تركي الدخيل.. من متشدّد إسلامي إلى متهم بالتمويل الأجنبي وتحول لخفيف الوزن من أجل سيدتين
غزة-دنيا الوطن
لا يتخلّف برنامج "إضاءات" الذي تبثه قناة "العربية" ولا مقدمه الإعلامي السعودي اللامع تركي الدخيل عن الجوائز، فقد منحه الملتقى الاعلامي العربي في دورته السادسة بالكويت في الفترة من 5-7 ابريل/نيسان، جائزة أفضل برنامج حواري. وقبل ذلك اختير الدخيل ضمن أقوى 100 شخصية مؤثرة في العالم العربي في استفتاء أجرته مجلة "أرابيان بزنس".
وفي العام قبل الماضي اختير كأحسن مذيع في استفتاء جريدة "الرياض" السعودية.. ثم حصل على لقب "سيد الحوار" في استفتاء أجرته مجلة "روتانا".
تركي يقدم برنامجاً جاداً يلتقي مفكرين وعلماء دين وباحثين ومثقفين، ومع ذلك تتابعه شريحة كبيرة من الشباب، ويتمتع بنجومية غير عادية في أوساط المجتمع السعودي والخليجي.. ما الذي يجعله يؤثر فيهم إلى هذا الحد؟
في هذا الحوار يتحدث عن أشياء كثيرة، ويرد على اتهامات تطاله، ويخوض في مرحلة التشدد الديني التي مر بها، واتهامات التمويل الأجنبي الموجهة ضد مركز "المسبار" للدراسات الذي يديره.
لا يتردد كواحد من ظرفاء الإعلام في التناول الساخر لتجربته الشخصية في التحول من الوزن الثقيل إلى الخفيف والتي يقول إنه فعلها من أجل سيدتين.
أقدم نفسي كواحد من الشباب
يقول تركي الدخيل: الرهان في ما يتعلق بالتأثير في العالم العربي أن الشباب يمثلون نحو 70%، والفكرة الرئيسية أنني أقدم نفسي كأحد هؤلاء الشباب الذين كانوا في فترة من الفترات مغيبين عن الحضور كنجوم أو كشخصيات تقدم شيئاً مميزاً.
والجديد أن ظاهرة النجم في العالم العربي اختلفت قليلاً، فلم تعد حكراً على المشايخ أو نجوم الفن والرياضة، فقد ظهر من يمكن أن يقدم عملاً احترافياً ويصل إلى النجومية.
استطيع أن أحكم على ذلك – والحمدلله – من خلال اختيار صحيفة "أرابيان بزنس" لي عام 2007 كواحد من ضمن أقوى 100 شخصية مؤثرة في العالم العربي، واختيار الملتقى الاعلامي العربي في الكويت أخيراً لبرنامج "اضاءات" كأفضل برنامج حواري، وغير ذلك من الاستفتاءات في مجلات وصحف، مع اختلاف معايير التقييم من مكان إلى آخر، ومع ذلك يظل اسمك موجوداً، وهذا دلالة على أن النجاح يتحقق مع أكثر من معيار واحد للتقييم.
لا شيء أراهن عليه، أكثر من أنني أحاول أن أكون لسان الناس، أسأل السؤال الذي يخطر على بالهم. أتحدث بلغتهم ولا أتعالى عليهم ولا أرى أنني أفهم أكثر منهم، وأثير الأسئلة التي تخطر في أذهانهم.
وكما يقال فإن الأجوبة عمياء والأسئلة وحدها هي التي تُرى، وأنا أحاول من خلال "إضاءات" أن أكشف شيئاً من بريق لي أو لغيري.
مستوى ضيوف "إضاءات"
* تستضيف شخصيات ثقافية وإعلامية وفكرية لامعة، ولكن ما ألاحظه أنا شخصياً – ودعني أنتقدك – أن بعض شخصياتك ليسوا على مستوى ما عرفناه عن البرنامج؟
- إذا استطعنا أن نعرف الضابط في انتقاء ضيف "إضاءات" ستحل لدينا المشكلة.
