عندما أنقذتني بطاقة زيارة شخصية من ضياع محقّق في السويد
ورقات من الذكريات
عندما أنقذتني بطاقة زيارة شخصية من ضياع محقّق في السويد(*).
بقلم محمود الحرشاني
[email protected]
لأني لم أتفطن إلى أن مدة صلوحية جواز سفري قد انتهت منذ حوالي ستة أشهر، إلا عندما أشعرني موظف الجمارك بالمطار إلى انه يتعذر عليّ السفر إلى السويد مع الوفد الذي تمت دعوته من قبل الوكالة السويدية للتعاون الفني... فقد كان لزاما عليّ أن أعود إلى إدارة الجوازات حتى يتسنى لي التمديد في جواز سفري... وبذلك تأخرا يوما كاملا. فقد كان علي بعد أن حصلت على تمديد في مدة صلوحية الجواز، أن ابحث عن أول طائرة باتجاه السويد... ولأني كنت متعلقا جدا بهذه الزيارة ولا أريد أن أفرط فيها، فقد تمكنت بعد تدخل من موظف سام بسفارة السويد بتونس أن احصل على مقعد في طائرة متجهة إلى جنوب السويد في اليوم الموالي... وبدون تردد قبلت ووافقت على حجز مكان لي في هذه الطائرة... في حين أن البعثة التي كان من المفروض أن أرافقها قد اتجهت إلى العاصمة السويدية ستوكهولم... ولم أقرأ حسابا للمفاجأة التي تنتظرني ونسيت عندما أعلمني موظف الجمارك بالمطار بأنه يتعذر عليّ السفر لانتهاء صلوحية جواز سفري أن آخذ من احد أعضاء البعثة عنوان إقامتهم في العاصمة ستوكهولم... ومن هنا بدأت رحلة التعب التي لم احسب لها حسابا....
أقلعت بنا الطائرة من مطار تونس قرطاج الدولي في حدود الساعة الثانية بعد الظهر، وفي مطار الدنمارك أبدلنا الطائرة بعد استراحة وتوقف بالمطار لمدة ساعين...
وفي مطار الدنمارك... ركبنا طائرة صغيرة باتجاه مطار مالمي، وهي مدينة صغيرة تقع جنوب السويد... وكنت تقريبا المسافر العربي الوحيد على متن هذه الطائرة الصغيرة التي كانت تعبر بنا الأجواء ليلا، وقد اخذ النعاس والنوم جميع الركاب تقريبا... ولأول مرة بدأ يساورني شعور بالخوف، لا ادري مأتاه....
وقلت في قرار نفسي... كيف قبلت أن أكون المسافر العربي الوحيد على متن هذه الطائرة الصغيرة التي تعبر بنا ليلا، في اتجاه مدينة لا اعرفها ولا اعرف فيها أحدا...
وبقدر ما كنت متشوقا للقيام بهذه الرحلة التي ستمكنني من زيارة السويد والاطلاع على حضارته... بدأ يسكنني شعور غريب بالخوف...
وصلنا مطار مالمي في ساعة متأخرة من الليل، ولأن عدد المسافرين كان قليلا فلم تستغرق الاجراءات الديوانية وقتا طويلا. ولكن كانت هناك مفاجأة تنتظرني ولم احسب لها حسبانا... فعندما انتهت الإجراءات الديوانية، بقيت حائرا أين اتجه ولم أجد أحدا في انتظاري. كان الجميع في المطار يتكلمون اللغة السويدية ولم أكن أتقنها ولا حتى اعرف الكلام بها. وكلما اتصلت بأحد موظفي المطار لأتحدث معه، ردّ علي باللغة السويدية.وأدركت أني وقعت في مأزق... فموظفو المطار بدأوا بمغادرته... وبدأت الشبابيك والنوافذ تقفل.. ولم يبق في المطار إلا نفر قليل...وبدأ التعب ينال مني... وأدركت للحظة أني ضائع وتائه لا محالة... وتحولت سعادتي بالسفر إلى شعور بالندم والتعاسة...
ولم يبق في المطار إلا شباك واحد مفتوح تعمل فيه موظفة جميلة قصدتها وخاطبتها باللغة الفرنسية... ومن حسن حظي أنها أجابتني باللغة نفسها، فرحت وقلت في نفسي، الحمد لله وصلت إلى الحل؛ طرحت المسألة على الموظفة التي أبدت اهتماما كبيرا بمساعدتي... فقلت لها أني أتيت إلى السويد مدعوا من الوكالة السويدية للتعاون الفني التابعة إلى وزارة الخارجية... رحبت بي... ولكنها أضافت أن الوقت ليل ويستحيل الاتصال بالوزارة أو الوكالة لإشعارهم بوصولي!!
