الملك عبد الله الثاني:الاشاعات بان البيع مؤامرة لتفكيك الدولة الاردنية ليست اكثر من خيال وافتراء

الملك عبد الله الثاني:الاشاعات بان البيع مؤامرة لتفكيك الدولة الاردنية ليست اكثر من خيال وافتراء
غزة-دنيا الوطن
اكد جلالة الملك عبد الله الثاني ان السياسات العامة لن تكون رهينة للاشاعات والجهل وان استعمال هذه الاشاعات لاعاقة مسيرتنا نحو التقدم امر غير مقبول اطلاقا.

وقال جلالته اذا كان لدى اي شخص برهان على تصرف خاطئ مقصود فليعلن عن ذلك, فابوابنا مفتوحة دائما ونرحب بالنقد ونشجع عليه عندما يتصل بمبدا الشفافية.

واكد جلالته في مقابلة شاملة مع وكالة الانباء الاردنية اجراها الزميل رمضان الرواشدة انني عملت كما عمل المغفور له الراحل الكبير والدي من قبلي بجد كبير للترويج للاردن كمقصد استثماري وانه لدي رؤية للمستقبل واريد للاردن ان يكون البلد الاكثر تقدما في العالم وان يكون منفتحا على العالم بغير خوف او وجل, مشددا جلالته على ان الاستثمار يجب ان لا يكون على حساب الشفافية.

وقال جلالته موجها حديثه للحكومة: ان رسالتي لكم ان امامكم تحديات لم تتم مواجهتها من قبل الحكومات السابقة وامامكم في الوقت ذاته فرص لم تتح من قبل .

واضاف استمعوا الى ما يقوله المهنيون والخبراء وتجاهلوا الاشاعات والثرثرة ودائما تواصلوا بوضوح وشفافية مع المواطنين.

وقال جلالته انني فخور بانجازاتنا فالاردن حقق تقدما كبيرا خلال السنوات الماضية وان انكار ذلك جريمة بحق الوطن.

وشدد جلالته على انه من موقعي كقائد لهذا الوطن فانني اعتبر ان الاولوية بالنسبة لي هي حماية وصيانة الدستور والتاكد بان السلطات الثلاث تلتزم به حرفيا.

وفي معرض اجابته حول ما شهدته الاسابيع الماضية من اشاعات وافتراءات حول بعض الاجراءات الحكومية قال جلالته ان نقد السياسات الحكومية في الاوقات الصعبة واستعمال هذا من اجل اجندة معينة لمجموعة من الناس امر مقبول ولكن استعمال الاكاذيب المكشوفة والاشاعات الصبيانية لاعاقة مسيرتنا نحو التقدم امر غير مقبول على الاطلاق.

واكد جلالة الملك عبدالله الثاني ان الاردن وطن غني بعشائره التي كانت وستظل بعون الله الركيزة والعمود والسند الاساسي لمتانته وصموده واستقراره ونهضته, فنحن بلد سيادة القانون وتكافؤ الفرص والعدل والمساواة بلد المؤسسات الذي يحميه الدستور وقواتنا المسلحة الباسلة واجهزتنا الامنية التي نفاخر بها العالم.

وقال جلالته انني اتشرف بالانتساب الى عائلة هاشمية نات دائما بنفسها عن الاشاعات والكلام غير المسؤول الذي لا نعيره اهتمامنا

وفيما يلي النص الكامل لحديث جلالته:

* امرتم جلالة الملك بان نتناول كافة المواضيع بصراحة وشفافية خاصة حول القضايا التي تثير جدلا وتنتشر في اوساط النخب الاردنية, لذا اعتذر سلفا اذا ما كانت بعض الاسئلة خارج السياق وغير ملائمة, ولكنني اريد ان انفذ تعليماتكم واوامركم بان اكون بمنتهى الصراحة.

- هذا يلائمني تماما, وكما ذكرت انا الذي طلبت منكم ان تكون هذه المقابلة بمنتهى الصراحة, واريد ان اتناول بعض القضايا المثيرة للجدل لكي نتجاوزها ونمضي قدما لبناء مستقبل اردني زاهر وكما اقول دائما ليس لدينا ما نخفيه في الاردن.

