خبراء يحذرون من خلل سكاني وذوبان الهوية في دول الخليج بسبب تدفق العمالة الاجنبية وتراجع دور المواطنين

خبراء يحذرون من خلل سكاني وذوبان الهوية في دول الخليج بسبب تدفق العمالة الاجنبية وتراجع دور المواطنين
ابوظبي –دنيا الوطن- جمال المجايدة
حذر خبراء شاركوا امس في المؤتمر السنوي الرابع عشر "الموارد البشرية والتنمية في الخليج العربي الذي ينظمه "مركز الإمارات للدّراسات والبحوث الاستراتيجية" في ابوظبي من حدوث خلل خطير في التركيبة السكانية لدول الخليج بسبب استمرار تدفق العمالة الوافدة وذوبان الهوية الوطنية
وقال د. عبدالواحد خالد الحميد ينطلق تقدير احتياجات سوق العمل الخليجية من مؤشرات أسواق العمل في دول الخليج في المنطقة، وهي متقاربة في سمات عديدة منها القلة النسبية لعدد السكان، وتحقيق معدل نمو سنوي سريع يبلغ نحو 2.3%، وتزايد السكان بوتيرة عالية تعود إلى زيادة العمالة الوافدة، وتراجع أعداد المواطنين الخليجيين من بين العدد الكلي للسكان بنسب كبيرة جدا في بعض دول الخليج، ووجود أعداد كبيرة من المواطنين الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً.
وتتركز العمالة العمالة الوطنية في دول الخليج في القطاع الحكومي، بينما تتركز العمالة الوافدة في القطاع الخاص. وفي بعض الدراسات التي أعدتها وزارة العمل السعودية تبين أن قطاع الخدمات يأتي على رأس القطاعات المستقدمة للعمالة في المملكة، نظراً إلى كثافته. لاكما كشفت تلك الدراسات أوجه الأزمة الاجتماعية فيما يتعلق بتلبية الاحتياجات من العمالة النسائية، وضرورة التغلب على هذا المشكل.
وتعكف وزارة العمل في المملكة حاليا على إعداد مجموعة من الدراسات تختلف عن السابقة من حيث تبنيها مناهج استشرافية يمكن من خلالها اتخاذ إجراءات علاجية لتصحيح التشويه الذي تسبب فيه تبني استراتيجيات اقتصادية غير دقيقة لا تغفل نوعية متطلبات السوق المحلية من العمالة الوطنية المدربة. وإضافة إلى ذلك فإن هذه الدراسات تضع في الحسبان مواكبة المتغيرات العالمية.
ومن الخطوات التي تم اتخاذها في المملكة لتصحيح الوضع البنيوي للعمالة، إنشاء مدن اقتصادية جديدة يتوقع أن توفر مئات الآلاف من فرص العمل. ومن الخطوات المتخذخ أيضاً، التوسع في التعليم العالي مع التركيز على التخصصات التقنية والأخرى المطلوبة، وإنشاء الجامعات الأهلية.
كما تم اللجوء في إعداد هذه الاستراتيجة إلى بعض بيوت الخبرة السعودي للنجمع بين جهود القطاعين العام والخاص، فضلاً عن إشراك كل قطاعات المجتمع من خلال المناقشات وورش العمل والفعاليات الموسعة.



وقال د. باقر سلمان النجار في ورقته أن العمالة الأجنبية في الخليج ستبقى فترات قد تطول، وسيكون لها حضور مؤثر في الصعد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. ويتحكم في هذا الوضع مجموعة عوامل؛ أهمها:
حجم الإنفاق الحكومي المرتبط بأسعار النفط، وقدرة الإنتاج النفطي لدول الخليج، وهي تتفاوت بين دوله، وغني عن القول ارتباط القطاع الخاص أساساً بحجم الإنفاق الحكومي. وهنا يمكن فهم سياسات التوظيف القائمة على توظيف المواطنين في القطاع الخاص، على أنها تأتي شكلاً من أشكال توزيع الثروة أولاً، ونوعاً من الضغط على الدول المصدرة للعمالة ثانياً.
