مفكرون عرب وألمان يناقشون أبعاد ظاهرتي الاستشراق والاستغراب
دبي-دنيا الوطن- جمال المجايدة
ضمن فعاليات ملتقى الحوار الثقافي العربي الألماني الذي يواصل أعماله في دبي وتنظمه مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ، ناقش مفكرون عرب وألمان العديد من المواضيع المتعلقة بتعريف ظاهرتي الاستشراق والاستغراب في محاولة للتميز بين الأبعاد السلبية والإيجابية لكل منهما وذلك في غضون جلسة حملت عنوان " الاستشراق والاستغراب: التحولات والسجالات".
وقد ترأس الجلسة الدكتور فهمي جدعان أستاذ الفلسفة والفكر العربي والإسلامي، وشارك فيها كل من الشاعر العربي المعروف أدونيس، والدكتور مطاع صفدي مدير مركز الإنماء القومي للأبحاث والترجمة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والدكتور حسن حنفي والبروفسور بيتر هاينه والبروفسور كاترينا ممزن. حيث بدأ دكتور جدعان الجلسة بطرح بعض الأمثلة على ما وصفه بالاستشراق النبيل من خلال تسميته لبعض المستشرقين القدامى والحالين مستعرضاً بعضاً من مؤلفاتهم وأهم أعمالهم وأثرها في العالم.
كما تحدث عما وصفه بالاستشراق السلبي مدللاً على ذلك ببعض الأمثلة الحية من التاريخ والقائمة في وقتنا الحاضر وقال :"يشتد ساعد الاستشراق السلبي من جديد" في إشارة إلى تنامي هذه الظاهرة مؤخراً.
ولفت الصفدي إلى إشكالية مهمة حاول أن يبرزها في العديد من كتابته تتعلق بكون العديد من العرب قد شكلوا نظرتهم عن الغرب بناء على مواقفهم السياسية، ولم يسعوا إلى فهم الغرب من الداخل الأمر الذي شكل نزعة سياسية أيدلوجية في العديد من الكتابات والمؤلفات.
وفي إطار الجلسة نفسها قال الشاعر أدونيس:" أن كلاً من الاستشراق والاستغراب هما عبارتان ملتزمتان يخضعان للمنطق الأيدلوجي السياسي، والبحث فيهما ينطلق من الأيديولوجيات المغلقة، ولو نظرنا إلى الفلسفة العربية التوفيقية التي جمعت بين الدين والعقل، سنجد أن هناك العديد من المستشرقين قد كتبوا بإعجاب وعمق عن الثقافة العربية أكثر من العرب أنفسهم وكذلك الحال لدى بعض المستغربين".
كما أثار أدونيس مجموعة من التساؤلات الهامة في هذا السياق أشار من خلالها إلى أهمية إعادة النظر في تعريفنا إلى كل من الاستشراق والاستغراب.
وتوجهت البروفسور الألمانية كاترينا ممزن بالشكر إلى القائمين على مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم على تنظيم فعاليات الملتقى العربي الألماني، مشيرة إلى أهمية هذا الحدث في مد الجسور وتقليص الفجوات بين الثقافتين العربية والألمانية، وقالت:" إن الأصل أن يقوم الحوار على الاحترام والثقة، فالتاريخ يشير إلى أن الحضارات كانت متسامحة في أوج قوتها، وأعتقد أن من جاء بمصطلح الاستغراب هو شخص يدعو إلى التسامح".
ودعت ممزن إلى ضرورة التسامح مشيرة إلى أن العديد من المفكرين لم يكونوا مقبولين في مجتمعاتهم وتعرضوا للرفض والقمع، وتساءلت لماذا يهتم أحدهم بآخر طالما ينعته بأنه دوني؟ لافتة إلى أن الاستغراب قد جاء كردة فعل على المهانة من بعد الاستقلال من الرأس مالية الغربية، وأن الاستغراب الإيجابي قد يجعل العالم أكثر تسامحاً وتقارباً.
وتحدث البروفسور الألماني بيتر هاينه في ذات السياق وقال:" إن هناك فرقاً بين الاستشراق كعلم وبين الاستشراق كموقف، وأن الكثير من الباحثين لم يتطرقوا إلى الإسلام كما هو على الأرض في الحقيقة وإنما كما يتصورنه في أذهانهم، والموقف الآن في ألمانيا يشبه هذه الفكرة إلى حد كبير.
