وقائع مؤتمر محمود درويش بين الرؤيا والأداة

بيرزيت-دنيا الوطن
عقدت دائرة اللغة العربية في جامعة بيرزيت يوم الأربعاء 11/3/2009 مؤتمرا علميا حول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش بعنوان: "محمود درويش بين الرؤيا والأداة"، وذلك في قاعة كمال ناصر، في تمام الساعة التاسعة صباحا، واستمر حتى الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر.
افتتح المؤتمر بكلمات ترحيبية وكانت الكلمة الأولى لـ د. مهدي عرار رئيس دائرة اللغة العربية في الجامعة، وتحدث بعدها د. عبد اللطيف أبو حجلة نائب رئيس الجامعة، ود. ماهر الحشوة عميد كلية الآداب، مؤكدين البعد العلمي والبحثي للمؤتمر، ولم يرد له أن يكون تأبينيا خطابيا، واختتمت فقرة الافتتاح هذه بعرض مرئي باستخدام جهاز عرض الـ LCD، أعده د. قسطندي الشوملي، عارضا فيه حياة محمود درويش وتعليمه ونشاطه السياسي، والجوائز التي حصل عليها الشاعر، ومقتطفات من شعره موزعة على أغلب دواوينه، مضمنا العرض قصيدة "في القدس" بصوت الشاعر نفسه، منهيا ذاك العرض بشاهدة قبر درويش المنقوش عليها الجملة الدرويشية المشهورة: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
وتوزعت الجلسات العلمية على ثلاث، قدم فيها نخبة من النقاد الفلسطينيين أوراقا بحثية في شعر درويش، وتوزعت الأوراق البحثية فكانت ثلاث أوراق بحثية في كل جلسة، وقد ترك المنظمون المجال للحضور لإبداء الآراء أو الاستفسارات التي أثارتها تلك الأوراق البحثية.
وخصصت الجلسة الأولى التي أدارها د. محمود العطشان لتقديم ثلاثة أوراق بحثية، استهلها الشاعر والناقد د. فاروق مواسي، متحدثا عن "تفاعل اللغة في قصيدة درويش إلى أمي"، فالقصيدة في نظر د. مواسي "من أبرز قصائد محمود درويش، ومن أكثر القصائد العربية التي تناولت علاقة الابن بأمه".
وآثر د. أحمد حرب في ورقته البحثية الثانية مناقشة "صورة القدس في أدب محمود درويش"، معتقدا أن "المكونات الأساسية لصورة القدس في شعر محمود درويش تتشكل من خلال وعي الشاعر المسبق بالقدس الأسطورة، وبالقدس المدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي"، ويقصد د. حرب بالصورة الأسطورية هنا الصورة التوراتية للقدس {أورشليم}"، مؤكدا الباحث في الوقت ذاته أن درويش قدم صورة للقدس "هي صورة للمنفى والاغتراب والإبعاد والتهميش بالنسبة للإنسان الفلسطيني، يتماهى بطريقة متعاكسة مع مدينة بابل كصورة للمنفى والاغتراب اليهودي".
أما الباحثة زين عسقلان فقد اختارت أن تعنون ورقتها بـ (ذاكرتي وهمي/ معالجة الذاكرة في شعر محمود درويش"، وتناولت الباحثة "موضوع معالجة الذاكرة الفلسطينية، وكيف بدت ملامح هذه الذاكرة ضمن شعر محمود درويش عبر تسلسل زمني" متبعة في بيان ذلك "المنهج التحليلي والبنيوي عبر تتبع الباحثة للصور والرموز والأساطير عبر فترة زمنية مع التركيز على التحول في الرمز الأسطوري".
وبعد فترة استراحة قصيرة، استأنف المؤتمرون وقائع جلسات المؤتمر بالجلسة الثانية التي أدارها د. عمر مسلم، وكانت تدور حول تأثر درويش بغيره من الشعراء، وذلك بمناقشة التناص في شعر الشاعر، فكانت ورقة د. عادل الأسطة بعنوان: "التناص الأدبي في شعر درويش" مقصرا حديثه حول تناص درويش مع الشعراء العرب القدامى (امرؤ القيس والمتنبي وأبو فراس الحمداني، وأبو تمام وعمرو بن معدي كرب، ومن شعراء الغزل العذري حضر جميل بثينة وقيس بن الملوح، خاصة في ديوان سرير الغريبة). مستعينا بتفسير هذا التناص بالعديد من الإشارات التاريخية والسياسية، وتشابه التجارب عند الشاعر وكل شاعر من هؤلاء الشعراء.
