مركز شؤون الإعلام ينظم خبر ندوة زايد الخالد بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ..شاهد الصور
ابوظبي-دنيا الوطن-جمال المجايدة
بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لرحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله ، نظم مركز شؤون الإعلام ندوة " زايد الخالد " أمس الأحد 2 نوفمبر 2008، بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين وقد شملت عرضا لصور نادرة لهذه الشخصية التي طبعت سيرته العطرة كل مراحل تأسيس الدولة وبنائها وتداخلت لحظات حياته الثرية بما حباه الله من حكمة وما قيض له من مهارة أن يرسي نهضة تنموية شاملة على ربوع الوطن بعزيمته وقراراته المصيرية، وانطلاقه في بناء دولة الاتحاد وتوطيد دعائمها لتتمكن من مواكبة التحولات العالمية ولتعطي المثال الأهم في التجربة الوحدوية ، حتى صار القدوة الساطعة للقائد الذي تخطى حدود الوطن، وامتد إلى سائر الدول العربية والإسلامية والصديقة، بالتعاون البنّاء والمشاركة في إقامة علاقـات عديدة في كافة المجالات من خلال العطاء الإنساني والتنموي النابع من إحساس بالواجب الأخلاقي تجاه الدول الشقيقة والصديقة .
إن فكر القائد المؤسس يظل معلماً تاريخياً لن تنساه الأجيال مهما تعاقبت ، كما لن تتجاهله الأمم مهما تنافرت وإذ تأتي هذه الورقة كمحاولة لتقديم قراءة في الجانب الإنساني لهذا الفكر الفذّ ، فإنها تشدد على أن أوجه العظمة في شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه ، تظل عصية على الإحاطة بمكنون أعماقها والإدراك لكامل أبعادها ، ومن ثم فإن ما تسوقه من حديث في المحاور التالية هو جهد يقصر عن الوفاء بحق الشكر والعرفان لصاحب السيرة العطرة ، وحسبها المحاولة ففيها الاستذكار والتذكير بجهود ورؤى قادة وطن صنعوا معجزة حضارية تستعصي على المحاكاة ، وهاهي تمضي مزهوة بامتداد الإنجازات وتعاظم الخيرات في ظل أبناء حفظوا الأمانة ، وأحسنوا الرعاية ، وأجادوا إبداعاً وابتكاراً في كافة مجالات الرقي والتقدم والرفعة .
أولاً : الشيخ زايد .. رؤية حصيفة لبناء الإنسان :
لقد كانت للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله وطيب ثراه ، قناعة ثابتة بأن الإنسان بقدراته العلمية والجسدية هو رأس المال الأساسي للتنمية والتطوير ؛ لذا عمل جاهداً على إعلاء كرامته الإنسانية والارتقاء بخبراته الحياتية سواء في وطنه أو خارجه ، انطلاقاً من إدراكه الواعي بأن الشعوب لا يمكن أن تغير من واقعها أو تسير قدماً نحو التقدم والتطور إلاّ بإنسانها المسلح بالعلم والذي يُعد السبيل الأمثل للتنمية على اختلاف محاورها وتنوع غاياتها . وتأكيداً لهذا الفهم المستنير كان يردد دائماً أن "الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال وليس المال والنفط ، ولا فائدة في المال إذا لم يسخر لخدمة الشعب" . وينبه إلى أنه "لا تنمية للقـدرة الماديـة بـدون أن تكـون هناك ثروة بشرية وكوادر وطنية مؤهلة وقادرة على بناء الوطن" .
وظل المواطن في نهج الشيخ زايد ، هو وسيلة وغاية في الوقت نفسه ، وترسيخاً لهذا المنظور الجوهري سارت كافة أجهزة الدولة نحو ذات الاتجاه متضافرة في جهود آلياتها وبناها التحتية والتنظيمية لبناء إنسان قادر على التعاطي مع مسارات التنمية الحقيقية وأيضاً مسايرة مستجداتها واجتياز عقباتها ، وتحديداً للقواعد الأساسية لإستراتيجية وسياسات الدولة في بناء الإنسان قال الشيخ زايد رحمه الله منذ افتتاحه للفصل التشريعي الأول في الثالث عشر من فبراير 1972م : "إن دستور البلاد نص على مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية وتوفير الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين والتضامن والتراحم واعتبار الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن ورعاية الطفولة والأمومة وحماية القصر وغيرهم من الأشخاص العاجزين عن رعاية أنفسهم وإلزامية التعليم في مرحلتيه الابتدائية ومجانيته في كل مراحله ، والرعاية الصحية ، وتوفير العمل للمواطنين وتأهيلهم له ، وصون الملكية الخاصة وحرمة الأموال العامة ، واعتبار الثروات والموارد الطبيعية في كل إمارة مملوكة ملكية عامة لتلك الإمارة وتشجيع التعاون والادخار" .
وجعل رحمه الله بناء الإنسان أولوية قصوى لعملية التنمية في مراحلها المبكرة ، فقال في حديث إلى وكالة الإمارات العربية المتحدة بتاريخ الحادي عشر من ديسمبر 1976م : "إن بناء الإنسان في المرحلة المقبلة ضرورة وطنية وقومية تسبق بناء المصانع والمنشآت لأنه بدون الإنسان الصالح لا يمكن تحقيق الازدهار والخير لهذا الشعب . ولأننا الآن نبني جيلاً صاعداً نفخر به ويكون قادراً على تحمل أعباء المسؤولية في المستقبل" .
وأكد على تضافر الجهود لمواصلة سياسة الإمارات في بناء الإنسان ، فقال رحمه الله في حديث أدلى به بتاريخ الثاني من يوليو 1977م : "في الحقيقة إننا منذ تأسيس الاتحاد ونحن نتبنى كل خطوة تعود بالخير والفائدة على أبناء هذا الوطن العزيز الذين لا بد من أن تكون لهم عيون ساهرة ترعى مصالحهم وتحافظ على ثرواتهم وتوفر لهم كل ما يحتاج له الإنسان في هذه الحياة . والمجلس الأعلى للاتحاد يسهر ليلاً ونهاراً ويعمل على توفير كل ما كان يفتقده أبناء هذا البلد وما حرموا منه في الماضي ، فنحن الآن نبني الإنسان الكفء ونعده ليكون عوناً ودعامة قوية للاتحاد لإخوانه وأشقائه وأصدقائه ، لا أن يكون عبئاً ثقيلاً على بلاده وعلى إخوانه وأصدقائه ، لهذا فمسيرة البناء ، بناء الإنسان والبناء الاقتصادي تسير بخطوات سريعة وشاملة هذا ما نعمل به في الحاضر ونخطط له في المستقبل لنعوض ما فاتنا في الماضي" .
كما شدد في مناسبة أخرى على أولوية بناء الإنسان كأساس قوي لنجاح الخطط والبرامج التنمويـة ، فقال رحمه الله في حديث لوكالة أنباء الإمارات بتاريخ الثاني من ديسمبر 1985م : "لقد كنت أردد دائماً عن قناعة قوية بأن أثمن ثروة لهذا البلد هي الإنسان الذي يلقى منا كل العناية والرعاية فلا فائدة للمال بدون الرجال كما أن الإنسان هو أساس الحضارة واهتمامنا به ضروري لأنه محور كل تقدم . فمهما أقمنا من منشآت ومدارس ومستشفيات وجسور وغير ذلك فإن كل هذا يبقى كياناً مادياً لا روح فيه لأن روح كل ذلك هو الإنسان القادر بفكره وجهده وإيمانه على تحقيق التقدم المنشود . إن الثروة ليست ثروة المال بل هي ثروة الرجال فهم القوة الحقيقية التي نعتز بها وهم الذراع الذي نستفيء بظلاله والقناعة الراسخة بهذه الحقيقة هي التي مكنتنا من توجيه كل الجهود لبناء الإنسان وتسخير الثروات التي مّن الله بها علينا لخدمة أبناء هذا الوطن حتى ينهضوا بالمسؤوليات الجسام التي تقع على عاتقهم ويكونوا عوناً لنا ولأشقائنا .
ومن هذا المنطلق أعطت الدولة أولوية لبناء المواطن لأنه أغلى إمكانات هذا البلد وبذلت كل طاقتها لتسليح الجيل الجديد بالعلم والمعرفة وحثه على التمسك بالقيم والأخلاق التي يحض عليها ديننا الإسلامي وتقاليدنا العربية العريقة ولهذا كانت عملية بناء الإنسان على أرض هذه الدولة سباقة لبناء المصانع والمنشآت فبدون الإنسان الصالح الواعي لا يمكن تحقيق الخير لهذا الشعب وبدون استمرار العطاء والسهر على راحة المواطنين لا يمكن بناء الجيل الذي نفتخر به ويكون قادراً على تحمّل أعباء المسؤولية في المستقبل" .
وفي مسيرته المباركة لبناء الإنسان أولى الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه العلم اهتماماً فائقاً انطلاقاً من قناعة بأن العلم والثقافة أساس تقدم الأمم وأساس الحضارة وأن رصيد أية أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون ؛ لهذا انتشرت المدارس والمعاهدة وكليات الدراسات العليا في سائر أنحاء الدولة ، وحرص رحمه الله على الالتقاء بأبنائه الطلبة في جميع المراحل الدراسية لتفقد أحوالهم وحثهم على مواصلة العلم والمعرفة ، ووضع الإمكانيات تحت تصرف القائمين على المؤسسات التربوية والتعليم في الدولة من أجل النهوض بالمستوى التعليمي لتخريج أجيال متعلمة قادرة على مسايرة التقدم والحضارة وخدمة الوطن بكفاءة واقتدار .
وتأكيداً لدور العلم في بناء الإنسان قال الشيخ زايد في زيارته للمعرض الثاني لمدارس أبوظبي بتاريخ الرابع والعشرين من إبريل 1973م : "إن العلم والثقافة أساس تقدم الأمة وأساس الحضارة وحجر الأساس في بناء الأمم ، إنه لولا التقدم العلمي لما كانت هناك حضارات ولا صناعة متقدمة أو زراعة تفي بحاجة المواطنين ، إنه بالتعليم الممتاز نستطيع أن نوفر جيلاً من المواطنين يشرف على بناء المصانع ويدر المشروعات التي بدأت تقام في مختلف أنحاء الدولة" .
وقال رحمه الله في افتتاح جامعة الإمارات في العاشر من نوفمبر 1977م : "ولقد آن لنا أن نستعيد عزتنا ومجدنا ، ولن يكون ذلك بالمال وحده ، وما لم يقترن المال بعلم يخطط له ، وعقول مستنيرة ترشده فإن مصير المال إلى الإقلال والضياع ، إن أكبر استثمار للمال هو استثماره في خلق الأجيال من المتعلمين والمثقفين ، ولقد من الله على هذا البلد بالخير وأتاه الفرص لبذل المال في خدمة العلم ، وليس لنا أن ندع هذه الفرص تفوتنا ، بل علينا أن نسابق الزمن وأن تكون خطواتنا نحو تحصيل العلم والتزود بالمعرفة أسرع من خطانا في أي مجال مهما عز شأنه" .
وفـي زيارتـه لمـدارس غياثي بالمنطقـة الغربيـة بتاريـخ الثامن عشر من أكتوبر 1979م ، قال رحمه الله : "إن الإنسان في الإمارات هو أغلى إمكانيات الدولة ، ومن هنا فـإن العلم هو الطريق لبناء المواطن وتنميته وتحرير إرادته ، لأن العلم نور والجهل ظلام" . وأكد حرصه على بناء الإنسان قبل بناء المصانع ، حتى يستطيع تحمل مسؤولية الانطـلاق بالدولة إلى الغد المشرق والمستقبل الأفضل وصولاً إلى التقدم والاستقرار والازدهار . وأضاف رحمه الله موجهاً حديثه إلى الطلاب : "إنه بالعلم يرفع الإنسان قيمته ، ويبني نفسه ، وأنه لا قيمة للمال بدون العلم والمعرفة ، لأن العلم هو أساس التقدم وأساس البناء" . وقال : "إن المتعلم هو الذي يبصر ويرى ، وإن الجاهل يعيش في ظلام دائم ، وأن العلم ليس له نهاية ، وعلى الجميع الجد والمثابرة في المزيد من التحصيل والدراسة ، حتى يتخرجوا ويساهموا في بناء الدولة وتنميتها" .
ودعا رحمه الله إلى التسلح بالعلم والإيمان باعتبارهما أقوى دعائم بناء الإنسان عقلياً وروحياً ، فقال خلال الزيارة التي قام بها في التاسع من يوليو 1980م لمركز تحفيظ القرآن الكريم في منطقة ليوا : "إن العلم والإيمان هما الطريق للوصول للتقدم والازدهار وإدراك مأربنا الأسمى وتحقيق نهضتنا الشاملة . وإن الدولة تعطي الأولوية في الاهتمام لبناء الإنسان باعتباره أغلى إمكانيات هذا البلد . ولن تكون هناك ثروة بشرية حقيقية ومؤهلة وقادرة على بناء الوطن ، إن لم نتمسك بمبادئ ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء لأن القرآن الكريم هو أساس الإيمان وجوهر الحياة والتقدم عبر الأجيال" . وأكد خلال لقائه رحمه الله مع أعضاء المجلس الأعلى لجامعة الإمارات في السابع والعشرين من فبراير 1982م على أهمية تنشئة الجيل الجديد متسلحاً بالإيمان ، ومتحلياً برجاحة العقل والفكر ، ومستزيداً من مناهل المعرفة ، ومتمسكاً بآداب السلوك ، وقال : "إن بناء الإنسان وصياغته وفقاً لهذه الاعتبارات من أصعب المهام وألزمها في وقت واحد" .
وحث رحمه الله المجتمع الدولي على الاقتداء بنهج دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء الإنسان ، فقال في حديثه لصحيفة الأهرام المصرية بتاريخ الخامس والعشرين من ديسمبر 1987م : "إن أهمية بناء الإنسان وتطويره وصيانته هي واجب ليس فقط في دولة الإمارات وإنما على كل من يحرص على وطنه وأبناء وطنه أن يضع هذا الشيء في المقدمة ويحسب له كل حساب" .
واعتبر رحمه الله أن أهم مكاسب دولة الإمارات العربية المتحدة في مسيرة تقدمها تتمثل في نجاحها في بناء الإنسان ، وتأكيداً لهذه الحقيقة قال في تصريح لوكالة أنباء الإمارات بتاريخ الخامس من يوليو 1989م : "لقد حصدنا الكثير وحصدنا ما لم يكن يتصوره المواطن أو الصديق أو الشقيق وإن خير ما حصدنا في هذا الوطن هو بناء الإنسان الذي نعطي له الأولوية في الاهتمام والرعاية وهذا كله تم بفضل الله وإرادة الخالق عز وجل وما على الإنسان إلاّ أن يجد وأن يكون مخلصاً في تحمل المسؤولية الموكولة إليه تجاه قومه لأن الوطن أمانة في أعناقنا فلنحافظ جميعاً على هذه الأمانة الغالية والمسؤولية بتحملها أولاً أمام الله العلي القدير ثم أمام عباده في أرضه ، وما التوفيق إلاّ من عند الله وإذا لم يحالف الإنسان التوفيق بعد الجلد والإخلاص والقدرة فذلك يعني عدم رضا الخالق عزّ وجل فأسأل الله أن يأخذ بأيدينا لما فيه خير وطننا وأمتنا" .
وقال رحمه الله في كلمة وجهها بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين لقيام الدولة في الثاني من ديسمبر 1994م : "إننا أيقنا منذ البداية أن الإنسان هو أساس كل عملية حضارية وهو محور كل تقدم حقيقي فعملنا على إتاحة الفرص أمامه لتنمو ملكاته الخلاقة لخير نفسه ومجتمعه وكللت والحمد لله مساعينا بالنجاح وأصبح ابن الإمارات يتحمل عبء المسؤولية في كل مواقع العمل على امتداد الوطن في إخلاص ونكران ذات".
وأكد رحمه الله على عظمة مكاسب الدولة في بناء الإنسان في أكثر من مناسبة أخرى ، فقال في كلمة بمناسبة العيد الوطني الخامس والعشرين للدولة في الثاني من ديسمبر 1996م : "والآن وبعد مضي خمس وعشرين سنة على قيام الاتحاد نقول بكل ثقة إن بناء المدن والمدارس والطرق والمستشفيات وتوفير الحياة الكريمة للمواطن هو جانب مهم من إنجازات الاتحاد إلاّ أن أهم إنجاز في نظرنا هو بناء الإنسان الواعي المدرك لحقوقه وواجباته كمواطن ، الإنسان الذي يحافظ على تراث الآباء والأجداد ويستفيد من تجارب الماضي ويواكب التطور العلمي ومتطلبات العمل من أجل بناء الحاضر والمستقبل" .
