هيكل والحسين وخالد وفراس العجلوني
هيكل والحسين وخالد وفراس العجلوني
بقلم: باسم سكجها - عمان -الاردن
بعيداً عن الكلام السياسي ، الذي يحتمل الجدل ، هناك قدر كبير من الحديث الشخصي في حلقتي "مع هيكل" الأخيرتين على قناة "الجزيرة" لا يمكن قبوله ، أو تجاوزه ، فقد بدا الأستاذ الكبير وكأنّه يخرج عن توازنه واتّزانه فيختلق ويخترع ، وأكثر من ذلك فهو يُجرّح ويكاد يشتم ، وأكثر أكثر من ذلك فهو يطرح نفسه محللاً نفسياً ، في سياق بدا هو نفسه بحاجة الى تطبيب ومعالجة نفسية.
وليس سرّاً أنّني من المعجبين تاريخياً بمحمد حسنين هيكل ، فقد قرأت كلّ كتبه غير مرّة ، وتابعت سياق حركته ، وحتّى هفواته فقد دافعت عنها باعتبارها أصغر من أن تمحو مسيرة الرجل ، وقد يكون حواري مع الصديق خالد جمال عبدالناصر الأوّل والأطول والأهمّ مع نجل زعيم اتّهم بقيادة "ثورة مصر" الذي كان قد عاد الى القاهره للتوّ ، فسافرت للقائه ، وحين سألته عن هيكل ، ردّ: لا تنتبهوا كثيراً لما يقول ، فكلّ مراده أن يجيّر تفاصيل الثورة لصالحه ، وأن يبدو وكأنّه هو الذي تسبّب بكلّ قرارات عبدالناصر التاريخية.
وحاولت الدفاع عن هيكل ، لكن خالد أصرّ على موقفه ، وأعترف بأنّني حين ذهبت للنشر ، توقّفت مطولاً أمام ما قاله ، وأردت حذف الفقرة ، فهي تأتي من شخص غير عاديّ ، ويحمل مصداقية كبيرة ، فهو يتحدّث عن والده وعن رفيق والده ، ولكنّ الأمانة الصحافية في آخر الأمر دفعتني للنشر.
ومن تلك المقابلة ، أنّ والدة خالد ، والزوجة الرائعة للزعيم الخالد ، كانت تقول: انّ الملك حسين ده ملك حقيقي ، وكان ذلك حين زارها بعد رحيل عبد الناصر في منشية البكري بحضور خالد وعرض مساندته ، وأيضاً ففي لقاء مع هدى جمال عبدالناصر ، بعد عودتها من عمّان واستقبالها التاريخي من الملك والملكة ، في عزّ تعرّض والدها لحملات التشويه ، قالت مداعبة: اذا كان لدى السادات وجيهان طائرات هيلوكوبتر يتجوّلان فيها في مصر ، فنحن لدينا أيضاً في الأردن.
كان ذلك في معرض التعليق على جولة اصطحبها فيها الملك والملكة بطائرة هيلوكوبتر.
وأكثر أكثر أكثر من ذلك ، ففي العام 93 كان الدكتور خالد الكركي رئيساً للديوان الملكي ، ورتّب مقابلة لهيكل مع الحسين ، وحين خرج الأستاذ الكبير مرّ على الزملاء الأساتذة: محمد داودية ، علي الفزاع ، وأمجد العضايلة ، ويقول لي أمجد: لا أنسى أنّه قال لنا بالحرف: ده راجل عظيم ، ما فيش منّه ، ولازم تحافظوا عليه من أجل الأمّة ، وتحدّث هيكل باعجاب كبير عن موقف الملك الحسين من حرب الخليج.
أتذكّر كلّ ذلك ، وغيره ، وأنا أستمع الى حفلة شتم مريضة بحقّ الملك الحسين ، من رجل قال عكس الكلام تماماً ، وفي غير مناسبة ، وفي غير كتاب ، بل وأعرف أنّ الصحافة الأردنية المحرّكة رسمياً في منتصف السبعينيات كانت تُطالب رسمياً ، وأحياناً من الملك الحسين نفسه ، بنشر مقالات هيكل فيها ، ولدعمه مالياً في وقت كان يتعرّض فيه لمضايقات ساداتية وصلت لمحاكمته ومنعه من السفر.
وفي الكلام السياسي يمكن كتابة مئات الصفحات ، والاتّفاق والاختلاف ، فالتاريخ مسألة لا يمكن الوصول الى توافق كامل عليها في حال من الأحوال ، ولكنّ الشتم والقذف والغمز واللمز مسائل مرفوضة من ذوي العقول السليمة ، ومنذ رحيل الملك الحسين ومشهد جنازته المؤثر كان الأستاذ هيكل يتحوّل الى مهاجم أعمى ، وأذكر أنّه كتب مستغرباً أن يحصل ملك بلد صغير على مثل هذا التقدير.
