الشناق: ليدفع عوض الله والمجالي وأبو غيدة اتهامات الفساد عنهم
عمان-دنيا الوطن-شاكر الجوهري
ما الذي أبقيته لأحزاب المعارضة كي تقوله..؟
بهذا ختمنا اسئلتنا التي وجهناها للدكتور أحمد الشناق أمين عام الحزب الوطني الدستوري الأردني، الذي أعلن من على صفحات "الشرق" أن حزبه يعارض السياسات والحكومات، ووجه انتقادات حادة للكثير من الممارسات الحكومية، واصفا الحكومات الأردنية بأنها "حكومات مشمشية"، في إشارة إلى قصر عمرها. وقال لدينا خلل في تشكيل و"ترويح" الحكومات، مشككا في قدرتها على تنفيذ برامجها خلال ستة أشهر.
الشناق طالب في معرض تناوله للتجاذبات الساخنة بين رجال الحكم في الأردن، الدكتور باسم عوض الله رئيس الديوان الملكي، وسهل المجالي وزير الأشغال العامة، والمهندس حسني أبو غيده رئيس هيئة مفوضي المنطقة الإقتصادية الخاصة في العقبة، بالدفاع عن انفسهم عبر التلفزيون، وشرح موتقفهم للرأي العام الأردني، لأن الصمت يزيد الشكوك..!
واعتبر أن امتلاك الوزير للملايين، وشغله مواقع قيادية عليا في القطاع الخاص بعد تركه الوزارة يجلب الشبهات..!
وإذ أكد أن الأردن ليس لوح زجاج، معتبرا إياه أخطر دول المنطقة، ملوحا بقدرته على فتح حدوده البالغ طولها 650 كيلومترا على اسرائيل، أعلن أن إثارة النعرات الإقليمية خطير جدا..مؤكدا أن بقاء الأردن واستقراره رهن بوحدته الوطنية التي بها يمكنه اجتياز تحديات الحل الفلسطيني، إلى جانب الأخطار الإقليمية والدولية.
هنا نص الحوار الذي بدأناه بالسؤال:
• كان لافتا انفراد حزبكم الوطني الدستوري بإبداء رأيه في عملية التجاذبات المتواصلة بين أقطاب النخب السياسية الحاكمة من خلال بيان اصدرتموه، لماذا..؟
ـ الحزب الذي ينطلق من مبادئ وثوابت وفكر سياسي محدد لا بد من أن تكون له رؤيا في المشهد السياسي الأردني، وعليه فقد يكون حزبنا الوطني الدستوري هو الحزب الأول الذي انفرد بتقديم رأيه انطلاقا من ثوابته الوطنية، وتكريسا لها. وهذا بالطبع لا يعني أننا انحزنا إلى هذا الفريق أو ذاك، أو إلى هذه الشقة أو تلك في الطابق العلوي.
قضية الفساد لا تتعلق بشقة دون أخرى، وبالتالي لا بد من إعلان موقف مما يجري.
• هل تضع القراء في صورة مضمون بيانكم..؟
ـ المبدأ الأساسي هو أن الأردن دولة دستور وقانون، وبالتالي الدستور والقانون هما مرجعية الجميع. وقد لخصنا رأينا في قضية الفساد بضرورة عدم تسييسها، وأن لا يغطى على الفساد بذريعة منبت أو عرق أو فئة أو جهة. الفساد يجب أن يكافح من قبل الجميع، ويجب أن يكون هناك موقفا من الجميع، وأن نشد على يد الحكومة، وهيئة مكافحة الفساد، وأي جهة.
الأمر لا يستدعي انحيازا إلى جانب طرف بمواجهة آخر، وبالتالي فقد خشينا من بعض التجاذبات الإعلامية أن تذهب في منحى يرتدي لبوس اقليمي كما شاهدنا في بعض المقالات الصحفية التي نشرت في بعض الصحف والمواقع الألكترونية، التي انغمست في هذا الأمر أكثر من صحافتنا الورقية.
لقد اردنا أن لا تؤشر قضية مكافحة الفساد إلى قضية معينة، أو عطاء محددا، أو موقفا معينا. وقلنا إن الأردن دولة دستور وقوانين، وفيها قضاء. وعلى السلطة التنفيذية، وهي صاحبة الولاية أن تحول للقضاء أي قضية فيها شبهة فساد.
ولفت الإنتباه أكثر دفاع بعض السادة النواب المحترمين، وحتى بعض المسؤولين في الحكومة، عن أشخاص في مواقع مسؤولية، منصبين من انفسهم قضاة، أو مطلعين على سير هذه القضية الإجرائية..لدرجة حدوث تلوين لإجراء قضائي اتخذ بحق مسؤول.
بالطبع الفلسفة الدستورية لا تقوم على الإتهامية..الإنسان برئ حتى تثبت ادانته وفقا للأصول الإجرائية المرعية في القضاء. وعلى ذلك، طالبنا الحكومة أن تكف مسؤوليها عن التدخل في سير عملية اجرائية قضائية.
الأمر الهام الآخر أننا طالبنا بتفعيل المادة 44 من الدستور التي تنص على عدم جواز أن يكون الوزير عضوا في شركة أو رئيسا لشركة أو أن يتقاضى مالا من شركة. وطالبنا الحكومة أن تعلن من هم الوزراء الذين لهم علاقة بهذه القضية التي تعتبر مخالفة دستورية. وعلى ذلك فإن الوزراء المتورطين بهكذا قضايا يعتبرون وزراء غير دستوريين.
الأمر الآخر، ومع احترامنا للجنة النيابية التي تم تشكيلها، قلنا أن أي قضية فيها شبهة فساد يجب أن تحال للقضاء، من قبيل الإلتزام بتساوي جميع الأردنيين أمام القانون. والقضاء هو عنوان الحقيقة، ومن حقه إدانة المدان وتبرئة البريئ.
الأمر المهم أيضا هو أنه لا حصانة لموقع..لا حصانة لمن هو في موقع مسؤولية. وهذا هو ما جعلنا نتخذ موقفا في هذه القضية التي تشغل بال الرأي العام الأردني، ونعيد الناس ـ إن جاز التعبير ـ إلى جادة الصواب وإلى جادة مسؤولية الدولة والمسؤولية الوطنية، والإلتزام بأن الأردن دولة دستور وقانون.
صراع النخب الحاكمة
• هل ما يجري هو مكافحة فساد إداري ومالي أم هو فساد سياسي يتجلى في تصارع النخب الحاكمة..؟
ـ نحن اشرنا في بياننا، ولشديد الأسف، أنه يوجد لدينا فساد إداري أكثر مما هو فساد مالي. وقلنا إنه سواء على مستوى الوزارات أو المؤسسات، أصبح المسؤول الأول في الوزراة أو المؤسسة هو المرجعية. وأصبح هناك عرفا حول مسألة الفقيه الذي لا يستفتى..!
تحت ذريعة الإصلاح، كان هناك تحطيم للفكر الإداري للدولة..توجد قيادات ادارية في الدولة الأردنية تم تحطيمها، على قاعدة الشلة والجهة والفئة وغيرها من عوامل التفريق. ما أريد قوله هو أن الفساد لا يقتصر على الجانب المالي، إذ أنه هناك فساد إداري. ونحن نشد على يد وعزيمة الحكومة وارادتها في مكافحة الفساد. ومطلبنا الدائم من القوى السياسية هو أن لا تأخذ منحى التغطية على ما يجري من محاسبة لبعض المتورطين في قضايا فساد تحت ادعاء أنه يمثل استهدافا لمنبت أو عرق أو فئة أو جهة.
هذا هو ملخص القضية.
• ما هي طبيعة الصراع القائم بين النخب الحاكمة في الأردن..؟ هل هو صراع بين محافظين وليبراليين..؟
ـ أنا أعتقد أنه لا يوجد في الأردن محافظين أو ليبراليين. وفي الأساس لا توجد في الأردن تقسيمات فكرية سياسية. ومن يدعى أنهم ليبراليون لم يأتوا من خلال فكر سياسي مطروح في الشارع. الليبرالية ليست فقط رؤية اقتصادية، بل سياسية واجتماعية. وبالتالي كل من حسب على هذا التيار، أو الإدعاء بأنه ليبرالي، أو ليبراليين جدد لا يمكن التسليم بوجودهم. الليبرالية تأتي من خلال حركة سياسية واجتماعية، وهذا لم يحدث في الأردن.
وأنا أقول دائما أن منهج الدولة الأردنية هو منهج اصلاحي، وهو المنهج الذي تأسست الدولة الأردنية عليه.