* اذا كنتم جلالتكم امرتم ان اتناول في اسئلتي وبمنتهى الصراحة المواضيع المثيرة للجدل وهو امر غير مالوف, اذا جاز لي السؤال لماذا هذا الطلب الان?

- لان بلدنا اليوم يواجه تحديات هائلة وفي الوقت نفسه امامنا فرص كبيرة لم تكن متاحة لنا من قبل, فرص يمكن ان تساعدنا في حل بعض المشاكل التي نعاني منها منذ فترة طويلة, وتساعد ايضا في التخلص من اثار وتداعيات هذه المشاكل نهائيا. ولكن من الاهمية بمكان ان نقوم على الاقل بجهد مخلص لفهم مستوى التحديات والفرص, دون اللجوء الى السلبيات, والاشاعات, واغتيال الشخصية, والطروحات والاقوال العاطفية.. انني اشعر بصدمة وبخيبة امل كبيرة بسبب المستوى المتدني للجدل الدائر في بعض الاوساط النخبوية والاعلامية.. ولقد تعودت طوال حياتي على سماع الشائعات التي تطلق عليّ وعلى اسرتنا وعلى الاردن, ولكنني اشعر اليوم ان الشائعات التي تطلق اصبحت تؤثر سلبيا على مستقبل الاردن, وببساطة لا يمكنني ان التزم الصمت.

* ما هي التحديات والفرص الماثلة كما ترونها جلالتكم ?

- هناك ثلاثة تحديات رئيسية: الاسعار, الاسعار, الاسعار. وبالطبع لدينا تحديات رئيسية اخرى مثل البطالة, والفقر, والمديونية, ولكن من الانصاف ان نقول ان الاسعار المرتفعة هي التي تشغل بال كل واحد منا. ففي كل يوم, تظل الاسعار قضية تستحوذ على تفكيري, وتقلقني كثيرا لما تمثله من تحد هائل لغالبية الاردنيين, وتثقل كاهلهم. وحيثما ذهبت, اتشاور مع الخبراء لمساعدتي في التوصل الى اجابات وحلول وقد تحدثت الى الخبراء المحليين والخبراء العالميين, من الدول النامية والدول المتقدمة, ومن مختلف المدارس الفكرية, من اقصى اليسار الى اقصى اليمين. والاجابات جميعها متشابهة. فهذه مشكلة يعاني منها العالم باجمعه, والعالم النامي الذي نشكل جزءا منه هو الذي تلقى الضربة الاشد والاقسى. وليس هناك حكومة في العالم حسب علمي تمكنت من ايجاد الحل المناسب في المدى القصير لحماية مواطنيها وتحصينهم في وجه الاسعار المرتفعة, واي شخص يقول عكس هذا فهو غير منصف في قوله.

ولكن هناك اجراءات على الحكومات ان تقوم بها على المدى القصير لتخفيف تاثير الاسعار. وهنا في الاردن فقد بدات الحكومة بتنفيذ حزمة من الاجراءات التي تحمي المواطن من تداعيات غلاء المعيشة, من خلال زيادة رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام المدني والعسكري, وتشجيع القطاع الخاص على القيام بذلك ايضا. وتم توسيع شريحة المنتفعين من المعونة الوطنية, وزيادة نصيب الفرد الفقير من المعونة شهريا لمساعدته على تجاوز تحديات غلاء المعيشة, وتوفير الحوافز لتشجيع الشباب على العمل والانتاج, وانطلقنا في تنفيذ برنامج اسكان كبير مدعوم, هو برنامج سكن كريم لعيش كريم, وقدمنا الدعم المالي لصناديق الاسكان العسكرية وصناديق اسكان المعلمين, ووفرنا الاف المساكن للاسر الفقيرة, لمجابهة الكلفة المرتفعة للعقار, وقامت الحكومة بالتدخل في السوق لدفع اسعار السلع الاساسية الى الانخفاض الى اقصى حد ممكن, من خلال دعم بعض السلع بصورة مباشرة, وتخفيض الرسوم والضرائب على السلع الاخرى, وبيع المواد التموينية بسعر الكلفة في المؤسستين الاستهلاكيتين العسكرية والمدنية, وزيادة فروعها في المدن والقرى والبادية, اضافة الى فتح الاسواق الشعبية. وانا اول من يعترف بان هذا ما زال ليس كافيا واننا بحاجة الى القيام بالمزيد, وسنقوم بعمل المزيد, ان شاء الله.