كما قال رحمه الله في حديث أدلى به لمجلة درع الوطـن بمناسبة العيد الوطني السادس والعشرين للدولة بتاريخ الأول من ديسمبر 1997م : "... بيد إن بناء الإنسان كان المهمة الجوهرية التي توخيناها من وراء الاتحاد ، لأن بناء المواطن الصالح يعني بناء الهوية والانتماء ويعني بث روح جديدة في كيان المواطن بحيث تدفعه هذه الروح نحو التفاني في العمل من أجل حياة حرة كريمة توفق بين ثوابت تراثنا العظيم ومتغيرات حضارة العصر الحديث" .
حقاً أدرك زايد الخير أن بناء الإنسان يجب أن يسبق بناء المصانع ، وأن الإنسان ، وليس المال ، هو أهم أدوات التنمية ولا فائدة في المال إذا لم يسخر في بناء الإنسان . ولذلك لم يكن غريباً أن يسخر ثروة البلاد ليحقق هذا الهدف القومي الذي تتفرع عنه كافة الأهداف القومية الأخرى ، فكان التوسع الهائل في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز الأبحاث وكان إيفاد البعثات العلمية للخارج واستضافة المؤتمرات والندوات ورعاية العلماء . وحتى كبار السن ممن فاتهم قطار التعليم لم يسقطهم زايد من حساباته بل وفر لهم كافة السبل لتعويض ما فاتهم واللحاق بركب التطور والحضارة .
ثانياً : الشيخ زايد .. تدين وورع :
جسّد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه قولاً وعملاً عظمة الدين الإسلامي الحنيف بمبادئه القويمة وتعاليمه السمحة ، فأعطى بإيمانه العميق بوحدانية الله سبحانه وتعالى ، وبمكارم الأخلاق التي اتصف بها صورة مشرقة للمسلم الحق الذي يراقب المولى عزّ وجل في كافة أفعاله وتصرفاته ، ويبتغي وجهه وحده تبارك شأنه في سائر أعماله ما أخفى منها وما أعلن .
فكل جملة ينطق بها يبدأها ويختمها بأحكام المولى عزّ وجل ، وكل عمل يقدم عليه يخضعه لمشيئة الله وقدرته ، وكل فضل ينسبه إلى رضى الخالق . هذا هو الشيخ زايد الذي ترعرع منذ أيامه الأولى على أصول الدين وحفظ محكم التنزيل وجعل من القرآن الكريم سياجاً لحياته ونبعاً لفكره . التدين هو التربة التي نبتت فيها شخصية الشيخ زايد ومنها تفرعت كل صفاته الإنسانية النبيلة من صدق وتسامح وأمانة ورحمة . الإسلام عنده تسامح ورحمة وعطاء ومودة ودعوة للموعظة الحسنة ورفض للعنف وبعد عن التطرف والمغالاة . الحكم عنده تكليف من المولى يحاسب عليه أولاً أمام الخالق قبل أن يحاسب أمام المخلوق . وما أسمى تواضعه وقوة إيمانه حينما ينسب الفضل في كل الإنجازات العظيمة التي تحققت على أرض الإمارات المباركة إلى الله سبحانه وتعالى .
نعم لم يعرف العالم الإسلامي زعيماً كرس حياته لخدمة قضايا المسلمين والدفاع عنها مثلما فعل الشيخ زايد الذي بنى على نفقته الخاصة مئات المساجد والمراكز الإسلامية والمعاهد الدينية والمكتبات والكليات والجامعات في مختلف عواصم العالم لخدمة الجاليات الإسلامية وخوفاً عليها من السير وراء الإغراء والغواية أو الانزلاق خلف التعصب والطائفية.
إن فلسفة الشيخ زايد في حياته قد تجلت في تدينه العميق ، وورعه التقي ، وزهده الصادق ، وهي المكارم التي خاض بها معركة التنمية والنماء في وطنه ، وهي الشيم التي وقفت وراء كافة أعماله ومساعيه الإنمائية والخيرية أيضاً على الصعيد الخارجي . وعن هذه النزعة الروحانية الشفيفة ، قال رحمة الله في حديثه لمجلة "المجالس" الكويتية بتاريخ الثاني والعشرين من إبريل 1977 : " فلسفتي في الحياة هي أني مؤمن بأن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى ، وأن على الإنسان أن يعمل من وحي إيمانه بالله في جد واجتهاد ، فإذا وفقت في السعي حمدت الله على توفيقه وإذا أخطأت في الاجتهاد عدت عن الخطأ إلى الصواب . إن كل شيء في هذه الحياة هو بإرادة الله سبحانه وتعالى ، يسيرها ويدبرها وعلى العبد أن يسعى في مرضاة ربه وأن يفعل ويتوكل وعلى الله التوفيق ، ومتى كان إيمان الإنسان بربه قوياً فإن الله يهبه راحة الضمير وتلك هي السعادة القصوى" .
كما يظهر زهده الصادق رحمة الله وطيب ثراه في حديثه لصحيفة السياسة الكويتية بتاريخ الرابع عشر من أكتوبر 1977 حين قال : "الملابس والمظاهر لا تغير الإنسان ، الإنسان إنسان مهما كان ، وهو جوهر وليس مظهراً ، الملابس يجري تغييرها بين وقت وآخر والإنسان يبقى ، لذا لا أهتم بذلك" .
ويحث على إرضاء الخالق بالإخلاص في العمل والمثابرة عليه بقوله رحمه الله في حديث لمجلة المصور المصرية بتاريخ التاسع من مارس 1988 : "إن إرادة الله هي التي تفوق العلم وتفوق الخبرات وتعلو فوق الهندسة وكل ما لدى الإنسان لأن كل شيء من إرادة الله سبحانه وتعالى وما علينا إلاّ أن نكون جادين ومخلصين وكل قائد يقود أمة كثيرة كانت أم قليلة ويكون مخلصاً وباراً فسوف يسعد ويسلك ما يجب أن يسلكه حتى دون أن يعرف ذلك لأن الخالق سبحانه وتعالى هو المسير وهو العاطي وهو الرازق ، والإنسان الذي يؤمن بأنه مخلوق وأنه مسير غير مخير إنسان يختلف عن الإنسان الذي يؤمن بخبرته وقدرته وبما كسبه من علم وخبرات ، هذا نوع وهذا نوع ، فالأول هو الذي يؤمن بأن الله هو الخالق والرازق وأن كل ما أعطى هو أمانة لديه يسيرها بالطريق الصحيح بما يرضي الله في أرضه وبين عباده ، أما الثاني فهو الذي يتصور بكبريائه أن ما أوتي إنما نتيجة كسبه وعلمه وخبراته والفرق بينهما كبير" .
ويشدد على التزام دولة الإمارات العربية المتحدة في مسيرتها بكتاب الله وسنة رسوله بقوله رحمه الله خلال لقاء بوفد إعلامي صيني بتاريخ الثاني عشر من مايو 1990 : "إن كل دولة تختار الطريقة التي تناسبها أو التي تفيد شعبها ، الأنظمة في العالم مختلفة ولا تقوم كلها على نفس النظام ونفس الطريقة ، بل إن كل دولة تختار النظام الذي يناسبها ويحقق رغبات شعبها ، والأنظمة من صنع البشر ، والبشر يصيبون ويخطئون وإذا قصر الإنسان في شيء لابد أن يعدل ويتجه لما فيه خير وخدمة شعبه ، ونحن في دولة الإمارات لدينا منهج نسير عليه ونتمسك به وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو مصدر كل القوانين ولدينا حرية الرأي والتعبير مكفولة لكل من هو راشد في سلوكه وبين أهله وفي عمله ولدينا حكم ديمقراطي ومجلس وطني يمثل الشعب ومصالحه والأمور لدينا مستقرة والحمد لله والجميع يلمس هذه الحقيقة" .
كما أكد الشيخ زايد رحمه الله على أن القرآن الكريم هو أداة الوحدة الرئيسة بين المسلمين وحول هذا المعنى قال خلال اجتماعه مع السفراء العرب في بكين على هامش جولته الكبرى التي شملت كلا من الصين واليابان وإندونيسيا في مايو 1990 "يجمعنا القرآن الكريم ويلزم كافة المسلمين الوقوف وقفة رجل واحد .. وما حدث في أوروبا الشرقية إنذار لنا كي نطبق منهج الإسلام فيما بيننا" .
ونبه رحمه الله إلى ضرورة انتهاج المبادئ القويمة المستفادة من الإسلام الحق ، فقال في حوار مع وفد الصحافة الإندونيسية خلال زيارته لإندونيسيا : "ليس أمام الإسلام حواجز الآن .. الإسلام لا يرغم الآخرين ولا الأديان على أن يغيروا من عقيدتهم هذا أمر معلوم فالدين الإسلامي دين سماحة بدون عقد ولكن ليس كل من تبنى مبدأ يستطيع أن يحقق الشيء الواجب حسب إرادته لأن نظريات البشر تختلف والإسلام الحقيقي هو السماحة ولا يحمل حقداً ولا بغضاً للبشر .. والإسلام مثل ما هو سمح في ذاته سمح للبشرية كلها بقناعة وهذا هو الإسلام الصحيح .. ولكن هناك بعض الاجتهادات للبشر يتبناها البعض ويعتبرها أما حقيقية في الإسلام أو لأجل أطماع البشرية أو أهداف أو أغراض فهذا ليس من الإسلام في شيء .. ولا يمكن أن يواجه الإسلام البشرية في عنف لأن ذلك غير موجود في كتاب الله وتفسيره واضح هناك الكثيرون في الإسلام بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم قالوا نحن أنبياء هذا غير صحيح وكذب وادعاء وسقطت دعواهم" .
إن صورة الشيخ زايد الساطعة ببهاء التدين وبنور الورع ظلت وما تزال موطن اهتمام وتقدير لوسائل الإعلام العربية والأجنبية وقبلها للمجتمع الدولي بأسره ، ففي سياقه قالت مجلة الصياد اللبنانية بتاريخ العاشر من أغسطس 1990 "اطلع الشيخ زايد منذ حداثته على أصول الدين وحفظ الآيات القرآنية الكريمة ونسج من معاني القرآن وتوجيه نمط حياته وبدأ يعي أن القرآن ليس فقط كتاب دين وإنما هو السجل المنظم الشامل لجميع جوانب حياته" . وقالت صحيفة الجمهورية المصرية في الخامس والعشرين من أكتوبر 1976 : "إن الشيخ زايد كان دائماً حريصاً على التوسع في إنشاء مدارس تحفيظ القرآن وشجع على حفظه .. واستطاع أن يربط الإنسان العربي المسلم في بلده بأنبل تراث الإسلام والعروبة" . وقالت صحيفة جاكرتا بوست "الشيخ زايد رجل عميق التدين تتكرر على لسانه عدة مرات عبارات الحمد لله والشكر لله على الإنجازات التي حققتها بلاده" . وقالت صحيفة لوفيجارو الفرنسية في العاشر من سبتمبر 1991 : "نشأ الشيخ زايد على تربية تستند إلى تعاليم الإسلام كان يوفرها رجال الدين إلا أن حبه للمعرفة دفع الشاب اليافع إلى الذهاب إلى أقصى البادية حيث تلقى من قبائل البدو طريقة حياتهم ومهارتهم التقليدية" . وقالت مجلة المال والأعمال اليونانية في شهر سبتمبر عام 1990 "عرف المسلمون زايد زعيماً حريصاً على مصالح المسلمين أينما كانوا وتجلى ذلك في المساعدات التي قدتها دولة الإمارات للدول الإسلامية وفي دورها في الدعوة لوقف الحرب العراقية الإيرانية" .
وإذا كان في الكلمات والشهادات سالفة الذكر والتي أوردتها وسائل إعلام عربية وعالمية فإن فيها وفي غيرها الكثير من أوجه الإشادة والتقدير الدوليين مما يصف منهج التدين لدى المغفور له الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه ، بل ويحمل دعوة لقادة الدول والحكومات في كافة أنحاء العالم إلى الاقتداء بهذا المنهج القويم الذي يقود إلى صفاء الروح ونقاء السريرة وإشاعة الحب والوئام بين بني البشر .
ثالثاً : الشيخ زايد .. عطاء إنساني متدفق :
نبع فهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه للعمل الإنساني والخيري من ثقافته الإسلامية الأصيلة ومن قيم عروبته ووعيه بأن المحبة والسلام لا يمكن أن تنتشر في هذا العالم إلاّ بتكافؤ الفرص وبالعدالة الاجتماعية التي تتيح للناس كافة الحياة الكريمة ومن أساسها الحق في الحياة وفي السكن وفي الصحة والتعليم . وهي المبادئ التي نص عليها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي استوعب زايد مضامينه قبل صدوره لأنه كامن في تعاليم الدين الإسلامي التي تربى عليها ونشأ وفي القرآن الكريم الذي سار زايد وفق منهجه بقوله تعالى (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
ومن هنا كان زايد الخير رحمه الله الملاذ والملجأ لكل محتاج وتجاوز كرمه حدود وطنه إلى إخوانه في مشارق الأرض ومغاربها يلامس في زياراته واقع الناس ، يستشعر معاناتهم وحاجاتهم ، ويقدم لهم بأياديه الخيرة الكريمة ما يحتاجونه ، فجاءت مشاريع الخير في كل مكان من هذا العالم لتنير المناطق المعتمة ، وتكفكف دموع المحتاجيـن والمحرومين ، حتى عمّ خير زايد كل بقعة في زوايا العالم الأربع من غير من ولا أذى حباً في الناس ، من منطلق قناعة راسخة بالهدي النبوي الشريف أن (خير الناس أنفعهم للناس) . وارتفعت صروح الخير من مساجد يذكر فيها اسم الله ، إلى مستشفيات ومراكز صحية تخفف آلام وجراح المرضى ، إلى معاهد وجامعات ومؤسسات تعليمية تصنع مستقبل الشعوب .
وكان العمل الخيري والإنساني في فكر الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه ذي نمط جديد يقوم على فلسفة متكاملة ، فانطلاقاً من قناعته بالإنسان وقدراته بوصفه رأس المال الأساسي للتنمية والتطوير ثم باعتباره محور الحياة في هذا العالم ، فقد عمد إلى التركيز على تطوير الإنسان في وطنه وفي العالم لدفعه إلى الأمام في الاتجاه الصحيح وذلك بالتشجيع على مواجهة الواقع وتحفيزه للتطوير والاعتماد على الذات ، ومن ثم جاءت لمساته الإنسانية منذ بداية السبعينات ، حيث لم يتأخر عن مساعدة الأشقاء والأصدقاء في المجالات التي توثق الصلة بينهم وتدعم الاستقرار والتفاهم والسلم الاجتماعي .
وكان زايد دائم الهم بقضايا الأمة ومشاغل أبنائها ، فانطلق كرمه متسعاً بلا حدود لينصب على توفير التربية الروحية وذلك بإنشاء المئات من المساجد داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها ، إيماناً بوظيفة المسجد كمؤسسة تربوية تهدف إلى إشاعة روح التسامح والاعتدال والقيم النبيلة . كما كانت للشيخ زايد رحمه الله نظرة أخرى تجاه مسألة تكوين الفرد تعليمياً وثقافياً حيث رأى أن الشعوب لا يمكن أن تغير من واقعها ولا يمكنها التقدم والتطور إلاّ بسلاح العلم الذي يعدّ الحصن المنيع من كل الأمراض والآفات الاجتماعية والسبيل الأمثل لتنمية حقيقية تؤهل الفرد والجماعة لتحمل المسؤولية بما تفرضه من شروط ، لذلك توجه الشيخ زايد إلى إنشاء المدارس والمعاهد وبناء دور الأيتام والجامعات التي تخرج منها الآلاف في أماكن متفرقة من العالم . وانطلاقاً من تلازم عملية بناء الإنسان بالمجهود التنموي للشعوب أقبل رحمه الله على إنشاء مشروعات تنموية مختلفة توفر مصدر الرزق لآلاف العائلات التي باتت تعول على جهدها في تحصيل معاشها بعد أن كانـت تعيـش على الكفاف .