المشكلة عندنا عادة أننا نطالب بأن يكون الضيف شخصية عظيمة، وهذا ليس بالضرورة ولا أن يكون شخصية فاعلة.
أن يقول شيئاً مؤثراً ومختلفاً، فهذه نقطة مهمة. أنا أقول أحياناً لمن يقول لي من المساعدين "لم يعجبني ضيفك، أفكاره لم تكن جيدة"، إن هذه نتيجة إيجابية للبرنامج.
الايجابية أن تصدر حكماً على شخص من خلال ما يفكر فيه، وليس أن يكون قائداً فكرياً يدلك على ما يراه صواباً. ويكفي أحياناً أن تعرف أن لديه أفكاراً لا تعجيك، ولا ترتقي إلى مستواك أو لا تناسبك.
ولذلك أنا أقول دائماً إن الاعلام ليس مثل منبر الجمعة. بعض الناس لا يريد أن تستضيف إلا من يرتضي أمانته ودينه وصالح عمله، فهذا سيكون منبر الجمعة. ضيف الإعلام ليس بالضرورة أن يكون ذلك، فقد يطرح أفكاراً سيئة، أو متناقضة أو غير متسقة ثم تعرف أنها كذلك، فهذه نتيجة مهمة.
* تم بث "إضاءات" على شاشة "العربية" بعد أن كان مقصوراً في بداياته على إذاعة "بانوراما إف إم".. هل استلزم تطويراً في أدائك له؟
- بطبيعة الحال هناك أكثر من تغير. كانت صيغة البرنامج، خصوصاً في أول بداياته بالاذاعة، تستند إلى أن القضية هي محور النقاش. في آخر أيام الاذاعة بدأنا نصل إلى الصيغة الحالية وهي أن الضيف هو القضية بشخصيته وطروحاته.
الحوار في النهاية هو الحوار، ولكن الصورة في التلفزيون هي القصة الرئيسية، وبالتالي يجب أن تكون حاضراً بها. مثلاً استخدام يديك أثناء الحوار قد يكون مهماً في التلفزيون.
في الاذاعة تحتاج أحياناً لاستخدام صوتك للتأكيد على أنك حاضر، وهذا ليس مهماً في التلفزيون، لأن المخرج يأخذ ردة فعلك من خلال تعابير وجهك وعيونك وحواجبك، وما إذا كنت مستغرباً أو موافقاً على ما يقوله ضيفك.
روح تركي الساخرة
* زاملتك في حياتك الصحافية، وأعرف عنك روحك المرحة الساخرة وأنك من الصحفيين الظرفاء القلائل في الصحافة العربية، هل تتسلل هذه الصفة الشخصية إلى أدائك في "إضاءات"؟
- هذا يحدث أحياناً رغماً عني، بل إنني ألجم نفسي كثيراً عن بعض التعليقات التي ربما تكون ساخرة حتى لا أخلط ذلك مع الحوار الجاد، لكن تفلت مني أحياناً بعض التعليقات، وأعتقد أنها قد تخفف أحياناً من حدة الجدية.
* هل شعرت مرة بعد انتهائك من حوار شخصية معينة، أنك نادم على استضافتك لها؟
- الفكرة الأساسية أن يختلف توقعك لحديث الضيف، كأن تنتظر منه شيئاً، فيأتي بشيء آخر، أقل أو أكثر مما تتوقع. لكن أن أشعر بالندم، لا أظن أنني وصلت إلى هذه المرحلة، وأتمنى ألا أصل.
* أنت متهم بالتحول الفكري عن بداياتك. بمعنى أنك بدأت متزمتاً محسوباً على المتشددين في المسألة الدينية، ثم انقلبت حالياً إلى الضد 180 درجة؟
- إذا أردنا أن نفتح باب الاتهامات، فسنفتح باباً لا يغلق. الصيغة قد تجعلها تهمة، لكن عندما تتحدث عن الواقع، فهي ليست تهمة. أنا أول من تحدثت عن ذلك في حوار، أنا حددت محاوره، مع الزميل عبدالله المغلوث في موقع "إيلاف" قبل 4 سنوات تقريباً.