ولفت البروفسور هاينه إلى إن هناك اهتماماً متزايداً لدى الغرب لفهم الإسلام، وقد زاد الوعي للتعرف على المزيد من المسلمين والعرب، داعياً الجميع لبذل مزيدٍ من الجهود والتعاون لمعرفة المزيد عن بعضنا البعض.
من ناحيته قال الدكتور حسن حنفي، مؤلف كتاب "مقدمة في علم الاستغراب" :" أن الاستغراب لا ينم عن كره أو حقد، بل هو التوجه نحو الغرب كمصدرٍ للعلم لكي يصبح موضوعاً والنظر إليه كمصدر كوجهة وحيدة للتعلم، يجب على العرب أن يتحرروا من هذه الفكرة وكأن العرب موضوع للدراسة وليسوا ذاتاً".
ودعا الدكتور حنفي إلى التحرير من عقدة النقص لدى العرب وعقدة العظمة لدى الغرب، مؤكداً ضرورة بذل المزيد من الجهود للحوار والتواصل مع العالم العربي والغربي. وقد شهدت الجلسة سلسلة من الأسئلة ومداخلات مهمة من الحضور من بينهم أكاديميون وإعلاميون وباحثون في مختلف المجالات، وأشاد غالبيتهم بأهمية اللقاء وإلى جودة الأفكار المطروحة.
وتعقد فعاليات ملتقى الحوار العربي الألماني في دبي بمشاركة 200 من المفكرين والأدباء العرب والألمان، حيث يهدف الملتقى إلى تسليط الضوء على عدد من القضايا الثقافية ذات الاهتمام المشترك بغية استكشاف قنوات جديدة لمنح زخم جديد للتدفق الثقافي والمعرفي بين الشرق والغرب.
و أكد الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم أن دولة الإمارات لا تدخر جهدا في الاضطلاع بدورها كاملا كأحد أعضاء الأسرة الدولية المؤمنة بأهمية إقرار أسس الحوار البناء وإيجاد المقومات الكفيلة بإنجاحه ضمن سعيها الدؤوب لتقريب وجهات النظر بين شعوب العالم المختلفة، لاسيما بين العرب والغرب وصولا إلى الأهداف المنشودة في توحيد الرؤى حول القضايا المشتركة التي تحدد مصائر الأمم ومستقبلها.
وقد نوه بأهمية الملتقى كونه يؤسس لصفحة جديدة من الحوار العربي الغربي في وقت يموج فيه العالم بالكثير من التحديات التي تجعل من الحوار والتواصل الفكري والثقافي مطلبا حتميا لتمكين شعوب العالم من مواكبة ما يحيط بهم من متغيرات والتصدي لما يواجههم من مشكلات يتوحد فيها مصير البشر بغض النظر عن أجناسهم أو خلفياتهم الثقافية.
وخلال كلمته الافتتاحية للملتقى، أشار الأديب الإماراتي محمد المر، نائب رئيس مجلس إدارة هيئة الثقافة والفنون في دبي، إلى التواصل الفكري والحضاري بين ألمانيا والعرب وقال إنه على الرغم من أن القرن الفائت شهد العديد من الصدامات الفكرية مع عدة قوى أوروبية كبرى إلا أن ألمانيا لم تكن يوما طرفا في هذا الاشتباك، حيث خلت الذاكرة العربية من أية مرارة تجاه ألمانيا وشعبها، منوها بدور المدرسة الاستشراقية الألمانية التي درست الحضارة العربية والإسلامية بدقة وجدية وموضوعية وبعيدا عن التحامل والتعصب الحضاري الأعمى.