اما على المدى المتوسط والمدى الطويل, فان جميع الخبراء يتفقون بان جزءا كبيرا من حل مشكلاتنا يتمثل في قدرتنا على تشجيع الاستثمار: المحلي منه والاجنبي. وهذا يساعد على خفض نسبة الفقر وتوفير فرص العمل للشباب الذين هم الامل والرجاء حاضرا ومستقبلا. ولذلك وانطلاقا من حرصنا على توزيع مكتسبات التنمية على مناطق المملكة المختلفة, فقد اوعزنا بتاسيس العديد من المناطق التنموية الاقتصادية في كل من العقبة ومعان والمفرق واربد, بحيث تعكس النشاطات الاقتصادية التي سيتم تاسيسها في هذه المناطق المزايا التنافسية لها. ان نهج تشجيع الاستثمار الاهلي الوطني والاجنبي ليس وصفة جديدة او سرية, فجميع الدول المتقدمة والمزدهرة لديها مواقف وتوجهات منفتحة ومشجعة تجاه الاستثمار الخاص. حتى انه في العديد من الدول المتقدمة نجد ان الاستثمار فيها اسهل من الحصول على تاشيرة لزيارتها.

وفي هذا المجال توجد اليوم فرص هائلة يمكن ان يستفيد الاردن منها. وبالرغم من اننا نعاني, مثل معظم الدول في ارجاء العالم, من مشكلة ارتفاع الاسعار, فاننا في الواقع في وضع افضل بكثير من العديد من بلدان العالم والتي لها موارد طبيعية اكثر مما لدينا. فنحن لدينا علاقات قوية مع اخواننا في دول الخليج التي تشهد طفرة مالية نتيجة لارتفاع اسعار النفط, ومثلما كان الراحل الكبير والدي المغفور له باذن الله, حريصا عليها قبلي, فانني ابذل الجهد الكبير لترسيخ علاقات اخوية حميمة مع جميع الدول العربية, وخاصة دول الخليج. والحمد لله لمسنا بشكل جدي الرغبة القوية لدى اشقائنا في الخليج, لمساعدة الاردن, وانا فخور وشاكر لهم بهذا. وبخلاف الوضع خلال السنوات الماضية عندما كانت اسعار النفط منخفضة , فان لدى اشقائنا في الخليج اليوم امكانات كبيرة ونية صادقة وارادة مخلصة لمساعدتنا. وليس هناك شك في انهم يقدمون المساعدات الاقتصادية للموازنة العامة, وخاصة المملكة العربية السعودية الشقيقة التي وقفت الى جانبنا خلال السنوات الماضية وقفة مشرفة. وعلاوة على ذلك فان بامكان الاشقاء في الخليج العربي مساعدتنا اضعافا مضاعفة من خلال الاستثمار. واريد لكل اردني ان يتفهم حجم هذه الفرصة وضخامتها, وبعض الخبراء يقولون ان سرعة تكوين الثروات في الخليج العربي ليس لها نظير في التاريخ. واذا لم نبذل اقصى جهدنا لمحاولة الاستفادة من هذه الطفرة الاقتصادية النادرة الحدوث, فسنكون قد خسرنا الكثير وقصرنا في استغلال الفرص لتطوير بلدنا وتحديثه. ولا احد يعلم كم ستستمر هذه الطفرة, بعضهم يقدّر استمرارها لمدة 3-5 سنوات, واخرون يرون انها ستستمر لمدة 10 -20 عاما. وما اريد قوله ان من الحكمة التصرف وكان هذه الطفرة ستنتهي في الاسبوع القادم. واذا لم نتمكن من استثمار هذه الفرصة لجذب الاستثمارات الخليجية الى الاردن, فان الاخرين سيقومون بذلك وحتما لن ينتظرنا احد.

* ربما عندما يتصل الامر باستراتيجية الحكومة لتشجيع الاستثمار, فان جزءا من الجدل يدور حول بيع الاراضي الحكومية للمستثمرين من القطاع الخاص. في راي جلالتكم هل هذا شيء من الملائم ان تقوم به الحكومة?.