الأردن بدأ بثلاث مدارس، والآن يوجد آلاف المدارس وعشرات الجامعات والمستشفيات، وهو يشهد نهضة تطويرية تعليمية وصحية وانسانية. وبالتالي أنا أقول أن هذا مصطلح غير دقيق، وغير موجود في الأردن. لا يوجد ليبراليون ولا محافظون. كلنا قابلون بمعادلة الدولة الأردنية، التي نشأنا عليها بفكرنا وسياساتنا الإصلاحية. الأردن قام على قاعدة مفهوم الحركة الإصلاحية، ولولا ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه.
إنما الإنبراء لمعارضة قضية بيع اراضي وممتلكات الدولة فهي مختلفة..
"مش شايف ديجتال"
• دعنا نؤجل ذلك الآن..القضية إذا ليست قضية وزراء ديجتال أو انالوج..
ـ "أنا مش شايف ديجتال..أنا شايف بس أبيض وأسود". من يدعي الليبرالية عليه أن ينزل إلى الشارع، وأن يقنع الجمهور بالفكرة الليبرالية، التي هي في الأساس فكرة اجتماعية تطورت لاحقا إلى سياسية، وكانت حصيلة الفكرة السياسية وكانت حصيلة الفكرة السياسية والإجتماعية الفكر الإقتصادي الحر.
وعليه، أنا لم أر واحدا من بين كل من يقال أنهم ليبراليون، لأنهم لم يعلنوا مثل هذه الصفة لأنفسهم، في أي ندوة أو لقاء أو تصريح..إلا إذا كانت هناك ليبرالية انعزالية..! ليبرالية البرج العاجي..! ليبرالية الغرف المغلقة..! هذه لا اسميها ليبرالية، وإنما قرارات "من تحت لتحت"..! وهي بالتالي لا تعبر عن فكر أو منهج في الحكم. نظلم الفكر الليبرالي كثيرا إذا قلنا أن هؤلاء ليبراليون.
ثم أين هم المحافظون..؟ أنا كحزبي اتعاطى بالعمل السياسي منذ سنة 1972 لا استطيع أن أصنف نفسي ما إذا كنت محافظا أو ليبراليا. الفكرة الإصلاحية موروثة من عقيدتنا الإسلامية.
• دعنا نقول أن المسألة في الأردن ليست تصنيفات ايديولوجية بمقدار ما هي تتعلق بالموقف من هذه القضية أو تلك..هذه المسألة أو تلك..
نذكر الآن كمثال كيف أن حكومة عبد الرؤوف الروابد رفضت تنفيذ فكرة إقامة المنطقة الإقتصادية الخاصة في العقبة، ولم تؤمن بها، فنفذتها حكومة المهندس علي أبو الراغب، وكانت متحمسة لها..هذان الموقفان ربما يعكسان في خلفيتهما نظرة، لا أستطيع وصفها بالأيديولوجية، في التعامل مع قضايا الوطن..
الآن الموقف من مسألة بيع اراضي الدولة يشهد كذلك تباينا في وجهات النظر بين فريقين من رجالات الدولة الأردنية. هناك من يعارض عملية البيع، في حين أن عملية البيع جارية على قدم وساق، ما يعني وجود من يؤيد البيع..
ـ صحيح..
هنا تكمن القضية التي قد أتخذ موقفا حيالها.
للعلم، وهذا يعلن الآن لأول مرة، لكنه معلوم في برنامج الحزب الوطني الدستوري..في عام 1997 حين صغنا البرنامج الإقتصادي الإجتماعي لحزبنا، كنا أول من دعا إلى الخصخصة، وإلى أكثر مما هو مطروح الآن.
دعينا مثلا إلى خصخصة قطاع النقل، وتساءلنا لم يكون تابعا لوزارة الداخلية، وما هي علاقة وزارة الداخلية بذلك. إدارة ترخيص السواقين لم تكون تابعة هي الأخرى لإدارة الأمن العام..؟ يمكن أن تسند هذه المهمة إلى شركة خاصة.. إذا كان جواز سفر المواطن يصدره موظف مدني، فلم يحتاج ترخيص السيارة إلى رجل أمن..؟
أين ذهبت عائدات
خصخصة الإتصالات..؟
• أنت هنا تبدو ليبراليا..
ـ أنا لا أسمي نفسي ليبراليا. أنا أقول هكذا يجب أن يكون شكل الدولة. أنا انسان أقرأ التاريخ. يوجد نظام عالمي جديد يقوم على فلسفة اقتصادية جديدة تقول أن أي دولة لا تدخل نظام هذا السوق، وهذا العالم الجديد، قد لا يكون لها حضور أو نصيب في العالم القادم. لكن الخلاف ليس على مبدأ بيع أراضي وممتلكات الدولة، ولا على الخصخصة..الخلاف ينصب على الآليات التي تم من خلالها عمليات البيع والخصخصة.
هنا تتشكل المواقف، وهذه المواقف هي التي تحسم تباينات وجهات النظر بين السياسيين الأردنيين، وما بين القوى السياسية. حين نبيع مؤسسة، مطلوب أن تكون هناك شفافية في آليات البيع، وفي أين تذهب أموال الخصخصة، والبديل المطروح لعملية البيع. وعليه، أنا أقول أن مشروع الإصلاح برمته وضع في دائرة التشكيك، ليس بسبب عمليات البيع، وإنما بسبب عدم وجود آليات شفافة للبيع.
بعنا مؤسسة الإتصالات، أين ذهبت عائدات عملية البيع..؟ وأين مردودها..؟ وكيف تمت عملية البيع..؟
بصراحة متناهية هناك لغط في الأردن. الوزير الذي كان على رأس وزارة الإتصالات، وباع مؤسسة الإتصالات، أصبح رجل أعمال بعد أن غادر الوزارة، وهناك نماذج أخرى مماثلة، ثم هناك من يرفع شعار عدم اغتيال الشخصية..!
"طب" آمنا بعدم اغتيال الشخصية، وهذا حق..ولكن من يتنطح للعمل العام عليه أن يتحمل مسؤولية الكرسي. عليه أن يكون شفافا حتى لا يتعرض لاغتيال الشخصية. وليس معقولا ولا نتهم أي جهة أو انسان، أو أي من الذين يشغلون مواقع مسؤولة..ولكن حتى يكون شاغل المسؤولية شفافا ونظيفا، عليه أن تكون اجراءاته وآليات عمله شفافة ونظيفة، وإلا يصبح موضع شبهة أو اتهام.
أي مسؤول "بزرّق" عطاء لا يمكن أن تمسك اوراقه..من غير المعقول أن يخلف اثباتات على فعلته. الأصح، إذا "بدنا نمشي صح" هو تطبيق شعار من أين لك هذا..؟
الوزير الذي كان موظفا، كيف يمكن أن يصبح بعد مغادرته الوزارة رئيس مجلس إدارة بنك، وإذا به يملك الملايين..؟
بصراحة هذه ظروف يجلب الشبهة..!
هذا ما يخلق الشكوك.. وبالتالي المسألة ليست مسألة ليبراليين أو محافظين. ولا قضية بيع وخصخصة. صحيح أن عمر المدينة الطبية أكثر من خمسين سنة، وأنها أنشأت حين كان عدد سكان الأردن مليونين ونصف المليون نسمة، ازدادوا الآن إلى ستة ملايين نسمة..وصحيح أننا كنا "يادوب" نعالج ابناءنا، فأصبحنا نستقبل أبناء الوطن العربي ليتلقوا العلاج في الأردن، وأن المدينة الطبية أصبحت بحاجة إلى تطوير وتحديث، لكن السؤال الأكبر هو كيف..؟
إذا قررنا أن نبيعها، فما هو البديل، وما هي كلفته..؟ وبكم سنبيعه، ولمن، وما هي قيمته الحقيقية..؟
• وإلى أين سيذهب عائد البيع..؟
ـ تماما..
مفصل الخلاف القائم في الأردن، كما أشار جلالة الملك في تصريحاته الأخيرة لوكالة الأنباء الأردنية، ليس ليبراليا ولا محافظا ولا وسطي ولا قومي ولا اسلامي. المطلوب هو اجراءات شفافة وآليات عمل شفافة.
وأصبحنا نلاحظ "شغلة" جديدة في الأردن..الوزير أو المسؤول الذي يعين في موقع في الأردن، يجلس في برج عاجي، ولا يمكن أن تجري معه أي اتصال..لا يلتقي مع أحزاب، ولا مع مؤسسات مجتمع مدني، وأحيانا يحارب الإعلام.. فضاء العالم هو الإعلام.