وتطرق الأديب المر في كلمته إلى حالة العالم خلال مرحلة الحرب الباردة التي دخلت فيها القوى العظمى في صراع محموم لامتلاك أكثر أسلحة العالم فتكا وتدميرا ضمن ما كان يعرف باسم "توازن الرعب"، والآمال التي راودت الجميع في عالم سالم يهنأ بالأمن والاطمئنان، وهي الطموحات التي ما لبثت أن تبددت مع هبوب رياح العولمة الرأسمالية وتزايد خراب البيئة وتصاعد وتيرة الإرهاب وتفاقم مشكلات العالم السياسية والاقتصادية وظهور أوبئة جديدة حصدت أرواح الملايين إلى أن أصاب العالم تسونامي الاقتصاد الأخير الذي لم يشهد العالم مثله من أيام الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
وأكد الأديب محمد المر أن العالم في ظل تلك الأوقات المضطربة أثبت فشل أطروحات القطب الواحد كما أثبت أنه لا بديل للحوار والتعاون بين مختلف الحضارات والدول للتصدي للمشكلات المشتركة التي تواجه العالم من شرقه إلى غربه بما يجعل البشر شركاء في قارب واحد يحملون مسؤولية جماعية لإنقاذ أنفسهم من براثن تلك التحديات، معربا عن تفاؤله في قدرة العالم على تخطي تلك العقبات والمعوقات من خلال لغة الحوار مستشهدا بالمثل الألماني القائل: "كلما كان الليل داكن السواد، كان الصباح التالي أكثر لطفا".
وخلال الجلسة الافتتاحية أيضا، ألقى الشاعر والأديب الألماني هانز ماغنز آنزينسبيرغر كلمة تناول فيها موضوع التنوير ومواضع التشابه بين محاولات وتجارب التنوير في الغرب ولدى العرب، منوها بالثقافة العربية كواحدة من أهم ثقافات العالم، ومشيرا إلى دورها في إلهام شعوب أوروبا في عصر أوج الحضارة العربية وفي مختلف المجالات، ومستشهدا بالنتاج الفكري العربي والإسلامي المتميز الذي مثل قاعدة أساسية استقت منها أوروبا العديد من العلوم والمعارف في عصر الدولة العباسية والدولة الأموية ومن خلال ما أفرزته الحضارة العربية والإسلامية من إنتاج فكري متميز كان حاضرا بقوة في الأندلس.
وأشار المتحدث الألماني إلى حقيقة محاولة بعض الشعوب الغربية احتكار مفهوم التنوير والقدرة على صنع مقوماته ونشر ضيائه، وهو ما نفاه بشدة وقال إن المسألة لا تكمن في الصراع على من هو القادر على الاستحواذ على نصيب الأسد من حركة التنوير العالمية، ولكن على مدى الإسهام ذاته وتأثيره إذا ما تم رصده بموضوعية.
وقال آنزينسبيرغر إن العرب والمسلمين كان لهم سبق التنوير، منوها بالفيلسوف العربي "إبن رشد" الذي كان سباقا إلى التنوير في عهده وإلى مدينة قرطبة التي مثلت مركزا من مراكز الإشعاع الفكري والحضاري المهمة وكانت جامعتها سابقة لأول جامعة تأسست في أي من المدن الأوروبية بما لا يقل عن مائة عام، معزيا الازدهار الفكري والفلسفي الأوروبي إلى الحضارة العربية التي كانت مصدر إلهام للغرب خاصة في مجالات العلوم البصرية والرياضيات وغيرها من المجالات. يشارك في الملتقي
الشاعر أدونيس والدكتور الطاهر لبيب مدير المنظمة العربية للترجمة، الدكتور مطاع صفدي، مدير مركز الإنماء القومي للأبحاث والترجمة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، والأديب المصري جمال الغيطاني، والمفكر فهمي هويدي، ومن الإمارات الأديب الكبير محمد المر والدكتور عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات، والدكتور سعيد حارب أستاذ العلاقات الدولية الإسلامية في جامعة الإمارات.
كما يشارك في اللقاء من الجانب الألماني البروفيسور كلاوس بيتر هازا، أحد كبار الأساتذة المتخصصين في الفنون العربية الإسلامية وأستاذ كرسي العلوم الإسلامية في جامعة كوبنهاغن، فولكر براون أحد أبرز الشعراء الألمان المعاصرين، و البروفسور أدولف موشج، عضو أكاديمية الفنون الألمانية في برلين، والكاتب والشاعر والناشر والمترجم ميخائيل كروغر، وغيرهم من رموز الفكري الألماني الحديث.
