مغتربون فلسطينيون يضخون ملايين الدولارات لبناء مشاريع في وطنهم

مغتربون فلسطينيون يضخون ملايين الدولارات لبناء مشاريع في وطنهم
غزة-دنيا الوطن
بعد توقيع السلطة الفلسطينية وإسرائيل اتفاقية "أوسلو" عام 1994 عاد رجل الأعمال الفلسطيني سام بحور إلى وطنه للمشاركة في بناء وتأسيس شركة الاتصالات الفلسطينية، غير أنه ولظروفٍ خاصة أسس شركة (AIM) لتقنيات المعلومات التي تقدم استشارات إدارية في مجال إنشاء الشركات الجديدة، إضافةً إلى شركة الشتات الفلسطيني للاستثمار (PDIC).

يقول بحور لـ"الأسواق نت": "عدتُ في أول فرصة سنحت لي للمساعدة في بناء واقع فلسطيني جديد.. كنت على يقين أن اتفاق "أوسلو" لن ينهي الاحتلال، ولم يعدو كونه فتح نافذة صغيرة، وكان التحدي أمام الشعب الفلسطيني بجميع أطيافه في الداخل والخارج أن يعملوا جاهدين لتوسيع هذه النافذة، كُل حسب تخصصه وعمله، فعدت لأساعد في إنشاء مشاريع اقتصادية وإيجاد مؤسسات وشركات تستوعب وتوفر فرص عمل لتعزيز صمود المواطنين، وللمساعدة في إنهاء الاحتلال من خلال بناء اقتصاد قوي مستقل".

رغم الصعوبات.. لا للندم

ويقرُّ بحور بوجود مخاطر ومعيقات كثيرة تعترض المغترب العائد، غير أنه في الوقت نفسه أشار إلى أن هذه المخاطر تمس الجميع دون استثناء، ويضيف: "لا شك أن هناك مخاطر سواء على المستوى الشخصي والجسدي أو على الصعيد المالي، لكن الجميع معرضون لها، فكان التحدي أيضًا هو مواجهتها وتخطيها.. البعض غامر بأمواله وبقي في الغربة، لكن هناك من غامر بحياته، وهذا أخطر".

ويشدد بحور الذي كان من الناشطين سياسيًا في الولايات المتحدة الأمريكية ويمارس اليوم كتابة مقالات الرأي، خاصةً في المجالات السياسية، على أنه لم يندم للحظة واحدة على تركه أمريكا والعودة لفلسطين، حيث يقول: "أنا الآن جزء لا يتجزأ من الواقع الفلسطيني، سلاحي الذي أجابه به الاحتلال الإسرائيلي هو هذه المشاريع الاقتصادية التي أشارك بتأسيسها.. هناك من يقاوم بالسلاح وآخرون ينتهجون المفاوضات، لكننا أهملنا ولفترات طويلة هذا السلاح (السلاح الاقتصادي) ذا الفعالية الكبيرة، الذي له تأثير واضح على دعم الاستقلال وبناء دولة رغم كل المعيقات".

النسر يحلق في فلسطين

ولا تختلف قصة المغترب العائد جمال النسر كثيرًا؛ فقد شجعته الظروف التي وُجدت بعد اتفاقية السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على وضع حدٍ لـ30 عامًا من الغربة، هذا بالإضافة لكونه كان ناشطًا سياسيًا وعضو مجلس وطني فلسطيني عن "جمعية أهل البيرة" في الولايات المتحدة الأمريكية، فدخل قطاع غزة عام 1996 لحضور اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني وبقي منذ ذلك الوقت في فلسطين.

يقول النسر: "كنت أعمل في أمريكا في مجال التجارة، وفور عودتي شكلت مع 38 مغتربًا عائدًا شركة "مغتربي فلسطين للاستثمار" وأشغل اليوم منصب رئيس مجلس إدارتها.. نستثمر في مجالات مختلفة.. نحن مساهمون أساسيون في متنزه بلدية البيرة، ولدينا أضخم معرض في محافظة رام الله لتصفيات البضائع الأمريكية، كما أننا نعمل في مجال بيع وشراء الأراضي والعقارات في مدن مختلفة من الضفة الغربية".