تحدثت عن مرحلتي وكيف كنت وماذا فعلت. والطريف أن يأتي من يحاول أن يعيرك بشيء كأنه اكتشف سراً، رغم أنني أول من تحدث به.
أنا أقول إن الإنسان هو مجموعة من اللبنات. كل فترة من فترات حياته سواء بتجربتها أو بأفكارها، هي لبنة مهمة من لبناته، وأتحدث بوصفي من مواليد السبعينات (1973) فأقول إن تيار الصحوة الإسلامية بالنسبة لنا نحن هذا الجيل الذي أعمارنا الآن في الثلاثينات، يكاد لا يوجد أحد لم يمر عليه هذا التيار ويتأثر به، في العالم العربي كله وليس في السعودية فقط التي هي أبرز تجليات هذا المثال.
كما أن مواليد نهاية الأربعينات والخمسينات، من لم يكن منهم قومياً، كان غريباً. عندما فشل الموضوع العروبي بهزيمة 1967 كان لابد أن ينشأ مشروع بديل للأمة، وهو مشروع الصحوة الإسلامية، ونحن كنا من تأثرنا به بطبيعة الحال.
أقول دائما إن تلك مرحلة أعتز بها، لكني مثلاً لم أرفع يدي على أحد ولم أحمل سلاحاً ولم أفعل منكراً. كانت عندي أفكار قد أرى بعضها متشدداً الآن، لكني لم أضر بها الآخرين، وهذه قصة مهمة بالنسبة لي، لكني لا أخجل من ذكرها بدليل أنني تحدثت فيها.
اتهام "المسبار" بالتمويل الأجنبي
* مركز المسبار للدراسات الذي تديره، متهم من البعض بتلقي تمويل أجنبي لنشر أفكار حديثة عن الإسلام غير مقبولة في العالم الإسلامي، ولا أراك ترد كثيرا على هذا الاتهام.. أليست هذه مسألة تستحق الرد؟
- سأقول فكرة مهمة جداً. قبل قليل كنت أتحدث إليك عن مسألة الاتهامات. والآن لنتحدث عن كيف جاءت تلك التهمة. لقد بدأنا مركزا صغيرا، أنا والصديق عبدالله بن بجاد. بعض المتشددين بدأوا الكتابة بأن هذا المركز أمريكي لأننا قلنا إنه سيتحدث بصفة رئيسية عن الجماعات الإسلامية، تصوروا أنه سيكيل السباب والتهم لها، فأرادوا أن يسبقوا بهذه التهمة.
مستعدون أن نفتح كل دفاترنا لمن أراد أن يتأكد. المركز ليس ضخماً كما يروج بعض من يتمنى أن يصل لهذه الفكرة. نحن لدينا منتج رئيس وهو كتاب شهري قائم على الاشتراكات. والمفارقة أنه ليس لدينا أي اشتراك لجهة غير عربية، مع أننا نتمنى فعلياً أن نحصل على اشتراكات.
لا توجد أي جهة تمول المركز. التمويل كله ذاتي بدأناه بأنفسنا وبقروض حصلنا على بعضها من بنوك محلية في الامارات.
لم تضرنا هذه التهمة بسبب رئيس، أنها قامت بعمل دعاية كبيرة لنا، فلو أردنا أن نقوم بحملة دعائية كانت ستكلفنا أموالاً طائلة، فشكراً لأعدائنا لأنهم قاموا بهذا الدور عنا مجاناً.
* رغم تحولك إلى النجومية التلفزيونية، فإنك لم تترك الصحافة الورقية. لك عمود مقروء جدا في جريدة الوطن السعودية، وتشارك في إصدار صحف جديدة، فأنت عضو في مجلس إدارة جريدة "الرؤية الاقتصادية" اليومية التي صدرت أخيراً.. هل تستشعر بأن الصحافة الورقية مازالت محتفظة ببريقها؟
- من تعود على رائحة الطباعة لا يمكن أن يترك الورق، ليس الأمر متعلقاً باحتفاظ الصحافة الورقية بتأثيرها، بقدر ما هو حالة إدمان. أنا اعتقدت أنه من الضرورة أن أبقى متواصلاً مع جمهور الصحافة الورقية من خلال المقال اليومي.