ضمن فعاليات ملتقى الحوار الثقافي العربي الألماني الذي يواصل أعماله في دبي وتنظمه مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ، ناقش مفكرون عرب وألمان العديد من المواضيع المتعلقة بتعريف ظاهرتي الاستشراق والاستغراب في محاولة للتميز بين الأبعاد السلبية والإيجابية لكل منهما وذلك في غضون جلسة حملت عنوان " الاستشراق والاستغراب: التحولات والسجالات".
وقد ترأس الجلسة الدكتور فهمي جدعان أستاذ الفلسفة والفكر العربي والإسلامي، وشارك فيها كل من الشاعر العربي المعروف أدونيس، والدكتور مطاع صفدي مدير مركز الإنماء القومي للأبحاث والترجمة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والدكتور حسن حنفي والبروفسور بيتر هاينه والبروفسور كاترينا ممزن. حيث بدأ دكتور جدعان الجلسة بطرح بعض الأمثلة على ما وصفه بالاستشراق النبيل من خلال تسميته لبعض المستشرقين القدامى والحالين مستعرضاً بعضاً من مؤلفاتهم وأهم أعمالهم وأثرها في العالم.
كما تحدث عما وصفه بالاستشراق السلبي مدللاً على ذلك ببعض الأمثلة الحية من التاريخ والقائمة في وقتنا الحاضر وقال :"يشتد ساعد الاستشراق السلبي من جديد" في إشارة إلى تنامي هذه الظاهرة مؤخراً.
ولفت الصفدي إلى إشكالية مهمة حاول أن يبرزها في العديد من كتابته تتعلق بكون العديد من العرب قد شكلوا نظرتهم عن الغرب بناء على مواقفهم السياسية، ولم يسعوا إلى فهم الغرب من الداخل الأمر الذي شكل نزعة سياسية أيدلوجية في العديد من الكتابات والمؤلفات.
وفي إطار الجلسة نفسها قال الشاعر أدونيس:" أن كلاً من الاستشراق والاستغراب هما عبارتان ملتزمتان يخضعان للمنطق الأيدلوجي السياسي، والبحث فيهما ينطلق من الأيديولوجيات المغلقة، ولو نظرنا إلى الفلسفة العربية التوفيقية التي جمعت بين الدين والعقل، سنجد أن هناك العديد من المستشرقين قد كتبوا بإعجاب وعمق عن الثقافة العربية أكثر من العرب أنفسهم وكذلك الحال لدى بعض المستغربين".
كما أثار أدونيس مجموعة من التساؤلات الهامة في هذا السياق أشار من خلالها إلى أهمية إعادة النظر في تعريفنا إلى كل من الاستشراق والاستغراب.
وتوجهت البروفسور الألمانية كاترينا ممزن بالشكر إلى القائمين على مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم على تنظيم فعاليات الملتقى العربي الألماني، مشيرة إلى أهمية هذا الحدث في مد الجسور وتقليص الفجوات بين الثقافتين العربية والألمانية، وقالت:" إن الأصل أن يقوم الحوار على الاحترام والثقة، فالتاريخ يشير إلى أن الحضارات كانت متسامحة في أوج قوتها، وأعتقد أن من جاء بمصطلح الاستغراب هو شخص يدعو إلى التسامح".
ودعت ممزن إلى ضرورة التسامح مشيرة إلى أن العديد من المفكرين لم يكونوا مقبولين في مجتمعاتهم وتعرضوا للرفض والقمع، وتساءلت لماذا يهتم أحدهم بآخر طالما ينعته بأنه دوني؟ لافتة إلى أن الاستغراب قد جاء كردة فعل على المهانة من بعد الاستقلال من الرأس مالية الغربية، وأن الاستغراب الإيجابي قد يجعل العالم أكثر تسامحاً وتقارباً.
وتحدث البروفسور الألماني بيتر هاينه في ذات السياق وقال:" إن هناك فرقاً بين الاستشراق كعلم وبين الاستشراق كموقف، وأن الكثير من الباحثين لم يتطرقوا إلى الإسلام كما هو على الأرض في الحقيقة وإنما كما يتصورنه في أذهانهم، والموقف الآن في ألمانيا يشبه هذه الفكرة إلى حد كبير.
