ما الهدف من رصد الإعلام الفلسطيني في قضايا تخص الصراع

بقلم: محمد أبو علان
المبادرة الفلسطينية لتعميق الحوار العالمي والديمقراطية "مفتاح" ومن خلال وحدة الرصد الإعلامي فيها تابعت تغطية الصحف الفلسطينية الثلاث (القدس، الحياة الجديدة والأيام) وتلفزيون فلسطين لعملية الجرافة التي نفذها الشاب الفلسطيني حسام دويات في القدس المحتلة والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وجرح ما يقارب (45) آخرين بالإضافة لاستشهاد منفذ العملية بعد إطلاق النار عليه من مسافة صفر.
وخرجت وحدة الرصد الإعلامي في مؤسسة "مفتاح" باستنتاج أن تغطية وسائل الإعلام الأربعة التي رصدتها اتصفت "بالتوازن والحيادية والبعد عن الإثارة"، وخرج التقرير المكون من ثماني صفحات وقام بتنفيذه والإشراف عليه ما يقارب الثلاثة عشر شخصاً بينهم نخبة من الأكاديميين والإعلاميين، وتم تنفيذ هذا التقرير بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ومؤسسة فورد.
وكان لهذا التقرير ثلاث توصيات أولها " حث وسائل الإعلام بتبني التوجه الحالي، وتبني رواية إعلامية متوازنة في تغطيتها للأحداث، سواء ما كان منها داخليا، أو على صلة بصراعات محلية أو إقليمية، واعتماد الدقة في المعلومات بعيدا عن لغة الإثارة والتحريض"، وثاني هذه التوصيات حث وسائل الإعلام على توفير الدعم المادي والفني لمراسليها مما يمكن من تطوير أدائهم المهني، وتقديم رواية إعلامية محلية مستقلة تتمتع بالمصداقية، أما ثالث التوصيات فكانت "اعتماد مصطلحات موضوعية، وتبني توصيفات دقيقة لدى الحديث عن أفراد ومجموعات، وتبني سياسيات تحريرية مهنية".
وهذا التقرير يدفع لطرح مجموعة من التساؤلات أولها ما الحاجة لهذا الكم الكبير من الأكاديميين والإعلاميين لإعداد مثل هذا التقرير الذي كان بإمكان شخص أو اثنين منهم إعداد مثل هذا التقرير من خلال متابعة وسائل الإعلام ليومين أو ثلاثة أيام على أبعد تقدير لرصد ما نشر عن العملية في وسائل الإعلام هذه وخاصة أن معظم القائمين على التقرير لهم من القدرات الإعلامية ما تمكنهم بالقيام بما هو أهم وأشمل من هذا التقرير في مواضيع ومجالات عدة؟.
وثاني هذه التساؤلات عن أهداف ودوافع الجهات الممولة لتقرير الرصد الإعلامي هذا؟، فالجهات الممولة هذه تقف خلفها جهات سياسية أقل ما يمكن أن يقال عنها عدم الموضوعية وعدم التوازن في علاقاتها مع طرفي الصراع في المنطقة، لا بل لها عدة موازين ومعايير في تقيم الأمور عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين والإسرائيليين، والنفاق السياسي أقل ما يمكن أن يقال عن هذه الجهات، مما يجعل الشك والريبة في نفوسنا متأصلة تجاه أي عمل تقوم به أو تموله، ففي الوقت الذي تمول فيه هذه الجهات تقارير لرصد الإعلام الفلسطيني تجاه قضايا تخص الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، نجدها تملأ فهما ماءً عندما يتعلق الأمر بالممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني بشكل عام، وتجاه الإعلام والإعلاميين الفلسطينيين بشكل خاص، والصمت من "دعاة الحرية والديمقراطية" على جريمة استشهاد المصور الصحفي فضل شناعة لا زالت حيه في أذهان الجميع.
أما بخصوص محتوى تقرير الرصد نفسه وتوصياته فقد شابهما استخدام مصطلحات وتعابير فيها من الغموض وعدم الوضوح ما يؤهلها لتفسيرات وتأويلات مختلفة وفق رؤية من يقوم بقراءتها دون معرفة مقصد معدي التقرير من ورائها، ومسألة الفهم للمصطلحات والتعابير لا تقل أهمية عن إعداد التقرير نفسه وإلا فقد مبرر إعداده، فقبل الدخول في التقرير نفسه كان يفترض بجهة الإصدار أن تحدد في بداية تقريرها معاني المصطلحات والتعابير الواردة فيه وخاصة فيما يتعلق بمعاني الحيادية والتوازن والبعد عن الإثارة والتحريض لكي يتمكن القارئ من معرفة الهدف الذي يرمي لتحقيقه هذا التقرير، وما القصد عندما يورد التقرير إن وسائل الإعلام هذه سمت العملية بالهجوم، وضحاياه بالقتلى ؟.