- الاجابة البسيطة هي نعم, ولكن بعد التمحيص الدقيق والدراسة الوافية. ان خلفيتي العسكرية تحتم علي بان تكون اول ردة فعل لي هي حماية الملكية العامة. ولقد استمعت بعناية شديدة لبعض الاقوال المغرقة في العاطفية ضد بيع الاراضي الحكومية. ويريدون مني ان استعمل سلطاتي لمنع الحكومة من بيع اي من اراضيها. وانا شخصيا قرات الكثير عن هذه القضية وتشاورت مع العديد من الخبراء, واهم من ذلك كله, نظرت في كيفية تعامل الدول في ارجاء العالم مع هذه القضية. ان بيع املاك الحكومة, بما في ذلك الاراضي, ممارسة شائعة في انحاء العالم. وهناك امثلة كثيرة حول متى يجب عرض اراضي الحكومة للبيع, وساتحدث عنها فيما بعد.

ان الارض هي احد عوامل الانتاج التي تستخدم في دول العالم كافة, وفي مختلف العصور, للتطوير والتحديث وبناء مستقبل الاجيال القادمة, وانا اعتقد ان استثمار جزء من الاراضي الحكومية سواء بالبيع او التاجير او المشاركة, هو احد الخيارات الشرعية المتاحة للحكومة, ما دامت العوائد تستثمر من اجل الصالح العام, ومن اجل مصلحة الاجيال القادمة. وكي تتمكن من القيام بهذا, يمكنها اما ان تزيد الضرائب, او تحصل على قروض, او تبيع بعض الاصول الحكومية. وهذا هو النهج الذي تتبعه الحكومات في ارجاء العالم في عملها, فهي تلجا عادة الى الجمع بين هذه الاساليب الثلاثة. وعدم السماح للاردن باستعمال مصدر اساسي للتمويل الحكومي تستعمله جميع الحكومات, يضعنا في موقف ضعيف.

وعلى سبيل المثال, فان بيع اراضي الخزينة لتسديد الديون الخارجية, وهو ما قامت به الحكومة مؤخرا, انقذ الاجيال الحالية والقادمة من دفع فوائد عالية على الدين وجعل تصنيف الاردن المتصل بالدين اكثر جذبا للاستثمارات العالمية. ومرة ثانية اود ان اذكّر الجميع باننا سددنا جزءا كبيرا من ديوننا هذا العام بلغ 2.4 مليار دولار, وترتب على ذلك انخفاض نسبة الدين الخارجي الى الناتج المحلي الاجمالي من 46% الى 29%). وهذا استعمال شرعي لبيع الاراضي, والحكومات في ارجاء العالم تقوم به طوال الوقت. وبيع اراضي الحكومة لبناء مدرسة او مستشفى لخدمة اجيال عديدة قادمة هو بالطبع خيار شرعي اخر.

وايضا, فان توفير الاراضي الحكومية للاستثمار الخاص لخلق الوظائف والمساعدة في تخفيض معدلات الفقر هو ايضا استعمال شرعي. وعلى سبيل المثال, السماح للقطاع الخاص ببناء الفنادق على الاراضي الحكومية في البحر الميت والعقبة واي مكان اخر في الاردن لتشجيع السياحة وخلق الوظائف هو امر يجب ان يكون موضع ترحيب من قبلنا. فغالبا ما تقدم الحكومات للمستثمرين الارض باسعار مدعومة لجذبهم الى مناطق لا تشكل جذبا لهم دون هذا الدعم. اضافة الى ذلك, فان الحكومات لتاكيد رهاناتها وتشجيع المستثمرين, فانها احيانا تدخل في مشروعات مشتركة مع القطاع الخاص لتطوير الاراضي الحكومية. وهو اسلوب استعمل بصورة مكثفة وبنجاح في الاردن, في العبدلي والزرقاء والعقبة. وعندما تبيع الحكومة الارض الى مستثمرين اردنيين او عرب او اجانب, فالسيادة الاردنية باقية عليها, ولن تغادر هذه الارض حدود وخارطة الوطن.