ولفت البروفسور هاينه إلى إن هناك اهتماماً متزايداً لدى الغرب لفهم الإسلام، وقد زاد الوعي للتعرف على المزيد من المسلمين والعرب، داعياً الجميع لبذل مزيدٍ من الجهود والتعاون لمعرفة المزيد عن بعضنا البعض.
من ناحيته قال الدكتور حسن حنفي، مؤلف كتاب "مقدمة في علم الاستغراب" :" أن الاستغراب لا ينم عن كره أو حقد، بل هو التوجه نحو الغرب كمصدرٍ للعلم لكي يصبح موضوعاً والنظر إليه كمصدر كوجهة وحيدة للتعلم، يجب على العرب أن يتحرروا من هذه الفكرة وكأن العرب موضوع للدراسة وليسوا ذاتاً".
ودعا الدكتور حنفي إلى التحرير من عقدة النقص لدى العرب وعقدة العظمة لدى الغرب، مؤكداً ضرورة بذل المزيد من الجهود للحوار والتواصل مع العالم العربي والغربي. وقد شهدت الجلسة سلسلة من الأسئلة ومداخلات مهمة من الحضور من بينهم أكاديميون وإعلاميون وباحثون في مختلف المجالات، وأشاد غالبيتهم بأهمية اللقاء وإلى جودة الأفكار المطروحة.
وتعقد فعاليات ملتقى الحوار العربي الألماني في دبي بمشاركة 200 من المفكرين والأدباء العرب والألمان، حيث يهدف الملتقى إلى تسليط الضوء على عدد من القضايا الثقافية ذات الاهتمام المشترك بغية استكشاف قنوات جديدة لمنح زخم جديد للتدفق الثقافي والمعرفي بين الشرق والغرب.
و أكد الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم أن دولة الإمارات لا تدخر جهدا في الاضطلاع بدورها كاملا كأحد أعضاء الأسرة الدولية المؤمنة بأهمية إقرار أسس الحوار البناء وإيجاد المقومات الكفيلة بإنجاحه ضمن سعيها الدؤوب لتقريب وجهات النظر بين شعوب العالم المختلفة، لاسيما بين العرب والغرب وصولا إلى الأهداف المنشودة في توحيد الرؤى حول القضايا المشتركة التي تحدد مصائر الأمم ومستقبلها.
وقد نوه بأهمية الملتقى كونه يؤسس لصفحة جديدة من الحوار العربي الغربي في وقت يموج فيه العالم بالكثير من التحديات التي تجعل من الحوار والتواصل الفكري والثقافي مطلبا حتميا لتمكين شعوب العالم من مواكبة ما يحيط بهم من متغيرات والتصدي لما يواجههم من مشكلات يتوحد فيها مصير البشر بغض النظر عن أجناسهم أو خلفياتهم الثقافية.
وخلال كلمته الافتتاحية للملتقى، أشار الأديب الإماراتي محمد المر، نائب رئيس مجلس إدارة هيئة الثقافة والفنون في دبي، إلى التواصل الفكري والحضاري بين ألمانيا والعرب وقال إنه على الرغم من أن القرن الفائت شهد العديد من الصدامات الفكرية مع عدة قوى أوروبية كبرى إلا أن ألمانيا لم تكن يوما طرفا في هذا الاشتباك، حيث خلت الذاكرة العربية من أية مرارة تجاه ألمانيا وشعبها، منوها بدور المدرسة الاستشراقية الألمانية التي درست الحضارة العربية والإسلامية بدقة وجدية وموضوعية وبعيدا عن التحامل والتعصب الحضاري الأعمى.