إعلام الرجل الواحد
• الآن أصبح الإعلام هو الذي يحارب المسؤول كما نرى في سلسلة مقالات، تنشر على نحو غير مسبوق، وتصب نقدها وحملتها على شخص رئيس الديوان الملكي. كيف تنظرون في حزبكم إلى هذا المستجد في التاريخ السياسي الأردني..؟
ـ بصراحة متناهية أنا أرى أن الإعلام هو الفضاء..فضاء الوطن. في ظل قوانين انتخاب لا تفرز كتل سياسية، وفي ظل حكومات تأتي بالتعيين. بصراحة لنعترف بضعف الحياة السياسية الأردنية. ألية انتخاب النواب والإتيان بالحكومات لا تتم على أسس سياسية، أو برامجية يسبقها "تناطح وتناحر" على هذا البرنامج أو ذاك.
وبالتالي، الحكومات ضعيفة، والبرلمانات للأسف الشديد، أيضا ضعيفة. هذا ليس اتهاما لأشخاص الحكومات، أو البرلمانات، لكن آليات المجيئ بهم هي التي تخلق هذه الحالة. وهذا ينعكس على هيبة وقوة الدولة.
بصراحة متناهية، وقد تكون اجابتي مفاجئة، فيما يتعلق بقضية الإتجار بالبشر..
مع تسجيل كل الإحترام والتقدير لشخص رئيس الديوان الملكي، الذي لموقعه كل الإجلال، وهو لا ينتقد (بضم الياء)..وهو منصب لا يخضع ابتداء للمساءلة الدستورية أمام البرلمان، أو أمام أي جهة..هو ليس سلطة تنفيذية..
خرجت موجة انتقادات لشخصه، ولآليات عمله، لم يسكت..؟ أليس مواطنا اردنيا..؟ من حقه أن يتحدث عن نفسه.
تلفزيوننا وإعلامنا أيضا خائف من أن يأتي بوزبر يتحدث في القضايا المثارة أمام كل المجتمع، ويخاطب الرأي العام.
لو كنت مسؤولا عن الإعلام، لدعوت كل الذين سحبت منهم عطاءات ليخاطبوا الرأي العام من على شاشة التلفزيون. فليتحدث حسني أبو غيدا (رئيس هيئة مفوضي المنطقة الإقتصادية الخاصة في العقبة) لشعبه وناسه، ويقول ما الذي حدث معه، وما وجهة نظره..وليتحدث سهل اللمجالي (وزير الإشغال العامة)، وليتحدث معالي الدكتور باسم عوض الله..ليقل مثلا إن الشركة المتهمة بالإتجار بالبشر ليست له.
أنا لا أتهم أي جهة أو أي شخص..ولكن لنأخذ العبرة "من مغرّب". اسرائيل مهددة بحرب نووية من إيران، ومهددة من "حماس"، ومن المقاومة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ومقاومة حزب الله، ومع ذلك ايهود اولمرت رئيس وزرائها يذهب إلى مراكز الشرطة ويخضع للتحقيق. ولا نرى أن اسرائيل تهزم بسبب ذلك.
اميركا العظمى، التي ترسم خرائط الكون، وهي القطب الوحيد الذي يحكم العالم، توجه فيها اتهامات لرئيسها السابق بيل كلينتون، ويدلي بإفادته..!
أنا أتمنى أن يخرج مسؤولينا من حالة الصمت، التي تفتح مزيدا من أبواب التشكيك والإتهام، وأن يشرحوا للرأي العام الأردني موقفهم، ووجهة نظرهم حيال الإتهامات الموجهة لهم.
• بغض النظر عن التفاصيل، ألا ترى أن الإعلام الأردني قطع خطوة إلى الأمام من خلال ممارسة كتابه وصحفييه لحرية حقيقية في انتقاد حتى رئيس الديوان..؟
• أنا أعتقد أن نظام السوق، ونظام الخصخصة بحاجة إلى إعلام حر.. وهذه مسألة غائبة عهن بال الكثيرين.
فليخطئ الإعلام، لكننا لا نريد أن يخطئ المسؤول. ليشعر المسؤول أن الإعلام مسلط عليه بوصفه رقابة ومساءلة شعبية.
الإعلام القوي يخلق مسؤولين نظيفين، وأيد نظيفة. لذا، أرجو أن لا يتم التضييق على السقف الحالي للحرية الصحفية والإعلامية.
أنا أتمنى أن يذهب جميع الذين وجهت لهم اتهامات، إما للقضاء ليحصلوا على البراءة أو الإدانة، وتنتهي الحكاية في البلد، وإما أن يفتح الإعلام الأردني ابوابه للجميع، ليدافع كل متهم عن نفسه.
من حق كل انسان أن يدافع عن نفسه. إذا كانت هناك مطالب لقوى سياسية، أو حزبية، أو محاكمة لمتهم في قضية ما، فلتضمن له المحاكمة العادلة.
وأنا أتمنى على معالي الدكتور باسم عوض الله، وكل من وجه له إتهام، أن يتحدث للرأي العام من خلال الإعلام، أو من خلال ندوة أو ما شابه.
هذا الإبهام، وهذا الموقف المبهم هو الذي يزيد من عملية التشكيك. وكل ما طرحت مسألة، يتم اللجوء إلى الكليشيهات المعتادة..الأردن في خطر..! "شو إحنا في خطر".. الأردن دولة نشأت قبل أكثر من ثمانين سنة، وهو أكثر دولة راسخة في المنطقة..كيف نحن في خطر..؟
الأردن أخطر دول المنطقة
• الأردن دولة انبثقت من عين الخطر..
ـ هل الأردن لوح زجاج لا سمح الله..؟! هذا وطن راسخ، ولدينا نظام حكم قوي، وشعب قوي متلاحم ومتراحم..والبلد مليئ بالخيرين، والأشرار قلة. لم الخوف على الأردن..؟
ثم نحن لدينا سلاح استراتيجي..يهددوننا بالوطن البديل والخيار الأردني. الأردن موقفه الجيوسياسي موقف استراتيجي كبير. أي جهة داخلية أو خارجية، تحاول أن تعبث قيد أنملة بالأردن، عليها أن تعرف أن الأردن أخطر دولة في المنطقة..
• كيف..؟
ـ 650 كيلومترا طول حدود الأردن مع اسرائيل، بكل معانيها..هذا الولد المدلل للغرب والعالم كله..شرقا وغربا يمكن أن يفتح الأردن عليه الـ 650 كيلومترا. كل الموجودين في المنطقة محقين وهم أصحاب حقوق. نحن في الأردن لدينا موقع جيوسياسي خطير جدا، وهو أكثر خطورة من السلاح النووي. "ليش خايف.. أنا ما بخاف". الأردن أقوى من أي دولة في المنطقة مهما عظمت..سواء أكانت دولة اقليمية، أو دولة وطنية صغيرة تقع بجوارنا. علينا أن لا نخاف على الأردن.
• حدث ما حدث..إلى أين يتجه الأردن في ضوء التجاذبات العلنية وعبر وسائل الإعلام، على نحو غير مسبوق..؟
ـ بصراحة متناهية، المشهد الأردني بحاجة إلى تحديد البوصلة..تحديد خطاب الدولة. أول الخطوات على هذا الطريق يجب أن تبدأ من خلال الإعلام الرسمي. نحن بحاجة إلى إعلام دولة..كنا نطالب بتحويل الإعلام من إعلام حكومة إلى إعلام دولة، فإذا بنا نتحول إلى إعلام الشخص الواحد، والقرار الواحد..!
هذه مؤسسات يجب أن يديرها اعلاميون خبراء، يأتون بعلماء نفس وسياسة واجتماع يدرسون عقلية الطفل، ليدرسوا وضع استراتيجية اعلامية للدولة. كيف يمكن ربط الإعلام والإذاعة والتلفزيون بشخص واحد..؟ هذا غير معقول. هل هكذا تكون الخصخصة..؟
المجلس الأعلى للإعلام ماذا فعل..؟
أكرر، الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بالإصلاح الإعلامي. نحن بحاجة إلى إعلام دولة يتحدث عبره القومي واليساري والإسلامي والوسطي والمظلوم والمشتكي والمشكك، عبر حوار يوصل للحقيقة.