ومما يجدر التنبيه إليه هنا، أن استيراد العمالة لا يتم أحياناً لحاجة فعلية إليه، كما أن عمالة الخدمات الشخصية التي تناهز في بعض الدول 20% من إجمالي قوة العمل، غير ذات مردود اقتصادي.
ويمكن تصور وضع العمالة في ظل الظرف الاقتصادي العالمي الحالي من خلال مشهدين:
أولاً: مشهد تمكّن الأزمة: بمعنى أن تؤثر الأزمة الاقتصادية العالمية بقوة في دول الخليج، وتعمل على تقليل دخولها وموفوراتها؛ ونتيجة لذلك ستتوقف بشكل واسع المشروعات القائمة، مع الاستمرار في ترشيد الإنفاق عموماً. وسيجد بعض هذه الدول نفسه في ظل تدني أسعار النفط (أقل من 15 دولاراً للبرميل وفقاً لهذا السيناريو) عاجزاً عن تسديد الأجور؛ وهذا يحتم التخلص من العمالة غير الضرورية في الإدارات الحكومية؛ فيتم التخلص من أعداد قد تصل إلى ما هو أدنى من النصف في قطاع الخدمات والقطاع الإنشائي، وما بين 20% و30% في القطاعات الأخرى.
ثانياً: مشهد امتصاص صدمة الأزمة، ويعتمد هذا على وجود آليات فاعلة في مواجهة الأزمة؛ ومنها: التخلي عن الكثير من المشروعات الثانوية، وتحديداً في القطاع الإنشائي الذي يستوعب أكثر من 30% في بعض الدول الخليجية، مع الاستمرار في مشروعات أخرى ذات حاجة حيوية في المجتمع. كما سيتم وفقاً لهذا السيناريو وقف توظيف المواطنين في القطاع الحكومي؛ حيث سيتم الدفع بهم نحو القطاع الخاص، بعد إعادة تأهيلهم وتدريبهم.
ونظراً إلى أن القطاع الإنشائي سيفقد كثيراً من عمالته، وستهبط أسعاره؛ فإن البنوك ذاتها ستتأثر، وستقلص بعض نشاطاتها، وستتخلص من كثير من عمالتها؛ علماً أن جزءاً من العمالة التي سيتم التخلص منها ستعيد ترتيب أوضاعها في هذه الدول، ولكن الحجم الكلي للعمالة الوافدة سيتضاءل.


التركيبة السكانية
من جانبه قال د. أنطوان زحلان /
تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على ضعف مشترك في أسواق العمل الخليجية والعربية، ويتلخص هذا الضعف في العلاقة الواهية بين العرض والطلب في رأس المال البشري.
ومن المتوقع أن يخلق ضغط النمو السكاني في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الكثير من التحديات في السنوات الخمسين القادمة. لذا فإن هناك حاجة ملحة إلى السكان الذين يعتمدون على أنفسهم، وإلى الإبداع المحسن لمواجهة هذه التحديات.
وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون متقدمة على معظم الدول العربية في التنمية البشرية على أساس الفرد، فإنه من الضروري أن تطور دول مجلس التعاون أدوات كافية للتغلب على تحديات التنمية الضاغطة.
وتوجد في مجلس التعاون قدرات علمية وموارد، ولكن المشكلة تكمن في كيفية استخدامها ورفع إمكانياتها إلى الحد الأقصى. وتُظهر المخرجات العلمية لدول مجلس التعاون غياب التخصص في مجالات ذات أهمية رئيسية، أما في العالم العربي، بصفة عامة، فيمثل نزيف الأدمغة مشكلة حقيقية.
ويوجه اللوم في تراجع فرص التوظيف إلى النزوح الهائل للمهنيين المؤهلين من المنطقة. وقد حفز على ذلك أيضاً حقيقة أن قوة العمل الأجنبية قد حصلت على الكثير من الوظائف المحلية، ومن ثم قلصت فرص العمل للمواطنين.