وعدم الوضوح في التعابير والمصطلحات المستخدمة جعلنا غير قادرين على فهم مضمون التوصيات التي خرج فيها التقرير والتي كان أولها "حث وسائل الإعلام على تعزيز التوجه الحالي بتبني رواية إعلامية متوازنة"، فما هو التوازن الإعلامي المطلوب من وسائل إعلام فلسطينية يفترض أنها تعبر عن نبض ورأي شعب يعيش تحت الاحتلال منذ ستون عاماً ويعاني شتى صنوف العذاب والإهابة والقتل على مدار الساعة، ومهمتها كشف وتعرية جرائم الاحتلال، ودعم المقاومة بكافة أشكالها، فهذا التوازن الذي يتحدث عنه تقرير الرصد لعملية الجرافة يمكن اعتباره سلبية من سلبيات وسائل الإعلام الفلسطينية لا بل نقيصة بحقها إن هي تبنته بهذا الشكل، وكان يجب على وسائل الإعلام الفلسطينية أن تتعمق في تحليل دوافع مثل هذه العمليات التي تأتي كرد فعل على ما يتعرض له سكان مدينة القدس من مضايقات بهدف تهجيرهم وترحليهم من مدينتهم، أم أن التوازن والحيادية وفق فهمهم يتطلب الحرص حتى على مشاعر الاحتلال في مثل هذه العمليات؟.
فمنفذ عملية الجرافة الأولى على سبيل المثال كان مواطن فلسطيني مقدسي يعيش واقع اجتماعي واقتصادي سيء نتيجة المضايقات الإسرائيلية على مواطني القدس خاصة في موضوع البناء وضريبة الأرنونا، وكان منفذ العملية يرزح تحت ديون مالية تجاوزت قيمتها (150) ألف شيكل بدعوى البناء غير المرخص ومنزله الذي يأوي عائلته مهدد بالهدم، فما قام به يعتبر رد فعل طبيعي على ما يتعرض له وعائلته في ظل عدم توفر أنظمة وقوانين عادله تحميه وتوفر له سبل العيش الكريم، وهذه العدالة لن يجدها في ظل حكم احتلال ظالم ومجرم، فهل ابتعاد الإعلام الفلسطيني عن هذا التحليل والتركيز على هذه الدوافع يبعدها عن الحيادية والرواية المتوازنة؟، وعملية الجرافة الثانية من الواضح إنها جاءت كرد فعل على ممارسات الاحتلال وسياساته حتى وإن كانت تمت بشكل فردي من منفذها ودون وجود أية تنظيمات خلفها كما أشارت التفاصيل التالية للعملية على الأقل.
وكلما تقدمت في الإطلاع على ما ورد في التقرير تكتشف العمومية وعدم الوضوح في محتواه، ففي التوصية الثالثة "طالب التقرير باعتماد مصطلحات موضوعية، وتبني توصيفات دقيقة لدى الحديث عن أفراد أو مجموعات"، فما هي المصطلحات الموضوعية؟، فهل استخدام كلمة شهيد في توصيف منفذ العملية يخرج الإعلام الفلسطيني عن توازنه؟، وما هو التوصيف الأفضل للمجموعات والأفراد وفق رؤية معدي تقرير الرصد هذا؟، فهل يجب تسمية فصائل المقاومة بالمجموعات الإرهابية؟، وعناصرها بالإرهابيين ليتوافق مع رؤية وتفكير الممولين لهذه الدراسة، وكل هذه التساؤلات والاستنتاجات الشخصية نابعة من عمومية وضبابية التقرير نفسه.
والشيء الذي يمكن الوقوف ورائه ودعمه بكل قوة في تقرير وحدة الرصد الإعلامي هي التوصية بحث وسائل الإعلام على توفير الدعم المادي والمهني لمراسليها، دعم يمكنهم من الوصول للمعلومة الضرورية وفي الوقت المناسب، وهذه التوصية ضرورية وهامة لجعل وسائل الإعلام الفلسطينية مصدر معتمد وموثوق فيه في متابعة الأحداث خاصة المحلية منها وليس ناقلاً لها معتمداً على وكالات أنباء عالمية وكأن الأحداث تتم في بقعة أخرى من العالم.

في النهاية بقي الإشارة لثلاث قضايا اثنتان منهما على شكل سؤال ولأول منها وهو لماذا قصرت وحدة الرصد الإعلامي رصدها على الصحف الثلاث وتلفزيون فلسطين؟، فهناك صحف ومواقع إخبارية فلسطينية عديدة تحظى بالاهتمام والمتابعة بدرجة أكبر بكثير من الصحف المحلية وتلفزيون فلسطين،وكان لهذه المواقع الإخبارية تحليلات ووجهات نظر مختلفة حول العملية حوت الكثير من القراءات والتحليلات المتعمقة لهذا النوع الجديد من العمليات، والسؤال الثاني ما الهدف من رصد الإعلام الفلسطيني في قضايا ذات علاقة بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أما القضية الثالثة فتقرير الرصد للعملية مسيس وبعيد عن الحيادية والنزاهة والموضوعية كون التوجهات الفكرية والسياسية لبعض القائمين على التقرير عكست نفسها على تفاصيل التقرير وتوصياته.

فلسطين 20/08/2008
[email protected]

http://blog.amin.org/yafa1948

التعليقات