نريد اعلاما قويا. ونريد أن يظل سقف الحرية الصحفية قائما ومرتفعا..الصحافة تمثل صوت الرقابة الشعبية. الإعلام والصحافة عند الديمقراطيات العريقة، ليس فقط مهنة..الصحافة والإعلام رسالة..هي بوصلة الرأي العام.
إثارة النعرات الإقليمية
• هذه البوصلة سجلت خلال الأيام الماضية ـ للأسف ـ تذبذبات ومؤشرات اقليمية، كيف تنظر إلى هذه المسألة التي تناولتها كتابات، أيضا على نحو غير مسبوق، وعلى نحو يثير القرف والمخاوف من المستقبل..؟
ـ أنا أعتقد أنه لا توجد دولة في العالم تخلو من قضايا ذات طابع خلافي. القضية ليست في إثارة هذه القضايا، وإنما في كيف نتفق على أسلوب وآلية حلها. المهم أن نتفق على أن تكون وسائلنا سلمية، ومشروعة، وقد نؤجل حل بعض القضايا مرحليا. وعليه، أنا لست مع دفن الرؤوس في الرمال. لكن هناك فارق..قضية إثارة النعرات على أسس اقليمية خطيرة جدا. وأنا أعتقد أن وجود وبقاء الأردن يكمن في وحدته الوطنية. هذا هو سلاحه الأهم في مواجهة التحديات، سواء أكانت داخلية أو خارجية.
لا يوجد سلاح بيد الأردن أقوى من سلاح الوحدة الوطنية. وعلينا أن نلتفت إلى "لعبة لبنان"، والفوضى الخلاقة، والعراق..إلخ..
وبالتالي على ضعاف النفوس، والمصابون بانفصام الشخصية، أن يدركوا أننا أردن واحد قوي..عائلة واحدة، أسرة واحدة..هكذا عشنا، وبهذا نواجه تحديات حل القضية الفلسطينية، والتحديات الإقتصادية، والأطماع الإقليمية والدولية.. الوحدة الوطنية الأردنية هي شعار المرحلة.
إعلام وخطاب وطني جاد وحقيقي يرسخ وحدتنا الوطنية.
نحن دولة سوق، ودولة السوق تعني دولة المجتمع المدني، وهذه تعني رفع دور وشأن مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والرقابة الشعبية والدستورية والإعلامية. وبالتالي نحن نعمل في جانب، ونغمض أعيننا عن جوانب أخرى.
وعليه، توجد معادلة ناقصة في الأردن. وهذا يتطلب تعديل قانون الإنتخاب.
وأود التذكير بأن حزبنا يطرح اللامركزية الإدارية، الأقاليم. نريد برنامجا وطنيا، نريد استراتيجية وطنية اردنية. ولذا، نحن نطالب الحكومة الحالية، إن بقيت كما هي، أو إن أعيد تشكيلها، أن تعلن وتطرح برنامجا جديدا على قاعدة استراتيجية جديدة وواضحة، يسير عليها الجميع.
بالعدالة نكرس الوحدة الوطنية
• بالمناسبة، المسؤول والإعلامي والحزبي يتحدثون عن المصالح العليا للوطن..هل من الممكن تفيهم الأردنيين ما هي هذه المصالح العليا للوطن..؟
أنت كيف تنظر وترى هذه المصالح العليا للوطن..؟
ـ المصالح الحيوية للأردن ما هي..؟ المصالح العليا هي المصالح التي تعلن الدولة استنفار جيشها وشعبها للقتال دونها. هذه هي المصالح العليا للوطن والدولة.
هل يعقل إذا اتهم وزير أو مسؤول أن نقول هذا اغتيال شخصية، ومساس بالمصالح العليا للوطن..؟!
بصراحة هذا ليس مساسا بالمصالح العليا للوطن. المصالح العليا هي التي تتعلق بالأمن والإستقرار، الحفاظ على النظام، الحفاظ على الدستور، الحفاظ على الوطن باعتباره دولة قانون، دولة قضاء، وعدالة اجتماعية. من وجهة نظري هذه هي المصالح العليا للوطن.
• الوحدة الوطنية موضع قولان وتجاذب كبيرين..كيف يمكن أن نكرس الوحدة الوطنية..؟ ما هو البرنامج العملي الذي يحقق ويكرس الوحدة الوطنية، وما هي آلياته..؟
ـ في قناعتي أن العدالة الإجتماعية هي أول متطلبات الوحدة الوطنية.
• بأي معنى..؟
ـ بكل معانيها..التوازن السياسي والإجتماعي والإقتصادي في البلاد.
• بما في ذلك المساواة في التمثيل..؟
ـ حتى الآن، الأردن يتبع التمثيل الجغرافي، ولم يطبق مفهوم التمثيل الوطني على قاعدة سياسية.
• كيف..؟
ـ التمثيل لا يزال جغرافيا، وليس سياسيا. وبالتالي تقسم الدوائر الإنتخابية بحسب الجغرافيا، وليس حزبيا وسياسيا. وهذا ليس معيبا في الديمقراطية.
• هل أنت مع التمثيل السياسي بدلا من التمثيل الجغرافي..؟
ـ أنا أقول أن النقلة الفجائية غير مطلوبة..توجد هناك مستقرات..هناك الكثير من الدول أخذت بالتمثيل الجغرافي، وكثير من الدول أخذت بالتمثيل الحزبي السياسي الوطني.
نحن نطالب بنظام التمثيل المختلط.
• ولكن الذين أخذوا بالتمثيل الجغرافي أخذوه على قاعدة التمثيل السياسي لكل منطقة جغرافية..؟
ـ هذا في حالة وجود نظام التنافس بين القوائم الحزبية..
• نعم..
ـ أنا لا أتحدث عن النظام الحزبي..هذا مبكر بالنسبة للأردن.
حكومات مشمشية
• كيف يمكن أن يكون هناك تمثيلا سياسيا دون أن يكون حزبيا..؟
ـ لأكن صريحا معك..الحزبية القائمة حاليا غير مهيئة لأن تدير هذه العملية.
• وأيضا غير مرحب بها..!
ـ غير مهيئة..
• وغير مرحب بها..
ـ مرحب بها أو غير مرحب بها..المهم أنها غير مهيئة..ليس لديها برنامج بديل لمفهوم مؤسسات الحكم..من سلطة تشريعية وتنفيذية. لا بد من أن يكون لدى الأحزاب تصورات وبرامج لكيفية إدارة مؤسسات الحكم كاملة في استلامها للسلطة من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وزراعة وصناعة وتجارة..احزابنا لا جاهزية لديها لتتولي مسؤوليات الحكم.
• إن كانت الأحزاب لا تملك جهوزية وبرامج حكم، فهل يملكها الأفراد الذين يتم اختيارهم لتشكيل الحكومات..؟
ـ بالتأكيد لا.
• إذا الحال من بعضه..؟
ـ وهل الحكومة التي تستمر لستة أشهر هي حكومة..؟!
هذه حكومات مشمشية. كيف يمكن لحكومة أن تطبق برنامجها خلال ستة أشهر..؟! نريد حكومات مستقرة. نريد وزراء يأتون من العمل العام، ومن خلال حوارات ومناقشات ودراسات ولقاءات وندوات تشكل رؤية وطنية لما هو مطلوب منهم فعله. الوزراء لدينا يغادرون مواقعهم قبل أن نحفظ اسماءهم..!
المفترض أن الأحزاب تصنع قيادات مؤهلة. كل هذا غير متوفر لدينا. وكما قلت قبل قليل..نحن لدينا خلل في كيفية تشكيل الحكومات، وفي كيفية فرز النواب.
• وكذلك في كيفية "ترويح" الحكومات..؟!
ـ ضحك..
نريد توافقا وطنيا..ونريد نظاما مختلطا.. وتمثيل حزبي سياسي على مستوى المحافظات. نريد تدرجا في بناء الحياة السياسية خلال عشر ستوات، والإنتقال من التقسيم والتمثيل الجغرافي إلى التمثيل الحزبي والسياسي، وهو انتقال يماثل الإنتقال من الفلاحة إلى المدنية. الإنتقال يجب أن يمر بزمن كاف، على أن يكون طويل الأمد. وهذا لم نحسم أمرنا فيه.
• بقي أن أسألك: ماذا أبقيت للمعارضة أن تقول..؟
ـ نحن أيضا معارضة..! ولنستعرض كل مواقف الحزب الوطني الدستوري..نحن معارضة للحكومات والسياسات. معارضة ليس لغايات المعارضة..معارضة لتصويب قرار أو تصحيح موقف، بما ينسجم مع سياساتنا..نحن عنوان المعارضة الوطنية.