ثم عرض عليّ من ملاك جريدة "الرؤية الاقتصادية" أن أكون عضواً بمجلس إداراتها فوافقت. هذا أكثر ما هنالك، لكني أحن كثيراً للورق ولعمله. تعتبر هذا إدماناً أو حالة مرضية، قد يكون كذلك، لكن هذا هو الواقع.
من الوزن الثقيل إلى الخفيف

تركي أيام بدانته في لقاء مع أحمد شاه مسعود
* تجربتك مع تخفيف وزنك عبرت عنها بأسلوب طريف في كتاب لك.. هل تحولك من الوزن الثقيل إلى الخفيف حدث بسبب انتقالك إلى الشاشة التلفزيونية؟
- أنا مؤمن أنه لا يمكن أن أخفي شيئاً. لا يمكن أن تكون صحفياً ولا تكون شفافاً. البعض يقول: "لماذا لم تحتفظ بهذه التجربة لنفسك، ولماذا تحدثت عنها". أظن أن الإنسان مجموعة من التجارب، وتجربتي تلك تستحق الحديث والرواية، قد يعجب ذلك البعض ويستمتع بها، وقد لا يعجب البعض الآخر ولا يستمتع بها.
هناك من يردد أن السمنة قد تعيق عملك الصحفي خصوصاً إذا كان يعمل ميدانياً، لكنها بالنسبة لي كانت مثيرة، وشعرت بمتعة التغيير وحاولت التعبير عنها.
* هناك من يقول إنك نزلت بوزنك من أجل التلفزيون.
- لم يكن ذلك هو السبب أو الفكرة. أقول دائماً إنني نزلت بوزني من أجل سيدتين فاضلتين هما ركبتاي.
* تجربة مرض والدتك رحمها الله. كتبت عنها كثيراً في مقالاتك، هل سنرى ذلك في كتاب قريبا؟
- لا أعرف. الذي يمكن أن ينتج عن الكتابة هو الذي يحدد، وإلى الآن لم اتخذ قراراً بهذا الخصوص. الفكرة في مقالاتي أنني كنت أكتب عن علاقتي بوالدتي، لكن هذه ليست مسألة فردية، فكل الناس لديهم أمهات، والمرض يجتاح الناس يميناً وشمالاً، وذلك لمسته من خلال تفاعل الناس الذين تأثروا بهذه المقالات من خلال اسقاط ذلك على تجاربهم الشخصية، وهذا هو الذي كان يحدوني أحياناً لفكرة أن يستثمر الناس علاقتهم بمن يحبون قبل أن يفقدوه.
ولا تتصور كم يصير الأثر رائعاً وجميلاً عندما تلقيت رسالة من أحدهم قبل فترة ذكر فيها أن "علاقتي بأمي رائعة وعظيمة، لكنني عصبي وأحيانا أتعصب عليها، وعندما قرأت مقالك عن أمك، أغمضت عيني لمدة دقيقة أو دقيقتين متخيلا حياتي من دون أمي، ثم تركت عملي وذهبت إلى أمي وأخذت أقبل قدميها وأنا أبكي، وهي مندهشة مما أفعل". هذا شيء رائع عندما ترى انعكاس كتابتك على الناس احساساً وممارسة.
* كتبت مقالاً رياضياً وهي من المرات النادرة جداً، قبل مباراة السعودية وإيران في طهران التي انتهت بفوز المنتخب السعودي. شعرت أنا بأنه مقال سياسي لأن المنافس هو ايران.. ما رأيك؟
- لا.. الأمر لم يكن متعلقاً بايران مع أنني استمتعت بالفوز عليها، وحاولت أن أستحضر تاريخ سجالاتنا الرياضية معها.
كنت سأكتب هذا المقال لو كنا سنلعب مع جزر القمر، فالفكرة الرئيسية عندي أن يتأهل المنتخب السعودي لنهائيات كأس العالم للمرة الخامسة، وهو الذي لم يتخلف عنها منذ عام 1994.
