، وعلى رأسها: هل ستُقدِم سورية قط على قطع صلاتها بإيران، شريكها الاستراتيجي الرئيس في الشرق الأوسط؟

في هذا الصدد أشار ليش، متحدثا عن بشار الأسد، إلى أنه «في كل فرصة سنحت له، عندما كنا نتناول علاقة سورية وإيران، ألمح إلى أنه تحالف مصالح»، مستشهدا بقول الأسد ذات مرة: «ليس لي أصدقاء آخرون، ليس بوسعي انتقاء الأصدقاء».

هل ستُقدِم سورية على إبرام اتفاق مع إسرائيل قبل تسوية القضية الفلسطينية؟

عن ذلك قال ليش: «إنه لا يعتقد أنه من الضروري أن يتزامن الاثنان. إذا ما سارت الأمور على المسار السوري ـ الإسرائيلي، فذلك أمر لا بأس به. لكنه لا يرغب في أن يكون بمعزل عن الآخرين»، بحيث يعقد سلاما مع إسرائيل بينما تنظر باقي دول الشرق الأوسط إليها كدولة معادية.

إلا أن ليش اعترف بأنه تجنب الضغط على الأسد في ما يخص قضايا بعينها، بينها سجلّ حقوق الإنسان السوري. ورغم تناول ليش على نحو مفصل في كتابه الاتهامات المتعلقة بمعاملة المنشقين وتحدثه إلى بعض المعارضين السياسيين، فإنه فضل عدم إثارة هذه القضايا مع الرئيس. كما تجاهل الأسد الطلبات التي تقدم بها ليش لإجراء مقابلات مع عدد من المسؤولين الأمنيين السوريين، ولم يلحّ ليش، من جانبه، على الاستجابة لها.

وبرر ليش موقفه بقوله: «من وجهة نظري، كان ذلك سيضر بقدرتي على الوصول إلى الرئيس».

ويبدي ليش رفضه لتلميحات بعض وسائل الإعلام المحافظة إلى أنه يجري استغلاله كدمية في يد الحكومة السورية. واتهمه مقال في صحيفة «نيويورك صن»، التي توقفت عن النشر الآن، بتصوير الأسد كـ«روح بريئة تخوض قتالا هادئا في مواجهة قوى معتدية، في وقت تشير فيه الدلائل كافة إلى أنه لا يقل عن تلك القوى في العدوان».

في المقابل، شدد ليش على قوله: «أتمتع بقدرتي على الوصول إلى الرئيس، وأعتقد بوجود خطوط حمراء لا يجب تجاوزها، وأعتقد أنني أدرك ماهية هذه الخطوط».

بمرور الوقت، بدأت فترات الحديث بين ليش والأسد تمتد إلى ساعتين وثلاث، وكذلك بدأت عُرَى الصداقة تتوثق بينهما.

وحتى بعد نشر الكتاب، استمر ليش في زياراته للأسد، بل وفي صيف 2006 رافقه في زيارته زوجته، السابقة حاليا، سوزان، ونجله المراهق مايكل.

وعندما أخبر الصبي الأسد وزوجته أنه يحلم بالعمل في مجال صناعة الأفلام، أهداه الرئيس كاميرا «سوني» الخاصة به. وعن ذلك، داعب ليش الأسد بقوله: «إنك شجاع للغاية بإهدائك هذه الكاميرا إلى مراهق».

واستمر التواصل بين ليش والأسد عبر رسائل البريد الإلكتروني، وكانت آخر زيارات ليش للرئيس السوري في أكتوبر (تشرين الأول).

من خلال زياراته أدرك ليش أن الأسد «مولَع بالحاسب الآلي» وبالتصوير، علاوة على عشقه للرياضات المائية. كما أن لدى كليهما ميلا إلى نمط معين من موسيقى الروك.

خلال رحلاته إلى سورية، تَعرّف ليش أيضا عن قرب على جنون النظام السوري، فرغم كونه صديقا للرئيس، تم وضع اسم ليش على القائمة السوداء الممنوعة من الدخول إلى سورية بسبب مشروع آخر كان يعمل به يرمي لجلب سياح إلى الشرق الأوسط. والواضح أن مسؤولا ما في المخابرات السورية لم يرُق له اسم المشروع.

وبالفعل، بدّل ليش اسم المشروع، وفي النهاية تم التخلي عن المشروع. ومع ذلك تعرض للتوقيف داخل مطار دمشق، حيث أخبره مسؤولون بأنه ممنوع من دخول البلاد. وتم احتجازه في غرفة صغيرة، حيث شرع مسؤول أمني في التحقيق معه.