ويبدو أنّ هذا هو مربط الفرس ، ففي كلامه في الحلقة الثانية أيضاً ظلّ يستغرب كيف أنّ الملك الحسين كان يتّخذ تلك المواقف مع أنّ بلده صغير ، وليس بحجم مصر مثلاً ، ولو ألقى نظرة سريعة على ما حقّقه البلد الصغير ، ذو الموارد المعدومة ، من تنمية اقتصادية واجتماعية وحضور سياسي وأمن ، وقارنه بدول أخرى ، لتوقّف وراجع في موقفه.
وسأنهي بمسألة شخصية أيضاً ، فهناك الآلاف من الشهداء الأردنيين الذين لا يستأهلون سوى حديث التقدير ، ولكنّ الشهيد الطيار المقاتل فراس العجلوني كان يُساء له في تلك الحلقة أيضاً ، فهيكل ينهي حلقته بطلب الأردن اخراج طائراته من معركة حزيران ، ولا أظنّ أنّ هيكل يعرف أنّ الراحل فراس العجلوني هاجم بمقاتلته حيفا في اليوم الأوّل للحرب ، وعاد الى قاعدته ليتزّود بالوقود ويعيد الكرة ولكنّ مقاتلات العدو لاحقته الى هناك ، وجرى ما جرى.
فراس العجلوني ، بالنسبة لي ، بطل عام ، ولكنّه بطل شخصي أيضاً ، فقد كان جارنا ، ونكاد نكوّن عائلة واحدة ، ولا أنسى كيف أنّ جبل اللويبدة من خلال النشطاء فيه أسّسوا له تقويماً سنوياً تُظهر صوره وأحداث حياته ، فهل يعرف هيكل أنّه يسيئ بكلامه لشهيد عظيم ضحّى بحياته من أجل فلسطين والعروبة ومصر أيضاً؟.
مشكلة هيكل أنّه يطرح نفسه مؤرّخاً لعبدالناصر ، وقيّماً على مسيرته ، وهو حين يتجاوز ويكذب على الآخرين من القيادات ، يجعل الزعيم الراحل العظيم هدفاً للهجوم ولو بالكذب ، كما جرى في السبعينيات ، وهو بذلك يساهم بمعرفة أو بدون في تشويه التاريخ ليضيع الأبناء في دوامة الارتباك والالتباس ، ويخرجون بنتيجة أنّ آباءهم عاشوا في كذبة كبيرة ، وهو أمر غير صحيح على الاطلاق.
بقلم: باسم سكجها - عمان -الاردن
بعيداً عن الكلام السياسي ، الذي يحتمل الجدل ، هناك قدر كبير من الحديث الشخصي في حلقتي "مع هيكل" الأخيرتين على قناة "الجزيرة" لا يمكن قبوله ، أو تجاوزه ، فقد بدا الأستاذ الكبير وكأنّه يخرج عن توازنه واتّزانه فيختلق ويخترع ، وأكثر من ذلك فهو يُجرّح ويكاد يشتم ، وأكثر أكثر من ذلك فهو يطرح نفسه محللاً نفسياً ، في سياق بدا هو نفسه بحاجة الى تطبيب ومعالجة نفسية.
وليس سرّاً أنّني من المعجبين تاريخياً بمحمد حسنين هيكل ، فقد قرأت كلّ كتبه غير مرّة ، وتابعت سياق حركته ، وحتّى هفواته فقد دافعت عنها باعتبارها أصغر من أن تمحو مسيرة الرجل ، وقد يكون حواري مع الصديق خالد جمال عبدالناصر الأوّل والأطول والأهمّ مع نجل زعيم اتّهم بقيادة "ثورة مصر" الذي كان قد عاد الى القاهره للتوّ ، فسافرت للقائه ، وحين سألته عن هيكل ، ردّ: لا تنتبهوا كثيراً لما يقول ، فكلّ مراده أن يجيّر تفاصيل الثورة لصالحه ، وأن يبدو وكأنّه هو الذي تسبّب بكلّ قرارات عبدالناصر التاريخية.
وحاولت الدفاع عن هيكل ، لكن خالد أصرّ على موقفه ، وأعترف بأنّني حين ذهبت للنشر ، توقّفت مطولاً أمام ما قاله ، وأردت حذف الفقرة ، فهي تأتي من شخص غير عاديّ ، ويحمل مصداقية كبيرة ، فهو يتحدّث عن والده وعن رفيق والده ، ولكنّ الأمانة الصحافية في آخر الأمر دفعتني للنشر.