المعارضة يجب أن يكون لديها طرح بديل، ونحن لدينا ذلك.
ما الذي أبقيته لأحزاب المعارضة كي تقوله..؟
بهذا ختمنا اسئلتنا التي وجهناها للدكتور أحمد الشناق أمين عام الحزب الوطني الدستوري الأردني، الذي أعلن من على صفحات "الشرق" أن حزبه يعارض السياسات والحكومات، ووجه انتقادات حادة للكثير من الممارسات الحكومية، واصفا الحكومات الأردنية بأنها "حكومات مشمشية"، في إشارة إلى قصر عمرها. وقال لدينا خلل في تشكيل و"ترويح" الحكومات، مشككا في قدرتها على تنفيذ برامجها خلال ستة أشهر.
الشناق طالب في معرض تناوله للتجاذبات الساخنة بين رجال الحكم في الأردن، الدكتور باسم عوض الله رئيس الديوان الملكي، وسهل المجالي وزير الأشغال العامة، والمهندس حسني أبو غيده رئيس هيئة مفوضي المنطقة الإقتصادية الخاصة في العقبة، بالدفاع عن انفسهم عبر التلفزيون، وشرح موتقفهم للرأي العام الأردني، لأن الصمت يزيد الشكوك..!
واعتبر أن امتلاك الوزير للملايين، وشغله مواقع قيادية عليا في القطاع الخاص بعد تركه الوزارة يجلب الشبهات..!
وإذ أكد أن الأردن ليس لوح زجاج، معتبرا إياه أخطر دول المنطقة، ملوحا بقدرته على فتح حدوده البالغ طولها 650 كيلومترا على اسرائيل، أعلن أن إثارة النعرات الإقليمية خطير جدا..مؤكدا أن بقاء الأردن واستقراره رهن بوحدته الوطنية التي بها يمكنه اجتياز تحديات الحل الفلسطيني، إلى جانب الأخطار الإقليمية والدولية.
هنا نص الحوار الذي بدأناه بالسؤال:
• كان لافتا انفراد حزبكم الوطني الدستوري بإبداء رأيه في عملية التجاذبات المتواصلة بين أقطاب النخب السياسية الحاكمة من خلال بيان اصدرتموه، لماذا..؟
ـ الحزب الذي ينطلق من مبادئ وثوابت وفكر سياسي محدد لا بد من أن تكون له رؤيا في المشهد السياسي الأردني، وعليه فقد يكون حزبنا الوطني الدستوري هو الحزب الأول الذي انفرد بتقديم رأيه انطلاقا من ثوابته الوطنية، وتكريسا لها. وهذا بالطبع لا يعني أننا انحزنا إلى هذا الفريق أو ذاك، أو إلى هذه الشقة أو تلك في الطابق العلوي.
قضية الفساد لا تتعلق بشقة دون أخرى، وبالتالي لا بد من إعلان موقف مما يجري.
• هل تضع القراء في صورة مضمون بيانكم..؟
ـ المبدأ الأساسي هو أن الأردن دولة دستور وقانون، وبالتالي الدستور والقانون هما مرجعية الجميع. وقد لخصنا رأينا في قضية الفساد بضرورة عدم تسييسها، وأن لا يغطى على الفساد بذريعة منبت أو عرق أو فئة أو جهة. الفساد يجب أن يكافح من قبل الجميع، ويجب أن يكون هناك موقفا من الجميع، وأن نشد على يد الحكومة، وهيئة مكافحة الفساد، وأي جهة.
الأمر لا يستدعي انحيازا إلى جانب طرف بمواجهة آخر، وبالتالي فقد خشينا من بعض التجاذبات الإعلامية أن تذهب في منحى يرتدي لبوس اقليمي كما شاهدنا في بعض المقالات الصحفية التي نشرت في بعض الصحف والمواقع الألكترونية، التي انغمست في هذا الأمر أكثر من صحافتنا الورقية.
لقد اردنا أن لا تؤشر قضية مكافحة الفساد إلى قضية معينة، أو عطاء محددا، أو موقفا معينا. وقلنا إن الأردن دولة دستور وقوانين، وفيها قضاء. وعلى السلطة التنفيذية، وهي صاحبة الولاية أن تحول للقضاء أي قضية فيها شبهة فساد.
ولفت الإنتباه أكثر دفاع بعض السادة النواب المحترمين، وحتى بعض المسؤولين في الحكومة، عن أشخاص في مواقع مسؤولية، منصبين من انفسهم قضاة، أو مطلعين على سير هذه القضية الإجرائية..لدرجة حدوث تلوين لإجراء قضائي اتخذ بحق مسؤول.
بالطبع الفلسفة الدستورية لا تقوم على الإتهامية..الإنسان برئ حتى تثبت ادانته وفقا للأصول الإجرائية المرعية في القضاء. وعلى ذلك، طالبنا الحكومة أن تكف مسؤوليها عن التدخل في سير عملية اجرائية قضائية.
الأمر الهام الآخر أننا طالبنا بتفعيل المادة 44 من الدستور التي تنص على عدم جواز أن يكون الوزير عضوا في شركة أو رئيسا لشركة أو أن يتقاضى مالا من شركة. وطالبنا الحكومة أن تعلن من هم الوزراء الذين لهم علاقة بهذه القضية التي تعتبر مخالفة دستورية. وعلى ذلك فإن الوزراء المتورطين بهكذا قضايا يعتبرون وزراء غير دستوريين.
الأمر الآخر، ومع احترامنا للجنة النيابية التي تم تشكيلها، قلنا أن أي قضية فيها شبهة فساد يجب أن تحال للقضاء، من قبيل الإلتزام بتساوي جميع الأردنيين أمام القانون. والقضاء هو عنوان الحقيقة، ومن حقه إدانة المدان وتبرئة البريئ.
الأمر المهم أيضا هو أنه لا حصانة لموقع..لا حصانة لمن هو في موقع مسؤولية. وهذا هو ما جعلنا نتخذ موقفا في هذه القضية التي تشغل بال الرأي العام الأردني، ونعيد الناس ـ إن جاز التعبير ـ إلى جادة الصواب وإلى جادة مسؤولية الدولة والمسؤولية الوطنية، والإلتزام بأن الأردن دولة دستور وقانون.
صراع النخب الحاكمة
• هل ما يجري هو مكافحة فساد إداري ومالي أم هو فساد سياسي يتجلى في تصارع النخب الحاكمة..؟
ـ نحن اشرنا في بياننا، ولشديد الأسف، أنه يوجد لدينا فساد إداري أكثر مما هو فساد مالي. وقلنا إنه سواء على مستوى الوزارات أو المؤسسات، أصبح المسؤول الأول في الوزراة أو المؤسسة هو المرجعية. وأصبح هناك عرفا حول مسألة الفقيه الذي لا يستفتى..!
تحت ذريعة الإصلاح، كان هناك تحطيم للفكر الإداري للدولة..توجد قيادات ادارية في الدولة الأردنية تم تحطيمها، على قاعدة الشلة والجهة والفئة وغيرها من عوامل التفريق. ما أريد قوله هو أن الفساد لا يقتصر على الجانب المالي، إذ أنه هناك فساد إداري. ونحن نشد على يد وعزيمة الحكومة وارادتها في مكافحة الفساد. ومطلبنا الدائم من القوى السياسية هو أن لا تأخذ منحى التغطية على ما يجري من محاسبة لبعض المتورطين في قضايا فساد تحت ادعاء أنه يمثل استهدافا لمنبت أو عرق أو فئة أو جهة.
هذا هو ملخص القضية.
• ما هي طبيعة الصراع القائم بين النخب الحاكمة في الأردن..؟ هل هو صراع بين محافظين وليبراليين..؟
ـ أنا أعتقد أنه لا يوجد في الأردن محافظين أو ليبراليين. وفي الأساس لا توجد في الأردن تقسيمات فكرية سياسية. ومن يدعى أنهم ليبراليون لم يأتوا من خلال فكر سياسي مطروح في الشارع. الليبرالية ليست فقط رؤية اقتصادية، بل سياسية واجتماعية. وبالتالي كل من حسب على هذا التيار، أو الإدعاء بأنه ليبرالي، أو ليبراليين جدد لا يمكن التسليم بوجودهم. الليبرالية تأتي من خلال حركة سياسية واجتماعية، وهذا لم يحدث في الأردن.
وأنا أقول دائما أن منهج الدولة الأردنية هو منهج اصلاحي، وهو المنهج الذي تأسست الدولة الأردنية عليه.