إن فلسفة الشيخ زايد رحمه الله تلك في عطائه الإنساني والخيري ، يشهد الواقع الآن بنجاحها منقطع النظير ، حيث تحولت المشروعات الأولى التي أقامها ورعاها في عدد من المناطق حول العالم إلى بنية أساسية للنمو والنماء بكافة محاوره الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وليس من قبيل المبالغة القول بأنه لم يرتبط اسم شخص على مدار التاريخ بالخير مثلما ارتبط اسم القائد المؤسس الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه حتى لقبه العالم بأجمعه بزايد الخير ، كما لم يعرف العالم وجهاً إنسانياً لدولة مثلما عرف الوجه الإنساني للإمارات في ظل قيادتها المباركة سلفاً وخلفاً . فقد كانت متعة الشيخ زايد أن يجول ليصنع خيراً .. يقدم الطعام لطفل جائع ، والدواء لشيخ مريض ، والرعاية لثكلى بائسة أو أرملة يائسة . وحيثما ذهب المرء سيجد مسجداً أو مدينة أو مدرسة أو مستشفى أو مركزاً ثقافياً يحمل اسم الشيخ زايد الذي لم يقتصر عطاؤه على البشر بل فاضت مكارمه بالخير لتشمل الحيوان والزرع والبيئة .
إن العطاءات الإنسانية للقائد المؤسس الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه ، لم تقتصر كما سلف الذكر على أبناء الإمارات وحدهم ، وإنما شملت معهم أخوة الإنسانية في سائر الأصقاع والبقاع ، تضميداً لجراح دامية أو إطعاماً لبطون خاوية ، أو تخفيفاً لمعاناة مزمنة ، أو توفيراً لمسكن لمن شردتهم الحروب والكوارث ، أو تأسيساً لدور علم أو عبادة أو علاج وغير ذلك من أشكال الدعم والمساعدة التي تدفقت من نبع خيره لترسم البسمة على شفاه المحتاجين والمعوزين أينما كانوا وأينما حلوا وبلا قيد أو شرط سوى الالتزام بأداء واجب الأخوة للإنسان مهما كان دينه أو جنسه أو عرقه . وهو الواجب الديني والأخلاقي الذي جعله الشيخ زايد رحمه الله دستوراً سامياً للعمل الإنساني والإنمائي به التزم وعليه سارت الدولة في تعاطيها مع العالم الخارجي بدوله الشقيقة والصديقة .
ففي حديث أدلى به الشيخ زايد لمجلة فويس اللندنية بتاريخ الرابع والعشرين من يوليو 1974م ، قال رحمه الله : "إن واجبنا أن نساعد الأشقاء والأصدقاء فإن الثروة لا قيمة لها إذا لم تقدم مساعدات للدول الشقيقة ، في الحياة هناك من ينشد مصلحته فقط وهناك من ينشد مصلحته ويعززها بالشهامة . وأنا أفضل الفريق الثاني" .
وفي خطابه لافتتاح الفصل التشريعي الثاني بتاريخ العشرين من نوفمبر 1974م ، أكد أن برامج دولة الإمارات العربية المتحدة لمنح المساعدات الإنمائية والاجتماعية للدول والشعوب هي جزء لا يتجـزأ مـن السياسـة الخارجيـة الإماراتية فقال رحمه الله : "وقد أعلنت الإمارات العربية المتحدة أن سياستها الخارجية ترتكز على مناصرة حق الشعوب في استرداد حريتها وتقرير مصيرها والمحافظة على سلامة ووحدة أراضيها ، والقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري . وتنفيذاً لهذه السياسة قامت الدولة بتقديم المساعدات لدعم الشعوب الإفريقية لتحقيق المصالح المشتركة للشعوب العربية والإفريقية . وعنيت الحكومة بالمساهمة في بناء مستقبل أفضل للشعوب النامية ، فزادت رأسمال صندوق أبوظبي للإنماء الاقتصادي إلى 2000 مليون درهم ، وبلغت المعونات والقروض التي قدمتها الدولة لمساعدة البلدان النامية ما يساوي 15% من مجموع إيرادات الإمارات العربية المتحدة وذلك إيماناً منا بأهمية دعـم التنميـة الاقتصادية في تلك الدول ومساعدتها في الحصول على وسائل التمويل اللازمة .." .
وقال رحمه الله في حديث إلى إذاعة مونت كارلو بتاريخ السادس من يناير 1975م : "هذه الثروات تنفق في شكل خدمات ومدارس ومستشفيات وطرق وزراعة . ثم بعد ذلك علينا التزامات تجاه إخواننا وأشقائنا العرب الذين تجمعنا وإياهم وحدة الهدف والمصير ، ثم علينا التزامات تجاه إخواننا من أبناء الدول الإسلامية والصديقة الذين يساندون قضايانا ، إذن نحن نسير في عدة مسالك ولا يتعارض أحدها مع الآخر .. فمشاريع التنمية الداخلية مستمرة وخدماتنا لإخواننا العرب والمسلمين مستمرة" .
وأكد رحمه الله في الرابع عشر من أغسطس 1977م أن المساعدات التي تقدمها دولة الإمارات لكل الدول والشعوب العربية الشقيقة واجب قومي وتنبع من الحب والوفاء اللذين تكنهما دولة الإمارات رئيساً وحكومة وشعباً لكل الأخوة والأشقاء في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه . وتأكيداً أيضاً على رؤيته رحمه الله وطيب ثراه لواجب تقديم المساعدات كواجب قومي ، قال في حديث لمجلة الصياد اللبنانية في الثالث من مايو 1978م : "إن مهماتنا كبيرة ومتشعبة ، وكلها مهمات وطنية قومية ، فعلى الصعيد الداخلي يطلب منا أن نستمر في تطوير أجهزة الدولة ومؤسساتها الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ، وعلينا أن نحرك النشاطات والفعاليات في القطاع الخاص ليتم التنسيق المنتج والمثمر مع القطاع العام ، وعلى الصعيد العربي تترتب علينا واجبات تجاه أشقائنا ونحن لم نقصر ولن نقصر بإذن الله في هذه الواجبات ، سواء كان على صعيد المساعدة في المجالات الإنمائية والاجتماعية أم على صعيد الدعم في المجالات القومية" .
ونبه رحمه الله إلى غايات الإمارات النبيلة من مدّ يد العون والمساعدة للأشقاء والأصدقاء ، موضحاً دور الدعم الإنمائي والاجتماعي في تحقيق العدالة الاجتماعية وإرساء الاستقرار والأمن والطمأنينة في المجتمعات الإنسانية ، فقال في حديث أدلى به إلى صحيفة شيكاغو تريبيون في العشرين من مايو 1978م تعليقاً على المساعدات الخارجية التي تقدمها الدولة : "نعم ، أولاً .. لأننا نؤمن بوحدة الأمة العربية ثم إننا نعتقد كذلك بأن الدعم والمساعدة برهان الأخوة والإيمان بواقع هذه الوحدة التي تستند إلى وحدة التراث والمصير وحتى مع الدول الشقيقة غير العربية ، فإننا نؤمن بواجب دعمها ومساعدتها كدليل على وعينا بضرورة التضامن معها . وبالنسبة للعالم العربي فإننا نؤمن بالأخوة العربية ، وبضرورة استقراره ورفاهيته . فالعالم العربي لا يمكن أن يكون مجزأ كما أن الاستقرار والأمن والرفاهية الاقتصادية فيه لا يمكن أن تكون مجزأة بحيث تقتصر على رقعة من دون غيرها وإلاّ افتقد العالم العربي كل الاستقرار والطمأنينة وأصبح مزعزعاً مهدداً .. وكذلك الأمر مع الدول الصديقة والشقيقة وإننا نؤمن أن وحدة واستقرار العالم العربي ينعكسان بشكل مباشر على استقرار ورفاهية العالم الغربي ، وأن استقرار العالم الغربي ينعكس أيضاً على العالم العربي . فالصديق إذا توفرت لديه الراحة والرخاء فإن ذلك سينعكس على صديقه وهذه هي سنة الحياة" .
كما قال رحمه الله في خطاب ألقاه بقمة دول مجموعة عدم الانحياز في الهند عام 1983م : "ومثالاً لما التزمنا به من تطبيق فعلي في مجال التعاون الاقتصادي فيما بين دولنا النامية فقد استمرت دولة الإمارات العربية المتحدة في تقديم مساعداتها المالية والفنية عن طريق صندوق أبوظبي للإنماء الاقتصادي العربي ، والذي منذ إنشائه في عام 1971م وحتى تاريخه نفذ ما يقرب من 76 مشروعاً في أكثر من 40 دولة نامية ، ذلك عدا المساعدات الأخرى عن طريق الصناديق والمنظمات الدولية والإقليمية المخصصة لمساعدة البلدان النامية . إن مساهمات بلادي لا تقف عند هذا الحد من دخلها القومي ولا تكتفي بمجال المساعدات المالية والفنية بل تتعدى ذلك إلى مجالات أخرى ، حيث إنها تستعين ما أمكنها بالخبرات الفنية والعلمية المتوفرة في دول مجموعتنا ، وكذلك الأيدي العاملة ، كما تفتح أبوابها للسلع والخدمات المنتجة والمصدرة إليها من دول مجموعتنا ، وتقدم لدول المجموعة كافة التسهيلات لإقامة مشروعات مشتركة .." .
وتذكيراً بالعطاء الإنساني المتدفق لزايد الخير ولدولة الإمارات العربية المتحدة ، وبالأثر الإيجابي والبناء للمساعدات والمنح المقدمة لمختلف الشعوب ، فقد حفلت وما تزال وسائل الإعلام العربية والأجنبية بشهادات تنظر بعين الإكبار إلى شخصية القائد المؤسس الفذة ، مؤكدة أن عطاءه انطلق دائماً من التزام ديني ووازع أخلاقي لا يرتبط بأية مصالح دنيوية مهما علت قيمتها . ففي هذا المقام وعلى سبيل الأمثلة أبرزت صحيفة لوفيجارو الفرنسية بتاريخ العاشر من سبتمبر 1991م العطاء الإنساني لزايد الخير بقولها "انطلاقاً من إيمانه الإسلامي سعى الشيخ زايد جاهداً لتبني سياسة عون ومساعدة البلدان المقهورة" . وأضافت "قدم الشيخ زايد دعمه الثابت للمسلمين وكافة شعوب العالم في جهودها للتنمية وقد تم توزيع أكثر من 5 مليارات دولار كهبات أو قروض بشروط ميسرة بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع في أكثر من 40 بلداً في ثلاثة قارات" . واستطردت "يدرك الشيخ زايد تماماً معنى الفقر والمجاعة وإذ انتفت هذه الكوارث الآن بالنسبة لشعبه فإنه لا يزال يمنح إعانات إلى شعوب متعددة في كافة أنحاء العالم" .
وتبـرز مجلة الصياد اللبنانية عطـاء الشيخ زايد وكرمه بتاريخ الثاني عشر من فبراير 1999م قائلة : "إن الشيخ زايد أمر بإرسال 800 طن من المساعدات العاجلة إلى الشعب الفلسطيني الشقيق وبدأ أسطول شاحنات الإعانة مسيرة الخير من أبوظبي يرفرف فوقه علم الإمارات الذي يتوسطه شعار الهلال الأحمر" . وتضيف المجلة "أن الحرب لم تجعل الشيخ زايد ينسى الشعب الفلسطيني فتبرع بنصف مليون دولار لمستشفى القدس العربية" . مؤكدة "أن تبـرع زايد يعتبر انتصاراً للشعب الفلسطيني وقضيته وتأكيداً لأن قضية فلسطين لا تزال في البال والفكر والضمير العربي" .
واستذكاراً لذات المعاني النبيلة تلك تقول صحيفة الرأي العام الكويتية بتاريخ الرابع والعشرين من أغسطس 1976م "الشيخ زايد يؤمن أن الإنسان لا يستطيع أن يكون سعيداً إذا كان جاره محروماً وأن تكافـل البشـر هو أن يعطي الغني ما عنده لمن ليس عنده ولأن دولة الإمارات العربية المتحدة قد حباها الله بالخيرات فإنها تعطي نصيباً معلوماً لدول عدم الانحياز" . وتقول صحيفة الأهـرام المصريـة بتاريخ الخامس عشر من مارس 1988م "الشيخ زايد يؤمن بأن بترول بلاده هو بترول الأمة العربية ولذلك فقد أقام دائرة رسمية أطلق عليها اسم صندوق أبوظبي للإنماء الاقتصادي العربي للإسهام في برامج التنمية في الدول العربية ومن آخر مساهماته إنقاذ ضحايا المجاعة في السودان وإعادة بناء سد مأرب التاريخي في اليمن" .
كما تقول صحيفة سوار مباروان الإندونيسية بتاريخ التاسع عشر من مايو 1990م "إن الشيخ زايد ساهم في بناء العالم الثالث وتعتبر دولة الإمارات الممولة النشطة للمساعدة في النهوض بالعالم الثالث عن طريق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى" . وتضيف ذات الصحيفة قائلة "ليس غريباً أن يُعرف الشيخ زايد بين أبناء الإمارات وفي جميع الدول العربية ودول العالم الثالث بلقب زايد الخير . ففي عام 1972م كان حجم المساعدات التي قدمتها الإمارات 7 ملايين درهم وقفزت مع مرور السنين لتصل إلى أكثر من 500 مليون درهم عام 1988م أي خلال 26 عاماً فقط" . وتبرز صحيفة الراية القطرية في الثاني من ديسمبر 1987م تنوع عطاء الشيخ زايد قائلة "عطاء الشيخ زايد يأخذ كل الصور والأشكال وفي كثير من الأحيان كان عطاؤه يتمثل في أن يتحمل على نفقته الشخصية تكاليف دراسة الطـلاب فـي الجامعـات الأجنبيـة ليس فقط من أبناء الإمارات وإنما من أبناء الدول العربية والإسلامية" .
إن التاريخ الإنساني سيقف طويلاً وبإجلال أمام سيرة وشخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه فقد عرفته الإنسانية في حقبة مزدحمة الأحداث قائداً وإنساناً بمواقفه الخالدة حيث كان متابعاً مثابراً لأحوال العالم ، ويستشعر هول ما تعانيه بعض شعوبه من كوارث ونكبات ، لتجد مبادراته العاجلة والكريمة طريقها إلى هؤلاء دون تأخير أو تردد ، وكم من ملايين المحرومين الذين وجدوا في إنسانيته ما أعانهم على تخطي محنهم وتجاوز أحزانهم ، فمن لبنان أثناء محنة الحرب الأهلية إلى الشعب الصومالي إلى شعب البوسنة والهرسك والشعب العراقي وشعب كوسوفو وشعب باكستان وشعب أفغانستان وغيرهم الكثيرين ممن أسعفتهم الجسور الطبية بآلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والمعونات العاجلة .
وكما تقدم البيان فإن المساعدات التي قُدمت لهذه الدول والشعوب لم تكن قاصرة على أوقات الشدة أو على مجرد شحنات من الكساء والغذاء والدواء ، وإنما توجه الشيخ زايد رحمه الله إلى إنشاء المدارس والمعاهد وبناء دور الأيتام والجامعات التي تخرج منها عشرات الآلاف في أماكن متفرقة من العالم . وإيماناً منه رحمه الله وطيب ثراه بضرورة ارتباط عملية بناء الإنسان بالبعد التنموي الذي يعين البلدان الفقيرة على تدبير مصادر دخل دائمة لفقرائها أو منكوبيها أقبل الشيخ زايد على إنشاء مشروعات تنموية متعددة بتمويل ضخم وفرت الوظائف والمهن لآلاف العائلات التي أضحت تعتمد على نفسها في تحصيل الأرزاق وتدبير الحاجات بعد طول معاناة من القعود والبطالة والحرمان . فكانت المدن المتكاملة التي شيدت بتمويل كامل من الإمارات الأساس القوي الذي قامت عليه المشروعات التنموية سواء الصغيرة أو المتوسطة أو الكبرى في بلدان كثيرة من القارتين الآسيوية والأفريقية ، ولم تلبث طويلاً حتى تحولت إلى مراكز جذب واستقطاب للسكان ودارت فيها عجلات المصانع التي نهضت عليها عمليات تنموية وحضارية متوالية.
