الأخوة سنقرط من مصنع حلويات صغير بفلسطين إلى مجموعات شركات عالمية

الأخوة سنقرط من مصنع حلويات صغير بفلسطين إلى مجموعات شركات عالمية
غزة-دنيا الوطن
لم يكن أيٌ من الأشقاء الخمسة (آل سنقرط) يتوقع أن يتحول مصنع الحلويات الخاص بهم والذي أسسوه قبل ربع قرن تقريبًا وبرأسمال لا يتجاوز 50 ألف دينار أردني إلى مجموعةٍ من الشركات التي تعمل في أنشطة اقتصادية مختلفة، وتدخل العالمية من أوسع أبوابها.

بدأت القصة عام 1982، حينما أنشأ الأخوة "سنقرط" وكان أكبرهم حديث التخرج من الجامعة مصنع سنقرط للحلويات على قطعة أرض صغيرة بخط إنتاج واحد وتسعة عمال فقط، والذي مر بمراحل تطور متسارعة، حتى بات أكبر شركة لصناعة المنتجات الغذائية في فلسطين.

رافق ذلك استثمار الأشقاء في مجالات متنوعة، حتى استطاعوا تأسيس "مجموعة سنقرط العالمية"، التي شهدت مؤخرًا توسعًا كبيرًا وباتت الأولى من حيث نوعية الاستثمار الموزع جغرافيًا في مختلف المحافظات الفلسطينية، وعلى قطاعات وأنشطة اقتصادية حيوية ومختلفة بلغت 16 قطاعًا.

النمو الكبير للمجموعة حمّلها مسؤولية كبيرة تجاه المجتمع، فقد باتت تملك بنية مؤسسية قوية، ولم تعد مسؤوليتها عائلية وإنما وطنية، فهي تشغل قوة بشرية كبيرة تقدر بنحو 420 موظفًا يعيلون نحو 2700 شخص موزعين على 70 مدينة وقرية ومخيمًا في فلسطين.


في المجال الصناعي

ويشير رئيس مجلس الإدارة والمدير العام المهندس مازن سنقرط إلى أن مجموعته تملك وتدير أربعة مصانع معظمها في مجال الصناعات الغذائية والزراعية، وهي شركة مصنع الحلويات التي تستأثر حاليًا بنسبة كبيرة من السوق المحلية وتصدر منتجاتها إلى أسواق عربية عدة، وكذلك إلى إسرائيل والولايات المتحدة، كما أنها أول شركة فلسطينية تحصل على شهادة الجودة العالمية (أيزو 9000) عام 1996، وكذلك تملك مصنعًا للأعلاف الحيوانية، أثبتت فحوصات مخبرية أجريت في الداخل والخارج أن العلف المنتج فيه من أفضل الأنواع، بالإضافة لمصنع متخصص بتعبئة المياه المعدنية بعبوات صغيرة (250 مل) ومقره مدينة أريحا، والرابع مصنع "زادنا" للتصنيع الزراعي وخصوصًا المخللات.

ويعتبر سنقرط في حديثه لـ"الأسواق نت" مصنع "زادنا" التطور الأبرز في أنشطة المجموعة خلال السنوات الأخيرة، إضافة لكونه مشروعًا استراتيجيًا عمل على استنهاض القطاع الزراعي، حيث وفر نحو 900 فرصة عمل في مواسم الزراعة، و50 فرصة عمل ثابتة داخل المصنع، كما تم استصلاح أكثر من 5 آلاف دونم. كما نجح المصنع في تصدير منتجاته إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية والجزائر والأردن والسوق العربية في إسرائيل، إضافةً إلى استئثاره بحصةٍ كبيرة من السوق المحلية.

كما يفخر المهندس سنقرط -والذي شغل منصب وزير الاقتصاد الوطني في الحكومة الفلسطينية التاسعة برئاسة أحمد قريع- بطرح منتجٍ غذائيٍ ينتجه أحد مصانعه للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، طُور بعد الاستعانة بخبراء دوليين.


تفوق في الزراعة

كما تنشط المجموعة في قطاع الزراعة من خلال الاستثمار المباشر في العملية الزراعية نفسها، بزراعة عشرات الدونمات بالأعشاب الطبية، إضافةً إلى شراكات مع مؤسسات دولية لدعم المزارعين.

