اللواء كامل أبو عيسى لدنيا الوطن: اوباما يعيش في هواجس فناء الإمبراطورية الأمريكية عبر تفككها تحت ضغط الأزمات المتلاحقة
غزة- دنيا الوطن
سيادة اللواء بتاريخ 29/12/2007 كان لنا مع سيادتكم لقاء هام تحدثتم فيه عن التراجع المنتظر للدور الاستراتيجي الإسرائيلي في عموم المنطقة وعن ملامح ومؤشرات الانهيار المالي والاقتصادي الأمريكي وتراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية السياسي والأمني على الصعيد الدولي وعن الحضور القوي والفاعل لمراكز رأس المال الجديدة لكل من جمهورية روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والهند والصين وعن اهتزاز وضعف مكانة رأس المال اليهودي على ضوء هذه المستجدات والذي اعتاد وتعود على التأثير الفاعل في كافة المجريات الدولية من خلال سيطرته الواسعة على الداخل الأمريكي ، ونحن الآن نلتقي مع سيادتكم قبل شهرين من نهاية عام 2008 والذي قدمت أحداثه المتلاحقة الدليل القوي على صحة قراءتكم وتوقعاتكم ورؤيتكم العميقة لهذه المتغيرات ، ولهذا فإننا في صحيفة دنيا الوطن وبعد عودتكم الميمونة من رحلة العلاج في جمهورية مصر العربية الشقيقة نأمل منكم وتعميماً للفائدة تقديم ما لديكم من رؤى إستراتيجية ثاقبة عن المنتظر من الأحداث الدولية والإقليمية والمحلية وسنبدأ بالحدث الأهم حول رؤيتكم للمخاض الانتخابي العسير الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية .
_ ما هي رؤيتكم لمستقبل الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الدولي الذي تقوده والقائم على سياسة القطب الواحد؟
_الولايات المتحدة الأمريكية تشهد بالفعل مخاضاً انتخابياً عسيراً تحت ضغط الانفجار الهائل للازمة المالية والاقتصادية الحادة التي تعصف بها والتي امتدت في تأثيراتها لتطال كافة الاقتصاديات الدولية وعبر مختلف القارات وهى في نفس الوقت تعانى ويلات الفشل والإخفاق السياسي والأمني على الصعيدين الدولي والإقليمي بسبب حماقة البرامج الخاصة بالمحافظين الجدد وإدارة الرئيس الجمهوري (جورج دبليو بوش) والذي حفر لنفسه مكانة خاصة في التاريخ الأمريكي وبأعتباره الرئيس الأسوأ في تاريخ البلاد والذي دشن وعبر سياساته الرعناء طريق الانهيار الحتمي لأكبر إمبراطورية عرفها التاريخ ، ( باراك حسين اوباما ) المرشح الرئاسي الجديد عن الحزب الديمقراطي سيضرب موعداً مع التاريخ عبر فوزه المنتظر في هذه الانتخابات وسيكون أول زعيم أمريكي اسود في قيادة البيت الأبيض إلا أن هذا الفوز المستحق بحد ذاته ربما لن يكون كافياً لإخراج الولايات المتحدة الأمريكية من أتون الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بها، فالحزب الديمقراطي وعبر زعيمه الأسود يقدم برامجاً طموحة للتغيير وهى برامج تمتلك الإرادة ولكنها قد لا تجد القدرة وعبر الوقائع المادية المطلوبة على إحداث التغيير المطلوب والنهوض مجدداً من هذه الكبوة الخطيرة ، هكذا على الأقل تقول تجارب التاريخ والتاريخ المعاصر بالذات ، فعندما تسلم الزعيم السوفييتي الشاب ( ميخائيل سرجفتش قربتشوف ) مقاليد السلطة في البلاد السوفييتية قدم برامجاً طموحة للتغيير وبهدف الخلاص من تركة العواجيز ممن سبقوه في حكم البلاد وقد حظي بتعاطف الشعوب السوفييتية وبدعم وتعاطف دولي واسع على الصعيدين الرسمي والشعبي إلا أن كل ذلك لم يكن كافياً لإخراج الاتحاد السوفييتي من أزمته المالية والاقتصادية العميقة والتي انتهت عبر تداعياتها الاجتماعية بانهيار الحزب وتفكك الدولة وزوال الإمبراطورية ، والزعيم الأمريكي الديمقراطي الشاب ( باراك حسين اوباما) يحمل نفس الطموحات