فلسـطين والأزمة المالية العالمية ..الاقتصاد الفلسطيني حديقةً خلفيةً لمنتجات اسرائيل الفاسدة

فلسـطين والأزمة المالية العالمية ..الاقتصاد الفلسطيني حديقةً خلفيةً لمنتجات اسرائيل الفاسدة
مـازن سـنقرط
فلسـطين ... والأزمة المالية العالمية

بقلم:م.مــازن ســنقرط
وزير الاقتصاد الوطني الأسبق /
رئيس مجموعة شركات سنقرط العالمية

إن الشعب الفلسطيني الذي يُعَدُّ من أكثر شعوب العالم ثقافةً على الرغم من كثرة الأزمات التي ألمّت به يراقب اليوم عبر وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة الأزمات المالية التي تعاني منها اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تشكل حوالي 27% من اقتصاد العالم ، ودول الاتحاد الأوروبي مجتمعة التي تشكل حوالي 19% ، واليابان التي تشكل هي الأخرى ما يقارب 15% . فلقد كانت هذه الدول محطَّ أنظار العالم أجمع من حيث اقتصادياتها المتطورة والنوعية والمتميزة ، كما وضعت الخطوط العريضة للأنظمة المالية والمناهج الحديثة في اقتصاد السوق والتي أضحت بدورها استحقاقاً على الدول والشعوب النامية من حيث التزاماتها التجارية والاقتصادية ، ومن حيث استحقاقات العولمة التي أصبحت تُدَرّس منهاجاً وتطبيقاً من حيث الحكم الصالح والإدارة الرشيدة وتنامي دخول الأفراد والمؤسسات والمجتمعات والتسابق في المؤشرات الاقتصادية بين الكثير من هذه الدول التي بسطت أجندتها وبرامجها وتعليماتها على ما يُسمّى بالأسواق الناشئة والدول النامية .
ومع تجدّد مخاوفنا حول "صحة وسلامة" النظام المالي العالمي ، فإننا نراقب بدهشةٍ غير مسبوقةٍ الانهيار التدريجي الذي يحصل في هذا النموذج من الاقتصاديات المتطورة ، والذي أصبح يستحوذ على أكثر من 50% من الأخبار والنشرات السياسية والاقتصادية . وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أن هذه الإمبراطوريات الاقتصادية قد بُنيت دون أدوات مراقبة أو مساءلة مما أدى إلى انتفاخٍ كاذبٍ ووهمي للكثير من أسهم الشركات المدرجة على البورصات والأسواق المالية العالمية ، وبأن هناك تبايناً كبيراً بين الواقع والمُعلن عنه . والتساؤل هنا يكمن في أين هي المساءلة والرقابة من ناحية وأين هي الشركات الاستشارية المالية الكبرى التي كان في الأصل مطلوبٌ منها أن تفصح عن الأصول والوقائع الصحيحة والسليمة لتلك الشركات ؟؟؟ وأين هي مساءلة الحكومات والوزارات ذات العلاقة ؟؟؟؟ وهذا كله يؤكد بأنه يصعب علينا الفصل بين السياسة والاقتصاد لأنهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ ، وقد أكّد هذا فشل السياسة الأمريكية الخارجية ومن صفّق لها وآزرها من دولٍ حليفةٍ وصديقةٍ في حروبها على العراق وأفغانستان ، وعدم تمكّنها من تحقيق إنجازاتٍ في مفهوم السياسة الخارجية تعود بالنفع على شعوبها من ناحيةٍ وعلى الدول النامية والأسواق الناشئة التي وعدتها بالاستقرار والرخاء الاقتصادي والتنمية وتعزيز حقوق الإنسان ورفع مستوى المعيشة من ناحية أخرى .
لهذه الأسباب مجتمعةً ، نرى أن للسياسة أهداف كما للاقتصاد أهداف ، غير أنها في كثيرٍ من الأحيان لا تكون بريئةً ولا موضوعيةً ، حيث حاولت القفز على رأس الهرم من القاعدة في مفهوم بسط النفوذ والسيطرة ناسيةً بُنية الجسد التي يستند إليها أي بناء من حيث التمكين والحرص والوقوف على أرض صلبة . ونحن هنا أبناء الشعب الفلسطيني الذين نتلقى الضربة تلو الضربة بدءاً بالاحتلال وظلمه وهيمنته على الاقتصاد الفلسطيني ، والذي عمل على مدار العقود الأربعة الماضية على تعزيز منهج التبعية الواضحة لاقتصاده ، وجعل الاقتصاد الفلسطيني حديقةً خلفيةً لمنتجاته الفاسدة ، وانتهاءً بالتضخم المالي والإفرازات