طلبت مني أن كان لدي أي وثيقة أخرى أو اعرف عنوان إقامة الوفد التونسي الذي سبقني بيوم ولأني لم آخذ معي عنوان إقامة الوفد، قالت لي أنا آسفة لأني لم استطع أن أقدم لك خدمة، أو أساعدك... ولكن بإمكاني أن اطلب لك سيارة أجرة تقلك إلى نزل قريب وغدا تتدبر الأمر...
شكرت موظفة المطار لأنها بذلت أقصى ما يمكن أن تبذله لمساعدتي ولم يكن مطلوبا منها أكثر مما قامت به. وقبل أن اتركها تذكرت فجأة أنني احمل معي بطاقة زيارة لخبير سويدي كان يعمل في تونس وهو الذي رتب زيارة الوفد إلى السويد. وقد نسيتها تحت تأثير الصدمة وعدم التركيز. امتدت يدي لسحب البطاقة من جيبي لأمدها إلى موظفة المطار التي فرحت كثيرا بالبطاقة واتصلت بصاحبها الذي ما أن هاتفته لتعلمه بان هناك تونسيا معها في المطار حتى أجابها بان هذا التونسي هو أنا.
وطلب منها أن تطلب لي سيارة أجرى لتقلني إلى نزل معين حدده هو معها بالهاتف وسوف يتصل هو بهذا النزل لحجز الغرفة والقيام بخلاص أجرة سيارة التاكسي وهو ما تم فعلا.
ولا ادري كيف ارتميت عندما وصلت إلى هذا النزل، وكان يبعد حوالي 45 كلم عن المطار، على السرير... ولم أفق من النوم إلا على صوت صديقي بالباك الخبير السويدي وهو يوقظني عند منتصف النهار الموالي ليرحب بي في السويد، في عاصمة الجنوب السويدي لاهولم وقد قضيت بهذه المدينة الرائعة حوالي أسبوع قبل الانتقال إلى العاصمة ستوكهولم... وعن إقامتي بمدينة لاهولم لنا حديث آخر.
كاتب وإعلامي من تونس
مدير ورئيس تحرير مجلة مرآة الوسط
* فصل من كتاب جديد للمؤلف يصدر قريبا
عندما أنقذتني بطاقة زيارة شخصية من ضياع محقّق في السويد(*).
بقلم محمود الحرشاني
[email protected]
لأني لم أتفطن إلى أن مدة صلوحية جواز سفري قد انتهت منذ حوالي ستة أشهر، إلا عندما أشعرني موظف الجمارك بالمطار إلى انه يتعذر عليّ السفر إلى السويد مع الوفد الذي تمت دعوته من قبل الوكالة السويدية للتعاون الفني... فقد كان لزاما عليّ أن أعود إلى إدارة الجوازات حتى يتسنى لي التمديد في جواز سفري... وبذلك تأخرا يوما كاملا. فقد كان علي بعد أن حصلت على تمديد في مدة صلوحية الجواز، أن ابحث عن أول طائرة باتجاه السويد... ولأني كنت متعلقا جدا بهذه الزيارة ولا أريد أن أفرط فيها، فقد تمكنت بعد تدخل من موظف سام بسفارة السويد بتونس أن احصل على مقعد في طائرة متجهة إلى جنوب السويد في اليوم الموالي... وبدون تردد قبلت ووافقت على حجز مكان لي في هذه الطائرة... في حين أن البعثة التي كان من المفروض أن أرافقها قد اتجهت إلى العاصمة السويدية ستوكهولم... ولم أقرأ حسابا للمفاجأة التي تنتظرني ونسيت عندما أعلمني موظف الجمارك بالمطار بأنه يتعذر عليّ السفر لانتهاء صلوحية جواز سفري أن آخذ من احد أعضاء البعثة عنوان إقامتهم في العاصمة ستوكهولم... ومن هنا بدأت رحلة التعب التي لم احسب لها حسابا....
أقلعت بنا الطائرة من مطار تونس قرطاج الدولي في حدود الساعة الثانية بعد الظهر، وفي مطار الدنمارك أبدلنا الطائرة بعد استراحة وتوقف بالمطار لمدة ساعين...
وفي مطار الدنمارك... ركبنا طائرة صغيرة باتجاه مطار مالمي، وهي مدينة صغيرة تقع جنوب السويد... وكنت تقريبا المسافر العربي الوحيد على متن هذه الطائرة الصغيرة التي كانت تعبر بنا الأجواء ليلا، وقد اخذ النعاس والنوم جميع الركاب تقريبا... ولأول مرة بدأ يساورني شعور بالخوف، لا ادري مأتاه....