وهو يبدو ثائراً ومتمرداً على كافة النظم والمفاهيم التقليدية والكلاسيكية لنظام العولمة الاقتصادية الفاشلة وهو يستحق الاحترام والتقدير من قبل جموع الشعب الأمريكي ولكن هذا الاحترام وهذا التقدير قد لا يكون كافياً لمعالجة الثقوب المتعددة في السفينة الأمريكية المبحرة وسط الأمواج المتلاطمة وفى عالم ستتعدد فيه مراكز رأس المال ومراكز الفعل والقرار المدعومة بالقوة على الصعيدين الدولي والإقليمي ، وربما لهذا ولذلك وعبر رؤيتها المبنية على مستجدات الوقائع المنتظرة سارعت (إسرائيل) وبإعلان مفاجأ لتبدى رغبتها في قبول ( المبادرة السعودية للسلام) في المنطقة قبل تعريبها واستعدادها أيضا للتفاوض مع العرب على أساس (المبادرة العربية ).
_ على ضوء هذه المتغيرات كيف ستتصرف الإدارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط وعلى صعيد الصراع العربي الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية ؟
_ سلم الأولويات الأمريكي الجديد والمنتظر في عهد الإدارة الديمقراطية الأمريكية القادمة سيضع برامج الحل المناسب للازمات المالية والاقتصادية الداخلية على رأس الاهتمامات الملحة ولن يترك للقضايا الأخرى إلا النصيب الأقل من الاهتمام وهو النصيب الذي سيرتكز على تامين الخروج العسكري الأمريكي الآمن من العراق وعبر بوابة المساومات الإقليمية والتفاوضية المنتظرة مع إيران ولهذا ولذلك فإن العديد من المستجدات ستطرأ على صعيد الدور التقليدي والفاعل بالقوى والمحاور في المنطقة وسيكون للحل الشامل والدائم في المنطقة دوره في إعادة ربط المسارات العربية التفاوضية مع إسرائيل على حساب الحلول الانفرادية والجزئية ، وعليه فإن التنسيق العربي وعلى أعلى المستويات بين سوريا وقيادة السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومتين اللبنانية والأردنية وبغطاء مصري وسعودي سيعود للواجهة وباعتباره البوابة العربية الرسمية للتفاوض كما سيتراجع الدور المستحدث لبعض الدول والكيانات الصغيرة على هذا الصعيد .
_ فجأة دخلت إسرائيل في أزمة دستورية وفراغ حكومي بإعلان ( تسيبي ليفني) عن فشلها في تشكيل حكومة وسيتم الدعوة لحل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة لماذا؟!
_ كان بإمكان (تسيبي ليفنى ) تشكيل حكومة آمنة وبالاعتماد على قاعدة المندوبين العرب في الكنيست وباعتقادي فان افتعال الأزمة لها علاقة بالاستحقاقات الإسرائيلية المطلوب دفعها على المسار الفلسطيني وهى استحقاقات وعدت بها إدارة الرئيس بوش الجانب الفلسطيني وأهمها الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة قبل نهاية عام 2008 . إسرائيل تعي وتعرف تماماً أنها ستقف وحيدة أمام خيار الحل الشامل مع العرب وعلى قاعدة المبادرة العربية للسلام : وهي لذلك وبعد أن تيقنت من رغبة الزعيم الأمريكي (باراك حسين اوباما) بالتفاوض مع إيران وسماعها لعبارته الشهيرة والتي وصف بها الجانب الإسرائيلي ب(مجموعة من المجانين) كونهم يرفضون المبادرة العربية والتطبيع مع جميع الدول العربية في مقابل عودة الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وهضبة الجولان ومزارع شبعا ، وهي بذلك أي إسرائيل تتجه وعبر انتخاباتها المبكرة نحو اليمين المتطرف وحتى يكون للزعيم الليكودي( بنيامين نتنياهو) دوره الكبير والواسع على صعيد التشكيلة المنتظرة لحكومة الوحدة الوطنية الإسرائيلية بعد الانتخابات وهى الحكومة القوية والقادرة على اتخاذ قرارات الموافقة على حلول التسوية أو الرفض لهذه الحلول ومواجهة الممكن من الضغوطات الدولية الأوروبية والأمريكية المتوقعة .
_ الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت رسميا عن إفشالها لخطة اغتيال الزعيم (باراك اوباما) على يد النازيين الجدد فهل هناك خطر حقيقي على حياته ؟
_ الإعلان الرسمي الأمريكي عن إفشال خطة الاغتيال قد يكون إعلان صحيح مئة بالمئة وقد يكون التمهيد الأخلاقي على الصعيد الأمني لتنفيذ عملية اغتيال لاحقة وفى كل الأحوال فإن ( باراك اوباما) يعيش في هواجس هذه المسألة وهى إن تمت بالفعل ستؤدى عبر نتائجها إلى بداية تفسخ وانشقاق المجتمع الأمريكي على نفسه وقد يكون لذلك أثره البليغ على بقاء أو فناء الإمبراطورية الأمريكية عبر تفككها تحت ضغط الأزمات المتلاحقة .
_ هل سيكون لروسيا الاتحادية دورها الفاعل على صعيد منطقة الشرق الأوسط والحل المطلوب للصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية ؟
_ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتسيد أمريكا للمنظومة الدولية عملت إدارات البيت الأبيض الأمريكي على إقصاء جمهورية روسيا الاتحادية من ملعب الشرق الأوسط وكان لحكومات إسرائيل المتعاقبة وقوى الضغط الصهيوني دورها البارز في التأثير على الموقف الأمريكي ، وعملياً فإن العداء اليهودي المتصهين في إسرائيل وداخل الولايات المتحدة الأمريكية للشعب الروسي عداء قديم ومستحكم وحيث تواصل المنظمات الصهيونية لعبتها الدائمة للسيطرة الاقتصادية والمالية على البلاد وبهدف إخضاع القرار السياسي والأمني الروسي للنفوذ الإسرائيلي ولقوى الضغط الصهيونية ، وجاءت أحداث الصراع والتصادم العسكري بين الجيش الروسي وجمهورية جورجيا لتكشف اللثام عن تعاون إسرائيلي واسع وشامل مع جمهورية جورجيا وصل حد تسليح وتدريب الجيش الجو رجي ودعمه بالمئات من الخبراء العسكريين والأمنيين الإسرائيليين وقد حاولت إسرائيل تدارك نتائج فعلتها المشينة بالتنازل عن بعض الأراضي التابعة للكنيسة الروسية في مدينة القدس إلا أن ذلك لم يغير من واقع الأمور وباعتبار أن عودة جمهورية روسيا الاتحادية للقيام بدورها المعهود في الشرق الأوسط كان دائماً يأتي عبر البوابات العربية وعلى قاعدة نصرتها الدائمة للقضايا العربية ووقوفها الدائم والثابت إلى جانب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ، ولهذا فإن عودتها القوية للمنطقة أعادت وعلى ارض الواقع صياغة التوازنات القائمة في منظومة الصراع العربي الإسرائيلي ولجهة دعم قواعد التسوية العادلة والقائمة على الانسحاب الإسرائيلي الشامل والتام من الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة وصولاً إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية ، وللأهمية وجب التذكير هنا بأن المكانة الإستراتيجية لروسيا الاتحادية على الصعيدين الدولي والإقليمي بدأت تفرض نوعاً جديداً من التوازنات القائمة على تبادل المنفعة والمصالح فهي الآن وعبر أنابيبها العملاقة تضخ النفط والغاز المسال إلى دول الاتحاد الأوروبي وتفتح أراضيها البكر أمام المستثمرين الأجانب وحيث تحظى ألمانيا واليابان والصين وفرنسا بالنصيب الوافر كما تقيم علاقات تجارية مميزة مع الهند وسائر بلدان العالمين العربي والإسلامي بالإضافة إلى بعض الكيانات السياسية الناهضة في قارة أمريكا اللاتينية مثل فنزولا ، تشيلي والبرازيل وبوليفيا وكوبا والأرجنتين ولهذا فان محاولات التهديد الأمريكي والإسرائيلي بالعمل على عزل روسيا الاتحادية دولياً ومحاصرتها اقتصادياً لا تعدو عن كونها تهديدات فارغة وعديمة الجدوى وغير قابلة للترجمة في أسواق المصالح المتنامية والدائمة بين الأمم والشعوب والكيانات السياسية المستقلة .
