أطفال الكويت ينظمون اعتصاما للتضامن مع غزة

أطفال الكويت ينظمون اعتصاما للتضامن مع غزة
غزة-دنيا الوطن
بالروح بالدم نفديك يا غزة.. قلوبنا معكم يا أطفال غزة.. نبكي لنحيبكم ونعيش مأساتكم..
كلمات رددتها حناجر زهور كويتية يانعة لم تتحمل مشاهدة صور أطفال غزة وأرواحهم تفيض إلى بارئها تشكو وحشية الغدر الصهيوني وصمت العجز العربي، فقرروا ترجمة مشاعر الغضب التي اجتاحتهم إلى سلوك فعلي، قدموا من خلاله درسا بليغا للكبار، حيث احتشد العشرات من طلاب المدارس ودور رياض الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين العامين إلى خمسة أعوام ليهتفوا وينشدوا ويتبرعوا ويتضامنوا ويعلنوها صراحة "نحن فداكم يا أطفال غزة"..

اعتصام الجسد الواحد

تحت عنوان "اعتصام الجسد الواحد مع أطفال غزة"، احتشد الخميس الماضي الموافق 8-1-2009 ما يقرب من 70 طفلا اجتمعوا على قلب طفل واحد كاره للوحشية الإسرائيلية متعاطف مع المقاومة الفلسطينية.

شارك في الاعتصام العديد من الجمعيات العاملة في مجال الطفولة، يتقدمهم محتضن أجيال التوحيد ونادي البراعم التابع لجمعية الإصلاح الاجتماعي الكويتي، بالإضافة إلى عدد من نواب مجلس الأمة الكويتي وبعض رموز الدعوة الإسلامية.

ارتدى المتظاهرون الصغار الكوفيات الفلسطينية، كما اتشحوا باللون الأحمر كناية عن شلال الدم المتدفق في غزة الذي يعكس وحشية الاحتلال وخسته، مرددين أناشيد دينية وحماسية مناهضة للعدو الإسرائيلي، وحاملين لافتات تدعو لوقف الحرب والتدخل لإنهاء معاناة أطفال غزة، ليسجلوا بتاريخ الطفولة البريئة وقفة مشرفة ويعلنوا اعتصامهم بحبل الله من خلال لافتات مختلفة حملت تلك المعاني.

لم تقتصر الملحمة الطفولية على مجرد التنديد فحسب، بل قام الصغار بإعداد معرض يتضمن صورًا مختلفة لضحايا العدوان الإسرائيلي، ومشاهد جثث الأطفال البريئة في مشهد مؤثر كشف وحشية الاعتداءات الإسرائيلية.

وكانت الخطوة الأكثر أهمية مسارعتهم إلى التبرع بمصروفهم الشخصي البسيط، وإيداعه صندوق التبرعات من أجل توفير الغذاء والدواء لأقرانهم في غزة، وذلك فور الإعلان عن فتح باب التبرع لدعم ضحايا العدوان.

كلمات موجوعة

"كيف لا أحزن ومنظر جثامين أشقائي لا تفارقني".. كلمات موجوعة خرجت من شفاه "محمد العراك" أحد الأطفال المشاركين في الاعتصام ليشرح بأسلوب عفوي تصوره لما يحدث: أطالع التلفاز فأجد أطفالا أبرياء يقتلون تحت نيران القصف أو تحت أنقاض المنازل، ماذا فعلوا ليكون هذا مصيرهم؟ ولماذا يتم حرمانهم من طفولتهم بهذه القسوة؟ هل كتب عليهم أن يذوقوا طعم الموت قبل أن يتذوقوا حلاوة الحياة؟

أما "فاطمة الشمري" فببراءة جميلة تقول: "فلسطين بلدنا ولن نتخلى عنها أبدا.. عدوتنا هي إسرائيل التي تقتل أشقائي وأصدقائي، ويوما ما سأذهب إلى فلسطين كي ألهو معهم وأقول لهم صبرا فإن الله مع الصابرين".

الوقفة البطولية للبراعم الكويتية جذبت انتباه المارة وأولياء الأمور، وبالفعل وبعد وقت قصير تضاعفت الأعداد.. فقادة السيارات توقفوا على جانبي الطريق، وترجلوا من سياراتهم ليشاركوا الأطفال موقفهم الرجولي ويشاركوهم أيضا حملة التبرعات، أما أولياء الأمور فكانوا فخورين بأطفالهم وحماسهم ومساندتهم لأقرانهم الفلسطينيين.