ولنتذكر ان الحكومة مثلما تبيع الارض, يمكنها ايضا شراؤها واستملاكها. واذا ما رات الحكومة في المستقبل ذلك مناسبا, فلديها سلطات واسعة لشراء ما ترى انه مناسب من الاراضي للمصلحة العامة, ما دامت تقوم بدفع التعويض العادل لمالك الارض وحسب القوانين المرعية. والحكومات في ارجاء العالم تقوم بذلك طوال الوقت. وانا اقول هذا لان البعض يصورون بيع الحكومة لما لديها من اصول على انه قرار وسيناريو مشؤوم لا رجعة فيهما, بينما في الواقع ان الحكومة لديها خيارات عديدة في الحاضر وفي المستقبل, وهذه الخيارات تتبناها الحكومات في العالم يوميا.

وبالمقارنة مع الدول الاخرى, فنحن في الاردن لدينا نسبة كبيرة من الارض مملوكة من قبل خزينة الدولة تقدر بحوالي 80% من مجموع مساحة المملكة, وهذا يعتبر نسبة عالية جدا مقارنة بالدول الاخرى. ففي دول غربية فان هذه النسبة تصل الى 30%. وهذا يمثل فرصة هامة في ضوء المستوى العالي للاهتمام بالاردن هذه الايام.

وما اريد توضيحه هو ان الجدل يجب ان لا يتركز حول فيما اذا كان للحكومة الحق في بيع اراضي الدولة او اي اصول اخرى تملكها الدولة, لانه من الواضح انها تملك مثل هذا الحق لبيع الاراضي, ولكن السؤال يجب ان يتركز حول كيفية استعمال عائدات مثل هذا البيع? واذا كانت العملية شفافة, واذا ما كانت فوائد البيع اكثر من فوائد الاحتفاظ بملكية الارض, فان هذا يوفر فرصة لشعبنا الاردني ان يستفيد منها. ومن اجل هذا, اوعزت مؤخرا بتشكيل لجنة لتدقيق وتقييم اي بيوعات محتملة للاراضي تتصل بالاراضي العسكرية. اضافة الى ذلك, فانني ارحب بالنقد الذي يوجهه المواطنون, وفي الواقع اشجع عليه عندما يتصل بمسالة الشفافية, وبما اذا كانت هناك اسباب موجبة لبيع بعض الاصول الحكومية. ففي اي بلد, عادة ما يكون بيع الاصول الحكومية مثار جدل. ولكن حاليا, هبط مستوى الجدل لدى بعض الجهات في الاردن الى مستويات غير مقبولة, مع تضخيم الامور وبث الاشاعات, وابداء الرأي المبني على جهل تام بالامور, الى درجة غدا فيها النقد الناضج المبني على المعلومات, غارقا في خضم الاشاعات والجهل.

وقد اشار البعض الى ما يحدث على انه خارج عن المالوف ولا يحدث الا في الاردن, بينما في الحقيقة ان جميع الحكومات تقوم بمثل هذه النشاطات. واخرون ربطوا بينه وبين وجود مؤامرة امريكية - صهيونية لتفكيك الدولة الاردنية, بينما ادعى فريق ثالث بوجود صفقات فساد هائلة, بينما راى فريق رابع ان هناك مجموعة من الليبراليين تعمل على تفكيك ارث والدي الملك الحسين رحمه الله, وكثير غير ذلك. حتى ان بعض هذه الاشاعات طالتني شخصيا.

واذكر مرة انني تحدثت مع والدي, رحمه الله حول الاشاعات التي كانت تدور حول احد المسؤولين الحكوميين, وطلب مني ان اتوخى الحذر قبل تكرار اي شيء سمعته (لان الفرق بين الكذب والحقيقة امر في غاية البساطة - هو وجود البرهان). وقال رحمه الله لي ان الناس الذين يتفوهون بادعاءات خطيرة يمكن ان تؤذي سمعة الاخرين ومسارهم الوظيفي دون ادنى برهان, هم اما جهلة او جبناء. وقال لي اننا لن نسمح ابدا باختطاف الاردن من قبل الجبناء او الجهّال. واليوم, هذه رسالتي لاخواني واخواتي المواطنين الاردنيين الشرفاء, وهي ان السياسات العامة لن تكون رهينة للاشاعات والجهل. فالعالم يغدو بسرعة مكانا بالغ التقنية والتعقيد. وانا ادرك ان بعض سياسات الحكومات قد تواجه بسوء الفهم وبعدم الرضى, كما ان الحكومات احيانا ترتكب اخطاء كبيرة, ولكن اذا كان لدى اي شخص برهان على تصرف خاطىء مقصود, فليقف وليعلن ذلك, وبابي دائما مفتوح. وانا اتشرف بالانتماء الى عائلة هاشمية نات دائما بنفسها عن الاشاعات والكلام غير المسئول الذي لا نعيره اهتمامنا.