وكذلك جاءت ورقة د. إبراهيم نمر موسى بالعنوان نفسه "التناص الأدبي في شعر درويش"، وقسم حديثه في ثلاثة محاور؛ تناول في الأول مفهوم التناص وافتراقه عن مفهوم السرقة الأدبية، وتوقف في المحور الثاني عند أمثلة من التناص في شعر درويش متقاطعا مع بعض ما ورد عند د. الأسطة، ولكنه لم يقصر حديثه عن الشعراء العرب القدامى، ولكنه أشار إلى تناص الشاعر مع الشاعر التركي ناظم حكمت، أو تناصه مع الشاعر لوركا، أما المحور الثالث من الورقة فقد خصصها د. إبراهيم لبحث أساليب الفنون النثرية، وكيف وظفت القصيدة الدرويشية أسلوب الحوار وأسلوب الرسالة وأسلوب اليوميات.
وأصر د. حسين الدراويش في الورقة البحثية الثالثة أن يبتعد عن الموضوع المتوقع لورقته البحثية المعنونة اسما بـ "من صور التناص الديني في شعر محمود درويش"، فكان حديثه خارج وقائع المؤتمر، ولم يلامس حديثه عنوان بحثه إلا لماما.
وتحدث كذلك في الجلسة الثالثة ثلاثة من النقاد حول قضايا فكرية وأدبية تشكل ظواهر في شعر درويش؛ ففي الورقة البحثية التي قدمها د.ياسر عليان بعنوان: "التماهي بين الأرض والمرأة في شعر درويش"، مبينا أن درويش وظف هذا التماهي لينبئ عن "العلاقة غير المنبتة بين الفلسطيني وأرضه"، منوها إلى أن كلتاهما (الأرض والمرأة) تحملان الصفات نفسها التي تدور حول الخصوبة والعطاء.
وكان من المفترض أن يقدم د. مهدي عرار ورقته البحثية التي يقارب فيها نقديا "قصيدة كان ما سوف يكون من منظور تفكيكي"، ولكن استبدل بها ورقة بحثية أخرى قدمها د. نادر قاسم بعنوان تجليات النص الديني وجمالياته في جدارية محمود درويش"، مؤكدا الباحث "أن درويش يستخدم خبرته الشعرية الجمالية لكي يغري قارئه بمواصلة استكشاف هذه التجربة التي تقيم على الأعراف بين الفناء والخلود وبين الوجود والعدم".
وتنتهي الجلسة الثالثة بورقة د. عبد الكريم أبو خشان بعنوان: " مقاربتان لحدث واحد" والحدث هو الانتفاضة، انتفاضة الحجارة، وأما المقاربتان؛ فالأولى حول قصيدة الشاعر(عابرون في كلام عابر) والضجة السياسية الإسرائيلية التي أثارتها القصيدة في حينها، والتي وُصف درويش بسببها من الإسرائيليين بأنه "إرهابي المثقفين الفلسطينيين"، وأما المقاربة الثانية فكانت لقصيدة (مأساة النرجس ملهاة الفضة)، فعلى الرغم من أن القصيدتين يجمعهما حدث واحد، إلا أنهما "يمثلان استجابتين مختلفتين لغة وإيقاعا وأسلوبا" لنفس الحدث، فقد جاءت القصيدة الثانية "أكثر رمزية وأقل مباشرة وأقرب إلى نفس الشاعر للتعبير عن أحداث الانتفاضة".
وفي ختام المؤتمر خرج المؤتمرون بتوصيات، كان من أهمها طباعة الأوراق البحثية المقدمة على شكل كتاب، وأن تكرر هذه المؤتمرات في جامعاتنا الفلسطينية دعما للمثقف الفلسطيني، وليكون للأدباء الأحياء نصيب من تلك الندوات والمؤتمرات.
ومما يؤخذ على المؤتمر واللجنة المنظمة أن القدس كعاصمة للثقافة العربية لعام 2009 غاب كلية عن المؤتمر، ولم يكن للمناسبة حضور لا من قريب ولا من بعيد، حتى في تلك الورقة البحثية عن " صورة القدس في أدب محمود درويش" لم يتطرق الباحث إلى ذلك بتاتا. والأصل أن يكرس كل نشاط بحثي وثقافي وإبداعي لتكريس القدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009.

التعليقات