ومن تلك المقابلة ، أنّ والدة خالد ، والزوجة الرائعة للزعيم الخالد ، كانت تقول: انّ الملك حسين ده ملك حقيقي ، وكان ذلك حين زارها بعد رحيل عبد الناصر في منشية البكري بحضور خالد وعرض مساندته ، وأيضاً ففي لقاء مع هدى جمال عبدالناصر ، بعد عودتها من عمّان واستقبالها التاريخي من الملك والملكة ، في عزّ تعرّض والدها لحملات التشويه ، قالت مداعبة: اذا كان لدى السادات وجيهان طائرات هيلوكوبتر يتجوّلان فيها في مصر ، فنحن لدينا أيضاً في الأردن.
كان ذلك في معرض التعليق على جولة اصطحبها فيها الملك والملكة بطائرة هيلوكوبتر.
وأكثر أكثر أكثر من ذلك ، ففي العام 93 كان الدكتور خالد الكركي رئيساً للديوان الملكي ، ورتّب مقابلة لهيكل مع الحسين ، وحين خرج الأستاذ الكبير مرّ على الزملاء الأساتذة: محمد داودية ، علي الفزاع ، وأمجد العضايلة ، ويقول لي أمجد: لا أنسى أنّه قال لنا بالحرف: ده راجل عظيم ، ما فيش منّه ، ولازم تحافظوا عليه من أجل الأمّة ، وتحدّث هيكل باعجاب كبير عن موقف الملك الحسين من حرب الخليج.
أتذكّر كلّ ذلك ، وغيره ، وأنا أستمع الى حفلة شتم مريضة بحقّ الملك الحسين ، من رجل قال عكس الكلام تماماً ، وفي غير مناسبة ، وفي غير كتاب ، بل وأعرف أنّ الصحافة الأردنية المحرّكة رسمياً في منتصف السبعينيات كانت تُطالب رسمياً ، وأحياناً من الملك الحسين نفسه ، بنشر مقالات هيكل فيها ، ولدعمه مالياً في وقت كان يتعرّض فيه لمضايقات ساداتية وصلت لمحاكمته ومنعه من السفر.
وفي الكلام السياسي يمكن كتابة مئات الصفحات ، والاتّفاق والاختلاف ، فالتاريخ مسألة لا يمكن الوصول الى توافق كامل عليها في حال من الأحوال ، ولكنّ الشتم والقذف والغمز واللمز مسائل مرفوضة من ذوي العقول السليمة ، ومنذ رحيل الملك الحسين ومشهد جنازته المؤثر كان الأستاذ هيكل يتحوّل الى مهاجم أعمى ، وأذكر أنّه كتب مستغرباً أن يحصل ملك بلد صغير على مثل هذا التقدير.
ويبدو أنّ هذا هو مربط الفرس ، ففي كلامه في الحلقة الثانية أيضاً ظلّ يستغرب كيف أنّ الملك الحسين كان يتّخذ تلك المواقف مع أنّ بلده صغير ، وليس بحجم مصر مثلاً ، ولو ألقى نظرة سريعة على ما حقّقه البلد الصغير ، ذو الموارد المعدومة ، من تنمية اقتصادية واجتماعية وحضور سياسي وأمن ، وقارنه بدول أخرى ، لتوقّف وراجع في موقفه.
وسأنهي بمسألة شخصية أيضاً ، فهناك الآلاف من الشهداء الأردنيين الذين لا يستأهلون سوى حديث التقدير ، ولكنّ الشهيد الطيار المقاتل فراس العجلوني كان يُساء له في تلك الحلقة أيضاً ، فهيكل ينهي حلقته بطلب الأردن اخراج طائراته من معركة حزيران ، ولا أظنّ أنّ هيكل يعرف أنّ الراحل فراس العجلوني هاجم بمقاتلته حيفا في اليوم الأوّل للحرب ، وعاد الى قاعدته ليتزّود بالوقود ويعيد الكرة ولكنّ مقاتلات العدو لاحقته الى هناك ، وجرى ما جرى.
فراس العجلوني ، بالنسبة لي ، بطل عام ، ولكنّه بطل شخصي أيضاً ، فقد كان جارنا ، ونكاد نكوّن عائلة واحدة ، ولا أنسى كيف أنّ جبل اللويبدة من خلال النشطاء فيه أسّسوا له تقويماً سنوياً تُظهر صوره وأحداث حياته ، فهل يعرف هيكل أنّه يسيئ بكلامه لشهيد عظيم ضحّى بحياته من أجل فلسطين والعروبة ومصر أيضاً؟.
مشكلة هيكل أنّه يطرح نفسه مؤرّخاً لعبدالناصر ، وقيّماً على مسيرته ، وهو حين يتجاوز ويكذب على الآخرين من القيادات ، يجعل الزعيم الراحل العظيم هدفاً للهجوم ولو بالكذب ، كما جرى في السبعينيات ، وهو بذلك يساهم بمعرفة أو بدون في تشويه التاريخ ليضيع الأبناء في دوامة الارتباك والالتباس ، ويخرجون بنتيجة أنّ آباءهم عاشوا في كذبة كبيرة ، وهو أمر غير صحيح على الاطلاق.