_ إسرائيل حاولت دائماً عزل روسيا الاتحادية وكافة الأطراف الدولية الأخرى الفاعلة عن العملية السلمية بسبب تعاطف هذه الأطراف مع الحقوق الوطنية العادلة للشعب الفلسطيني فكيف ستكون الحال مستقبلاً؟ وهل يمكن لإسرائيل الاستمرار في هذه اللعبة المدمرة لعملية السلام؟
_ في تقديرنا الخاص للتطورات المستقبلية ربما تجد إسرائيل نفسها غير قادرة على الاستخدام التقليدي للهراوة الأمريكية في مواجهة هذه القوى ويمكن لجمهورية روسيا الاتحادية ودول الاتحاد الأوروبي العمل معاً للتحرر من هذا الضغط الأمريكي المساند للظلم والعدوان الإسرائيلي ،وإذا كانت دول الاتحاد الأوروبي قادرة وبالفعل على تقديم كافة أشكال الدعم والعون الاقتصادي والمالي لبناء مؤسسات وكيان المجتمع الفلسطيني فإن لروسيا الاتحادية مقدرة فائقة على تزويد الجانب الفلسطيني والعربي سراً وعلناً بالوسائل القتالية الناجعة والقادرة على هز المكانة الإستراتيجية للجيش الإسرائيلي وهو الأمر الذي تجلى بوضوح في الاستخدام الناجح لبعض هذه الوسائل القتالية الروسية من قبل حزب الله اللبناني في معاركه ضد قوات الغزو الإسرائيلية .
_ ولكن مثل هذه الأمور تحتاج إلى صياغة جديدة لمعادلة الواقع الفلسطيني فهل يمكن أن يتم ذلك ؟
_ نعم يمكن أن يتم ذلك بل ويجب أن يتم ذلك وهو ما تقوم به حالياً جمهورية مصر العربية الشقيقة لرأب الصدع الفلسطيني وعلى قاعدة التوحيد الخلاق لكافة القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية ، حاجة الواقع الفلسطيني للوحدة أصبحت كحاجة المخلوقات للهواء والماء ونحن وأمام العنجهية الإسرائيلية المبنية على الصلف والغرور بحاجة ماسة لصياغة الواقع الفلسطيني وعلى ثلاث ركائز أساسية وهى إننا بحاجة إلى رئيس يفاوض وهو يحمل بيده غصن الزيتون كالرئيس(أبو مازن) وبحاجة إلى شخصية اقتصادية فذة توظف علاقاتها الدولية والإقليمية وجهدها الدائم لبناء القواعد الثابتة للاقتصاد الوطني الفلسطيني وبحاجة كذلك وأيضا إلى المقاومة والى شخصية وطنية وإسلامية فذة لقيادة المقاومة لا تقل ذكاءاً وبراعة عن ذكاء وبراعة الشيخ ( حسن نصر الله) شيخ الجهاد والمقاومة اللبنانية ، بهذه الطريقة وبهذه القواعد الاعتبارية الثلاثة يمكن للحصان الفلسطيني أن يشد العربة بنجاح أكيد نحو الظفر ونحو النصر .