وقلت في قرار نفسي... كيف قبلت أن أكون المسافر العربي الوحيد على متن هذه الطائرة الصغيرة التي تعبر بنا ليلا، في اتجاه مدينة لا اعرفها ولا اعرف فيها أحدا...
وبقدر ما كنت متشوقا للقيام بهذه الرحلة التي ستمكنني من زيارة السويد والاطلاع على حضارته... بدأ يسكنني شعور غريب بالخوف...
وصلنا مطار مالمي في ساعة متأخرة من الليل، ولأن عدد المسافرين كان قليلا فلم تستغرق الاجراءات الديوانية وقتا طويلا. ولكن كانت هناك مفاجأة تنتظرني ولم احسب لها حسبانا... فعندما انتهت الإجراءات الديوانية، بقيت حائرا أين اتجه ولم أجد أحدا في انتظاري. كان الجميع في المطار يتكلمون اللغة السويدية ولم أكن أتقنها ولا حتى اعرف الكلام بها. وكلما اتصلت بأحد موظفي المطار لأتحدث معه، ردّ علي باللغة السويدية.وأدركت أني وقعت في مأزق... فموظفو المطار بدأوا بمغادرته... وبدأت الشبابيك والنوافذ تقفل.. ولم يبق في المطار إلا نفر قليل...وبدأ التعب ينال مني... وأدركت للحظة أني ضائع وتائه لا محالة... وتحولت سعادتي بالسفر إلى شعور بالندم والتعاسة...
ولم يبق في المطار إلا شباك واحد مفتوح تعمل فيه موظفة جميلة قصدتها وخاطبتها باللغة الفرنسية... ومن حسن حظي أنها أجابتني باللغة نفسها، فرحت وقلت في نفسي، الحمد لله وصلت إلى الحل؛ طرحت المسألة على الموظفة التي أبدت اهتماما كبيرا بمساعدتي... فقلت لها أني أتيت إلى السويد مدعوا من الوكالة السويدية للتعاون الفني التابعة إلى وزارة الخارجية... رحبت بي... ولكنها أضافت أن الوقت ليل ويستحيل الاتصال بالوزارة أو الوكالة لإشعارهم بوصولي!!
طلبت مني أن كان لدي أي وثيقة أخرى أو اعرف عنوان إقامة الوفد التونسي الذي سبقني بيوم ولأني لم آخذ معي عنوان إقامة الوفد، قالت لي أنا آسفة لأني لم استطع أن أقدم لك خدمة، أو أساعدك... ولكن بإمكاني أن اطلب لك سيارة أجرة تقلك إلى نزل قريب وغدا تتدبر الأمر...
شكرت موظفة المطار لأنها بذلت أقصى ما يمكن أن تبذله لمساعدتي ولم يكن مطلوبا منها أكثر مما قامت به. وقبل أن اتركها تذكرت فجأة أنني احمل معي بطاقة زيارة لخبير سويدي كان يعمل في تونس وهو الذي رتب زيارة الوفد إلى السويد. وقد نسيتها تحت تأثير الصدمة وعدم التركيز. امتدت يدي لسحب البطاقة من جيبي لأمدها إلى موظفة المطار التي فرحت كثيرا بالبطاقة واتصلت بصاحبها الذي ما أن هاتفته لتعلمه بان هناك تونسيا معها في المطار حتى أجابها بان هذا التونسي هو أنا.
وطلب منها أن تطلب لي سيارة أجرى لتقلني إلى نزل معين حدده هو معها بالهاتف وسوف يتصل هو بهذا النزل لحجز الغرفة والقيام بخلاص أجرة سيارة التاكسي وهو ما تم فعلا.
ولا ادري كيف ارتميت عندما وصلت إلى هذا النزل، وكان يبعد حوالي 45 كلم عن المطار، على السرير... ولم أفق من النوم إلا على صوت صديقي بالباك الخبير السويدي وهو يوقظني عند منتصف النهار الموالي ليرحب بي في السويد، في عاصمة الجنوب السويدي لاهولم وقد قضيت بهذه المدينة الرائعة حوالي أسبوع قبل الانتقال إلى العاصمة ستوكهولم... وعن إقامتي بمدينة لاهولم لنا حديث آخر.
كاتب وإعلامي من تونس
مدير ورئيس تحرير مجلة مرآة الوسط
* فصل من كتاب جديد للمؤلف يصدر قريبا

التعليقات