"مبارك السالمي" والد أحد الأطفال يقول: عندما أبلغني ولدي بالاعتصام سعدت للغاية، فمن المهم أن يتربي أبناؤنا على معرفة عدوهم وقضيتهم؟ لذا شجعته على الحضور وبدأت في تثقيفه وتعريفه ماذا تعني فلسطين والمقدسات، وماذا يعني الاحتلال وإرهابه ومعاناة الفلسطينيين تحت وطأته.. وسعدت للغاية وأنا أرى ابني متحمسا للمشاركة وهو يرفع العلم الفلسطيني ويردد.. غزة غزة رمز العزة.. وهو يبكى على زملائه الضحايا والمسعفون ينتشلوهم من تحت الأنقاض.

أما "أحمد يحيى" فيقول: "كنت في طريقي للذهاب إلى عملي، ولكن جذب انتباهي وقفة هؤلاء البراعم الصغار واللافتات التي حملوها، فهم يشعرون مثلهم مثل الكبار أن العدوان لن يتوقف إلا بموقف عربي موحد بعد أن انتهكت إسرائيل كل الأعراف والقوانين الإنسانية، ولم يرحموا صغيرًا أو كبيرًا.. ولعل صيحة هؤلاء الأطفال تجعل الأمة تستيقظ من سباتها العميق".

وقفة صادقة

وكما حظي الاعتصام بإشادة أولياء الأمور وفخرهم فقد نال أيضا استحسان "جمعان الحربش" عضو مجلس الأمة الكويتي، الذي أكد أنه يشرفه أن يقف مع هؤلاء الأطفال؛ لأن وقفتهم أصدق وأوفى عند الله من وقفة كثير من الرجال ممن أصابهم الخرس، وجلسوا في منازلهم مكتفين بمصمصة الشفاه، بينما أطفال لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات انتفضوا لفضح العدوان الصهيوني وفضح الصمت العربي.

يقول "الحربش": تلك الوقفة تعني الكثير، فهي ترسل رسالة للعالم أجمع أن القضية الفلسطينية لن تموت، فها هي الأجيال القادمة تعلنها صراحة.. "نحن على الدرب سائرون.. وفي مواجهة عدونا صامدون"، وكل طفل شارك في هذه الوقفة الاحتجاجية سيعود إلى منزله، وعلى جبينه كلمة غزة، وفي مخيلته صورة أشقائه الذين راحوا ضحية نيران الغدر الإسرائيلي؛ لذا فالرهان الذي يتصوره البعض على أن السلام الوهمي هو هدف الأجيال القادمة رهان فاشل.

وبلغة الكبار يوجه "الحربش" خطابه للبراعم، قائلا لهم: أنتم الأمل والمستقبل، ووقفتكم تلك تؤكد أننا الأبقى، وقد وصلت رسالتكم لنا وسأخاطب أعضاء مجلس الأمة للتبرع لتجهيز 200 شاحنة إلى غزة.

جيل المستقبل

الشيخ "أحمد الدبوس" كان كلامه جميلا ومؤثرا؛ إذ عبر عن سعادته الشديدة للخطوة الطفولية سنا.. الكبيرة مقاما وفعلا، مؤكدًا أن تلك الخطوة مؤشر على أن الأمل لا يزال موجودا في جيل المستقبل الذي سيحمل على كاهله هموم الأمة، مشيرا إلى أن "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه كان يطلب من الصغار أن يدعوا له؛ لأنهم لم يصلوا إلى سن التكليف ودعوتهم مقبولة؛ لذا فإن ما قام به براعم الكويت بحسب كلامه هو ترجمة فعلية لواقع أطفال المسلمين في كل مكان.

ويتابع الدبوس أن القضية الفلسطينية لن تموت أبدا، مشيدا بقيام الأطفال بالتصدق؛ لأن الفلس والدينار الذي وضعه الطفل في صندوق التبرعات يساوي الكثير والكثير عند الله، ولا شك أن هؤلاء الصغار فعلوا ما عجزت عنه الكثير من الدول العربية، التي وقفت صامتة عاجزة لا تجيد إلا الكلمات الشهيرة "ندين ونشجب ونستنكر".

أما "جواهر السلوم" مديرة محتضن أجيال التوحيد فقد أكدت أن فكرة الاعتصام كانت وليدة الأطفال أنفسهم الذين طلبوا منها أن يفعلوا شيئا إيجابيا مثل الكبار؛ لذا جاءت تلك الخطوة كإحدى فعاليات أسبوع التضامن مع غزة، والتي شهدت قيام الصغار بجمع عدد كبير من صور ضحايا الحرب على غزة، وقيامهم كذلك برسم لوحات فنية تعبر عن مشاعرهم تجاه ما يحدث، مشيرة إلى أن حصيلة تبرع الأطفال سيتم إرسالها إلى اللجنة الكويتية المشتركة للمساعدة في إرسال المعونات إلى غزة.

التعليقات