لا يتخلّف برنامج "إضاءات" الذي تبثه قناة "العربية" ولا مقدمه الإعلامي السعودي اللامع تركي الدخيل عن الجوائز، فقد منحه الملتقى الاعلامي العربي في دورته السادسة بالكويت في الفترة من 5-7 ابريل/نيسان، جائزة أفضل برنامج حواري. وقبل ذلك اختير الدخيل ضمن أقوى 100 شخصية مؤثرة في العالم العربي في استفتاء أجرته مجلة "أرابيان بزنس".
وفي العام قبل الماضي اختير كأحسن مذيع في استفتاء جريدة "الرياض" السعودية.. ثم حصل على لقب "سيد الحوار" في استفتاء أجرته مجلة "روتانا".
تركي يقدم برنامجاً جاداً يلتقي مفكرين وعلماء دين وباحثين ومثقفين، ومع ذلك تتابعه شريحة كبيرة من الشباب، ويتمتع بنجومية غير عادية في أوساط المجتمع السعودي والخليجي.. ما الذي يجعله يؤثر فيهم إلى هذا الحد؟
في هذا الحوار يتحدث عن أشياء كثيرة، ويرد على اتهامات تطاله، ويخوض في مرحلة التشدد الديني التي مر بها، واتهامات التمويل الأجنبي الموجهة ضد مركز "المسبار" للدراسات الذي يديره.
لا يتردد كواحد من ظرفاء الإعلام في التناول الساخر لتجربته الشخصية في التحول من الوزن الثقيل إلى الخفيف والتي يقول إنه فعلها من أجل سيدتين.
أقدم نفسي كواحد من الشباب
يقول تركي الدخيل: الرهان في ما يتعلق بالتأثير في العالم العربي أن الشباب يمثلون نحو 70%، والفكرة الرئيسية أنني أقدم نفسي كأحد هؤلاء الشباب الذين كانوا في فترة من الفترات مغيبين عن الحضور كنجوم أو كشخصيات تقدم شيئاً مميزاً.
والجديد أن ظاهرة النجم في العالم العربي اختلفت قليلاً، فلم تعد حكراً على المشايخ أو نجوم الفن والرياضة، فقد ظهر من يمكن أن يقدم عملاً احترافياً ويصل إلى النجومية.
استطيع أن أحكم على ذلك – والحمدلله – من خلال اختيار صحيفة "أرابيان بزنس" لي عام 2007 كواحد من ضمن أقوى 100 شخصية مؤثرة في العالم العربي، واختيار الملتقى الاعلامي العربي في الكويت أخيراً لبرنامج "اضاءات" كأفضل برنامج حواري، وغير ذلك من الاستفتاءات في مجلات وصحف، مع اختلاف معايير التقييم من مكان إلى آخر، ومع ذلك يظل اسمك موجوداً، وهذا دلالة على أن النجاح يتحقق مع أكثر من معيار واحد للتقييم.
لا شيء أراهن عليه، أكثر من أنني أحاول أن أكون لسان الناس، أسأل السؤال الذي يخطر على بالهم. أتحدث بلغتهم ولا أتعالى عليهم ولا أرى أنني أفهم أكثر منهم، وأثير الأسئلة التي تخطر في أذهانهم.
وكما يقال فإن الأجوبة عمياء والأسئلة وحدها هي التي تُرى، وأنا أحاول من خلال "إضاءات" أن أكشف شيئاً من بريق لي أو لغيري.
مستوى ضيوف "إضاءات"
* تستضيف شخصيات ثقافية وإعلامية وفكرية لامعة، ولكن ما ألاحظه أنا شخصياً – ودعني أنتقدك – أن بعض شخصياتك ليسوا على مستوى ما عرفناه عن البرنامج؟
- إذا استطعنا أن نعرف الضابط في انتقاء ضيف "إضاءات" ستحل لدينا المشكلة.
المشكلة عندنا عادة أننا نطالب بأن يكون الضيف شخصية عظيمة، وهذا ليس بالضرورة ولا أن يكون شخصية فاعلة.
