نابلس تخلع طرابيشها

نابلس تخلع طرابيشها
غزة-دنيا الوطن
قبل عامين أو اقل، كان آخر رجل يعتمر طربوشا يسير في أزقة البلدة القديمة في نابلس بالضفة الغربية يمثل الجيل الكلاسيكي بكل هيبته. وبوفاته فقدت هذه المدينة التاريخية آخر معالم 'اتيكيت' العهد العثماني الذي انتهى قبل مئة عام.

وعندما سئل كهل جالس على مدخل حارة باب الساحة، حيث كانت مقرات قائمقام نابلس التركي، فيما إذا كان شاهد رجلا يعتمر طربوشا أحمر مر من الشارع مؤخراً، ذهب في صمت قصير وهو يحاول التذكر قبل أن يجيب: 'كلهم ماتوا' . وهو بذلك يشير إلى رحيل أبناء عصر الطرابيش.

وقد امتهنت عائلات عديدة صناعة الطرابيش التي اختفت في غمرة التغييرات الاجتماعية الكثيرة التي حصلت خلال العقود الماضية وتغير فيها نمط اللباس التقليدي الفلسطيني إلى نمط حداثي غربي.

واقفا أمام محل لبيع التحف الشرقية قال باسل سبع العيش وهو سليل عائلة كانت تصنع الطرابيش ' كانت نابلس بلد الطرابيش. الطرابيش انتهت. رغم أني لا اذكرها، يقولون أن أيامها كانت جميلة'.

رغم أن هذا النمط من غطاء الرأس انتهى تماماً من شوارع المدينة، إلا أنه ما زال حاضرا في الذاكرة الشعبية النابلسية التي تقوم على كثير من المكونات التي اختفى معظمها.

وقال سبع العيش إن الطربوش عكس زمنا جميلا في مدينة لها خصوصياتها مثل نابلس. وتظهر ابتسامة الشاب عندما يحثه أحد على لبس طربوش من الطرابيش المعلقة في محله والمعدة للأطفال.

ويظهر الطربوش كقبعة طوية أحمر اللون أو من مشتقات اللون الأحمر بين الأحمر الفاتح والأحمر الغامق، وهو على شكل مخروط تتدلى من جهته الخلفية حزمة من الخيوط الحريرية السوداء.

ويقول باعة الطرابيش إن أنماط هذا الغطاء اختلفت عن الماضي حيث كانت مكونة من لون واحد، لكنها باتت الآن مخضبة بألوان أخرى عندما تحول لابسوها من الرجال إلى الأطفال.

في نابلس، المعقل الأكبر للزعامات الاجتماعية والسياسية خلال القرن الماضي، ثمة من ما زال ينظر إلى غطاء الرأس هذا نظرة احترام وتقدير مثل أربعة رجال يشربون دخان النرجيلة في مقهى 'البرلمان' إحدى أقدم مقاهي البلدة القديمة. ويقولون إن الطربوش أخذ احترامه من احترام الرجل الذي يعتمره.

في أسواق المدينة العامرة بالمحلات التجارية التي بنيت في فترات مختلفة من العصر العثماني وقبل ذلك، يصعب العثور خارج تلك البنايات القائمة التي ترمز لذلك الحكم على الطربوش إلا في محلين يبيعان الطرابيش كجزء من تراث شعبي اندثر أحدهما لآل سبع العيش.

وإلى حد بسيط يمكن أن ينظر إلى أغطية الرأس في هذه المدينة هذه الأيام كعلامات تحمل دلالات مختلفة.

ففي شوارع المدينة تظهر رؤوس كثيرة تعكس أغطيتها نمط تفكير، وعمق تدين، وتعكس خلفية مناطقية مختلفة، وهي أحد ميزات المدينة: يمكن رؤية المتدينين السامريين يعتمرون العمامات الحمراء، والطرابيش في أعيادهم، والسلفيين يعتمرون العمامات البيضاء أو الخضراء، والريفيين يلبسون الكوفية والعقال.

لكن لا يوجد في نابلس من يلبس الطرابيش كنمط من أنماط اللباس الاعتيادي إلا باعة شراب السوس كتقليد يجذب الزبائن.

كانت صناعة الطربوش مهنة مضنية لسبع العيش الجد، خاصة إنها بحاجة إلى توليف قالب الغطاء على حجم الرأس كما قال حفيده الذي يستوردها الآن من الخارج.

وتوقف استيراد الطرابيش من سوريا إلى نابلس لسنوات طويلة، لكن سبع العيش أحضرها مجددا قبل عشر سنوات، وعندما تفاجأ بالإقبال الكبير عليها من قبل طلبة المدارس الذين يفدون إلى المدينة برحلات سياحية ضاعف الكميات المستوردة.

وقال بينما كان يرتب بعضها على شكل هرمي أمام محله ' كنت ترى هنا 50 طفلا يلبسون الطرابيش'.

وهناك محاولات سنوية جادة لإحياء جزء من تراث نابلس القديم. إذ عمدت بعض مؤسسات المدينة هذا العام إلى إحياء الموروث الشعبي خلال رمضان، لذلك تم استحضار الحكواتي الذي عرف فيما مضى بسرده للقصص في مقاهي المدينة.

ومثلما تحمل الكوفية الفلسطينية رمزا ثوريا، نظر سابقا إلى الطربوش نظرة سياسية.

وثمة من يقول إن الطربوش شكل إبان ثورة عام 1936 نقطة خلاف بين الزعماء الاجتماعيين والثوريين. وقال أحد الرجال وهو يعب دخان النرجيلة في مقهى البرلمان' نظر إلى الطربوش على أنه رمز معارضة لقيادة الثورة، وتخلى الكثير عن طرابيشهم آنذاك'.

وقال سبع العيش إن سكان المدينة لم ينظروا إلى الطربوش كقضية سياسية، لكنهم تمسكوا به كزي شعبي، لذلك بعد عرض مسلسل باب الحارة على مدار السنوات القليلة الماضية تزايد إقبال الأطفال على شراء الطرابيش التي يتم إحضارها من سوريه.

'كانوا يريدون تقليد رجال المسلسل. باب الحارة أعاد للذاكرة جزءا من التراث، حتى بعض الأطفال طلب إلى جانب الطربوش خنجرا.'

وجسد هذا المسلسل الذي لاقى إقبالا منقطع النظير الفترة الزمنية التي كان الكثير من الشاميين في دمشق يعتمرون الطرابيش إبان فترة الانتداب الفرنسي على سوريا.

وقال سبع العيش بينما كان يشير إلى كاهن سامري مر بمحاذاة المحل ويلبس عمامة ' من يلبس طربوش سيظهر شاذا'.

التعليقات