وتطرق الأديب المر في كلمته إلى حالة العالم خلال مرحلة الحرب الباردة التي دخلت فيها القوى العظمى في صراع محموم لامتلاك أكثر أسلحة العالم فتكا وتدميرا ضمن ما كان يعرف باسم "توازن الرعب"، والآمال التي راودت الجميع في عالم سالم يهنأ بالأمن والاطمئنان، وهي الطموحات التي ما لبثت أن تبددت مع هبوب رياح العولمة الرأسمالية وتزايد خراب البيئة وتصاعد وتيرة الإرهاب وتفاقم مشكلات العالم السياسية والاقتصادية وظهور أوبئة جديدة حصدت أرواح الملايين إلى أن أصاب العالم تسونامي الاقتصاد الأخير الذي لم يشهد العالم مثله من أيام الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
وأكد الأديب محمد المر أن العالم في ظل تلك الأوقات المضطربة أثبت فشل أطروحات القطب الواحد كما أثبت أنه لا بديل للحوار والتعاون بين مختلف الحضارات والدول للتصدي للمشكلات المشتركة التي تواجه العالم من شرقه إلى غربه بما يجعل البشر شركاء في قارب واحد يحملون مسؤولية جماعية لإنقاذ أنفسهم من براثن تلك التحديات، معربا عن تفاؤله في قدرة العالم على تخطي تلك العقبات والمعوقات من خلال لغة الحوار مستشهدا بالمثل الألماني القائل: "كلما كان الليل داكن السواد، كان الصباح التالي أكثر لطفا".
وخلال الجلسة الافتتاحية أيضا، ألقى الشاعر والأديب الألماني هانز ماغنز آنزينسبيرغر كلمة تناول فيها موضوع التنوير ومواضع التشابه بين محاولات وتجارب التنوير في الغرب ولدى العرب، منوها بالثقافة العربية كواحدة من أهم ثقافات العالم، ومشيرا إلى دورها في إلهام شعوب أوروبا في عصر أوج الحضارة العربية وفي مختلف المجالات، ومستشهدا بالنتاج الفكري العربي والإسلامي المتميز الذي مثل قاعدة أساسية استقت منها أوروبا العديد من العلوم والمعارف في عصر الدولة العباسية والدولة الأموية ومن خلال ما أفرزته الحضارة العربية والإسلامية من إنتاج فكري متميز كان حاضرا بقوة في الأندلس.
وأشار المتحدث الألماني إلى حقيقة محاولة بعض الشعوب الغربية احتكار مفهوم التنوير والقدرة على صنع مقوماته ونشر ضيائه، وهو ما نفاه بشدة وقال إن المسألة لا تكمن في الصراع على من هو القادر على الاستحواذ على نصيب الأسد من حركة التنوير العالمية، ولكن على مدى الإسهام ذاته وتأثيره إذا ما تم رصده بموضوعية.
وقال آنزينسبيرغر إن العرب والمسلمين كان لهم سبق التنوير، منوها بالفيلسوف العربي "إبن رشد" الذي كان سباقا إلى التنوير في عهده وإلى مدينة قرطبة التي مثلت مركزا من مراكز الإشعاع الفكري والحضاري المهمة وكانت جامعتها سابقة لأول جامعة تأسست في أي من المدن الأوروبية بما لا يقل عن مائة عام، معزيا الازدهار الفكري والفلسفي الأوروبي إلى الحضارة العربية التي كانت مصدر إلهام للغرب خاصة في مجالات العلوم البصرية والرياضيات وغيرها من المجالات. يشارك في الملتقي
الشاعر أدونيس والدكتور الطاهر لبيب مدير المنظمة العربية للترجمة، الدكتور مطاع صفدي، مدير مركز الإنماء القومي للأبحاث والترجمة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، والأديب المصري جمال الغيطاني، والمفكر فهمي هويدي، ومن الإمارات الأديب الكبير محمد المر والدكتور عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات، والدكتور سعيد حارب أستاذ العلاقات الدولية الإسلامية في جامعة الإمارات.
كما يشارك في اللقاء من الجانب الألماني البروفيسور كلاوس بيتر هازا، أحد كبار الأساتذة المتخصصين في الفنون العربية الإسلامية وأستاذ كرسي العلوم الإسلامية في جامعة كوبنهاغن، فولكر براون أحد أبرز الشعراء الألمان المعاصرين، و البروفسور أدولف موشج، عضو أكاديمية الفنون الألمانية في برلين، والكاتب والشاعر والناشر والمترجم ميخائيل كروغر، وغيرهم من رموز الفكري الألماني الحديث.

التعليقات