رابعاً : الشيخ زايد .. مواقف تاريخية :
مـا أكثـر المواقـف البطولية التاريخية لصاحب السيرة العطرة القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، رحمه الله وطيب ثراه والتي يسطرها التاريخ بأحرف من نور وأسطر من ضياء ، ليجد فيها كل متأمل القدوة والعظة وليتمثل القيم الإنسانية النبيلة والصفات القيادية النادرة لهذه الشخصية ذات الصفات الاستثنائية والتي ستظل ملامحها ساطعة بالعظمة والبهاء كجزء مجيد من تاريخ الأمتين العربية والإسلامية . ولعل في إيراد موقفه أثناء حرب أكتوبر عام 1973م على الجبهتين المصرية والسورية (وهو أحد مواقفه البطولية التاريخية الكثيرة) ما يؤكد وضوح رؤيته رحمه الله وثباته على نهجه العربي والإنساني الأصيل في أحلك الفترات التاريخية التي مرت بها الأمة العربية ، والمثال من حديث أورده الكاتب وجيه أبو ذكري ، في كتابه "زايد عن قرب" وفيه يقول الشيخ زايد رحمه الله متحدثاً عن قراره التاريخي بقطع البترول على الدول المساندة لإسرائيل في الحرب : "عندما بدأت الحرب كنت في لندن ، وفي هذا الوقت لم تكن هناك في إمارة أبوظبي أو الإمارات ككل أية مدخرات مالية سائلة في خزائنها على الإطلاق .. فكل الدخل مستثمر في تنفيذ مشروعات التنمية في الدولة ، ووجدت أنه من الواجب علينا أن نساعد مصر وسوريا في هذه الحرب بقدر ما نستطيع ، وتشاورت مع من كان معي في ذلك الوقت حول ضرورة أن نساعد مصر وسوريا ، فقالوا : هل طلبت مصر وسوريا منك المساعدة ؟ فقلت : لا .. ولكن من واجبنا أن نبادر بالقيام بدورنا ولدعم موقفهم في هذه المعركة التي هي معركتنا جميعاً .. ولا يجب أن ننتظر حتى يطلبوا ، فردوا قائلين : إننا لا نملك شيئاً يذكر نستطيع تقديمه ، فكل الأموال مستخدمة في تنفيذ المشروعات . وكان علينا أن نقترض من البنوك وأرسلنا إلى مصر وسوريا ، وبرغم ذلك شعرت أننا مقصرون تجاه إخواننا في مصر وسوريا وإننا لم نقم بكل الواجب تجاههم . وعندما دمرت محطات توليد الكهرباء في سوريا خلال الحرب وأصبحت هناك حاجة ماسة للكهرباء أرسلنا لهم محطات الكهرباء وعندما كانت هناك حاجة للملابس والأدوية ومستشفيات متنقلة في مصر وسوريا اشترينا هذه الأشياء وأرسلناها لهم .. وقدمنا ذلك بعـد أن لجأنا إلى الاقتراض مـن البنوك لأننا لم نكن نملك في ذلك الوقت أية سيولة مالية .. والحقيقة أن الإنسان حتى وإن اقترض في مثل هذه الأمور فهذا أمر ضروري واجب عليه أن يقوم به من أجل أشقائه" .
وتكشـف صحيفـة الجمهوريـة المصرية بتاريـخ الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1976م مزيداً من تفاصيل هذا الموقف البطولي للشيخ زايد رحمه الله قائلـة : "اتصـل الشيخ زايد ومـع أول طلقـة فـي حـرب أكتوبر بكل من الرئيس السادات والرئيس السوري حافظ الأسد وأبلغهما أنه يضع كل إمكانيات دولته مالاً ورجالاً في معركة المصير العربي ، ثم أضاف إنني لا أعرض دعماً مالياً ، بل أعرض روحي ، إنها ملك لكم" . وتضيف الصحيفة "لم يكن زايد يملك المال في هذا الوقت فجمع رجال البنوك في إنجلترا وطلب منهم إقراضه المبلغ بضمان البترول . ولكن البعض تدخل لمنع هذا القرض ، فلما علم الشيخ زايد بالأمر جمع رجال البنوك وأنذرهم بوقف التعاون معهم إذا لم يتم المطلوب على الفور . وكان له ما أراد" . وتستطرد "لم يكتف الشيخ زايد بذلك بل اجتمع مع رئيس وزراء بريطانيا وطلب منه تحديد موقف بلاده من المعركة وأوضح له خطورة ما تتعرض له المصالح البريطانية إذا انحاز البريطانيون إلى إسرائيل ، وأهم هذه المصالح تزويد بريطانيا بالبترول . وبالفعل أعلن رئيس وزراء بريطانيا وقوف بلاده على الحياد" .
وتضيف صحيفة الجمهورية المصرية قائلة "عندما لاحظ الشيخ زايد أن الصحف البريطانية الكبرى منحازة لإسرائيل اتخذ الشيخ خطوة جريئة أحرجت الصحف أمام الجماهير البريطانية وجعلتها تلتزم الصدق فيما تنشر عن سير المعارك عندما جمع أربعين صحفياً بريطانياً من الصحف البريطانية المحلية وأرسلهم على نفقته إلى جبهة القتال وقرأ المواطنون البريطانيون في هذه الصحف أخبار المعركة على حقيقتها بلا تحيز مما اضطر الصحف الكبرى إلى التخلي عن تحيزها" . وتعلق الصحبفة "دفعت هذه المواقف البطولية الصحف البريطانية إلى القول بأن الإمارات ليست من دول الدعم إنها من دول المواجهة" .
جاء هذا الموقف التاريخي المبكر للشيخ زايد رحمه الله في وقت كانت تخوض فيه دولة الإمارات العربية المتحدة معركة التنمية الحقيقية على جميع المستويات ، وهي المعركة التي وجهت لها جميع القدرات والإمكانات ، ومع ذلك هب الشيخ زايد ملبياً لنداء الواجب دون أن يطلب منه أحد ذلك . بل إن الجميع كان بإمكانهم إيجاد عذر مشرف لدولة الإمارات في صورة عدم مساعدتها ولكن الشيخ زايد قلب كل المعطيات والمفردات التقليدية في التعاطي مع القضايا الكبرى من منطلق جود الكريم بما عنده ، ولأن جميع أموال الكريم قد أنفقت في مشروعات بناء بلده فإن حب زايد للشقيق وتأصل العطاء في شخصيته دفعه إلى الاقتراض لتقديم العون والمساعدة التي كانت تعني الكثير في تلك المرحلة التاريخية العصيبة التي مرت بها الأمة ، هذا الموقف لا يمكن لأي كان أن ينساه للقائد البطل الشيخ زايد رحمه الله ، وستبقى هذه الصورة راسخة في ذهن الأجيال المتعاقبة ودرساً في الوطنية والعطاء .
وتحفظ مصر للشيخ زايد ولدولة الإمارات العربية المتحدة هذا الموقف البطولي وغيره من المواقف الحافلة بمعاني الأخوة العربية الأصيلة ، ففي شهادة للتاريخ للرئيس المصري الراحل أنور السادات ، وفي فترة القطيعة العربية لمصر ، لم تنس مصر وقيادتها وشعبها الموقف التاريخي للشيخ زايد حيث يذكره السادات باعتزاز قائلاً : "الشيخ زايد رجل عربي أصيل .. ومصر لن تنسى أبداً له مواقفه الرائعة أثناء حرب أكتوبر .. ففي بداية الحرب كان الشيخ زايد في لندن .. واتصل بي أكثر من مرة ليطمئن على سير المعارك .. ولم يكن لديه سيولة فـي ذلك الوقت . فجمع مدراء البنوك . وطلب منهم سرعة تدبير مائة مليون دولار . وقامت البنوك بتدبير المبلغ .. وأرسله لنا على الفور .. لم يتوقف الشيخ زايد بعد الحرب عن دعم مصر .. سأظل أذكر هذا الرجل العظيم بالتقدير والامتنان والاحترام .." .
ولم يكن غريباً إزاء السجل الحافل بالمواقف البطولية المشرفة أن تختار مؤسسة رجل العام الشيخ زايد ليكون رجل عام 1988م تقديراً لمواقفه وجهوده المتواصلة لدعم التضامن العربي . وكانت العبارات التي استهل بها ليوسنجون رئيس هيئة رجل العام كلمته وهو يسلم الشيخ زايد الشهادة والميدالية الخاصة بلقب رجل عام 1988م ، بحق شهادة للتاريخ على ما حققه الشيخ زايد لشعبه وأمته حيث قال ليوسنجون "شهرتكم تجاوزت الحدود وجعلت منكم رجلاً ذا صفات استثنائية ورئيس دولة عظيمة" . وأضاف رئيس الهيئة "مواقف صاحب السمو على الصعيدين الداخلي والخارجي ونضاله وفكره وإنجازاته لفتت أنظار المحللين السياسيين ودفعتهم إلى دراسة شخصيته" . ويوجه رئيس الهيئة خطابه إلى الشيخ زايد قائلاً : "إن اختياركم رجل العام جاء اعترافاً بكل ما أنجزتموه على مدى السنوات العديدة الماضية واعترافاً بكل جهودكم وعملكم المستمر من أجل علاقات إقليمية وطيدة ومستمرة، ومن أجل تعاون أفضل وتنسيق أوسع ، وإقراراً بشجاعتكم ونجاحكم الدبلوماسي وجهدكم اليومي على المستوى المحلي والدولي واعترافاً بموهبتكم في مجال القيادة والوحدة اعتماداً على روح المبادرة والإصرار التي تتسم بالإخلاص الكبير ، فإن قادة العالم وكل أصدقائكم في أركان القارات والرأي العام الدولي يعلمون ما تقومون به في هذه المنطقة" .
إن مركز شؤون الإعلام وإذ استذكر بعين الإجلال الجانب اليسير من العطاءات الإنسانية الخالدة للقائد المؤسس والبطل الفذّ الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه ، ليؤكد أن التاريخ المنصف سوف يحفظ سيرته العطرة كقائد صنع أمة مجد وفخار ، وهي الأمة التي تواصل مسيرتها المباركة نحو المزيد من الازدهار والتقدم والرفعة في ظل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه والذي أجاد في العطاء والإنجاز على حد سواء في مرحلة التأسيس والبناء ثم في مرحلة التمكين والإعلاء ، لترفل إمـارات الخيـر في ثياب عزها القشيبة ، ولتصل إلى أعلى مراتب النمو والنماء بين مجتمعها الإنساني .
وقد تحدث الصحفي والكاتب السيد / عباس الطرابيلي عن مآثر الراحل في كلمة قال فيها " ان الشيخ زايد رحمه الله قام بخطوتين رئيسيتين لتحقيق حلمه الوحدوي ، أولاهما أنه عمل على ربط كل إمارة بالأخرى على أساس علمي سليم أسفر عن تأسيس دولة الاتحاد تم الإعلان عن قيامها عام 1971.
والثانية أنه قام بتقوية قوة دفاع أبوظبي المسلحة لتكون العمود الفقري في القوات المسلحة لدولة الإمارات والدرع الحامي للدولة البازغة معبراً عن فكر بناة الأوطان الخالدين أفضل تعبير حين ربط بناء القوة بقوة بناء الوطن.
وأوضح السيد عباس الطرابيلي، أن جهود الشيخ زايد تمت خلال رحلة تنقله في مقاليد الحكم، منذ أن شغل منصب ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية لأبوظبي .وقال إن البداية كانت بشبكة طرق تم تمويلها من المالية الخاصة بإمارة أبو ظبي . ثم فكر الشيخ زايد في بناء أول مصفاة تكرير للبترول بمنطقة أم النار بابوظبي قبل مشروع ميناء زايد ، مؤكدا ان ذلك إنما يدل على فكر حاكم مستنير يرعى مسيرة التحديث والبناء بالإمارات المختلفة . وشدد على أن الراحل الكبير استغل الثروة البترولية في بناء الإنسان الإماراتي من خلال إنشاء مدارس ومستشفيات وخدمات وبنى تحتية لأنه كان يريد إقامة دولة تقوم على قوانين وقواعد وأسس راسخة تحقق الرفاه والاستقرار لأبناء الوطن .
وتطرق المحاضر إلى أن من أهم أولويات الشيخ زايد رحمه الله كان برنامج توطين البدو في مناطقهم بدلا من أن يتركوا البادية إلى المدن حيث قام بتوصيل خدمات التمدن إليهم .
وحول التعليم في فكر زايد ، أشار السيد الطرابيلي إلى قرار الراحل رحمه الله بإرسال البعثات التعليمية للخارج حيث أشرف عليها بنفسه . كما استقطب العقول العربية والإسلامية المميزة المهاجرة إلى أوروبا وأمريكا من أطباء ومهندسين وأساتذة قانون للاستفادة من خبراتهم في بناء الوطن .
كما استعرض ما شغلته الزراعة والبيئة الطبيعية والحياة البرية من مكانة خاصة عند الشيخ زايد، مشيرا إلى أن سموه كان يؤمن بضرورة الحفاظ على البيئة بشكل فطري نابع من تربيته وأفكاره حيث كانت عملية التشجير شغله الشاغل وبدأت من خلال عمل مشروعين لتشجير الطرق الداخلية والخارجية بين إمارات الدولة واستقدم خبراء زراعيين من جامعات متخصصة لهذا للغرض .
واشار الى رؤية الشيخ زايد في تنويع مصادر الدخل وتنويع اقتصاد الدولة، حيث أقام نهضة زراعية غير مسبوقة حل فيها اللون الأخضر محل اللون الأصفر في مساحات شاسعة من البلاد وخضرت الصحراء في واحدة من أبرز التجارب في مجال الزراعة في العالم العربي، ساهمت في إحداث نهضة اقتصادية كبيرة في الإمارات مسخراً عوائد البترول في ذلك، وذلك تكريسا لفكره حول تسخير كل عمليات التنمية في خدمة الإنسان ابن الإمارات.
وتناول الدور الكبير للشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رحمه الله عربيا وقال إن سموه كان رجلا وحدويا محبا لأمته ,وقد تثمل ذلك في موقفه الشهير في حرب أكتوبر 1973 حيث قام بإرسال كل الدعم المتمثل في الأدوية والعلاج لمصر وسوريا عن طريق إرسال طائرتين محملتين بالأدوية والدم والبلازما . بالإضافة إلى الدعم المادي الذي يقدَّر بمائة مليون دولار لمصر. مبينا انه رحمه الله كان أول من استخدم البترول كسلاح في الحرب، ومقولته الشهيرة في ذلك (ان البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي ) أن هذا الموقف كان خطوة جادة وجريئة وكان سبباً في قلب موازين تحديد أسعار البترول من الشركات المسوقة إلى الدول المنتجة . ثم قام بعد حرب أكتوبر بإنشاء مدينة زايد بمحافظة الإسماعيلية تعويضاً عن المدن التي دمرت في الحرب ، وكانت بالحجر حتى تكون حصناً منيعا وإن دل ذلك فإنما يدل على فكر بناء جديد ومختلف .
وتناول السيد الطرابيلي البعد الإنساني عند الشيخ زايد رحمه الله وقال إن مآثره كبيرة وكثيرة شملت الشرق والغرب دون تمييز موضحا اهتمامه بكل قضايا العرب والمسلمين والدول الصديقة وعمت مكرماته الجميع من الصومال في أفريقيا إلى أقصى مناطق الدول الإسلامية في شرق آسيا .
ولم ير خيراً إلا وفعله ولم يشاهد درباً إلا وأضاءه، وأفرد في قلبه مساحة لكل محتاج وفقير وكانت فلسفته التي عبّر عنها ( لا نريد أن نرى في الإمارات إنسان متضرراً أو محتاجاً في جميع المجالات) مدخلاً ليعم خير زايد العالم العربي والإسلامي، مؤكداً أن تقديم المساعدات للعرب والمسلمين وبلدان العالم الثالث هي أولاً وقبل كل شيء إيماناً بالواجب الإنساني وتعبيراً عن الشعور بالمسؤولية الإنسانية تجاه هذه الشعوب.
وأشار إلى بعد التسامح الثقافي في سياسة الإمارات التي كرسها الراحل العظيم لتكون علماً على مواقف الإمارات الداخلية والخارجية، وهو المبدأ الذي أكده زايد بأن التسامح مبدأ لا غنى للإنسان إن كان يعتبر نفسه إنساناً حضارياً، وقال المحاضر أن العالم اليوم بحاجة إلى المبادئ الثرية التي تمسك بها زايد في كل خطواته داخل الوطن وخارجه ومازالت نبراساً لسياسة الإمارات.
وشدد على أن زايد الإنسان، شخصية فذة كانت وستبقى مثالا يحتذي به في الطموح والتلاحم والعطاء، وقال إن رؤية الراحل الكبير للعمل الإنساني تعدت حدود الإمارات لتعم العالم اجمع بحيث اعتبر أحد أبرز رموز العمل الخيري في القرن العشرين بفضل روح الإيثار التي يتحلى بها.
وطالب المحاضر في ختام كلمته بإنشاء مركز عربي للدراسات وقسم يحمل اسم زايد ويوضح للناس فكره وعمله وما قدمه للأمتين العربية والإسلامية ، كما طالب بضرورة حصر وتوثيق تاريخ الإمارات ليكون منارة للأجيال القادمة ومثالا يقتدى به .







بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لرحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله ، نظم مركز شؤون الإعلام ندوة " زايد الخالد " أمس الأحد 2 نوفمبر 2008، بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين وقد شملت عرضا لصور نادرة لهذه الشخصية التي طبعت سيرته العطرة كل مراحل تأسيس الدولة وبنائها وتداخلت لحظات حياته الثرية بما حباه الله من حكمة وما قيض له من مهارة أن يرسي نهضة تنموية شاملة على ربوع الوطن بعزيمته وقراراته المصيرية، وانطلاقه في بناء دولة الاتحاد وتوطيد دعائمها لتتمكن من مواكبة التحولات العالمية ولتعطي المثال الأهم في التجربة الوحدوية ، حتى صار القدوة الساطعة للقائد الذي تخطى حدود الوطن، وامتد إلى سائر الدول العربية والإسلامية والصديقة، بالتعاون البنّاء والمشاركة في إقامة علاقـات عديدة في كافة المجالات من خلال العطاء الإنساني والتنموي النابع من إحساس بالواجب الأخلاقي تجاه الدول الشقيقة والصديقة .
إن فكر القائد المؤسس يظل معلماً تاريخياً لن تنساه الأجيال مهما تعاقبت ، كما لن تتجاهله الأمم مهما تنافرت وإذ تأتي هذه الورقة كمحاولة لتقديم قراءة في الجانب الإنساني لهذا الفكر الفذّ ، فإنها تشدد على أن أوجه العظمة في شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه ، تظل عصية على الإحاطة بمكنون أعماقها والإدراك لكامل أبعادها ، ومن ثم فإن ما تسوقه من حديث في المحاور التالية هو جهد يقصر عن الوفاء بحق الشكر والعرفان لصاحب السيرة العطرة ، وحسبها المحاولة ففيها الاستذكار والتذكير بجهود ورؤى قادة وطن صنعوا معجزة حضارية تستعصي على المحاكاة ، وهاهي تمضي مزهوة بامتداد الإنجازات وتعاظم الخيرات في ظل أبناء حفظوا الأمانة ، وأحسنوا الرعاية ، وأجادوا إبداعاً وابتكاراً في كافة مجالات الرقي والتقدم والرفعة .
أولاً : الشيخ زايد .. رؤية حصيفة لبناء الإنسان :
لقد كانت للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله وطيب ثراه ، قناعة ثابتة بأن الإنسان بقدراته العلمية والجسدية هو رأس المال الأساسي للتنمية والتطوير ؛ لذا عمل جاهداً على إعلاء كرامته الإنسانية والارتقاء بخبراته الحياتية سواء في وطنه أو خارجه ، انطلاقاً من إدراكه الواعي بأن الشعوب لا يمكن أن تغير من واقعها أو تسير قدماً نحو التقدم والتطور إلاّ بإنسانها المسلح بالعلم والذي يُعد السبيل الأمثل للتنمية على اختلاف محاورها وتنوع غاياتها . وتأكيداً لهذا الفهم المستنير كان يردد دائماً أن "الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال وليس المال والنفط ، ولا فائدة في المال إذا لم يسخر لخدمة الشعب" . وينبه إلى أنه "لا تنمية للقـدرة الماديـة بـدون أن تكـون هناك ثروة بشرية وكوادر وطنية مؤهلة وقادرة على بناء الوطن" .
وظل المواطن في نهج الشيخ زايد ، هو وسيلة وغاية في الوقت نفسه ، وترسيخاً لهذا المنظور الجوهري سارت كافة أجهزة الدولة نحو ذات الاتجاه متضافرة في جهود آلياتها وبناها التحتية والتنظيمية لبناء إنسان قادر على التعاطي مع مسارات التنمية الحقيقية وأيضاً مسايرة مستجداتها واجتياز عقباتها ، وتحديداً للقواعد الأساسية لإستراتيجية وسياسات الدولة في بناء الإنسان قال الشيخ زايد رحمه الله منذ افتتاحه للفصل التشريعي الأول في الثالث عشر من فبراير 1972م : "إن دستور البلاد نص على مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية وتوفير الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين والتضامن والتراحم واعتبار الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن ورعاية الطفولة والأمومة وحماية القصر وغيرهم من الأشخاص العاجزين عن رعاية أنفسهم وإلزامية التعليم في مرحلتيه الابتدائية ومجانيته في كل مراحله ، والرعاية الصحية ، وتوفير العمل للمواطنين وتأهيلهم له ، وصون الملكية الخاصة وحرمة الأموال العامة ، واعتبار الثروات والموارد الطبيعية في كل إمارة مملوكة ملكية عامة لتلك الإمارة وتشجيع التعاون والادخار" .
وجعل رحمه الله بناء الإنسان أولوية قصوى لعملية التنمية في مراحلها المبكرة ، فقال في حديث إلى وكالة الإمارات العربية المتحدة بتاريخ الحادي عشر من ديسمبر 1976م : "إن بناء الإنسان في المرحلة المقبلة ضرورة وطنية وقومية تسبق بناء المصانع والمنشآت لأنه بدون الإنسان الصالح لا يمكن تحقيق الازدهار والخير لهذا الشعب . ولأننا الآن نبني جيلاً صاعداً نفخر به ويكون قادراً على تحمل أعباء المسؤولية في المستقبل" .
وأكد على تضافر الجهود لمواصلة سياسة الإمارات في بناء الإنسان ، فقال رحمه الله في حديث أدلى به بتاريخ الثاني من يوليو 1977م : "في الحقيقة إننا منذ تأسيس الاتحاد ونحن نتبنى كل خطوة تعود بالخير والفائدة على أبناء هذا الوطن العزيز الذين لا بد من أن تكون لهم عيون ساهرة ترعى مصالحهم وتحافظ على ثرواتهم وتوفر لهم كل ما يحتاج له الإنسان في هذه الحياة . والمجلس الأعلى للاتحاد يسهر ليلاً ونهاراً ويعمل على توفير كل ما كان يفتقده أبناء هذا البلد وما حرموا منه في الماضي ، فنحن الآن نبني الإنسان الكفء ونعده ليكون عوناً ودعامة قوية للاتحاد لإخوانه وأشقائه وأصدقائه ، لا أن يكون عبئاً ثقيلاً على بلاده وعلى إخوانه وأصدقائه ، لهذا فمسيرة البناء ، بناء الإنسان والبناء الاقتصادي تسير بخطوات سريعة وشاملة هذا ما نعمل به في الحاضر ونخطط له في المستقبل لنعوض ما فاتنا في الماضي" .
كما شدد في مناسبة أخرى على أولوية بناء الإنسان كأساس قوي لنجاح الخطط والبرامج التنمويـة ، فقال رحمه الله في حديث لوكالة أنباء الإمارات بتاريخ الثاني من ديسمبر 1985م : "لقد كنت أردد دائماً عن قناعة قوية بأن أثمن ثروة لهذا البلد هي الإنسان الذي يلقى منا كل العناية والرعاية فلا فائدة للمال بدون الرجال كما أن الإنسان هو أساس الحضارة واهتمامنا به ضروري لأنه محور كل تقدم . فمهما أقمنا من منشآت ومدارس ومستشفيات وجسور وغير ذلك فإن كل هذا يبقى كياناً مادياً لا روح فيه لأن روح كل ذلك هو الإنسان القادر بفكره وجهده وإيمانه على تحقيق التقدم المنشود . إن الثروة ليست ثروة المال بل هي ثروة الرجال فهم القوة الحقيقية التي نعتز بها وهم الذراع الذي نستفيء بظلاله والقناعة الراسخة بهذه الحقيقة هي التي مكنتنا من توجيه كل الجهود لبناء الإنسان وتسخير الثروات التي مّن الله بها علينا لخدمة أبناء هذا الوطن حتى ينهضوا بالمسؤوليات الجسام التي تقع على عاتقهم ويكونوا عوناً لنا ولأشقائنا .
ومن هذا المنطلق أعطت الدولة أولوية لبناء المواطن لأنه أغلى إمكانات هذا البلد وبذلت كل طاقتها لتسليح الجيل الجديد بالعلم والمعرفة وحثه على التمسك بالقيم والأخلاق التي يحض عليها ديننا الإسلامي وتقاليدنا العربية العريقة ولهذا كانت عملية بناء الإنسان على أرض هذه الدولة سباقة لبناء المصانع والمنشآت فبدون الإنسان الصالح الواعي لا يمكن تحقيق الخير لهذا الشعب وبدون استمرار العطاء والسهر على راحة المواطنين لا يمكن بناء الجيل الذي نفتخر به ويكون قادراً على تحمّل أعباء المسؤولية في المستقبل" .
وفي مسيرته المباركة لبناء الإنسان أولى الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه العلم اهتماماً فائقاً انطلاقاً من قناعة بأن العلم والثقافة أساس تقدم الأمم وأساس الحضارة وأن رصيد أية أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون ؛ لهذا انتشرت المدارس والمعاهدة وكليات الدراسات العليا في سائر أنحاء الدولة ، وحرص رحمه الله على الالتقاء بأبنائه الطلبة في جميع المراحل الدراسية لتفقد أحوالهم وحثهم على مواصلة العلم والمعرفة ، ووضع الإمكانيات تحت تصرف القائمين على المؤسسات التربوية والتعليم في الدولة من أجل النهوض بالمستوى التعليمي لتخريج أجيال متعلمة قادرة على مسايرة التقدم والحضارة وخدمة الوطن بكفاءة واقتدار .
وتأكيداً لدور العلم في بناء الإنسان قال الشيخ زايد في زيارته للمعرض الثاني لمدارس أبوظبي بتاريخ الرابع والعشرين من إبريل 1973م : "إن العلم والثقافة أساس تقدم الأمة وأساس الحضارة وحجر الأساس في بناء الأمم ، إنه لولا التقدم العلمي لما كانت هناك حضارات ولا صناعة متقدمة أو زراعة تفي بحاجة المواطنين ، إنه بالتعليم الممتاز نستطيع أن نوفر جيلاً من المواطنين يشرف على بناء المصانع ويدر المشروعات التي بدأت تقام في مختلف أنحاء الدولة" .
وقال رحمه الله في افتتاح جامعة الإمارات في العاشر من نوفمبر 1977م : "ولقد آن لنا أن نستعيد عزتنا ومجدنا ، ولن يكون ذلك بالمال وحده ، وما لم يقترن المال بعلم يخطط له ، وعقول مستنيرة ترشده فإن مصير المال إلى الإقلال والضياع ، إن أكبر استثمار للمال هو استثماره في خلق الأجيال من المتعلمين والمثقفين ، ولقد من الله على هذا البلد بالخير وأتاه الفرص لبذل المال في خدمة العلم ، وليس لنا أن ندع هذه الفرص تفوتنا ، بل علينا أن نسابق الزمن وأن تكون خطواتنا نحو تحصيل العلم والتزود بالمعرفة أسرع من خطانا في أي مجال مهما عز شأنه" .
وفـي زيارتـه لمـدارس غياثي بالمنطقـة الغربيـة بتاريـخ الثامن عشر من أكتوبر 1979م ، قال رحمه الله : "إن الإنسان في الإمارات هو أغلى إمكانيات الدولة ، ومن هنا فـإن العلم هو الطريق لبناء المواطن وتنميته وتحرير إرادته ، لأن العلم نور والجهل ظلام" . وأكد حرصه على بناء الإنسان قبل بناء المصانع ، حتى يستطيع تحمل مسؤولية الانطـلاق بالدولة إلى الغد المشرق والمستقبل الأفضل وصولاً إلى التقدم والاستقرار والازدهار . وأضاف رحمه الله موجهاً حديثه إلى الطلاب : "إنه بالعلم يرفع الإنسان قيمته ، ويبني نفسه ، وأنه لا قيمة للمال بدون العلم والمعرفة ، لأن العلم هو أساس التقدم وأساس البناء" . وقال : "إن المتعلم هو الذي يبصر ويرى ، وإن الجاهل يعيش في ظلام دائم ، وأن العلم ليس له نهاية ، وعلى الجميع الجد والمثابرة في المزيد من التحصيل والدراسة ، حتى يتخرجوا ويساهموا في بناء الدولة وتنميتها" .
ودعا رحمه الله إلى التسلح بالعلم والإيمان باعتبارهما أقوى دعائم بناء الإنسان عقلياً وروحياً ، فقال خلال الزيارة التي قام بها في التاسع من يوليو 1980م لمركز تحفيظ القرآن الكريم في منطقة ليوا : "إن العلم والإيمان هما الطريق للوصول للتقدم والازدهار وإدراك مأربنا الأسمى وتحقيق نهضتنا الشاملة . وإن الدولة تعطي الأولوية في الاهتمام لبناء الإنسان باعتباره أغلى إمكانيات هذا البلد . ولن تكون هناك ثروة بشرية حقيقية ومؤهلة وقادرة على بناء الوطن ، إن لم نتمسك بمبادئ ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء لأن القرآن الكريم هو أساس الإيمان وجوهر الحياة والتقدم عبر الأجيال" . وأكد خلال لقائه رحمه الله مع أعضاء المجلس الأعلى لجامعة الإمارات في السابع والعشرين من فبراير 1982م على أهمية تنشئة الجيل الجديد متسلحاً بالإيمان ، ومتحلياً برجاحة العقل والفكر ، ومستزيداً من مناهل المعرفة ، ومتمسكاً بآداب السلوك ، وقال : "إن بناء الإنسان وصياغته وفقاً لهذه الاعتبارات من أصعب المهام وألزمها في وقت واحد" .
وحث رحمه الله المجتمع الدولي على الاقتداء بنهج دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء الإنسان ، فقال في حديثه لصحيفة الأهرام المصرية بتاريخ الخامس والعشرين من ديسمبر 1987م : "إن أهمية بناء الإنسان وتطويره وصيانته هي واجب ليس فقط في دولة الإمارات وإنما على كل من يحرص على وطنه وأبناء وطنه أن يضع هذا الشيء في المقدمة ويحسب له كل حساب" .
واعتبر رحمه الله أن أهم مكاسب دولة الإمارات العربية المتحدة في مسيرة تقدمها تتمثل في نجاحها في بناء الإنسان ، وتأكيداً لهذه الحقيقة قال في تصريح لوكالة أنباء الإمارات بتاريخ الخامس من يوليو 1989م : "لقد حصدنا الكثير وحصدنا ما لم يكن يتصوره المواطن أو الصديق أو الشقيق وإن خير ما حصدنا في هذا الوطن هو بناء الإنسان الذي نعطي له الأولوية في الاهتمام والرعاية وهذا كله تم بفضل الله وإرادة الخالق عز وجل وما على الإنسان إلاّ أن يجد وأن يكون مخلصاً في تحمل المسؤولية الموكولة إليه تجاه قومه لأن الوطن أمانة في أعناقنا فلنحافظ جميعاً على هذه الأمانة الغالية والمسؤولية بتحملها أولاً أمام الله العلي القدير ثم أمام عباده في أرضه ، وما التوفيق إلاّ من عند الله وإذا لم يحالف الإنسان التوفيق بعد الجلد والإخلاص والقدرة فذلك يعني عدم رضا الخالق عزّ وجل فأسأل الله أن يأخذ بأيدينا لما فيه خير وطننا وأمتنا" .
وقال رحمه الله في كلمة وجهها بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين لقيام الدولة في الثاني من ديسمبر 1994م : "إننا أيقنا منذ البداية أن الإنسان هو أساس كل عملية حضارية وهو محور كل تقدم حقيقي فعملنا على إتاحة الفرص أمامه لتنمو ملكاته الخلاقة لخير نفسه ومجتمعه وكللت والحمد لله مساعينا بالنجاح وأصبح ابن الإمارات يتحمل عبء المسؤولية في كل مواقع العمل على امتداد الوطن في إخلاص ونكران ذات".
وأكد رحمه الله على عظمة مكاسب الدولة في بناء الإنسان في أكثر من مناسبة أخرى ، فقال في كلمة بمناسبة العيد الوطني الخامس والعشرين للدولة في الثاني من ديسمبر 1996م : "والآن وبعد مضي خمس وعشرين سنة على قيام الاتحاد نقول بكل ثقة إن بناء المدن والمدارس والطرق والمستشفيات وتوفير الحياة الكريمة للمواطن هو جانب مهم من إنجازات الاتحاد إلاّ أن أهم إنجاز في نظرنا هو بناء الإنسان الواعي المدرك لحقوقه وواجباته كمواطن ، الإنسان الذي يحافظ على تراث الآباء والأجداد ويستفيد من تجارب الماضي ويواكب التطور العلمي ومتطلبات العمل من أجل بناء الحاضر والمستقبل" .