البحث عن الأمان الاجتماعي

وعن الدافع لعودته يقول لـ"الأسواق نت": "لا مجال طبعًا للمقارنة بين الاستثمار والعمل الاقتصادي بين أمريكا وهنا، لذا فالدافع يجب أن يكون أهم وأشمل من مجرد الربح والانتفاع.. بحثت عن الأمان لي ولعائلتي فوجدته في فلسطين رغم كل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.. أنا لا أبالغ، فلم أكن استطيع دخول مناطق وأحياء كاملة في الولاية التي كنت أعيش بها بعد ساعةٍ معينة من الليل، أما هنا فالتحرك أسهل، والجميع يعرفك، والتقارب الاجتماعي يوفر لك حماية، وهذا غير موجود في أمريكا".

ويضيف: "أريد أن يبقى أبنائي يتحدثون العربية، ويدركون أنهم مسلمون وفلسطينيون.. كما أنني أريد أن أحافظ عليهم من الثقافة الغربية، وأظن أن هذا السبب الأساسي الذي يدفع غالبية أرباب الأسر المغتربة أن يعودوا إلى بلادهم الأصلية".

عملوا في مجالات مختلفة

ولا توجد إحصائيات محددة ودقيقة عن عدد المغتربين الفلسطينيين من حملة الجنسيات الأجنبية، غير أنهم يُقدرون بعشرات الآلاف موزعين على دول أمريكا الشمالية، فنزويلا، البرازيل، كولومبيا، دول الخليج، حيث يشكل مغتربو محافظة رام الله والبيرة العدد الأكبر منهم، كما أن هناك بعض القرى في المحافظة يعيش الغالبية الساحقة من أبنائها في الخارج، مثل "ترمس عيا"، و"دير دبوان".

ويرى مدير العلاقات العامة في بلدية البيرة وسط الضفة الغربية "جاد كنعان" أن الدور الاستثماري للمغتربين برز مع قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994، حيث شرعوا في تنفيذ مشاريع استثمارية عديدة برأسمال يُقدر بمئات ملايين الدولارات.

وعن أهم تلك المجالات، يوضح كنعان لـ"الأسواق نت" أن الاستثمار تركز في مجال المباني والعقارات، وإنشاء المجمعات التجارية، بالإضافة إلى المشاريع التجارية بأنواعها، مثل مطاعم الوجبات السريعة والمعارض.

كما أن هناك شريحة كبيرة من المغتربين عملت في الاستثمار في مجال شراء وبيع الأراضي، وآخرين في مجال التعليم والصحة كالمدارس والجامعات والمستشفيات الخاصة.

تسهيلات ومعيقات

ويؤكد كنعان أن هناك العديد من التسهيلات المقدمة للمغتربين، تتمثل بـ"المرونة في تقديم التراخيص اللازمة وطرح المشاريع والعطاءات من قِبل الوزارات المختصة كوزارة الحكم المحلي ووزارة الاقتصاد والغرف التجارية والسوق المالي، وكذلك تقديم الاستشارات الاقتصادية والقانونية لهم، وتسهيلات في الضرائب والدفعات المجزئة، والتنسيق والتشبيك فيما بين هؤلاء المغتربين منعًا من التضارب والتشابه في المشاريع والاستثمارات، وذلك من خلال مكتب خاص بهذا الخصوص".

ويقر كنعان بوجود مشاكل وعقبات تواجه المغتربين الفلسطينيين، يتمثل أهمها في التشديد والرقابة على التحويلات المالية الخاصة بهم من قِبل إسرائيل، وكذلك مشكلة الإقامة و"الفيز" والتي لا تعطى من الجانب الإسرائيلي إلا لمدة 3 شهور "ولم شمل العائلة"، بالإضافة إلى عدم وجود استقرار سياسي واقتصادي.

غير أنه في الوقت نفسه يشير إلى وجود نماذج ناجحة، "فعددٌ كبير من المغتربين هم من رجال الأعمال وأصحاب الشركات والأكاديميين والأطباء والمهندسين والتجار، حيث ذكر منهم "حمد كمال خلف" الرئيس السابق لجمعية الأطباء العرب الأمريكية، و"سامي جاد الله" أحد أعمدة شركة "مايكروسوفت" العالمية والذي يعود أصله إلى مدينة البيرة.

التعليقات