أن يقول شيئاً مؤثراً ومختلفاً، فهذه نقطة مهمة. أنا أقول أحياناً لمن يقول لي من المساعدين "لم يعجبني ضيفك، أفكاره لم تكن جيدة"، إن هذه نتيجة إيجابية للبرنامج.
الايجابية أن تصدر حكماً على شخص من خلال ما يفكر فيه، وليس أن يكون قائداً فكرياً يدلك على ما يراه صواباً. ويكفي أحياناً أن تعرف أن لديه أفكاراً لا تعجيك، ولا ترتقي إلى مستواك أو لا تناسبك.
ولذلك أنا أقول دائماً إن الاعلام ليس مثل منبر الجمعة. بعض الناس لا يريد أن تستضيف إلا من يرتضي أمانته ودينه وصالح عمله، فهذا سيكون منبر الجمعة. ضيف الإعلام ليس بالضرورة أن يكون ذلك، فقد يطرح أفكاراً سيئة، أو متناقضة أو غير متسقة ثم تعرف أنها كذلك، فهذه نتيجة مهمة.
* تم بث "إضاءات" على شاشة "العربية" بعد أن كان مقصوراً في بداياته على إذاعة "بانوراما إف إم".. هل استلزم تطويراً في أدائك له؟
- بطبيعة الحال هناك أكثر من تغير. كانت صيغة البرنامج، خصوصاً في أول بداياته بالاذاعة، تستند إلى أن القضية هي محور النقاش. في آخر أيام الاذاعة بدأنا نصل إلى الصيغة الحالية وهي أن الضيف هو القضية بشخصيته وطروحاته.
الحوار في النهاية هو الحوار، ولكن الصورة في التلفزيون هي القصة الرئيسية، وبالتالي يجب أن تكون حاضراً بها. مثلاً استخدام يديك أثناء الحوار قد يكون مهماً في التلفزيون.
في الاذاعة تحتاج أحياناً لاستخدام صوتك للتأكيد على أنك حاضر، وهذا ليس مهماً في التلفزيون، لأن المخرج يأخذ ردة فعلك من خلال تعابير وجهك وعيونك وحواجبك، وما إذا كنت مستغرباً أو موافقاً على ما يقوله ضيفك.
روح تركي الساخرة
* زاملتك في حياتك الصحافية، وأعرف عنك روحك المرحة الساخرة وأنك من الصحفيين الظرفاء القلائل في الصحافة العربية، هل تتسلل هذه الصفة الشخصية إلى أدائك في "إضاءات"؟
- هذا يحدث أحياناً رغماً عني، بل إنني ألجم نفسي كثيراً عن بعض التعليقات التي ربما تكون ساخرة حتى لا أخلط ذلك مع الحوار الجاد، لكن تفلت مني أحياناً بعض التعليقات، وأعتقد أنها قد تخفف أحياناً من حدة الجدية.
* هل شعرت مرة بعد انتهائك من حوار شخصية معينة، أنك نادم على استضافتك لها؟
- الفكرة الأساسية أن يختلف توقعك لحديث الضيف، كأن تنتظر منه شيئاً، فيأتي بشيء آخر، أقل أو أكثر مما تتوقع. لكن أن أشعر بالندم، لا أظن أنني وصلت إلى هذه المرحلة، وأتمنى ألا أصل.
* أنت متهم بالتحول الفكري عن بداياتك. بمعنى أنك بدأت متزمتاً محسوباً على المتشددين في المسألة الدينية، ثم انقلبت حالياً إلى الضد 180 درجة؟
- إذا أردنا أن نفتح باب الاتهامات، فسنفتح باباً لا يغلق. الصيغة قد تجعلها تهمة، لكن عندما تتحدث عن الواقع، فهي ليست تهمة. أنا أول من تحدثت عن ذلك في حوار، أنا حددت محاوره، مع الزميل عبدالله المغلوث في موقع "إيلاف" قبل 4 سنوات تقريباً.