كما قال رحمه الله في حديث أدلى به لمجلة درع الوطـن بمناسبة العيد الوطني السادس والعشرين للدولة بتاريخ الأول من ديسمبر 1997م : "... بيد إن بناء الإنسان كان المهمة الجوهرية التي توخيناها من وراء الاتحاد ، لأن بناء المواطن الصالح يعني بناء الهوية والانتماء ويعني بث روح جديدة في كيان المواطن بحيث تدفعه هذه الروح نحو التفاني في العمل من أجل حياة حرة كريمة توفق بين ثوابت تراثنا العظيم ومتغيرات حضارة العصر الحديث" .
حقاً أدرك زايد الخير أن بناء الإنسان يجب أن يسبق بناء المصانع ، وأن الإنسان ، وليس المال ، هو أهم أدوات التنمية ولا فائدة في المال إذا لم يسخر في بناء الإنسان . ولذلك لم يكن غريباً أن يسخر ثروة البلاد ليحقق هذا الهدف القومي الذي تتفرع عنه كافة الأهداف القومية الأخرى ، فكان التوسع الهائل في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز الأبحاث وكان إيفاد البعثات العلمية للخارج واستضافة المؤتمرات والندوات ورعاية العلماء . وحتى كبار السن ممن فاتهم قطار التعليم لم يسقطهم زايد من حساباته بل وفر لهم كافة السبل لتعويض ما فاتهم واللحاق بركب التطور والحضارة .
ثانياً : الشيخ زايد .. تدين وورع :
جسّد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه قولاً وعملاً عظمة الدين الإسلامي الحنيف بمبادئه القويمة وتعاليمه السمحة ، فأعطى بإيمانه العميق بوحدانية الله سبحانه وتعالى ، وبمكارم الأخلاق التي اتصف بها صورة مشرقة للمسلم الحق الذي يراقب المولى عزّ وجل في كافة أفعاله وتصرفاته ، ويبتغي وجهه وحده تبارك شأنه في سائر أعماله ما أخفى منها وما أعلن .
فكل جملة ينطق بها يبدأها ويختمها بأحكام المولى عزّ وجل ، وكل عمل يقدم عليه يخضعه لمشيئة الله وقدرته ، وكل فضل ينسبه إلى رضى الخالق . هذا هو الشيخ زايد الذي ترعرع منذ أيامه الأولى على أصول الدين وحفظ محكم التنزيل وجعل من القرآن الكريم سياجاً لحياته ونبعاً لفكره . التدين هو التربة التي نبتت فيها شخصية الشيخ زايد ومنها تفرعت كل صفاته الإنسانية النبيلة من صدق وتسامح وأمانة ورحمة . الإسلام عنده تسامح ورحمة وعطاء ومودة ودعوة للموعظة الحسنة ورفض للعنف وبعد عن التطرف والمغالاة . الحكم عنده تكليف من المولى يحاسب عليه أولاً أمام الخالق قبل أن يحاسب أمام المخلوق . وما أسمى تواضعه وقوة إيمانه حينما ينسب الفضل في كل الإنجازات العظيمة التي تحققت على أرض الإمارات المباركة إلى الله سبحانه وتعالى .
نعم لم يعرف العالم الإسلامي زعيماً كرس حياته لخدمة قضايا المسلمين والدفاع عنها مثلما فعل الشيخ زايد الذي بنى على نفقته الخاصة مئات المساجد والمراكز الإسلامية والمعاهد الدينية والمكتبات والكليات والجامعات في مختلف عواصم العالم لخدمة الجاليات الإسلامية وخوفاً عليها من السير وراء الإغراء والغواية أو الانزلاق خلف التعصب والطائفية.
إن فلسفة الشيخ زايد في حياته قد تجلت في تدينه العميق ، وورعه التقي ، وزهده الصادق ، وهي المكارم التي خاض بها معركة التنمية والنماء في وطنه ، وهي الشيم التي وقفت وراء كافة أعماله ومساعيه الإنمائية والخيرية أيضاً على الصعيد الخارجي . وعن هذه النزعة الروحانية الشفيفة ، قال رحمة الله في حديثه لمجلة "المجالس" الكويتية بتاريخ الثاني والعشرين من إبريل 1977 : " فلسفتي في الحياة هي أني مؤمن بأن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى ، وأن على الإنسان أن يعمل من وحي إيمانه بالله في جد واجتهاد ، فإذا وفقت في السعي حمدت الله على توفيقه وإذا أخطأت في الاجتهاد عدت عن الخطأ إلى الصواب . إن كل شيء في هذه الحياة هو بإرادة الله سبحانه وتعالى ، يسيرها ويدبرها وعلى العبد أن يسعى في مرضاة ربه وأن يفعل ويتوكل وعلى الله التوفيق ، ومتى كان إيمان الإنسان بربه قوياً فإن الله يهبه راحة الضمير وتلك هي السعادة القصوى" .
كما يظهر زهده الصادق رحمة الله وطيب ثراه في حديثه لصحيفة السياسة الكويتية بتاريخ الرابع عشر من أكتوبر 1977 حين قال : "الملابس والمظاهر لا تغير الإنسان ، الإنسان إنسان مهما كان ، وهو جوهر وليس مظهراً ، الملابس يجري تغييرها بين وقت وآخر والإنسان يبقى ، لذا لا أهتم بذلك" .
ويحث على إرضاء الخالق بالإخلاص في العمل والمثابرة عليه بقوله رحمه الله في حديث لمجلة المصور المصرية بتاريخ التاسع من مارس 1988 : "إن إرادة الله هي التي تفوق العلم وتفوق الخبرات وتعلو فوق الهندسة وكل ما لدى الإنسان لأن كل شيء من إرادة الله سبحانه وتعالى وما علينا إلاّ أن نكون جادين ومخلصين وكل قائد يقود أمة كثيرة كانت أم قليلة ويكون مخلصاً وباراً فسوف يسعد ويسلك ما يجب أن يسلكه حتى دون أن يعرف ذلك لأن الخالق سبحانه وتعالى هو المسير وهو العاطي وهو الرازق ، والإنسان الذي يؤمن بأنه مخلوق وأنه مسير غير مخير إنسان يختلف عن الإنسان الذي يؤمن بخبرته وقدرته وبما كسبه من علم وخبرات ، هذا نوع وهذا نوع ، فالأول هو الذي يؤمن بأن الله هو الخالق والرازق وأن كل ما أعطى هو أمانة لديه يسيرها بالطريق الصحيح بما يرضي الله في أرضه وبين عباده ، أما الثاني فهو الذي يتصور بكبريائه أن ما أوتي إنما نتيجة كسبه وعلمه وخبراته والفرق بينهما كبير" .
ويشدد على التزام دولة الإمارات العربية المتحدة في مسيرتها بكتاب الله وسنة رسوله بقوله رحمه الله خلال لقاء بوفد إعلامي صيني بتاريخ الثاني عشر من مايو 1990 : "إن كل دولة تختار الطريقة التي تناسبها أو التي تفيد شعبها ، الأنظمة في العالم مختلفة ولا تقوم كلها على نفس النظام ونفس الطريقة ، بل إن كل دولة تختار النظام الذي يناسبها ويحقق رغبات شعبها ، والأنظمة من صنع البشر ، والبشر يصيبون ويخطئون وإذا قصر الإنسان في شيء لابد أن يعدل ويتجه لما فيه خير وخدمة شعبه ، ونحن في دولة الإمارات لدينا منهج نسير عليه ونتمسك به وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو مصدر كل القوانين ولدينا حرية الرأي والتعبير مكفولة لكل من هو راشد في سلوكه وبين أهله وفي عمله ولدينا حكم ديمقراطي ومجلس وطني يمثل الشعب ومصالحه والأمور لدينا مستقرة والحمد لله والجميع يلمس هذه الحقيقة" .
كما أكد الشيخ زايد رحمه الله على أن القرآن الكريم هو أداة الوحدة الرئيسة بين المسلمين وحول هذا المعنى قال خلال اجتماعه مع السفراء العرب في بكين على هامش جولته الكبرى التي شملت كلا من الصين واليابان وإندونيسيا في مايو 1990 "يجمعنا القرآن الكريم ويلزم كافة المسلمين الوقوف وقفة رجل واحد .. وما حدث في أوروبا الشرقية إنذار لنا كي نطبق منهج الإسلام فيما بيننا" .
ونبه رحمه الله إلى ضرورة انتهاج المبادئ القويمة المستفادة من الإسلام الحق ، فقال في حوار مع وفد الصحافة الإندونيسية خلال زيارته لإندونيسيا : "ليس أمام الإسلام حواجز الآن .. الإسلام لا يرغم الآخرين ولا الأديان على أن يغيروا من عقيدتهم هذا أمر معلوم فالدين الإسلامي دين سماحة بدون عقد ولكن ليس كل من تبنى مبدأ يستطيع أن يحقق الشيء الواجب حسب إرادته لأن نظريات البشر تختلف والإسلام الحقيقي هو السماحة ولا يحمل حقداً ولا بغضاً للبشر .. والإسلام مثل ما هو سمح في ذاته سمح للبشرية كلها بقناعة وهذا هو الإسلام الصحيح .. ولكن هناك بعض الاجتهادات للبشر يتبناها البعض ويعتبرها أما حقيقية في الإسلام أو لأجل أطماع البشرية أو أهداف أو أغراض فهذا ليس من الإسلام في شيء .. ولا يمكن أن يواجه الإسلام البشرية في عنف لأن ذلك غير موجود في كتاب الله وتفسيره واضح هناك الكثيرون في الإسلام بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم قالوا نحن أنبياء هذا غير صحيح وكذب وادعاء وسقطت دعواهم" .
إن صورة الشيخ زايد الساطعة ببهاء التدين وبنور الورع ظلت وما تزال موطن اهتمام وتقدير لوسائل الإعلام العربية والأجنبية وقبلها للمجتمع الدولي بأسره ، ففي سياقه قالت مجلة الصياد اللبنانية بتاريخ العاشر من أغسطس 1990 "اطلع الشيخ زايد منذ حداثته على أصول الدين وحفظ الآيات القرآنية الكريمة ونسج من معاني القرآن وتوجيه نمط حياته وبدأ يعي أن القرآن ليس فقط كتاب دين وإنما هو السجل المنظم الشامل لجميع جوانب حياته" . وقالت صحيفة الجمهورية المصرية في الخامس والعشرين من أكتوبر 1976 : "إن الشيخ زايد كان دائماً حريصاً على التوسع في إنشاء مدارس تحفيظ القرآن وشجع على حفظه .. واستطاع أن يربط الإنسان العربي المسلم في بلده بأنبل تراث الإسلام والعروبة" . وقالت صحيفة جاكرتا بوست "الشيخ زايد رجل عميق التدين تتكرر على لسانه عدة مرات عبارات الحمد لله والشكر لله على الإنجازات التي حققتها بلاده" . وقالت صحيفة لوفيجارو الفرنسية في العاشر من سبتمبر 1991 : "نشأ الشيخ زايد على تربية تستند إلى تعاليم الإسلام كان يوفرها رجال الدين إلا أن حبه للمعرفة دفع الشاب اليافع إلى الذهاب إلى أقصى البادية حيث تلقى من قبائل البدو طريقة حياتهم ومهارتهم التقليدية" . وقالت مجلة المال والأعمال اليونانية في شهر سبتمبر عام 1990 "عرف المسلمون زايد زعيماً حريصاً على مصالح المسلمين أينما كانوا وتجلى ذلك في المساعدات التي قدتها دولة الإمارات للدول الإسلامية وفي دورها في الدعوة لوقف الحرب العراقية الإيرانية" .
وإذا كان في الكلمات والشهادات سالفة الذكر والتي أوردتها وسائل إعلام عربية وعالمية فإن فيها وفي غيرها الكثير من أوجه الإشادة والتقدير الدوليين مما يصف منهج التدين لدى المغفور له الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه ، بل ويحمل دعوة لقادة الدول والحكومات في كافة أنحاء العالم إلى الاقتداء بهذا المنهج القويم الذي يقود إلى صفاء الروح ونقاء السريرة وإشاعة الحب والوئام بين بني البشر .
ثالثاً : الشيخ زايد .. عطاء إنساني متدفق :
نبع فهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه للعمل الإنساني والخيري من ثقافته الإسلامية الأصيلة ومن قيم عروبته ووعيه بأن المحبة والسلام لا يمكن أن تنتشر في هذا العالم إلاّ بتكافؤ الفرص وبالعدالة الاجتماعية التي تتيح للناس كافة الحياة الكريمة ومن أساسها الحق في الحياة وفي السكن وفي الصحة والتعليم . وهي المبادئ التي نص عليها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي استوعب زايد مضامينه قبل صدوره لأنه كامن في تعاليم الدين الإسلامي التي تربى عليها ونشأ وفي القرآن الكريم الذي سار زايد وفق منهجه بقوله تعالى (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
ومن هنا كان زايد الخير رحمه الله الملاذ والملجأ لكل محتاج وتجاوز كرمه حدود وطنه إلى إخوانه في مشارق الأرض ومغاربها يلامس في زياراته واقع الناس ، يستشعر معاناتهم وحاجاتهم ، ويقدم لهم بأياديه الخيرة الكريمة ما يحتاجونه ، فجاءت مشاريع الخير في كل مكان من هذا العالم لتنير المناطق المعتمة ، وتكفكف دموع المحتاجيـن والمحرومين ، حتى عمّ خير زايد كل بقعة في زوايا العالم الأربع من غير من ولا أذى حباً في الناس ، من منطلق قناعة راسخة بالهدي النبوي الشريف أن (خير الناس أنفعهم للناس) . وارتفعت صروح الخير من مساجد يذكر فيها اسم الله ، إلى مستشفيات ومراكز صحية تخفف آلام وجراح المرضى ، إلى معاهد وجامعات ومؤسسات تعليمية تصنع مستقبل الشعوب .
وكان العمل الخيري والإنساني في فكر الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه ذي نمط جديد يقوم على فلسفة متكاملة ، فانطلاقاً من قناعته بالإنسان وقدراته بوصفه رأس المال الأساسي للتنمية والتطوير ثم باعتباره محور الحياة في هذا العالم ، فقد عمد إلى التركيز على تطوير الإنسان في وطنه وفي العالم لدفعه إلى الأمام في الاتجاه الصحيح وذلك بالتشجيع على مواجهة الواقع وتحفيزه للتطوير والاعتماد على الذات ، ومن ثم جاءت لمساته الإنسانية منذ بداية السبعينات ، حيث لم يتأخر عن مساعدة الأشقاء والأصدقاء في المجالات التي توثق الصلة بينهم وتدعم الاستقرار والتفاهم والسلم الاجتماعي .
وكان زايد دائم الهم بقضايا الأمة ومشاغل أبنائها ، فانطلق كرمه متسعاً بلا حدود لينصب على توفير التربية الروحية وذلك بإنشاء المئات من المساجد داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها ، إيماناً بوظيفة المسجد كمؤسسة تربوية تهدف إلى إشاعة روح التسامح والاعتدال والقيم النبيلة . كما كانت للشيخ زايد رحمه الله نظرة أخرى تجاه مسألة تكوين الفرد تعليمياً وثقافياً حيث رأى أن الشعوب لا يمكن أن تغير من واقعها ولا يمكنها التقدم والتطور إلاّ بسلاح العلم الذي يعدّ الحصن المنيع من كل الأمراض والآفات الاجتماعية والسبيل الأمثل لتنمية حقيقية تؤهل الفرد والجماعة لتحمل المسؤولية بما تفرضه من شروط ، لذلك توجه الشيخ زايد إلى إنشاء المدارس والمعاهد وبناء دور الأيتام والجامعات التي تخرج منها الآلاف في أماكن متفرقة من العالم . وانطلاقاً من تلازم عملية بناء الإنسان بالمجهود التنموي للشعوب أقبل رحمه الله على إنشاء مشروعات تنموية مختلفة توفر مصدر الرزق لآلاف العائلات التي باتت تعول على جهدها في تحصيل معاشها بعد أن كانـت تعيـش على الكفاف .
