عاجل

  • مديرة المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض: المتحور (أوميكرون) منتشر في 15 ولاية أمريكية على الأقل

  • مجلس رؤساء الجامعات: الفصل النهائي لأي طالب يُضبط بحوزته سلاح ومنع قبوله بأي جامعة

النفق العثماني في بلعا.. 800 متر ممتدة أسفل خربة رومانية مليئة بالمعالم الأثرية القديمة

النفق العثماني في بلعا.. 800 متر ممتدة أسفل خربة رومانية مليئة بالمعالم الأثرية القديمة
طولكرم -دنيا الوطن- وفا-هدى حبايب
تعتبر بلدة بلعا الواقعة إلى الشرق من طولكرم، وعلى بعد تسعة كيلو مترات، من القرى ذات الطبيعة الخلابة المتمثلة بجبالها المرتفعة الشامخة، وأراضيها الزراعية الخصبة، كما أنها حلقة الوصل ما بين محافظتي طولكرم وجنين.

وتحتل بلعا مركزاً هاماً وحيوياً في الأماكن الأثرية القديمة، ومنها في جهتها الشرقية النفق العثماني المعروف بـ (الخرق)، كونه يخترق باطن الجبل من بدايته وحتى نهايته.

ووصف عدد من الباحثين والمختصين بالآثار في طولكرم، النفق بأنه بحد ذاته معلماً أثريا جذاباً، يتجلى فيه جمال البناء وروعة المنظر.

وقال أستاذ التاريخ نعمان شحرور، إن هذا الخرق كان جزءاً من مشروع سكة حديد الحجاز، وهو عبارة عن خرق تمر فيه سكة الحديد، وفي جوانبه من اليمين والشمال، يوجد (وسعات) يمكن أن يتوقف داخلها أي شخص إذا ما فاجأه القطار المار عبر النفق، إضافة إلى قناديل للإضاءة في حال وصل القطار ليلاً، مشيراً إلى أن هذه المنطقة كانت معمورة في فترة من الفترات.

وأضاف شحرور أن النفق بني في الفترة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم ما بين الفترة (1876 – 1909)، وتم إنجاز النفق بمشروع سكة الحديد في بداية القرن العشرين، لتسهيل سفر الحجاج من فلسطين وبلاد الشام إلى الديار الحجازية، ولتخليد هذا الإنجاز (المشروع) أقيم احتفال كبير في ساحة المرجة بدمشق، وحتى اليوم يرى الزائر لتلك الساحة نصباً تذكارياً لذلك.

حاتم جودة المتخصص في علم الآثار في طولكرم، أوضح أن النفق بطول (800) متراً في باطن الجبل، وتكتسب قمة الجبل أهمية تاريخية وأثرية كونها عبارة عن خربة رومانية مليئة بالمعالم الأثرية القديمة، كالآبار والمُغر وأساسات بناء قائم، ومقابر جماعية.

ولفت إلى أن من قام بحفر هذا النفق هم الذين كانوا يخدمون في الخدمة العسكرية الإلزامية التركية، وكان يطلق عليهم (السخرة).

ويكتسب النفق أهمية تاريخية كبيرة لدى أهالي بلعا والمحافظة من جهة، وباقي محافظات الوطن من جهة أخرى، إذ يشكل نقطة التقاء للعديد من القرى المجاورة، يتم خلالها التعارف بين الناس، حيث يعتبر المتنفس الوحيد وقبلة الباحثين عن الهدوء والهواء النقي، ما يفسح المجال للتأمل والاسترخاء الذهني في كافة فصول السنة.

المواطن ميسر شحرور من بلعا وصف منطقة النفق بأنها غاية في الجمال يرتادها الكثيرون من جميع المحافظات خاصة في فصلي الربيع والصيف، وقال: 'كنا نروح نستجم فيه ونشم الهوى، ونوخد ولادنا ونشوي ونقعد حتى يمضي اليوم كله، وننبسط كثير'.

ويستذكر المواطن محمد عكرمة من بلعا، أيام طفولته التي قضى لحظات اللهو واللعب في منطقة الخرق، حيث كان يذهب وأصدقاءه هناك والتمتع بالمناظر الخلابة في هذا المكان، وكان هذا المكان يثير إعجاباً بالغاً لديهم يدفعهم للتفكير والتساؤل حول كيفية حفر الجبل وبناء الحجر فيه، رغم أن مرحلة بناؤه لم يكن فيها معدات وآليات ثقيلة كما يومنا هذا.