تحدثت عن مرحلتي وكيف كنت وماذا فعلت. والطريف أن يأتي من يحاول أن يعيرك بشيء كأنه اكتشف سراً، رغم أنني أول من تحدث به.
أنا أقول إن الإنسان هو مجموعة من اللبنات. كل فترة من فترات حياته سواء بتجربتها أو بأفكارها، هي لبنة مهمة من لبناته، وأتحدث بوصفي من مواليد السبعينات (1973) فأقول إن تيار الصحوة الإسلامية بالنسبة لنا نحن هذا الجيل الذي أعمارنا الآن في الثلاثينات، يكاد لا يوجد أحد لم يمر عليه هذا التيار ويتأثر به، في العالم العربي كله وليس في السعودية فقط التي هي أبرز تجليات هذا المثال.
كما أن مواليد نهاية الأربعينات والخمسينات، من لم يكن منهم قومياً، كان غريباً. عندما فشل الموضوع العروبي بهزيمة 1967 كان لابد أن ينشأ مشروع بديل للأمة، وهو مشروع الصحوة الإسلامية، ونحن كنا من تأثرنا به بطبيعة الحال.
أقول دائما إن تلك مرحلة أعتز بها، لكني مثلاً لم أرفع يدي على أحد ولم أحمل سلاحاً ولم أفعل منكراً. كانت عندي أفكار قد أرى بعضها متشدداً الآن، لكني لم أضر بها الآخرين، وهذه قصة مهمة بالنسبة لي، لكني لا أخجل من ذكرها بدليل أنني تحدثت فيها.
اتهام "المسبار" بالتمويل الأجنبي
* مركز المسبار للدراسات الذي تديره، متهم من البعض بتلقي تمويل أجنبي لنشر أفكار حديثة عن الإسلام غير مقبولة في العالم الإسلامي، ولا أراك ترد كثيرا على هذا الاتهام.. أليست هذه مسألة تستحق الرد؟
- سأقول فكرة مهمة جداً. قبل قليل كنت أتحدث إليك عن مسألة الاتهامات. والآن لنتحدث عن كيف جاءت تلك التهمة. لقد بدأنا مركزا صغيرا، أنا والصديق عبدالله بن بجاد. بعض المتشددين بدأوا الكتابة بأن هذا المركز أمريكي لأننا قلنا إنه سيتحدث بصفة رئيسية عن الجماعات الإسلامية، تصوروا أنه سيكيل السباب والتهم لها، فأرادوا أن يسبقوا بهذه التهمة.
مستعدون أن نفتح كل دفاترنا لمن أراد أن يتأكد. المركز ليس ضخماً كما يروج بعض من يتمنى أن يصل لهذه الفكرة. نحن لدينا منتج رئيس وهو كتاب شهري قائم على الاشتراكات. والمفارقة أنه ليس لدينا أي اشتراك لجهة غير عربية، مع أننا نتمنى فعلياً أن نحصل على اشتراكات.
لا توجد أي جهة تمول المركز. التمويل كله ذاتي بدأناه بأنفسنا وبقروض حصلنا على بعضها من بنوك محلية في الامارات.
لم تضرنا هذه التهمة بسبب رئيس، أنها قامت بعمل دعاية كبيرة لنا، فلو أردنا أن نقوم بحملة دعائية كانت ستكلفنا أموالاً طائلة، فشكراً لأعدائنا لأنهم قاموا بهذا الدور عنا مجاناً.
* رغم تحولك إلى النجومية التلفزيونية، فإنك لم تترك الصحافة الورقية. لك عمود مقروء جدا في جريدة الوطن السعودية، وتشارك في إصدار صحف جديدة، فأنت عضو في مجلس إدارة جريدة "الرؤية الاقتصادية" اليومية التي صدرت أخيراً.. هل تستشعر بأن الصحافة الورقية مازالت محتفظة ببريقها؟
- من تعود على رائحة الطباعة لا يمكن أن يترك الورق، ليس الأمر متعلقاً باحتفاظ الصحافة الورقية بتأثيرها، بقدر ما هو حالة إدمان. أنا اعتقدت أنه من الضرورة أن أبقى متواصلاً مع جمهور الصحافة الورقية من خلال المقال اليومي.