الأردن بدأ بثلاث مدارس، والآن يوجد آلاف المدارس وعشرات الجامعات والمستشفيات، وهو يشهد نهضة تطويرية تعليمية وصحية وانسانية. وبالتالي أنا أقول أن هذا مصطلح غير دقيق، وغير موجود في الأردن. لا يوجد ليبراليون ولا محافظون. كلنا قابلون بمعادلة الدولة الأردنية، التي نشأنا عليها بفكرنا وسياساتنا الإصلاحية. الأردن قام على قاعدة مفهوم الحركة الإصلاحية، ولولا ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه.
إنما الإنبراء لمعارضة قضية بيع اراضي وممتلكات الدولة فهي مختلفة..
"مش شايف ديجتال"
• دعنا نؤجل ذلك الآن..القضية إذا ليست قضية وزراء ديجتال أو انالوج..
ـ "أنا مش شايف ديجتال..أنا شايف بس أبيض وأسود". من يدعي الليبرالية عليه أن ينزل إلى الشارع، وأن يقنع الجمهور بالفكرة الليبرالية، التي هي في الأساس فكرة اجتماعية تطورت لاحقا إلى سياسية، وكانت حصيلة الفكرة السياسية وكانت حصيلة الفكرة السياسية والإجتماعية الفكر الإقتصادي الحر.
وعليه، أنا لم أر واحدا من بين كل من يقال أنهم ليبراليون، لأنهم لم يعلنوا مثل هذه الصفة لأنفسهم، في أي ندوة أو لقاء أو تصريح..إلا إذا كانت هناك ليبرالية انعزالية..! ليبرالية البرج العاجي..! ليبرالية الغرف المغلقة..! هذه لا اسميها ليبرالية، وإنما قرارات "من تحت لتحت"..! وهي بالتالي لا تعبر عن فكر أو منهج في الحكم. نظلم الفكر الليبرالي كثيرا إذا قلنا أن هؤلاء ليبراليون.
ثم أين هم المحافظون..؟ أنا كحزبي اتعاطى بالعمل السياسي منذ سنة 1972 لا استطيع أن أصنف نفسي ما إذا كنت محافظا أو ليبراليا. الفكرة الإصلاحية موروثة من عقيدتنا الإسلامية.
• دعنا نقول أن المسألة في الأردن ليست تصنيفات ايديولوجية بمقدار ما هي تتعلق بالموقف من هذه القضية أو تلك..هذه المسألة أو تلك..
نذكر الآن كمثال كيف أن حكومة عبد الرؤوف الروابد رفضت تنفيذ فكرة إقامة المنطقة الإقتصادية الخاصة في العقبة، ولم تؤمن بها، فنفذتها حكومة المهندس علي أبو الراغب، وكانت متحمسة لها..هذان الموقفان ربما يعكسان في خلفيتهما نظرة، لا أستطيع وصفها بالأيديولوجية، في التعامل مع قضايا الوطن..
الآن الموقف من مسألة بيع اراضي الدولة يشهد كذلك تباينا في وجهات النظر بين فريقين من رجالات الدولة الأردنية. هناك من يعارض عملية البيع، في حين أن عملية البيع جارية على قدم وساق، ما يعني وجود من يؤيد البيع..
ـ صحيح..
هنا تكمن القضية التي قد أتخذ موقفا حيالها.
للعلم، وهذا يعلن الآن لأول مرة، لكنه معلوم في برنامج الحزب الوطني الدستوري..في عام 1997 حين صغنا البرنامج الإقتصادي الإجتماعي لحزبنا، كنا أول من دعا إلى الخصخصة، وإلى أكثر مما هو مطروح الآن.
دعينا مثلا إلى خصخصة قطاع النقل، وتساءلنا لم يكون تابعا لوزارة الداخلية، وما هي علاقة وزارة الداخلية بذلك. إدارة ترخيص السواقين لم تكون تابعة هي الأخرى لإدارة الأمن العام..؟ يمكن أن تسند هذه المهمة إلى شركة خاصة.. إذا كان جواز سفر المواطن يصدره موظف مدني، فلم يحتاج ترخيص السيارة إلى رجل أمن..؟
أين ذهبت عائدات
خصخصة الإتصالات..؟
• أنت هنا تبدو ليبراليا..
ـ أنا لا أسمي نفسي ليبراليا. أنا أقول هكذا يجب أن يكون شكل الدولة. أنا انسان أقرأ التاريخ. يوجد نظام عالمي جديد يقوم على فلسفة اقتصادية جديدة تقول أن أي دولة لا تدخل نظام هذا السوق، وهذا العالم الجديد، قد لا يكون لها حضور أو نصيب في العالم القادم. لكن الخلاف ليس على مبدأ بيع أراضي وممتلكات الدولة، ولا على الخصخصة..الخلاف ينصب على الآليات التي تم من خلالها عمليات البيع والخصخصة.
هنا تتشكل المواقف، وهذه المواقف هي التي تحسم تباينات وجهات النظر بين السياسيين الأردنيين، وما بين القوى السياسية. حين نبيع مؤسسة، مطلوب أن تكون هناك شفافية في آليات البيع، وفي أين تذهب أموال الخصخصة، والبديل المطروح لعملية البيع. وعليه، أنا أقول أن مشروع الإصلاح برمته وضع في دائرة التشكيك، ليس بسبب عمليات البيع، وإنما بسبب عدم وجود آليات شفافة للبيع.
بعنا مؤسسة الإتصالات، أين ذهبت عائدات عملية البيع..؟ وأين مردودها..؟ وكيف تمت عملية البيع..؟
بصراحة متناهية هناك لغط في الأردن. الوزير الذي كان على رأس وزارة الإتصالات، وباع مؤسسة الإتصالات، أصبح رجل أعمال بعد أن غادر الوزارة، وهناك نماذج أخرى مماثلة، ثم هناك من يرفع شعار عدم اغتيال الشخصية..!
"طب" آمنا بعدم اغتيال الشخصية، وهذا حق..ولكن من يتنطح للعمل العام عليه أن يتحمل مسؤولية الكرسي. عليه أن يكون شفافا حتى لا يتعرض لاغتيال الشخصية. وليس معقولا ولا نتهم أي جهة أو انسان، أو أي من الذين يشغلون مواقع مسؤولة..ولكن حتى يكون شاغل المسؤولية شفافا ونظيفا، عليه أن تكون اجراءاته وآليات عمله شفافة ونظيفة، وإلا يصبح موضع شبهة أو اتهام.
أي مسؤول "بزرّق" عطاء لا يمكن أن تمسك اوراقه..من غير المعقول أن يخلف اثباتات على فعلته. الأصح، إذا "بدنا نمشي صح" هو تطبيق شعار من أين لك هذا..؟
الوزير الذي كان موظفا، كيف يمكن أن يصبح بعد مغادرته الوزارة رئيس مجلس إدارة بنك، وإذا به يملك الملايين..؟
بصراحة هذه ظروف يجلب الشبهة..!
هذا ما يخلق الشكوك.. وبالتالي المسألة ليست مسألة ليبراليين أو محافظين. ولا قضية بيع وخصخصة. صحيح أن عمر المدينة الطبية أكثر من خمسين سنة، وأنها أنشأت حين كان عدد سكان الأردن مليونين ونصف المليون نسمة، ازدادوا الآن إلى ستة ملايين نسمة..وصحيح أننا كنا "يادوب" نعالج ابناءنا، فأصبحنا نستقبل أبناء الوطن العربي ليتلقوا العلاج في الأردن، وأن المدينة الطبية أصبحت بحاجة إلى تطوير وتحديث، لكن السؤال الأكبر هو كيف..؟
إذا قررنا أن نبيعها، فما هو البديل، وما هي كلفته..؟ وبكم سنبيعه، ولمن، وما هي قيمته الحقيقية..؟
• وإلى أين سيذهب عائد البيع..؟
ـ تماما..
مفصل الخلاف القائم في الأردن، كما أشار جلالة الملك في تصريحاته الأخيرة لوكالة الأنباء الأردنية، ليس ليبراليا ولا محافظا ولا وسطي ولا قومي ولا اسلامي. المطلوب هو اجراءات شفافة وآليات عمل شفافة.
وأصبحنا نلاحظ "شغلة" جديدة في الأردن..الوزير أو المسؤول الذي يعين في موقع في الأردن، يجلس في برج عاجي، ولا يمكن أن تجري معه أي اتصال..لا يلتقي مع أحزاب، ولا مع مؤسسات مجتمع مدني، وأحيانا يحارب الإعلام.. فضاء العالم هو الإعلام.