وأضاف أن معظم العائلات ترتاد هذا المكان للاستماع، الذي كان يشوبه بعض المنغصات بتواجد الاحتلال في محيطه بين الفينة والأخرى، والذي كان يتعمد إغلاق الطرق المؤدية.

وتولي المؤسسات المعنية وعلى رأسها وزارة السياحة والآثار، اهتماماً كبيراً بالنفق، كونه من المعالم الأثرية الدالة على مكانة المنطقة جغرافياًَ، وتسعى إلى إعداد الخطط والدراسات، من أجل تأهيل هذه المنطقة وتطويرها رغم كافة المعيقات التي تقف أمام ذلك.

ووضعت بلدية بلعا نصب أعينها ضرورة تأهيل هذا المعلم التاريخي وتوجهت برسائل وكتب لوزارة السياحة والآثار، من أجل ترميم هذا المعلم الحضاري ليكون منطقة سياحية وجاذبة لأبناء المنطقة خاصة وأهل فلسطين عامة، هذا ما جاء على لسان رئيسها أحمد منصور.

وأكد منصور أن البلدية على استعداد لدفع الجزء المترتب عليها من أجل إنجاز هذا المشروع، لافتاً إلى أن هذه المعالم التاريخية يجب المحافظة عليها وترتيبها لتكون بشكل أفضل من شكلها الحالي.

من جانبه، أكد عامر قبج مدير مكتب السياحة والآثار في طولكرم، أن المديرية تقدمت للوزارة بأكثر من مرة، بإعادة تأهيل النفق العثماني لأنه يشكل نموذجاً فريداً من نوعه ليس في فلسطين فحسب،إنما في بلاد الشام أيضاً، حيث له مدلول تاريخي وسياسي ويعبر عن الترابط الجغرافي السياسي والاقتصادي لفلسطين، معرباً عن أسفه لعدم وجود أي خطوة حالياً باتجاه ترميمه.

وكشف أن للنفق مجموعة من الجسور والقناطر كانت تابعة له وجزء لا يتجزأ منه تمتد من منطقة نابلس وحتى طولكرم، وبحاجة أيضاً للاهتمام والترميم.

وأوضح أن المديرية تهتم بمثل هذه المواقع لأنها تقع ضمن مهامها المهنية والوظيفية، وأنه في السابق نفذ المكتب مسح ودراسة لموقع سكة حديد الحجاز، وتوثيق كافة المعلومات المتعلقة بهذا الأثر الإسلامي والحضاري الكبير.

وقال نحن في الوزارة بطولكرم نطالب مؤقتاً بتسييج المنطقة وحمايتها ووضع نوع من الحراسة عليها، كمقدمة لعملية ترميمها وتأهيله من الناحية السياحية، بعد وضع المرافق والخدمات اللازمة، كإقامة مطعم ومتحف للعائلات والزوار القادمين سواء من المحيط أي المجتمع المحلي أو من الخارج، معتبراً أن هذا النفق لا يقل بأهميته التاريخية والأثرية عن الكثير من المواقع الموجودة على أرض الوطن كقصر هشام وسبسطية وغيرها.

وتوجه قبج إلى القطاع الخاص من أجل الاستثمار في هذه المنطقة الهامة، نظراً للتاريخ العريق التي يشير إليه النفق الذي يحوي سكة حديد الحجاز.

وأوضح أن طولكرم تزخر بخرب ومواقع أثرية هامة كخربة بيت صاما قرب علار شمال المدينة، وتعود لمجموعة من الحقب التاريخية، وتعتبر من أجمل المواقع في فلسطين، إلا أنها تخسر يومياً الكثير من معالمها بسبب ما تتعرض له من تدمير وحفريات لعابثين كما مختلف المواقع الأثرية في المحافظة.

وللوقوف على هذه المشكلة الخطيرة طالب قبج بضرورة تفعيل عمل شرطة السياحة والآثار كشأن باقي الأجهزة الأمنية، من أجل حماية ليس فقط هذه المواقع الهامة، وهو ما يقود إلى الحفاظ على التاريخ والتراث الفلسطيني.

التعليقات