إن فلسفة الشيخ زايد رحمه الله تلك في عطائه الإنساني والخيري ، يشهد الواقع الآن بنجاحها منقطع النظير ، حيث تحولت المشروعات الأولى التي أقامها ورعاها في عدد من المناطق حول العالم إلى بنية أساسية للنمو والنماء بكافة محاوره الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وليس من قبيل المبالغة القول بأنه لم يرتبط اسم شخص على مدار التاريخ بالخير مثلما ارتبط اسم القائد المؤسس الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه حتى لقبه العالم بأجمعه بزايد الخير ، كما لم يعرف العالم وجهاً إنسانياً لدولة مثلما عرف الوجه الإنساني للإمارات في ظل قيادتها المباركة سلفاً وخلفاً . فقد كانت متعة الشيخ زايد أن يجول ليصنع خيراً .. يقدم الطعام لطفل جائع ، والدواء لشيخ مريض ، والرعاية لثكلى بائسة أو أرملة يائسة . وحيثما ذهب المرء سيجد مسجداً أو مدينة أو مدرسة أو مستشفى أو مركزاً ثقافياً يحمل اسم الشيخ زايد الذي لم يقتصر عطاؤه على البشر بل فاضت مكارمه بالخير لتشمل الحيوان والزرع والبيئة .
إن العطاءات الإنسانية للقائد المؤسس الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه ، لم تقتصر كما سلف الذكر على أبناء الإمارات وحدهم ، وإنما شملت معهم أخوة الإنسانية في سائر الأصقاع والبقاع ، تضميداً لجراح دامية أو إطعاماً لبطون خاوية ، أو تخفيفاً لمعاناة مزمنة ، أو توفيراً لمسكن لمن شردتهم الحروب والكوارث ، أو تأسيساً لدور علم أو عبادة أو علاج وغير ذلك من أشكال الدعم والمساعدة التي تدفقت من نبع خيره لترسم البسمة على شفاه المحتاجين والمعوزين أينما كانوا وأينما حلوا وبلا قيد أو شرط سوى الالتزام بأداء واجب الأخوة للإنسان مهما كان دينه أو جنسه أو عرقه . وهو الواجب الديني والأخلاقي الذي جعله الشيخ زايد رحمه الله دستوراً سامياً للعمل الإنساني والإنمائي به التزم وعليه سارت الدولة في تعاطيها مع العالم الخارجي بدوله الشقيقة والصديقة .
ففي حديث أدلى به الشيخ زايد لمجلة فويس اللندنية بتاريخ الرابع والعشرين من يوليو 1974م ، قال رحمه الله : "إن واجبنا أن نساعد الأشقاء والأصدقاء فإن الثروة لا قيمة لها إذا لم تقدم مساعدات للدول الشقيقة ، في الحياة هناك من ينشد مصلحته فقط وهناك من ينشد مصلحته ويعززها بالشهامة . وأنا أفضل الفريق الثاني" .
وفي خطابه لافتتاح الفصل التشريعي الثاني بتاريخ العشرين من نوفمبر 1974م ، أكد أن برامج دولة الإمارات العربية المتحدة لمنح المساعدات الإنمائية والاجتماعية للدول والشعوب هي جزء لا يتجـزأ مـن السياسـة الخارجيـة الإماراتية فقال رحمه الله : "وقد أعلنت الإمارات العربية المتحدة أن سياستها الخارجية ترتكز على مناصرة حق الشعوب في استرداد حريتها وتقرير مصيرها والمحافظة على سلامة ووحدة أراضيها ، والقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري . وتنفيذاً لهذه السياسة قامت الدولة بتقديم المساعدات لدعم الشعوب الإفريقية لتحقيق المصالح المشتركة للشعوب العربية والإفريقية . وعنيت الحكومة بالمساهمة في بناء مستقبل أفضل للشعوب النامية ، فزادت رأسمال صندوق أبوظبي للإنماء الاقتصادي إلى 2000 مليون درهم ، وبلغت المعونات والقروض التي قدمتها الدولة لمساعدة البلدان النامية ما يساوي 15% من مجموع إيرادات الإمارات العربية المتحدة وذلك إيماناً منا بأهمية دعـم التنميـة الاقتصادية في تلك الدول ومساعدتها في الحصول على وسائل التمويل اللازمة .." .
وقال رحمه الله في حديث إلى إذاعة مونت كارلو بتاريخ السادس من يناير 1975م : "هذه الثروات تنفق في شكل خدمات ومدارس ومستشفيات وطرق وزراعة . ثم بعد ذلك علينا التزامات تجاه إخواننا وأشقائنا العرب الذين تجمعنا وإياهم وحدة الهدف والمصير ، ثم علينا التزامات تجاه إخواننا من أبناء الدول الإسلامية والصديقة الذين يساندون قضايانا ، إذن نحن نسير في عدة مسالك ولا يتعارض أحدها مع الآخر .. فمشاريع التنمية الداخلية مستمرة وخدماتنا لإخواننا العرب والمسلمين مستمرة" .
وأكد رحمه الله في الرابع عشر من أغسطس 1977م أن المساعدات التي تقدمها دولة الإمارات لكل الدول والشعوب العربية الشقيقة واجب قومي وتنبع من الحب والوفاء اللذين تكنهما دولة الإمارات رئيساً وحكومة وشعباً لكل الأخوة والأشقاء في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه . وتأكيداً أيضاً على رؤيته رحمه الله وطيب ثراه لواجب تقديم المساعدات كواجب قومي ، قال في حديث لمجلة الصياد اللبنانية في الثالث من مايو 1978م : "إن مهماتنا كبيرة ومتشعبة ، وكلها مهمات وطنية قومية ، فعلى الصعيد الداخلي يطلب منا أن نستمر في تطوير أجهزة الدولة ومؤسساتها الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ، وعلينا أن نحرك النشاطات والفعاليات في القطاع الخاص ليتم التنسيق المنتج والمثمر مع القطاع العام ، وعلى الصعيد العربي تترتب علينا واجبات تجاه أشقائنا ونحن لم نقصر ولن نقصر بإذن الله في هذه الواجبات ، سواء كان على صعيد المساعدة في المجالات الإنمائية والاجتماعية أم على صعيد الدعم في المجالات القومية" .
ونبه رحمه الله إلى غايات الإمارات النبيلة من مدّ يد العون والمساعدة للأشقاء والأصدقاء ، موضحاً دور الدعم الإنمائي والاجتماعي في تحقيق العدالة الاجتماعية وإرساء الاستقرار والأمن والطمأنينة في المجتمعات الإنسانية ، فقال في حديث أدلى به إلى صحيفة شيكاغو تريبيون في العشرين من مايو 1978م تعليقاً على المساعدات الخارجية التي تقدمها الدولة : "نعم ، أولاً .. لأننا نؤمن بوحدة الأمة العربية ثم إننا نعتقد كذلك بأن الدعم والمساعدة برهان الأخوة والإيمان بواقع هذه الوحدة التي تستند إلى وحدة التراث والمصير وحتى مع الدول الشقيقة غير العربية ، فإننا نؤمن بواجب دعمها ومساعدتها كدليل على وعينا بضرورة التضامن معها . وبالنسبة للعالم العربي فإننا نؤمن بالأخوة العربية ، وبضرورة استقراره ورفاهيته . فالعالم العربي لا يمكن أن يكون مجزأ كما أن الاستقرار والأمن والرفاهية الاقتصادية فيه لا يمكن أن تكون مجزأة بحيث تقتصر على رقعة من دون غيرها وإلاّ افتقد العالم العربي كل الاستقرار والطمأنينة وأصبح مزعزعاً مهدداً .. وكذلك الأمر مع الدول الصديقة والشقيقة وإننا نؤمن أن وحدة واستقرار العالم العربي ينعكسان بشكل مباشر على استقرار ورفاهية العالم الغربي ، وأن استقرار العالم الغربي ينعكس أيضاً على العالم العربي . فالصديق إذا توفرت لديه الراحة والرخاء فإن ذلك سينعكس على صديقه وهذه هي سنة الحياة" .
كما قال رحمه الله في خطاب ألقاه بقمة دول مجموعة عدم الانحياز في الهند عام 1983م : "ومثالاً لما التزمنا به من تطبيق فعلي في مجال التعاون الاقتصادي فيما بين دولنا النامية فقد استمرت دولة الإمارات العربية المتحدة في تقديم مساعداتها المالية والفنية عن طريق صندوق أبوظبي للإنماء الاقتصادي العربي ، والذي منذ إنشائه في عام 1971م وحتى تاريخه نفذ ما يقرب من 76 مشروعاً في أكثر من 40 دولة نامية ، ذلك عدا المساعدات الأخرى عن طريق الصناديق والمنظمات الدولية والإقليمية المخصصة لمساعدة البلدان النامية . إن مساهمات بلادي لا تقف عند هذا الحد من دخلها القومي ولا تكتفي بمجال المساعدات المالية والفنية بل تتعدى ذلك إلى مجالات أخرى ، حيث إنها تستعين ما أمكنها بالخبرات الفنية والعلمية المتوفرة في دول مجموعتنا ، وكذلك الأيدي العاملة ، كما تفتح أبوابها للسلع والخدمات المنتجة والمصدرة إليها من دول مجموعتنا ، وتقدم لدول المجموعة كافة التسهيلات لإقامة مشروعات مشتركة .." .
وتذكيراً بالعطاء الإنساني المتدفق لزايد الخير ولدولة الإمارات العربية المتحدة ، وبالأثر الإيجابي والبناء للمساعدات والمنح المقدمة لمختلف الشعوب ، فقد حفلت وما تزال وسائل الإعلام العربية والأجنبية بشهادات تنظر بعين الإكبار إلى شخصية القائد المؤسس الفذة ، مؤكدة أن عطاءه انطلق دائماً من التزام ديني ووازع أخلاقي لا يرتبط بأية مصالح دنيوية مهما علت قيمتها . ففي هذا المقام وعلى سبيل الأمثلة أبرزت صحيفة لوفيجارو الفرنسية بتاريخ العاشر من سبتمبر 1991م العطاء الإنساني لزايد الخير بقولها "انطلاقاً من إيمانه الإسلامي سعى الشيخ زايد جاهداً لتبني سياسة عون ومساعدة البلدان المقهورة" . وأضافت "قدم الشيخ زايد دعمه الثابت للمسلمين وكافة شعوب العالم في جهودها للتنمية وقد تم توزيع أكثر من 5 مليارات دولار كهبات أو قروض بشروط ميسرة بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع في أكثر من 40 بلداً في ثلاثة قارات" . واستطردت "يدرك الشيخ زايد تماماً معنى الفقر والمجاعة وإذ انتفت هذه الكوارث الآن بالنسبة لشعبه فإنه لا يزال يمنح إعانات إلى شعوب متعددة في كافة أنحاء العالم" .
وتبـرز مجلة الصياد اللبنانية عطـاء الشيخ زايد وكرمه بتاريخ الثاني عشر من فبراير 1999م قائلة : "إن الشيخ زايد أمر بإرسال 800 طن من المساعدات العاجلة إلى الشعب الفلسطيني الشقيق وبدأ أسطول شاحنات الإعانة مسيرة الخير من أبوظبي يرفرف فوقه علم الإمارات الذي يتوسطه شعار الهلال الأحمر" . وتضيف المجلة "أن الحرب لم تجعل الشيخ زايد ينسى الشعب الفلسطيني فتبرع بنصف مليون دولار لمستشفى القدس العربية" . مؤكدة "أن تبـرع زايد يعتبر انتصاراً للشعب الفلسطيني وقضيته وتأكيداً لأن قضية فلسطين لا تزال في البال والفكر والضمير العربي" .
واستذكاراً لذات المعاني النبيلة تلك تقول صحيفة الرأي العام الكويتية بتاريخ الرابع والعشرين من أغسطس 1976م "الشيخ زايد يؤمن أن الإنسان لا يستطيع أن يكون سعيداً إذا كان جاره محروماً وأن تكافـل البشـر هو أن يعطي الغني ما عنده لمن ليس عنده ولأن دولة الإمارات العربية المتحدة قد حباها الله بالخيرات فإنها تعطي نصيباً معلوماً لدول عدم الانحياز" . وتقول صحيفة الأهـرام المصريـة بتاريخ الخامس عشر من مارس 1988م "الشيخ زايد يؤمن بأن بترول بلاده هو بترول الأمة العربية ولذلك فقد أقام دائرة رسمية أطلق عليها اسم صندوق أبوظبي للإنماء الاقتصادي العربي للإسهام في برامج التنمية في الدول العربية ومن آخر مساهماته إنقاذ ضحايا المجاعة في السودان وإعادة بناء سد مأرب التاريخي في اليمن" .
كما تقول صحيفة سوار مباروان الإندونيسية بتاريخ التاسع عشر من مايو 1990م "إن الشيخ زايد ساهم في بناء العالم الثالث وتعتبر دولة الإمارات الممولة النشطة للمساعدة في النهوض بالعالم الثالث عن طريق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى" . وتضيف ذات الصحيفة قائلة "ليس غريباً أن يُعرف الشيخ زايد بين أبناء الإمارات وفي جميع الدول العربية ودول العالم الثالث بلقب زايد الخير . ففي عام 1972م كان حجم المساعدات التي قدمتها الإمارات 7 ملايين درهم وقفزت مع مرور السنين لتصل إلى أكثر من 500 مليون درهم عام 1988م أي خلال 26 عاماً فقط" . وتبرز صحيفة الراية القطرية في الثاني من ديسمبر 1987م تنوع عطاء الشيخ زايد قائلة "عطاء الشيخ زايد يأخذ كل الصور والأشكال وفي كثير من الأحيان كان عطاؤه يتمثل في أن يتحمل على نفقته الشخصية تكاليف دراسة الطـلاب فـي الجامعـات الأجنبيـة ليس فقط من أبناء الإمارات وإنما من أبناء الدول العربية والإسلامية" .
إن التاريخ الإنساني سيقف طويلاً وبإجلال أمام سيرة وشخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه فقد عرفته الإنسانية في حقبة مزدحمة الأحداث قائداً وإنساناً بمواقفه الخالدة حيث كان متابعاً مثابراً لأحوال العالم ، ويستشعر هول ما تعانيه بعض شعوبه من كوارث ونكبات ، لتجد مبادراته العاجلة والكريمة طريقها إلى هؤلاء دون تأخير أو تردد ، وكم من ملايين المحرومين الذين وجدوا في إنسانيته ما أعانهم على تخطي محنهم وتجاوز أحزانهم ، فمن لبنان أثناء محنة الحرب الأهلية إلى الشعب الصومالي إلى شعب البوسنة والهرسك والشعب العراقي وشعب كوسوفو وشعب باكستان وشعب أفغانستان وغيرهم الكثيرين ممن أسعفتهم الجسور الطبية بآلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والمعونات العاجلة .
وكما تقدم البيان فإن المساعدات التي قُدمت لهذه الدول والشعوب لم تكن قاصرة على أوقات الشدة أو على مجرد شحنات من الكساء والغذاء والدواء ، وإنما توجه الشيخ زايد رحمه الله إلى إنشاء المدارس والمعاهد وبناء دور الأيتام والجامعات التي تخرج منها عشرات الآلاف في أماكن متفرقة من العالم . وإيماناً منه رحمه الله وطيب ثراه بضرورة ارتباط عملية بناء الإنسان بالبعد التنموي الذي يعين البلدان الفقيرة على تدبير مصادر دخل دائمة لفقرائها أو منكوبيها أقبل الشيخ زايد على إنشاء مشروعات تنموية متعددة بتمويل ضخم وفرت الوظائف والمهن لآلاف العائلات التي أضحت تعتمد على نفسها في تحصيل الأرزاق وتدبير الحاجات بعد طول معاناة من القعود والبطالة والحرمان . فكانت المدن المتكاملة التي شيدت بتمويل كامل من الإمارات الأساس القوي الذي قامت عليه المشروعات التنموية سواء الصغيرة أو المتوسطة أو الكبرى في بلدان كثيرة من القارتين الآسيوية والأفريقية ، ولم تلبث طويلاً حتى تحولت إلى مراكز جذب واستقطاب للسكان ودارت فيها عجلات المصانع التي نهضت عليها عمليات تنموية وحضارية متوالية.