سيادة اللواء بتاريخ 29/12/2007 كان لنا مع سيادتكم لقاء هام تحدثتم فيه عن التراجع المنتظر للدور الاستراتيجي الإسرائيلي في عموم المنطقة وعن ملامح ومؤشرات الانهيار المالي والاقتصادي الأمريكي وتراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية السياسي والأمني على الصعيد الدولي وعن الحضور القوي والفاعل لمراكز رأس المال الجديدة لكل من جمهورية روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والهند والصين وعن اهتزاز وضعف مكانة رأس المال اليهودي على ضوء هذه المستجدات والذي اعتاد وتعود على التأثير الفاعل في كافة المجريات الدولية من خلال سيطرته الواسعة على الداخل الأمريكي ، ونحن الآن نلتقي مع سيادتكم قبل شهرين من نهاية عام 2008 والذي قدمت أحداثه المتلاحقة الدليل القوي على صحة قراءتكم وتوقعاتكم ورؤيتكم العميقة لهذه المتغيرات ، ولهذا فإننا في صحيفة دنيا الوطن وبعد عودتكم الميمونة من رحلة العلاج في جمهورية مصر العربية الشقيقة نأمل منكم وتعميماً للفائدة تقديم ما لديكم من رؤى إستراتيجية ثاقبة عن المنتظر من الأحداث الدولية والإقليمية والمحلية وسنبدأ بالحدث الأهم حول رؤيتكم للمخاض الانتخابي العسير الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية .
_ ما هي رؤيتكم لمستقبل الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الدولي الذي تقوده والقائم على سياسة القطب الواحد؟
_الولايات المتحدة الأمريكية تشهد بالفعل مخاضاً انتخابياً عسيراً تحت ضغط الانفجار الهائل للازمة المالية والاقتصادية الحادة التي تعصف بها والتي امتدت في تأثيراتها لتطال كافة الاقتصاديات الدولية وعبر مختلف القارات وهى في نفس الوقت تعانى ويلات الفشل والإخفاق السياسي والأمني على الصعيدين الدولي والإقليمي بسبب حماقة البرامج الخاصة بالمحافظين الجدد وإدارة الرئيس الجمهوري (جورج دبليو بوش) والذي حفر لنفسه مكانة خاصة في التاريخ الأمريكي وبأعتباره الرئيس الأسوأ في تاريخ البلاد والذي دشن وعبر سياساته الرعناء طريق الانهيار الحتمي لأكبر إمبراطورية عرفها التاريخ ، ( باراك حسين اوباما ) المرشح الرئاسي الجديد عن الحزب الديمقراطي سيضرب موعداً مع التاريخ عبر فوزه المنتظر في هذه الانتخابات وسيكون أول زعيم أمريكي اسود في قيادة البيت الأبيض إلا أن هذا الفوز المستحق بحد ذاته ربما لن يكون كافياً لإخراج الولايات المتحدة الأمريكية من أتون الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بها، فالحزب الديمقراطي وعبر زعيمه الأسود يقدم برامجاً طموحة للتغيير وهى برامج تمتلك الإرادة ولكنها قد لا تجد القدرة وعبر الوقائع المادية المطلوبة على إحداث التغيير المطلوب والنهوض مجدداً من هذه الكبوة الخطيرة ، هكذا على الأقل تقول تجارب التاريخ والتاريخ المعاصر بالذات ، فعندما تسلم الزعيم السوفييتي الشاب ( ميخائيل سرجفتش قربتشوف ) مقاليد السلطة في البلاد السوفييتية قدم برامجاً طموحة للتغيير وبهدف الخلاص من تركة العواجيز ممن سبقوه في حكم البلاد وقد حظي بتعاطف الشعوب السوفييتية وبدعم وتعاطف دولي واسع على الصعيدين الرسمي والشعبي إلا أن كل ذلك لم يكن كافياً لإخراج الاتحاد السوفييتي من أزمته المالية والاقتصادية العميقة والتي انتهت عبر تداعياتها الاجتماعية بانهيار الحزب وتفكك الدولة وزوال الإمبراطورية ، والزعيم الأمريكي الديمقراطي الشاب ( باراك حسين اوباما) يحمل نفس الطموحات وهو يبدو ثائراً ومتمرداً على كافة النظم والمفاهيم التقليدية