ويوضح سنقرط الأسباب التي دفعتهم للدخول في هذا المجال، حيث يؤكد على وجود إمكانية كبيرة للنمو في هذا القطاع، "فالأرض الفلسطينية خصبة والمناخ جيد وهو لصالح التنمية الزراعية، كما أن العمل في الزراعة يحمل رؤية سياسية ومعنوية، فهو يثبت المزارع في أرضه، كما يتوفر في هذا القطاع إمكانات كبيرة لاستيعاب العمالة ونحن بحاجةٍ ماسةٍ لذلك، بما يساهم في الحد من البطالة والفقر".

وأنشأت المجموعة في المنطقة مشروعًا زراعيًا للأعشاب الطبية يعتبر الأول من نوعه في فلسطين، حيث يضم نحو 60 دونمًا من البيوت البلاستيكية المتطورة المزودة بأفضل التكنولوجيا، التي تستخدم فيها تربة بركانية معالجة كيميائيًا، كما أن المشروع مطابق لمواصفات "اليورو غاب" الأوروبية و"غلوبال غاب" الدولية، كما أنه يضم مركزًا للتعبئة والتغليف.

وتستغل البنية التحتية للمشروع حوالي 120 دونمًا، ومنتجاته تسوق بالكامل في روسيا وأوروبا، وقد صدّر نحو 240 شحنة للآن إلى هذه الأسواق وغيرها، بمعدل ثلاث شحنات أسبوعيًا، كما تم مؤخرًا تصدير شحنات من منتجات المشروع للسوق الأمريكية مباشرة، ليكون بذلك أول منتج زراعي فلسطيني طازج بشهادة منشأ فلسطينية مصدقة من وزارة الزراعة والغرفة التجارية الفلسطينية يتمكن من دخول السوق الأمريكية دون وساطة الشركات الإسرائيلية.


تربية الحبش

وكانت مجموعة سنقرط والشركة الفلسطينية للاستثمار "ايبك" أعلنتا خلال مؤتمر الاستثمار الذي عُقد في مدينة بيت لحم في آيار/ مايو الماضي، عن شراكةٍ لإنشاء مشروع لتربية الحبش، هو الأول من نوعه في فلسطين، باستثمارات تصل في مرحلتها الأولى لحوالي 12 مليون دولار.

وعن مبرر وجوده، يوضح سنقرط أنه جاء بعد دراسةٍ أكدت الحاجة الماسة لمشروعٍ كبيرٍ ونوعي في هذا النشاط لتزويد السوق الفلسطينية بحاجته من هذه اللحوم، خاصةً أن الفلسطينيين يستوردون لحوم الحبش من إسرائيل منذ أكثر من أربعين عامًا.

وبحسب سنقرط "فالسوق الفلسطينية تحتاج لمليون حبشة سنويًا، في حين أن حجم التربية في المشروع سيكون بحدود 200 ألف طير حبش، وسنعطي فرصة لمستثمرين ومزارعين آخرين للاستثمار في هذا المجال، كما يضم المشروع مسالخ حديثة، ومن ثم يتم تسويق اللحوم إما طازجة أو لمصانع اللحوم (المرتديللا) والمطاعم، ويمكن أن تصدر إلى الأسواق الخارجية خصوصًا العربية".

واعتبر سنقرط المشروع "مهمًا ونوعيًا، فنحن نتحدث عن 12 مليون دولار استثمار، وحوالي 600 فرصة عمل، وقد بدأنا فعلاً بإجراء الدراسات الأولية والحديث مع الجهات ذات العلاقة والاختصاص".

ويتوقع أن يغطي المشروع في مرحلته الأولى حوالي 40% من حاجة السوق الفلسطينية التي يبلغ حجمها حوالي 100 مليون دولار سنويًا.


السياحة وموسوعة "غينيس"

ووسعت مجموعة سنقرط من استثماراتها لتدخل إلى قطاع السياحة بقوة، بوصفها "أحد المصادر المهمة للنمو في الاقتصاد الفلسطيني، لما تتمتع به فلسطين من تاريخ وثقافة وأماكن ودينية، وهي جغرافية جاذبة للسياحة الدينية والتاريخية"، كما قال مديرها العام.