رابعاً : الشيخ زايد .. مواقف تاريخية :
مـا أكثـر المواقـف البطولية التاريخية لصاحب السيرة العطرة القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، رحمه الله وطيب ثراه والتي يسطرها التاريخ بأحرف من نور وأسطر من ضياء ، ليجد فيها كل متأمل القدوة والعظة وليتمثل القيم الإنسانية النبيلة والصفات القيادية النادرة لهذه الشخصية ذات الصفات الاستثنائية والتي ستظل ملامحها ساطعة بالعظمة والبهاء كجزء مجيد من تاريخ الأمتين العربية والإسلامية . ولعل في إيراد موقفه أثناء حرب أكتوبر عام 1973م على الجبهتين المصرية والسورية (وهو أحد مواقفه البطولية التاريخية الكثيرة) ما يؤكد وضوح رؤيته رحمه الله وثباته على نهجه العربي والإنساني الأصيل في أحلك الفترات التاريخية التي مرت بها الأمة العربية ، والمثال من حديث أورده الكاتب وجيه أبو ذكري ، في كتابه "زايد عن قرب" وفيه يقول الشيخ زايد رحمه الله متحدثاً عن قراره التاريخي بقطع البترول على الدول المساندة لإسرائيل في الحرب : "عندما بدأت الحرب كنت في لندن ، وفي هذا الوقت لم تكن هناك في إمارة أبوظبي أو الإمارات ككل أية مدخرات مالية سائلة في خزائنها على الإطلاق .. فكل الدخل مستثمر في تنفيذ مشروعات التنمية في الدولة ، ووجدت أنه من الواجب علينا أن نساعد مصر وسوريا في هذه الحرب بقدر ما نستطيع ، وتشاورت مع من كان معي في ذلك الوقت حول ضرورة أن نساعد مصر وسوريا ، فقالوا : هل طلبت مصر وسوريا منك المساعدة ؟ فقلت : لا .. ولكن من واجبنا أن نبادر بالقيام بدورنا ولدعم موقفهم في هذه المعركة التي هي معركتنا جميعاً .. ولا يجب أن ننتظر حتى يطلبوا ، فردوا قائلين : إننا لا نملك شيئاً يذكر نستطيع تقديمه ، فكل الأموال مستخدمة في تنفيذ المشروعات . وكان علينا أن نقترض من البنوك وأرسلنا إلى مصر وسوريا ، وبرغم ذلك شعرت أننا مقصرون تجاه إخواننا في مصر وسوريا وإننا لم نقم بكل الواجب تجاههم . وعندما دمرت محطات توليد الكهرباء في سوريا خلال الحرب وأصبحت هناك حاجة ماسة للكهرباء أرسلنا لهم محطات الكهرباء وعندما كانت هناك حاجة للملابس والأدوية ومستشفيات متنقلة في مصر وسوريا اشترينا هذه الأشياء وأرسلناها لهم .. وقدمنا ذلك بعـد أن لجأنا إلى الاقتراض مـن البنوك لأننا لم نكن نملك في ذلك الوقت أية سيولة مالية .. والحقيقة أن الإنسان حتى وإن اقترض في مثل هذه الأمور فهذا أمر ضروري واجب عليه أن يقوم به من أجل أشقائه" .
وتكشـف صحيفـة الجمهوريـة المصرية بتاريـخ الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1976م مزيداً من تفاصيل هذا الموقف البطولي للشيخ زايد رحمه الله قائلـة : "اتصـل الشيخ زايد ومـع أول طلقـة فـي حـرب أكتوبر بكل من الرئيس السادات والرئيس السوري حافظ الأسد وأبلغهما أنه يضع كل إمكانيات دولته مالاً ورجالاً في معركة المصير العربي ، ثم أضاف إنني لا أعرض دعماً مالياً ، بل أعرض روحي ، إنها ملك لكم" . وتضيف الصحيفة "لم يكن زايد يملك المال في هذا الوقت فجمع رجال البنوك في إنجلترا وطلب منهم إقراضه المبلغ بضمان البترول . ولكن البعض تدخل لمنع هذا القرض ، فلما علم الشيخ زايد بالأمر جمع رجال البنوك وأنذرهم بوقف التعاون معهم إذا لم يتم المطلوب على الفور . وكان له ما أراد" . وتستطرد "لم يكتف الشيخ زايد بذلك بل اجتمع مع رئيس وزراء بريطانيا وطلب منه تحديد موقف بلاده من المعركة وأوضح له خطورة ما تتعرض له المصالح البريطانية إذا انحاز البريطانيون إلى إسرائيل ، وأهم هذه المصالح تزويد بريطانيا بالبترول . وبالفعل أعلن رئيس وزراء بريطانيا وقوف بلاده على الحياد" .
وتضيف صحيفة الجمهورية المصرية قائلة "عندما لاحظ الشيخ زايد أن الصحف البريطانية الكبرى منحازة لإسرائيل اتخذ الشيخ خطوة جريئة أحرجت الصحف أمام الجماهير البريطانية وجعلتها تلتزم الصدق فيما تنشر عن سير المعارك عندما جمع أربعين صحفياً بريطانياً من الصحف البريطانية المحلية وأرسلهم على نفقته إلى جبهة القتال وقرأ المواطنون البريطانيون في هذه الصحف أخبار المعركة على حقيقتها بلا تحيز مما اضطر الصحف الكبرى إلى التخلي عن تحيزها" . وتعلق الصحبفة "دفعت هذه المواقف البطولية الصحف البريطانية إلى القول بأن الإمارات ليست من دول الدعم إنها من دول المواجهة" .
جاء هذا الموقف التاريخي المبكر للشيخ زايد رحمه الله في وقت كانت تخوض فيه دولة الإمارات العربية المتحدة معركة التنمية الحقيقية على جميع المستويات ، وهي المعركة التي وجهت لها جميع القدرات والإمكانات ، ومع ذلك هب الشيخ زايد ملبياً لنداء الواجب دون أن يطلب منه أحد ذلك . بل إن الجميع كان بإمكانهم إيجاد عذر مشرف لدولة الإمارات في صورة عدم مساعدتها ولكن الشيخ زايد قلب كل المعطيات والمفردات التقليدية في التعاطي مع القضايا الكبرى من منطلق جود الكريم بما عنده ، ولأن جميع أموال الكريم قد أنفقت في مشروعات بناء بلده فإن حب زايد للشقيق وتأصل العطاء في شخصيته دفعه إلى الاقتراض لتقديم العون والمساعدة التي كانت تعني الكثير في تلك المرحلة التاريخية العصيبة التي مرت بها الأمة ، هذا الموقف لا يمكن لأي كان أن ينساه للقائد البطل الشيخ زايد رحمه الله ، وستبقى هذه الصورة راسخة في ذهن الأجيال المتعاقبة ودرساً في الوطنية والعطاء .
وتحفظ مصر للشيخ زايد ولدولة الإمارات العربية المتحدة هذا الموقف البطولي وغيره من المواقف الحافلة بمعاني الأخوة العربية الأصيلة ، ففي شهادة للتاريخ للرئيس المصري الراحل أنور السادات ، وفي فترة القطيعة العربية لمصر ، لم تنس مصر وقيادتها وشعبها الموقف التاريخي للشيخ زايد حيث يذكره السادات باعتزاز قائلاً : "الشيخ زايد رجل عربي أصيل .. ومصر لن تنسى أبداً له مواقفه الرائعة أثناء حرب أكتوبر .. ففي بداية الحرب كان الشيخ زايد في لندن .. واتصل بي أكثر من مرة ليطمئن على سير المعارك .. ولم يكن لديه سيولة فـي ذلك الوقت . فجمع مدراء البنوك . وطلب منهم سرعة تدبير مائة مليون دولار . وقامت البنوك بتدبير المبلغ .. وأرسله لنا على الفور .. لم يتوقف الشيخ زايد بعد الحرب عن دعم مصر .. سأظل أذكر هذا الرجل العظيم بالتقدير والامتنان والاحترام .." .
ولم يكن غريباً إزاء السجل الحافل بالمواقف البطولية المشرفة أن تختار مؤسسة رجل العام الشيخ زايد ليكون رجل عام 1988م تقديراً لمواقفه وجهوده المتواصلة لدعم التضامن العربي . وكانت العبارات التي استهل بها ليوسنجون رئيس هيئة رجل العام كلمته وهو يسلم الشيخ زايد الشهادة والميدالية الخاصة بلقب رجل عام 1988م ، بحق شهادة للتاريخ على ما حققه الشيخ زايد لشعبه وأمته حيث قال ليوسنجون "شهرتكم تجاوزت الحدود وجعلت منكم رجلاً ذا صفات استثنائية ورئيس دولة عظيمة" . وأضاف رئيس الهيئة "مواقف صاحب السمو على الصعيدين الداخلي والخارجي ونضاله وفكره وإنجازاته لفتت أنظار المحللين السياسيين ودفعتهم إلى دراسة شخصيته" . ويوجه رئيس الهيئة خطابه إلى الشيخ زايد قائلاً : "إن اختياركم رجل العام جاء اعترافاً بكل ما أنجزتموه على مدى السنوات العديدة الماضية واعترافاً بكل جهودكم وعملكم المستمر من أجل علاقات إقليمية وطيدة ومستمرة، ومن أجل تعاون أفضل وتنسيق أوسع ، وإقراراً بشجاعتكم ونجاحكم الدبلوماسي وجهدكم اليومي على المستوى المحلي والدولي واعترافاً بموهبتكم في مجال القيادة والوحدة اعتماداً على روح المبادرة والإصرار التي تتسم بالإخلاص الكبير ، فإن قادة العالم وكل أصدقائكم في أركان القارات والرأي العام الدولي يعلمون ما تقومون به في هذه المنطقة" .
إن مركز شؤون الإعلام وإذ استذكر بعين الإجلال الجانب اليسير من العطاءات الإنسانية الخالدة للقائد المؤسس والبطل الفذّ الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه ، ليؤكد أن التاريخ المنصف سوف يحفظ سيرته العطرة كقائد صنع أمة مجد وفخار ، وهي الأمة التي تواصل مسيرتها المباركة نحو المزيد من الازدهار والتقدم والرفعة في ظل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه والذي أجاد في العطاء والإنجاز على حد سواء في مرحلة التأسيس والبناء ثم في مرحلة التمكين والإعلاء ، لترفل إمـارات الخيـر في ثياب عزها القشيبة ، ولتصل إلى أعلى مراتب النمو والنماء بين مجتمعها الإنساني .
وقد تحدث الصحفي والكاتب السيد / عباس الطرابيلي عن مآثر الراحل في كلمة قال فيها " ان الشيخ زايد رحمه الله قام بخطوتين رئيسيتين لتحقيق حلمه الوحدوي ، أولاهما أنه عمل على ربط كل إمارة بالأخرى على أساس علمي سليم أسفر عن تأسيس دولة الاتحاد تم الإعلان عن قيامها عام 1971.
والثانية أنه قام بتقوية قوة دفاع أبوظبي المسلحة لتكون العمود الفقري في القوات المسلحة لدولة الإمارات والدرع الحامي للدولة البازغة معبراً عن فكر بناة الأوطان الخالدين أفضل تعبير حين ربط بناء القوة بقوة بناء الوطن.
وأوضح السيد عباس الطرابيلي، أن جهود الشيخ زايد تمت خلال رحلة تنقله في مقاليد الحكم، منذ أن شغل منصب ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية لأبوظبي .وقال إن البداية كانت بشبكة طرق تم تمويلها من المالية الخاصة بإمارة أبو ظبي . ثم فكر الشيخ زايد في بناء أول مصفاة تكرير للبترول بمنطقة أم النار بابوظبي قبل مشروع ميناء زايد ، مؤكدا ان ذلك إنما يدل على فكر حاكم مستنير يرعى مسيرة التحديث والبناء بالإمارات المختلفة . وشدد على أن الراحل الكبير استغل الثروة البترولية في بناء الإنسان الإماراتي من خلال إنشاء مدارس ومستشفيات وخدمات وبنى تحتية لأنه كان يريد إقامة دولة تقوم على قوانين وقواعد وأسس راسخة تحقق الرفاه والاستقرار لأبناء الوطن .
وتطرق المحاضر إلى أن من أهم أولويات الشيخ زايد رحمه الله كان برنامج توطين البدو في مناطقهم بدلا من أن يتركوا البادية إلى المدن حيث قام بتوصيل خدمات التمدن إليهم .
وحول التعليم في فكر زايد ، أشار السيد الطرابيلي إلى قرار الراحل رحمه الله بإرسال البعثات التعليمية للخارج حيث أشرف عليها بنفسه . كما استقطب العقول العربية والإسلامية المميزة المهاجرة إلى أوروبا وأمريكا من أطباء ومهندسين وأساتذة قانون للاستفادة من خبراتهم في بناء الوطن .
كما استعرض ما شغلته الزراعة والبيئة الطبيعية والحياة البرية من مكانة خاصة عند الشيخ زايد، مشيرا إلى أن سموه كان يؤمن بضرورة الحفاظ على البيئة بشكل فطري نابع من تربيته وأفكاره حيث كانت عملية التشجير شغله الشاغل وبدأت من خلال عمل مشروعين لتشجير الطرق الداخلية والخارجية بين إمارات الدولة واستقدم خبراء زراعيين من جامعات متخصصة لهذا للغرض .
واشار الى رؤية الشيخ زايد في تنويع مصادر الدخل وتنويع اقتصاد الدولة، حيث أقام نهضة زراعية غير مسبوقة حل فيها اللون الأخضر محل اللون الأصفر في مساحات شاسعة من البلاد وخضرت الصحراء في واحدة من أبرز التجارب في مجال الزراعة في العالم العربي، ساهمت في إحداث نهضة اقتصادية كبيرة في الإمارات مسخراً عوائد البترول في ذلك، وذلك تكريسا لفكره حول تسخير كل عمليات التنمية في خدمة الإنسان ابن الإمارات.
وتناول الدور الكبير للشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رحمه الله عربيا وقال إن سموه كان رجلا وحدويا محبا لأمته ,وقد تثمل ذلك في موقفه الشهير في حرب أكتوبر 1973 حيث قام بإرسال كل الدعم المتمثل في الأدوية والعلاج لمصر وسوريا عن طريق إرسال طائرتين محملتين بالأدوية والدم والبلازما . بالإضافة إلى الدعم المادي الذي يقدَّر بمائة مليون دولار لمصر. مبينا انه رحمه الله كان أول من استخدم البترول كسلاح في الحرب، ومقولته الشهيرة في ذلك (ان البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي ) أن هذا الموقف كان خطوة جادة وجريئة وكان سبباً في قلب موازين تحديد أسعار البترول من الشركات المسوقة إلى الدول المنتجة . ثم قام بعد حرب أكتوبر بإنشاء مدينة زايد بمحافظة الإسماعيلية تعويضاً عن المدن التي دمرت في الحرب ، وكانت بالحجر حتى تكون حصناً منيعا وإن دل ذلك فإنما يدل على فكر بناء جديد ومختلف .
وتناول السيد الطرابيلي البعد الإنساني عند الشيخ زايد رحمه الله وقال إن مآثره كبيرة وكثيرة شملت الشرق والغرب دون تمييز موضحا اهتمامه بكل قضايا العرب والمسلمين والدول الصديقة وعمت مكرماته الجميع من الصومال في أفريقيا إلى أقصى مناطق الدول الإسلامية في شرق آسيا .
ولم ير خيراً إلا وفعله ولم يشاهد درباً إلا وأضاءه، وأفرد في قلبه مساحة لكل محتاج وفقير وكانت فلسفته التي عبّر عنها ( لا نريد أن نرى في الإمارات إنسان متضرراً أو محتاجاً في جميع المجالات) مدخلاً ليعم خير زايد العالم العربي والإسلامي، مؤكداً أن تقديم المساعدات للعرب والمسلمين وبلدان العالم الثالث هي أولاً وقبل كل شيء إيماناً بالواجب الإنساني وتعبيراً عن الشعور بالمسؤولية الإنسانية تجاه هذه الشعوب.
وأشار إلى بعد التسامح الثقافي في سياسة الإمارات التي كرسها الراحل العظيم لتكون علماً على مواقف الإمارات الداخلية والخارجية، وهو المبدأ الذي أكده زايد بأن التسامح مبدأ لا غنى للإنسان إن كان يعتبر نفسه إنساناً حضارياً، وقال المحاضر أن العالم اليوم بحاجة إلى المبادئ الثرية التي تمسك بها زايد في كل خطواته داخل الوطن وخارجه ومازالت نبراساً لسياسة الإمارات.
وشدد على أن زايد الإنسان، شخصية فذة كانت وستبقى مثالا يحتذي به في الطموح والتلاحم والعطاء، وقال إن رؤية الراحل الكبير للعمل الإنساني تعدت حدود الإمارات لتعم العالم اجمع بحيث اعتبر أحد أبرز رموز العمل الخيري في القرن العشرين بفضل روح الإيثار التي يتحلى بها.
وطالب المحاضر في ختام كلمته بإنشاء مركز عربي للدراسات وقسم يحمل اسم زايد ويوضح للناس فكره وعمله وما قدمه للأمتين العربية والإسلامية ، كما طالب بضرورة حصر وتوثيق تاريخ الإمارات ليكون منارة للأجيال القادمة ومثالا يقتدى به .








التعليقات