والكلاسيكية لنظام العولمة الاقتصادية الفاشلة وهو يستحق الاحترام والتقدير من قبل جموع الشعب الأمريكي ولكن هذا الاحترام وهذا التقدير قد لا يكون كافياً لمعالجة الثقوب المتعددة في السفينة الأمريكية المبحرة وسط الأمواج المتلاطمة وفى عالم ستتعدد فيه مراكز رأس المال ومراكز الفعل والقرار المدعومة بالقوة على الصعيدين الدولي والإقليمي ، وربما لهذا ولذلك وعبر رؤيتها المبنية على مستجدات الوقائع المنتظرة سارعت (إسرائيل) وبإعلان مفاجأ لتبدى رغبتها في قبول ( المبادرة السعودية للسلام) في المنطقة قبل تعريبها واستعدادها أيضا للتفاوض مع العرب على أساس (المبادرة العربية ).
_ على ضوء هذه المتغيرات كيف ستتصرف الإدارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط وعلى صعيد الصراع العربي الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية ؟
_ سلم الأولويات الأمريكي الجديد والمنتظر في عهد الإدارة الديمقراطية الأمريكية القادمة سيضع برامج الحل المناسب للازمات المالية والاقتصادية الداخلية على رأس الاهتمامات الملحة ولن يترك للقضايا الأخرى إلا النصيب الأقل من الاهتمام وهو النصيب الذي سيرتكز على تامين الخروج العسكري الأمريكي الآمن من العراق وعبر بوابة المساومات الإقليمية والتفاوضية المنتظرة مع إيران ولهذا ولذلك فإن العديد من المستجدات ستطرأ على صعيد الدور التقليدي والفاعل بالقوى والمحاور في المنطقة وسيكون للحل الشامل والدائم في المنطقة دوره في إعادة ربط المسارات العربية التفاوضية مع إسرائيل على حساب الحلول الانفرادية والجزئية ، وعليه فإن التنسيق العربي وعلى أعلى المستويات بين سوريا وقيادة السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومتين اللبنانية والأردنية وبغطاء مصري وسعودي سيعود للواجهة وباعتباره البوابة العربية الرسمية للتفاوض كما سيتراجع الدور المستحدث لبعض الدول والكيانات الصغيرة على هذا الصعيد .
_ فجأة دخلت إسرائيل في أزمة دستورية وفراغ حكومي بإعلان ( تسيبي ليفني) عن فشلها في تشكيل حكومة وسيتم الدعوة لحل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة لماذا؟!
_ كان بإمكان (تسيبي ليفنى ) تشكيل حكومة آمنة وبالاعتماد على قاعدة المندوبين العرب في الكنيست وباعتقادي فان افتعال الأزمة لها علاقة بالاستحقاقات الإسرائيلية المطلوب دفعها على المسار الفلسطيني وهى استحقاقات وعدت بها إدارة الرئيس بوش الجانب الفلسطيني وأهمها الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة قبل نهاية عام 2008 . إسرائيل تعي وتعرف تماماً أنها ستقف وحيدة أمام خيار الحل الشامل مع العرب وعلى قاعدة المبادرة العربية للسلام : وهي لذلك وبعد أن تيقنت من رغبة الزعيم الأمريكي (باراك حسين اوباما) بالتفاوض مع إيران وسماعها لعبارته الشهيرة والتي وصف بها الجانب الإسرائيلي ب(مجموعة من المجانين) كونهم يرفضون المبادرة العربية والتطبيع مع جميع الدول العربية في مقابل عودة الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وهضبة الجولان ومزارع شبعا ، وهي بذلك أي إسرائيل تتجه وعبر انتخاباتها المبكرة نحو اليمين المتطرف وحتى يكون للزعيم الليكودي( بنيامين نتنياهو) دوره الكبير والواسع على صعيد التشكيلة المنتظرة لحكومة الوحدة الوطنية الإسرائيلية بعد الانتخابات وهى الحكومة القوية والقادرة على اتخاذ قرارات الموافقة على حلول التسوية أو الرفض لهذه الحلول ومواجهة الممكن من الضغوطات الدولية الأوروبية والأمريكية المتوقعة .
_ الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت رسميا عن إفشالها لخطة اغتيال الزعيم (باراك اوباما) على يد النازيين الجدد فهل هناك خطر حقيقي على حياته ؟
_ الإعلان الرسمي الأمريكي عن إفشال خطة الاغتيال قد يكون إعلان صحيح مئة بالمئة وقد يكون التمهيد الأخلاقي على الصعيد الأمني لتنفيذ عملية اغتيال لاحقة وفى كل الأحوال فإن ( باراك اوباما) يعيش في هواجس هذه المسألة وهى إن تمت بالفعل ستؤدى عبر نتائجها إلى بداية تفسخ وانشقاق المجتمع الأمريكي على نفسه وقد يكون لذلك أثره البليغ على بقاء أو فناء الإمبراطورية الأمريكية عبر تفككها تحت ضغط الأزمات المتلاحقة .
_ هل سيكون لروسيا الاتحادية دورها الفاعل على صعيد منطقة الشرق الأوسط والحل المطلوب للصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية ؟
_ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتسيد أمريكا للمنظومة الدولية عملت إدارات البيت الأبيض الأمريكي على إقصاء جمهورية روسيا الاتحادية من ملعب الشرق الأوسط وكان لحكومات إسرائيل المتعاقبة وقوى الضغط الصهيوني دورها البارز في التأثير على الموقف الأمريكي ، وعملياً فإن العداء اليهودي المتصهين في إسرائيل وداخل الولايات المتحدة الأمريكية للشعب الروسي عداء قديم ومستحكم وحيث تواصل المنظمات الصهيونية لعبتها الدائمة للسيطرة الاقتصادية والمالية على البلاد وبهدف إخضاع القرار السياسي والأمني الروسي للنفوذ الإسرائيلي ولقوى الضغط الصهيونية ، وجاءت أحداث الصراع والتصادم العسكري بين الجيش الروسي وجمهورية جورجيا لتكشف اللثام عن تعاون إسرائيلي واسع وشامل مع جمهورية جورجيا وصل حد تسليح وتدريب الجيش الجو رجي ودعمه بالمئات من الخبراء العسكريين والأمنيين الإسرائيليين وقد حاولت إسرائيل تدارك نتائج فعلتها المشينة بالتنازل عن بعض الأراضي التابعة للكنيسة الروسية في مدينة القدس إلا أن ذلك لم يغير من واقع الأمور وباعتبار أن عودة جمهورية روسيا الاتحادية للقيام بدورها المعهود في الشرق الأوسط كان دائماً يأتي عبر البوابات العربية وعلى قاعدة نصرتها الدائمة للقضايا العربية ووقوفها الدائم والثابت إلى جانب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ، ولهذا فإن عودتها القوية للمنطقة أعادت وعلى ارض الواقع صياغة التوازنات القائمة في منظومة الصراع العربي الإسرائيلي ولجهة دعم قواعد التسوية العادلة والقائمة على الانسحاب الإسرائيلي الشامل والتام من الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة وصولاً إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية ، وللأهمية وجب التذكير هنا بأن المكانة الإستراتيجية لروسيا الاتحادية على الصعيدين الدولي والإقليمي بدأت تفرض نوعاً جديداً من التوازنات القائمة على تبادل المنفعة والمصالح فهي الآن وعبر أنابيبها العملاقة تضخ النفط والغاز المسال إلى دول الاتحاد الأوروبي وتفتح أراضيها البكر أمام المستثمرين الأجانب وحيث تحظى ألمانيا واليابان والصين وفرنسا بالنصيب الوافر كما تقيم علاقات تجارية مميزة مع الهند وسائر بلدان العالمين العربي والإسلامي بالإضافة إلى بعض الكيانات السياسية الناهضة في قارة أمريكا اللاتينية مثل فنزولا ، تشيلي والبرازيل وبوليفيا وكوبا والأرجنتين ولهذا فان محاولات التهديد الأمريكي والإسرائيلي بالعمل على عزل روسيا الاتحادية دولياً ومحاصرتها اقتصادياً لا تعدو عن كونها تهديدات فارغة وعديمة الجدوى وغير قابلة للترجمة في أسواق المصالح المتنامية والدائمة بين الأمم والشعوب والكيانات السياسية المستقلة .