وعن هذا الموقف قال ليش: «جلست على مقعد منخفض للغاية، بينما جلس هو على مقعد شديد الارتفاع». وفي النهاية تمكن المحقق من الوصول إلى سكرتير الأسد.

وقال ليش: «حينئذ فغر فاه، وعكف على الاعتذار لي بحماس. من الواضح أن المخابرات لم تعلم أنني ذات الشخص الذي يلتقي الرئيس. إنها مسألة بيروقراطية، فبمجرد دخول اسمك إلى القائمة السوداء، يصبح من العسير للغاية الخروج منها».

على الجانب الآخر، نما إلى علم المسؤولين الأميركيين العلاقة غير المحتملة بين ليش والأسد. وعليه، بدأوا في استدعائه إلى مقر وزارة الخارجية والوكالات الحكومية الأخرى ثلاث أو أربع مرات سنويا لإطلاع صانعي السياسات على أحدث المعلومات.

وعن ذلك قال ليش: «إنه صوت مختلف عما اعتادوا سماعه، وعادة ما كانوا يبدون استجابة كبيرة. في معظم الوقت، تميزوا بقدر بالغ من الانفتاح. لكن عندما كانت تنتقل المعلومات إلى المستويات الأعلى، إلى رؤسائهم، عادة ما كانت تقابَل بالرفض، للأسف».

ويروق لليش سرد قصة لقائه مع الأسد عام 2006 في أعقاب انتقاد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لسورية في إطار محادثة كان يفترض أنها خاصة مع توني بلير رئيس الوزراء البريطاني.

إلا أن الميكروفونات خلال اجتماع قمة مجموعة الثماني في يوليو (تموز) كانت لا تزال عاملة، وبذلك استمع العالم بأسره إلى بوش وهو يستدعي بلير ويخبره بأنه يلقي اللوم على سورية عن الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان. وقال: «أترى؟ إن ما نحتاج إلى القيام به هو دفع سورية لإجبار حزب الله على وقف هذا الهراء، وبذلك ينتهي الأمر».

في هذا السياق قال ليش خلال لقاء أُجري معه في باريس، حيث كان يحضر مؤتمرا: «وعليه، سألت بشار: ما رأيك في هذا الأمر؟». وأوضح ليش أنه هيأ نفسه للاستماع إلى انتقادات بالغة ضد الولايات المتحدة ورئيسها. واستطرد قائلا: «لكنه أجاب: لقد أعجبني. أعجبني قوله هذا. لقد بث شعورا عظيما بداخلي، لأنه على الأقل يفكر في سورية. إنه يفكر بشأننا».

ويرى ليش أن هذه المحادثة كشفت عن عدم تأثر الأسد بالانتقادات التي يتعرض لها، علاوة على الشعور بالافتقار إلى الأمن الذي تعانيه سورية، التي يجري التودد إليها بحذر في الوقت الراهن من قِبل الولايات المتحدة والغرب كإحدى الدعائم المحتملة للسلام في الشرق الأوسط.

ويرى ليش أن هذا الموقف يكشف أمرا مهما عن سورية، البالغ تعداد سكانها 23 مليون نسمة، وعن رئيسها الذي يطمح إلى التحول إلى عنصر بارز في الشرق الأوسط.

ويوضح ليش: «رغم كل العزلة المفروضة عليها ـ فقد شكلت تلك الفترة ذروة العزلة التي تفرضها الولايات المتحدة ضد سورية ـ كان يعمل على دفع الولايات المتحدة للتفكير بشأن بلاده. هذا هو ما يبغونه (السوريون). إنهم يرغبون في النظر إليهم على نحو جدي».

جدير بالذكر أن ليش والأسد ينويان اللقاء مجددا هذا الصيف، لكن ليش يراوده التساؤل حول ما إذا كانت هذه العلاقة ستستمر حال تحسن العلاقات الأميركية ـ السورية خلال الشهور القادمة وعثور الأسد على أميركيين أكثر نفوذا يمكنه الحديث إليهم.

في هذا الصدد أكد ليش: «إنه يثمّن آرائي وأفكاري، ولا يزال هذا الوضع قائما في الوقت الراهن. إذا ما توقفت اللقاءات، أعتقد أنه حينئذ سيكون كلانا قد خدم مصالح الآخر على مدار خمس أو ست سنوات عندما تطلبت الظروف ذلك».

* «لوس أنجليس تايمز»

التعليقات