وتمثل قضية الطاقة تحدياً رئيسياً أيضاً، فبما أن العالم يبحث على نحو حثيث، عن مصادر بديلة للطاقة، فإن الجميع يتساءلون عن كيفية "تحول الطاقة" بطريقة فعالة ومجدية. وبما أن التكنولوجيا قد تطورت بقدر هائل على مدى عقود، فقد حلت محل قوة العمل البشرية في كثير من المجالات، وخلق هذا الوضع الحاجة إلى إعادة هندسة الوظائف باستخدام التكنولوجيا، لجعل الوظائف أكثر جاذبية بالنسبة إلى قوة العمل المحلية.
ويعد العمال العرب من بين أقل العمال في العالم إنتاجية، وحتى يتسنى لنا مواجهة تحديات المستقبل، ينبغي التركيز على الجودة والإنتاجية والتكنولوجيا.






التحديات التي تواجه التوطين في الخليج
وقال د. خالد محمد الخزرجي بدءاً أود التنبيه إلى أنني أضفت سؤالاً منهجياً إلى عنوان هذه الورقة، وهو: هل هي تحديات توطين أو تحديات توظيف؟ هناك فارق بين المصطلحين.
الحقيقة أننا في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية صرنا بمرور الوقت، نتحدث عن "التوظيف" لا "التوطين"؛ فمفهوم التوطين الذي ظهر قبل أربعة عقود كان يقوم على إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة، وكان ذلك ممكناً قبل أربعة عقود، أما الآن فهو مستحيل. ولفهم هذا الإشكال يجب أن نسأل: هل يمكن أن تحل العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة؟ وهل يمكن نسبة 30% من العمالة البحرينية أن تحل محل 70% من الوافدين؟ وهل يمكن أن تحل نسبة 10% من العمالة الإماراتية محل 90% من الوافدين؟ وهل يمكن أيضاً، حصول ذلك شرط امتلاك المواطن كفاءات العامل الأجنبي؟ بجواب سريع نقول: إن التوطين بهذا المعنى وبهذه الشروط أمر مستحيل.
إن التوطين يستلزم أموراً كثيرة منها: أن يكون هو ذاته جزءاً من خطط الدولة وجهودها؛ لدعم بناها الاقتصادية والسياسية، وأن تكون نسبة زيادة القوى العاملة المواطنة المؤهلة أكبر من نسبة زيادة نظيرتها الوافدة، وأن تتوافر لدى الحكومة وأرباب العمل الإرادة القوية للتوطين، وألا تكون استراتيجيات التوطين منفصلة عن استراتيجيات القطاعات الأخرى، فالجميع يجب أن يعملوا بهدف واحد. وأخيراً، لا بد أن تلتزم الحكومات بوضع سياسات التوطين وتطبيقها فعلياً في سوق العمل.
وعلى الرغم من أننا بدأنا إنشاء مراكز متقدمة للتدريب في كل دول مجلس التعاون، اعتماداً على خبرات دول ناجحة كسنغافورة وماليزيا وأستراليا، فإن هذه الدول ليست لديها مشكلات توطين؛ لذا كانت استفادتنا من سياسات التوظيف لا من سياسات التوطين. وفي المحصلة، فإن سياسات "التوظيف" لا يمكن أن تعد ناجحة. فنحن لم نحقق النسبة المرجوة من تخفيض البطالة بين المواطنين، كما أن "نظام الحصص" لم يثبت نجاحاً كبيراً، بالنسبة إلى دمج المواطنين في القطاعات الاقتصادية المختلفة، أما العمالة الأجنبية، فهي في تزايد مطرد.
إننا في حاجة إلى أن نضع جدياً أهداف تنمية مواردنا البشرية في دول الخليج؛ بوصفها أولوية لا مساومة عليها، وهو هدف أراه واقعياً وقابلاً للتحقق، برغم التحديات الثقافية والاقتصادية والتشريعية التي تجب مواجهتها. وتكمن الثقافية منها في أن ثقافة العمل لدى المواطنين مقصورة على العمل الحكومي، على حين نشأت لدى القطاع الخاص ثقافة مختلفة لا تغري المواطنين بالعمل فيه.