إعلام الرجل الواحد
• الآن أصبح الإعلام هو الذي يحارب المسؤول كما نرى في سلسلة مقالات، تنشر على نحو غير مسبوق، وتصب نقدها وحملتها على شخص رئيس الديوان الملكي. كيف تنظرون في حزبكم إلى هذا المستجد في التاريخ السياسي الأردني..؟
ـ بصراحة متناهية أنا أرى أن الإعلام هو الفضاء..فضاء الوطن. في ظل قوانين انتخاب لا تفرز كتل سياسية، وفي ظل حكومات تأتي بالتعيين. بصراحة لنعترف بضعف الحياة السياسية الأردنية. ألية انتخاب النواب والإتيان بالحكومات لا تتم على أسس سياسية، أو برامجية يسبقها "تناطح وتناحر" على هذا البرنامج أو ذاك.
وبالتالي، الحكومات ضعيفة، والبرلمانات للأسف الشديد، أيضا ضعيفة. هذا ليس اتهاما لأشخاص الحكومات، أو البرلمانات، لكن آليات المجيئ بهم هي التي تخلق هذه الحالة. وهذا ينعكس على هيبة وقوة الدولة.
بصراحة متناهية، وقد تكون اجابتي مفاجئة، فيما يتعلق بقضية الإتجار بالبشر..
مع تسجيل كل الإحترام والتقدير لشخص رئيس الديوان الملكي، الذي لموقعه كل الإجلال، وهو لا ينتقد (بضم الياء)..وهو منصب لا يخضع ابتداء للمساءلة الدستورية أمام البرلمان، أو أمام أي جهة..هو ليس سلطة تنفيذية..
خرجت موجة انتقادات لشخصه، ولآليات عمله، لم يسكت..؟ أليس مواطنا اردنيا..؟ من حقه أن يتحدث عن نفسه.
تلفزيوننا وإعلامنا أيضا خائف من أن يأتي بوزبر يتحدث في القضايا المثارة أمام كل المجتمع، ويخاطب الرأي العام.
لو كنت مسؤولا عن الإعلام، لدعوت كل الذين سحبت منهم عطاءات ليخاطبوا الرأي العام من على شاشة التلفزيون. فليتحدث حسني أبو غيدا (رئيس هيئة مفوضي المنطقة الإقتصادية الخاصة في العقبة) لشعبه وناسه، ويقول ما الذي حدث معه، وما وجهة نظره..وليتحدث سهل اللمجالي (وزير الإشغال العامة)، وليتحدث معالي الدكتور باسم عوض الله..ليقل مثلا إن الشركة المتهمة بالإتجار بالبشر ليست له.
أنا لا أتهم أي جهة أو أي شخص..ولكن لنأخذ العبرة "من مغرّب". اسرائيل مهددة بحرب نووية من إيران، ومهددة من "حماس"، ومن المقاومة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ومقاومة حزب الله، ومع ذلك ايهود اولمرت رئيس وزرائها يذهب إلى مراكز الشرطة ويخضع للتحقيق. ولا نرى أن اسرائيل تهزم بسبب ذلك.
اميركا العظمى، التي ترسم خرائط الكون، وهي القطب الوحيد الذي يحكم العالم، توجه فيها اتهامات لرئيسها السابق بيل كلينتون، ويدلي بإفادته..!
أنا أتمنى أن يخرج مسؤولينا من حالة الصمت، التي تفتح مزيدا من أبواب التشكيك والإتهام، وأن يشرحوا للرأي العام الأردني موقفهم، ووجهة نظرهم حيال الإتهامات الموجهة لهم.
• بغض النظر عن التفاصيل، ألا ترى أن الإعلام الأردني قطع خطوة إلى الأمام من خلال ممارسة كتابه وصحفييه لحرية حقيقية في انتقاد حتى رئيس الديوان..؟
• أنا أعتقد أن نظام السوق، ونظام الخصخصة بحاجة إلى إعلام حر.. وهذه مسألة غائبة عهن بال الكثيرين.
فليخطئ الإعلام، لكننا لا نريد أن يخطئ المسؤول. ليشعر المسؤول أن الإعلام مسلط عليه بوصفه رقابة ومساءلة شعبية.
الإعلام القوي يخلق مسؤولين نظيفين، وأيد نظيفة. لذا، أرجو أن لا يتم التضييق على السقف الحالي للحرية الصحفية والإعلامية.
أنا أتمنى أن يذهب جميع الذين وجهت لهم اتهامات، إما للقضاء ليحصلوا على البراءة أو الإدانة، وتنتهي الحكاية في البلد، وإما أن يفتح الإعلام الأردني ابوابه للجميع، ليدافع كل متهم عن نفسه.
من حق كل انسان أن يدافع عن نفسه. إذا كانت هناك مطالب لقوى سياسية، أو حزبية، أو محاكمة لمتهم في قضية ما، فلتضمن له المحاكمة العادلة.
وأنا أتمنى على معالي الدكتور باسم عوض الله، وكل من وجه له إتهام، أن يتحدث للرأي العام من خلال الإعلام، أو من خلال ندوة أو ما شابه.
هذا الإبهام، وهذا الموقف المبهم هو الذي يزيد من عملية التشكيك. وكل ما طرحت مسألة، يتم اللجوء إلى الكليشيهات المعتادة..الأردن في خطر..! "شو إحنا في خطر".. الأردن دولة نشأت قبل أكثر من ثمانين سنة، وهو أكثر دولة راسخة في المنطقة..كيف نحن في خطر..؟
الأردن أخطر دول المنطقة
• الأردن دولة انبثقت من عين الخطر..
ـ هل الأردن لوح زجاج لا سمح الله..؟! هذا وطن راسخ، ولدينا نظام حكم قوي، وشعب قوي متلاحم ومتراحم..والبلد مليئ بالخيرين، والأشرار قلة. لم الخوف على الأردن..؟
ثم نحن لدينا سلاح استراتيجي..يهددوننا بالوطن البديل والخيار الأردني. الأردن موقفه الجيوسياسي موقف استراتيجي كبير. أي جهة داخلية أو خارجية، تحاول أن تعبث قيد أنملة بالأردن، عليها أن تعرف أن الأردن أخطر دولة في المنطقة..
• كيف..؟
ـ 650 كيلومترا طول حدود الأردن مع اسرائيل، بكل معانيها..هذا الولد المدلل للغرب والعالم كله..شرقا وغربا يمكن أن يفتح الأردن عليه الـ 650 كيلومترا. كل الموجودين في المنطقة محقين وهم أصحاب حقوق. نحن في الأردن لدينا موقع جيوسياسي خطير جدا، وهو أكثر خطورة من السلاح النووي. "ليش خايف.. أنا ما بخاف". الأردن أقوى من أي دولة في المنطقة مهما عظمت..سواء أكانت دولة اقليمية، أو دولة وطنية صغيرة تقع بجوارنا. علينا أن لا نخاف على الأردن.
• حدث ما حدث..إلى أين يتجه الأردن في ضوء التجاذبات العلنية وعبر وسائل الإعلام، على نحو غير مسبوق..؟
ـ بصراحة متناهية، المشهد الأردني بحاجة إلى تحديد البوصلة..تحديد خطاب الدولة. أول الخطوات على هذا الطريق يجب أن تبدأ من خلال الإعلام الرسمي. نحن بحاجة إلى إعلام دولة..كنا نطالب بتحويل الإعلام من إعلام حكومة إلى إعلام دولة، فإذا بنا نتحول إلى إعلام الشخص الواحد، والقرار الواحد..!
هذه مؤسسات يجب أن يديرها اعلاميون خبراء، يأتون بعلماء نفس وسياسة واجتماع يدرسون عقلية الطفل، ليدرسوا وضع استراتيجية اعلامية للدولة. كيف يمكن ربط الإعلام والإذاعة والتلفزيون بشخص واحد..؟ هذا غير معقول. هل هكذا تكون الخصخصة..؟
المجلس الأعلى للإعلام ماذا فعل..؟
أكرر، الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بالإصلاح الإعلامي. نحن بحاجة إلى إعلام دولة يتحدث عبره القومي واليساري والإسلامي والوسطي والمظلوم والمشتكي والمشكك، عبر حوار يوصل للحقيقة.
نريد اعلاما قويا. ونريد أن يظل سقف الحرية الصحفية قائما ومرتفعا..الصحافة تمثل صوت الرقابة الشعبية. الإعلام والصحافة عند الديمقراطيات العريقة، ليس فقط مهنة..الصحافة والإعلام رسالة..هي بوصلة الرأي العام.