وتوجهت المجموعة للاستثمار في هذا القطاع بمشروعين أبرزهما في مدينة أريحا -أقدم وأخفض مدينة في العالم- بإنشاء شركة "تلفريك" أريحا وهو عبارة عن مجمع سياحي متكامل فيه فندق و"تلفريك" ومحلات للتحف الشرقية وسلسلة مطاعم.

ويستطيع "التلفريك" نقل 120 شخصًا من محطته السفلية بجانب العين المقدسة التي اغتسل منها السيد المسيح عليه السلام لدى بعض الطوائف المسيحية، إلى المحطة العلوية وهي جبل "قرنطل" أو جبل التجربة، حيث مكث المسيح 40 يومًا وليلة صائمًا، وذلك بحسب الاتفاقية بين المجموعة وبطريركية الروم الأرثوذكس، وهما من أماكن الجذب السياحي النوعي في فلسطين.

وسُجل هذا المشروع في موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، بوصفه "التلفريك" الوحيد في العالم الذي ينقلك لارتفاعٍ يزيد عن 175 مترًا وتبقى في نفس الوقت تحت سطح البحر.


للقدس مكان

ولمدينة القدس مكانةٌ خاصة في قلب ووجدان رجل الأعمال مازن سنقرط، الذي يشير إلى أن مجموعته تمتلك العديد من المحالات التجارية التي تبيع التحف الشرقية داخل البلدة القديمة لمدينة القدس الشريف، والتي تشكل النواة الأساسية التي انطلقت منها المجموعة منذ سنوات طويلة.

وكشف سنقرط عن أن مجموعةً من الشركاء المحليين والدوليين يسعون لإقامة "مركز اتصال لتقديم خدمات تجارية" انطلاقًا من القدس، لدول إقليمية ودولية ولشركات كبرى، مشيرًا إلى أن المساهمين أنجزوا دراسة الجدوى الاقتصادية ووضع الأسس والركائز الأساسية للمشروع مع شركاء وخبراء دوليين ومحليين.

موضحًا أن المشروع سيوظف خريجي المعاهد والجامعات المقدسية بالتحديد، وسيخلق حوالي 600 فرصة عمل، مُعتبرًا إياه المشاريع الاستثمارية النوعية، ومن قلب القدس، وأنه استثمار بالأساس لاسم وجغرافية القدس ونظرة العالم العربي والدولي للمدينة المقدسة.


رؤية سياسية

وزير الاقتصاد الأسبق يؤكد أن العائق الرئيسي أمام الاستثمار في فلسطين هو الاحتلال وممارساته، وأهمها الحصار المفروض على محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، وعزل وحصار القدس، والحواجز العسكرية وشرذمة السوق الفلسطيني، الأمر الذي يتسبب بعزل وخنق الاقتصاد الفلسطيني بشكلٍ عام، وعزل القدس بشكلٍ خاص محيطها الطبيعي من الشمال والجنوب وفصل التحامها الطبيعي باقتصاديات المحافظات الفلسطينية، الأمر الذي يؤثر تأثيرًا مباشرًا على قضية الاستثمار، وعلى حركة التجارة والأفراد وقضية النمو الاقتصادي.

ويتوقع سنقرط أن تقدم إسرائيل قريبًا على الانفصال أحادي الجانب عن الضفة الغربية كما فعلت مع غزة قبل حوالي ثلاث سنوات، وأن كافة الدلائل تشير إلى ذلك؛ ومن بينها المفاوضات العقيمة الجارية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، موضحًا أن الوضع الاقتصادي الفلسطيني يمر بمرحلةٍ صعبة يمكن أن تكون الأصعب خلال السنوات الماضية؛ لأن السوق يفقد الكثير من قدراته الطبيعية الذاتية التي كانت لديه في الأعوام الماضية بسبب الاحتلال وممارساته، بالإضافة لعدم وجود عملة وطنية فلسطينية، مما يجعله يتأثر سلبيًا بما يدور حوله من البلدان المجاورة والمجتمع الدولي عامة.

ويرى سنقرط أن القطاع الخاص معول عليه في استنهاض التنحية الاقتصادية بوصفه المحرك الرئيسي لهذا الاقتصاد، والذي يقوم حاليًا بتشغيل أكثر من 80٪ من الأيدي العاملة الفلسطينية، ولكنه من جهةٍ أخرى عرضة كغيره للممارسات الإسرائيلية المختلفة، التي تسببت بتقليص قدرات هذا القطاع تدريجيًا.

التعليقات