_ إسرائيل حاولت دائماً عزل روسيا الاتحادية وكافة الأطراف الدولية الأخرى الفاعلة عن العملية السلمية بسبب تعاطف هذه الأطراف مع الحقوق الوطنية العادلة للشعب الفلسطيني فكيف ستكون الحال مستقبلاً؟ وهل يمكن لإسرائيل الاستمرار في هذه اللعبة المدمرة لعملية السلام؟
_ في تقديرنا الخاص للتطورات المستقبلية ربما تجد إسرائيل نفسها غير قادرة على الاستخدام التقليدي للهراوة الأمريكية في مواجهة هذه القوى ويمكن لجمهورية روسيا الاتحادية ودول الاتحاد الأوروبي العمل معاً للتحرر من هذا الضغط الأمريكي المساند للظلم والعدوان الإسرائيلي ،وإذا كانت دول الاتحاد الأوروبي قادرة وبالفعل على تقديم كافة أشكال الدعم والعون الاقتصادي والمالي لبناء مؤسسات وكيان المجتمع الفلسطيني فإن لروسيا الاتحادية مقدرة فائقة على تزويد الجانب الفلسطيني والعربي سراً وعلناً بالوسائل القتالية الناجعة والقادرة على هز المكانة الإستراتيجية للجيش الإسرائيلي وهو الأمر الذي تجلى بوضوح في الاستخدام الناجح لبعض هذه الوسائل القتالية الروسية من قبل حزب الله اللبناني في معاركه ضد قوات الغزو الإسرائيلية .
_ ولكن مثل هذه الأمور تحتاج إلى صياغة جديدة لمعادلة الواقع الفلسطيني فهل يمكن أن يتم ذلك ؟
_ نعم يمكن أن يتم ذلك بل ويجب أن يتم ذلك وهو ما تقوم به حالياً جمهورية مصر العربية الشقيقة لرأب الصدع الفلسطيني وعلى قاعدة التوحيد الخلاق لكافة القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية ، حاجة الواقع الفلسطيني للوحدة أصبحت كحاجة المخلوقات للهواء والماء ونحن وأمام العنجهية الإسرائيلية المبنية على الصلف والغرور بحاجة ماسة لصياغة الواقع الفلسطيني وعلى ثلاث ركائز أساسية وهى إننا بحاجة إلى رئيس يفاوض وهو يحمل بيده غصن الزيتون كالرئيس(أبو مازن) وبحاجة إلى شخصية اقتصادية فذة توظف علاقاتها الدولية والإقليمية وجهدها الدائم لبناء القواعد الثابتة للاقتصاد الوطني الفلسطيني وبحاجة كذلك وأيضا إلى المقاومة والى شخصية وطنية وإسلامية فذة لقيادة المقاومة لا تقل ذكاءاً وبراعة عن ذكاء وبراعة الشيخ ( حسن نصر الله) شيخ الجهاد والمقاومة اللبنانية ، بهذه الطريقة وبهذه القواعد الاعتبارية الثلاثة يمكن للحصان الفلسطيني أن يشد العربة بنجاح أكيد نحو الظفر ونحو النصر .

التعليقات