إثارة النعرات الإقليمية
• هذه البوصلة سجلت خلال الأيام الماضية ـ للأسف ـ تذبذبات ومؤشرات اقليمية، كيف تنظر إلى هذه المسألة التي تناولتها كتابات، أيضا على نحو غير مسبوق، وعلى نحو يثير القرف والمخاوف من المستقبل..؟
ـ أنا أعتقد أنه لا توجد دولة في العالم تخلو من قضايا ذات طابع خلافي. القضية ليست في إثارة هذه القضايا، وإنما في كيف نتفق على أسلوب وآلية حلها. المهم أن نتفق على أن تكون وسائلنا سلمية، ومشروعة، وقد نؤجل حل بعض القضايا مرحليا. وعليه، أنا لست مع دفن الرؤوس في الرمال. لكن هناك فارق..قضية إثارة النعرات على أسس اقليمية خطيرة جدا. وأنا أعتقد أن وجود وبقاء الأردن يكمن في وحدته الوطنية. هذا هو سلاحه الأهم في مواجهة التحديات، سواء أكانت داخلية أو خارجية.
لا يوجد سلاح بيد الأردن أقوى من سلاح الوحدة الوطنية. وعلينا أن نلتفت إلى "لعبة لبنان"، والفوضى الخلاقة، والعراق..إلخ..
وبالتالي على ضعاف النفوس، والمصابون بانفصام الشخصية، أن يدركوا أننا أردن واحد قوي..عائلة واحدة، أسرة واحدة..هكذا عشنا، وبهذا نواجه تحديات حل القضية الفلسطينية، والتحديات الإقتصادية، والأطماع الإقليمية والدولية.. الوحدة الوطنية الأردنية هي شعار المرحلة.
إعلام وخطاب وطني جاد وحقيقي يرسخ وحدتنا الوطنية.
نحن دولة سوق، ودولة السوق تعني دولة المجتمع المدني، وهذه تعني رفع دور وشأن مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والرقابة الشعبية والدستورية والإعلامية. وبالتالي نحن نعمل في جانب، ونغمض أعيننا عن جوانب أخرى.
وعليه، توجد معادلة ناقصة في الأردن. وهذا يتطلب تعديل قانون الإنتخاب.
وأود التذكير بأن حزبنا يطرح اللامركزية الإدارية، الأقاليم. نريد برنامجا وطنيا، نريد استراتيجية وطنية اردنية. ولذا، نحن نطالب الحكومة الحالية، إن بقيت كما هي، أو إن أعيد تشكيلها، أن تعلن وتطرح برنامجا جديدا على قاعدة استراتيجية جديدة وواضحة، يسير عليها الجميع.
بالعدالة نكرس الوحدة الوطنية
• بالمناسبة، المسؤول والإعلامي والحزبي يتحدثون عن المصالح العليا للوطن..هل من الممكن تفيهم الأردنيين ما هي هذه المصالح العليا للوطن..؟
أنت كيف تنظر وترى هذه المصالح العليا للوطن..؟
ـ المصالح الحيوية للأردن ما هي..؟ المصالح العليا هي المصالح التي تعلن الدولة استنفار جيشها وشعبها للقتال دونها. هذه هي المصالح العليا للوطن والدولة.
هل يعقل إذا اتهم وزير أو مسؤول أن نقول هذا اغتيال شخصية، ومساس بالمصالح العليا للوطن..؟!
بصراحة هذا ليس مساسا بالمصالح العليا للوطن. المصالح العليا هي التي تتعلق بالأمن والإستقرار، الحفاظ على النظام، الحفاظ على الدستور، الحفاظ على الوطن باعتباره دولة قانون، دولة قضاء، وعدالة اجتماعية. من وجهة نظري هذه هي المصالح العليا للوطن.
• الوحدة الوطنية موضع قولان وتجاذب كبيرين..كيف يمكن أن نكرس الوحدة الوطنية..؟ ما هو البرنامج العملي الذي يحقق ويكرس الوحدة الوطنية، وما هي آلياته..؟
ـ في قناعتي أن العدالة الإجتماعية هي أول متطلبات الوحدة الوطنية.
• بأي معنى..؟
ـ بكل معانيها..التوازن السياسي والإجتماعي والإقتصادي في البلاد.
• بما في ذلك المساواة في التمثيل..؟
ـ حتى الآن، الأردن يتبع التمثيل الجغرافي، ولم يطبق مفهوم التمثيل الوطني على قاعدة سياسية.
• كيف..؟
ـ التمثيل لا يزال جغرافيا، وليس سياسيا. وبالتالي تقسم الدوائر الإنتخابية بحسب الجغرافيا، وليس حزبيا وسياسيا. وهذا ليس معيبا في الديمقراطية.
• هل أنت مع التمثيل السياسي بدلا من التمثيل الجغرافي..؟
ـ أنا أقول أن النقلة الفجائية غير مطلوبة..توجد هناك مستقرات..هناك الكثير من الدول أخذت بالتمثيل الجغرافي، وكثير من الدول أخذت بالتمثيل الحزبي السياسي الوطني.
نحن نطالب بنظام التمثيل المختلط.
• ولكن الذين أخذوا بالتمثيل الجغرافي أخذوه على قاعدة التمثيل السياسي لكل منطقة جغرافية..؟
ـ هذا في حالة وجود نظام التنافس بين القوائم الحزبية..
• نعم..
ـ أنا لا أتحدث عن النظام الحزبي..هذا مبكر بالنسبة للأردن.
حكومات مشمشية
• كيف يمكن أن يكون هناك تمثيلا سياسيا دون أن يكون حزبيا..؟
ـ لأكن صريحا معك..الحزبية القائمة حاليا غير مهيئة لأن تدير هذه العملية.
• وأيضا غير مرحب بها..!
ـ غير مهيئة..
• وغير مرحب بها..
ـ مرحب بها أو غير مرحب بها..المهم أنها غير مهيئة..ليس لديها برنامج بديل لمفهوم مؤسسات الحكم..من سلطة تشريعية وتنفيذية. لا بد من أن يكون لدى الأحزاب تصورات وبرامج لكيفية إدارة مؤسسات الحكم كاملة في استلامها للسلطة من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وزراعة وصناعة وتجارة..احزابنا لا جاهزية لديها لتتولي مسؤوليات الحكم.
• إن كانت الأحزاب لا تملك جهوزية وبرامج حكم، فهل يملكها الأفراد الذين يتم اختيارهم لتشكيل الحكومات..؟
ـ بالتأكيد لا.
• إذا الحال من بعضه..؟
ـ وهل الحكومة التي تستمر لستة أشهر هي حكومة..؟!
هذه حكومات مشمشية. كيف يمكن لحكومة أن تطبق برنامجها خلال ستة أشهر..؟! نريد حكومات مستقرة. نريد وزراء يأتون من العمل العام، ومن خلال حوارات ومناقشات ودراسات ولقاءات وندوات تشكل رؤية وطنية لما هو مطلوب منهم فعله. الوزراء لدينا يغادرون مواقعهم قبل أن نحفظ اسماءهم..!
المفترض أن الأحزاب تصنع قيادات مؤهلة. كل هذا غير متوفر لدينا. وكما قلت قبل قليل..نحن لدينا خلل في كيفية تشكيل الحكومات، وفي كيفية فرز النواب.
• وكذلك في كيفية "ترويح" الحكومات..؟!
ـ ضحك..
نريد توافقا وطنيا..ونريد نظاما مختلطا.. وتمثيل حزبي سياسي على مستوى المحافظات. نريد تدرجا في بناء الحياة السياسية خلال عشر ستوات، والإنتقال من التقسيم والتمثيل الجغرافي إلى التمثيل الحزبي والسياسي، وهو انتقال يماثل الإنتقال من الفلاحة إلى المدنية. الإنتقال يجب أن يمر بزمن كاف، على أن يكون طويل الأمد. وهذا لم نحسم أمرنا فيه.
• بقي أن أسألك: ماذا أبقيت للمعارضة أن تقول..؟
ـ نحن أيضا معارضة..! ولنستعرض كل مواقف الحزب الوطني الدستوري..نحن معارضة للحكومات والسياسات. معارضة ليس لغايات المعارضة..معارضة لتصويب قرار أو تصحيح موقف، بما ينسجم مع سياساتنا..نحن عنوان المعارضة الوطنية.
المعارضة يجب أن يكون لديها طرح بديل، ونحن لدينا ذلك.

التعليقات