المالية المختلفة على سوقٍ تابعٍ عمل الاحتلال على إضعافه بطريقةٍ ممنهجةٍ ، حيث أصبح الاقتصاد الإسرائيلي كالفيل يتبعه الاقتصاد الفلسطيني كالفأر في حجمه وسلوكه . ونحن نقف اليوم أمام هذه الأزمة المالية والاقتصادية نتيجة الارتباط السياسي والاقتصادي الإسرائيلي والأمريكي من ناحية والإسرائيلي الدولي من ناحية أخرى ، حيث تحظى إسرائيل بدعمٍ سياسي وعسكري واقتصادي لا محدودٍ من الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ رئيسٍ وغيرها من دول العالم ، ويكون هذا الدعم أحيانا على شكل قروضٍ أو سنداتٍ لتمويل مشاريع البنية التحتية أو هباتٍ ومنحٍ ومعونات بالاٍضافة الى الاٍستثمارات الأجنبية الضخمة في اسرائيل والتي تجاوزت 40 مليار دولار بعد اٍتفاقية أوسلو ، هذا فضلاً عن الشركات الإسرائيلية الكبرى المدرجة في أسواق المال والبورصات العالمية والأمريكية مثل وول ستريت والناسداك وغيرها . وإن كان اقتصادنا الفلسطيني لا يشكل سوى 4% من الاقتصاد الإسرائيلي المدعوم عالمياً وبالتحديد من الدول الصناعية الكبرى إما اقتصادياً أو مالياً أو من حيث ميزان التجارة بين إسرائيل وتلك الدول ، فإن فلسطين عانت من هذه التبعيّة وما زالت تعاني بحكم تحكّم إسرائيل في مفاتيح بوابات الاقتصاد الفلسطيني . فلقد عانى الاقتصاد الفلسطيني من التضخم الإسرائيلي عندما كان هناك هبوط تدريجي لعملة الشيكل المتداولة داخل السوق الفلسطيني ، بما كان يخدم أولويات التصدير لكثيرٍ من القطاعات الاقتصادية الإسرائيلية إلى الأسواق الأوروبية ، ولم يُؤخذ في أي وقت من الأوقات حتى أدنى معلومةٍ حول هذا الموضوع وما يمكن أن يسببه ذلك من نكساتٍ للاقتصاد الفلسطيني ، وبالعامية نقول " عندما يسْعُل الاقتصاد الإسرائيلي يُصاب الاقتصاد الفلسطيني بأنفلونزا حادّة" . إضافةً إلى ذلك كله نجد الفرق الشاسع في مستوى دخل الأفراد بين الاقتصادين والذي يتراوح ما بين واحدٍ إلى عشرين ضعف .
نعم لقد عانينا بسبب هذه التبعية القسرية الكثير ، من ناحية التضخم تارة ومن ناحية انهيار الشيكل تارة أخرى ، أضف إلى ذلك ارتفاع مؤشر الغلاء وارتفاع أسعار المواد الأساسية مع تدنّي مستويات الدخل إلى أدنى درجاتها . وها نحن اليوم أمام معضلةٍ جديدةٍ تفدُ إلى السوق الفلسطيني وتُصدَّرُ إليه بسبب الانفتاح الكبير ما بين إسرائيل والدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، هذا الانفتاح الذي كان له أسبابه السياسية والاقتصادية ، والذي جعل من إسرائيل إحدى الدول الاقتصادية العشرين الكبرى على مستوى العالم . وإن كنا قد استطعنا التكيّفَ في الماضي مع الكثير من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية ، فإن قدرتنا على التحمّل والتكيُّفِ أصبحت ضعيفةً ومحدودةً كمحصّلةٍ طبيعيةٍ لكل الأسباب التي سبق ذكرها ، فخسارة مائة مليون دولار على الشعب الفلسطيني تعادل في القيمة والمفعول خسارة ملياري دولار على الاقتصاد الإسرائيلي وبتأثيرٍ أقل .
هذا بالاٍضافة الى اعتماد السلطة الوطنية الفلسطينية على المساعدات والمعونات المالية لدعم موازنة السلطة ومشاريع البنية التحتية والانسانية ، فاٍن هذا أيضاً سيكون معرض للتآكل خلال الفترة القادمة نظراً للأولويات الداخلية للدول التي تعهدت في السابق دعم السلطة الوطنية مالياً ومما لا شك فيه سينعكس ذلك سلباً وبتخوف مبرر على الاٍستقرار المالي الذي شهدناه خلال السنة الحالية.
نحن لسنا بحاجةٍ إلى المزيد من الفوضى الاقتصادية والمالية لا في سوق المال الفلسطيني ولا في حركات الودائع والتسهيلات لدى البنوك المحلية ولا في استنفاذ ما تبقّى من المدّخرات والموارد الصغيرة والمحدودة .

التعليقات