ثم عرض عليّ من ملاك جريدة "الرؤية الاقتصادية" أن أكون عضواً بمجلس إداراتها فوافقت. هذا أكثر ما هنالك، لكني أحن كثيراً للورق ولعمله. تعتبر هذا إدماناً أو حالة مرضية، قد يكون كذلك، لكن هذا هو الواقع.
من الوزن الثقيل إلى الخفيف

تركي أيام بدانته في لقاء مع أحمد شاه مسعود
* تجربتك مع تخفيف وزنك عبرت عنها بأسلوب طريف في كتاب لك.. هل تحولك من الوزن الثقيل إلى الخفيف حدث بسبب انتقالك إلى الشاشة التلفزيونية؟
- أنا مؤمن أنه لا يمكن أن أخفي شيئاً. لا يمكن أن تكون صحفياً ولا تكون شفافاً. البعض يقول: "لماذا لم تحتفظ بهذه التجربة لنفسك، ولماذا تحدثت عنها". أظن أن الإنسان مجموعة من التجارب، وتجربتي تلك تستحق الحديث والرواية، قد يعجب ذلك البعض ويستمتع بها، وقد لا يعجب البعض الآخر ولا يستمتع بها.
هناك من يردد أن السمنة قد تعيق عملك الصحفي خصوصاً إذا كان يعمل ميدانياً، لكنها بالنسبة لي كانت مثيرة، وشعرت بمتعة التغيير وحاولت التعبير عنها.
* هناك من يقول إنك نزلت بوزنك من أجل التلفزيون.
- لم يكن ذلك هو السبب أو الفكرة. أقول دائماً إنني نزلت بوزني من أجل سيدتين فاضلتين هما ركبتاي.
* تجربة مرض والدتك رحمها الله. كتبت عنها كثيراً في مقالاتك، هل سنرى ذلك في كتاب قريبا؟
- لا أعرف. الذي يمكن أن ينتج عن الكتابة هو الذي يحدد، وإلى الآن لم اتخذ قراراً بهذا الخصوص. الفكرة في مقالاتي أنني كنت أكتب عن علاقتي بوالدتي، لكن هذه ليست مسألة فردية، فكل الناس لديهم أمهات، والمرض يجتاح الناس يميناً وشمالاً، وذلك لمسته من خلال تفاعل الناس الذين تأثروا بهذه المقالات من خلال اسقاط ذلك على تجاربهم الشخصية، وهذا هو الذي كان يحدوني أحياناً لفكرة أن يستثمر الناس علاقتهم بمن يحبون قبل أن يفقدوه.
ولا تتصور كم يصير الأثر رائعاً وجميلاً عندما تلقيت رسالة من أحدهم قبل فترة ذكر فيها أن "علاقتي بأمي رائعة وعظيمة، لكنني عصبي وأحيانا أتعصب عليها، وعندما قرأت مقالك عن أمك، أغمضت عيني لمدة دقيقة أو دقيقتين متخيلا حياتي من دون أمي، ثم تركت عملي وذهبت إلى أمي وأخذت أقبل قدميها وأنا أبكي، وهي مندهشة مما أفعل". هذا شيء رائع عندما ترى انعكاس كتابتك على الناس احساساً وممارسة.
* كتبت مقالاً رياضياً وهي من المرات النادرة جداً، قبل مباراة السعودية وإيران في طهران التي انتهت بفوز المنتخب السعودي. شعرت أنا بأنه مقال سياسي لأن المنافس هو ايران.. ما رأيك؟
- لا.. الأمر لم يكن متعلقاً بايران مع أنني استمتعت بالفوز عليها، وحاولت أن أستحضر تاريخ سجالاتنا الرياضية معها.
كنت سأكتب هذا المقال لو كنا سنلعب مع جزر القمر، فالفكرة الرئيسية عندي أن يتأهل المنتخب السعودي لنهائيات كأس العالم للمرة الخامسة، وهو الذي لم يتخلف عنها منذ عام 1994.

التعليقات