أما التحديات الاقتصادية فتكمن في أن دول مجلس التعاون لا تريد وضع عراقيل أمام التنمية، أو تخفيض ربحية المنشآت الاقتصادية، كما لا تريد تقليل دخول العمالة الأجنبية في سوق العمل. وهناك تحديات تشغيلية؛ مثل القول: إن المواطنين يحتاجون إلى رواتب عالية وإن خبراتهم أقل.
وعلى حين تتوزع التشريعية بين التحديات المحلية والتحديات الدولية، فإن من أبرز التحديات المحلية موضوع "الكفيل المحلي" الذي يشكل نوعاً من الرهاب (الفوبيا) لأصحاب العمل الأجانب؛ ومن ثم فإن من الصعب جداً على أي صاحب عمل أجنبي أن يوظف "كفيلاً" مفترضاً. أما التحديات التشريعية الدولية فيُمثَّل أبرزها بقوانين المنظمات الدولية؛ مثل: منظمة العمل الدولية، ومنظمة التجارة العالمية التي تمنع إعطاء المواطنين ميزات تفضيلية.


وقال د. هكتور مورادا / لقد زادت حصة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من المهاجرين الدوليين بقدر هائل منذ ستينيات القرن العشرين، ويبلغ عدد الأجانب في دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 90% من إجمالي السكان، أغلبهم من العمالة المهاجرة. ويمثل العاملون الأجانب 60% تقريباً، من إجمالي العاملين في القطاع الخاص لدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وتُبدي دول مجلس التعاون جميعها رغبتها في تقليل عدد العمال المؤقتين، مع أن دول مجلس التعاون تختلف فيما بينها بالنسبة إلى الأرقام الخاصة بالعمال الأجانب؛ فمملكة البحرين هي الدولة الوحيدة من بين دول المجلس التي ترى أن نصيبها من العمال الأجانب كافٍ. وخلافاً لذلك، تسعى كل الدول الأخرى في الخليج لتخفيض اعتمادها على المهاجرين الدوليين. وقد ترغب دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أيضاً، في تخفيض عدد العمال الأجانب من ذوي المهارات العالية؛ لإحلال العمالة الوطنية محلهم.
ويُذكر أن دولة الكويت هي الوحيدة من بين دول مجلس التعاون، التي صدقت اتفاقيات منظمة العمل الدولية، بما في ذلك اتفاقية حق تكوين النقابات العمالية. أما بالنسبة إلى موضوع الاتجار بالبشر، فتُظهر تقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر، الجهود التي تقوم بها حكومات دول مجلس التعاون لكبح هذه الظاهرة. وقد أشار التقرير الأخير إلى تحسن كبير في كيفية معالجة السلطات لهذه القضية التي تمس قوة العمل الأجنبية.
وعلى الرغم من الحاجة الملحة إلى العمال الأجانب؛ من أجل خطط التنمية في منطقة الخليج، فإن هذه الحاجة تلازمها آثار سلبية هائلة أيضاً.
ومن هذه الآثار أن فرص توظيف مواطني دول مجلس التعاون تتأثر بالأعداد الكبيرة للعمال الأجانب. وتسعى الاستراتيجية الراهنة للحكومات الخليجية لإحلال عمال مواطنين محل العمال الأجانب، عن طريق تحسين نظم التعليم والمهارات.
إلا أن خطط التنمية الوطنية واستراتيجيات تنمية الموارد البشرية في دول الخليج ينبغي أن تشمل دور العاملين الأجانب، بدلاً من إلغائهم، وينبغي أيضاً، أن يسمح للعمال من ذوي المهارات المرتفعة بقدر أكبر من الحركة، كما ينبغي أن توفر للعاملين الأجانب الحقوق المكفولة في القوانين الدولية ذات الصلة بذلك، وخاصة اتفاقيات منظمة العمل الدولية.
سوف تستمر الحاجة إلى قوة العمل الأجنبية من الدول المجاورة والدول الأخرى؛ للوفاء بحاجات القوة البشرية في دول الخليج، ويكمن التحدي في إيجاد توازن بين هذه المتطلبات ومشكلة الخلل السكاني.

التعليقات