* اشعر ان الاشاعات تزايدت بصورة كبيرة في الاشهر القليلة الاخيرة.. ماذا ترون جلالتكم في ذلك?

- اشعر ان هناك سببين رئيسيين: الاول ان الارتفاع في الاسعار سبب كثيرا من عدم الرضا لدى الناس, وشكل ارضية خصبة لتصديق الاكاذيب والاشاعات, ومن هنا فان هناك فئات ومجموعات مختلفة تستغل عدم الرضا هذا لفرض ونشر اجنداتها السياسية. فعلى سبيل المثال نرى الان ان من يعارض الانفتاح الاقتصادي هم الاعلى صوتا في نقدهم لسياسات الحكومة الاقتصادية بالرغم من انه ليس لديهم اي بديل عملي, ولا يستطيعون ان يقدموا اي بديل او نموذج في اي مكان في العالم. ان نقد السياسات الحكومية في الاوقات الصعبة واستعمال هذا من اجل اجندة معينة لمجموعة من الناس امر مقبول يحدث في جميع ارجاء العالم. ولكن استعمال اكاذيب مكشوفة واشاعات صبيانية, تعيق مسيرتنا نحو التقدم, هو امر غير منصف وغير مقبول على الاطلاق.

والسبب الثاني للزيادة في اطلاق الاشاعات هو الاهتمام الكبير للمستثمرين العرب في الاستثمار في الاردن. فعلى مدى السنين عملت هذه الحكومة والحكومات السابقة, وعملت انا كما عمل المرحوم والدي الحسين من قبلي, بجد كبير للترويج للاردن كمقصد استثماري, وقد بدا هذا اخيرا يثمر بصورة كبيرة. ومن الواضح ان الزيادة المفاجئة في اسعار النفط كان لها دور كبير في المساعدة على تحقيق ذلك. وهذا شيء جيد, ولكن عندما نتحدث عن استثمارات كبيرة لم نعتد عليها تاريخيا في الاردن, فان الناس يبداون بصورة اوتوماتيكية, بالتحدث عن الفساد. وهذا امر طبيعي. وايضا, فان السرعة التي تتصرف بها الحكومة احيانا من اجل جذب الاستثمار العربي وخاصة الخليجي قد تفاجئ المجتمع وتسبب الكثير من الكلام. ولكن من الاهمية بمكان لشعبنا الاردني ان يتفهم ان هذه الحاجة الى السرعة ترتبط بصورة مباشرة بالحاجة الى استثمار عوائد بيع النفط بسرعة لتعظيم عوائدها. وسواء رضينا ام ابينا, فهذا هو الاسلوب الذي يتبعه العالم في عمله. والبلدان التي تتعامل مع هذه السرعة ستفوز, وتلك التي تتاخر عن الركب وتسمح للبيروقراطية المعقدة ان تقف في طريق تحركها ستفشل. ان جميع البلدان في ارجاء العالم وفي المنطقة تتنافس لجذب الاستثمارات الخليجية, ومثلما قلت سابقا لن ينتظرنا احد.

وهذا لا يعني ان الاستثمار يجب ان يكون على حساب الشفافية. قطعا لا. انا انسان طموح وخاصة عندما يتصل الامر بالاردن, واعتقد انه يمكننا الحصول على الاثنين معا, ويمكننا ان نحقق الاثنين الاستثمار والشفافية وبصورة جيدة الى حد كبير. ولكن اولا كمجتمع علينا ان نتجاوز بعض العوائق التي تشوش عقلنا وتفكيرنا, وان نتخلص منها بصورة نهائية. علينا ان نؤمن ان الاستثمار الاهلي الوطني والاجنبي امر جيد لبلدنا وشعبنا, وكذلك التخاصية, وهناك البعض الذين يضعون مثل هذه المفاهيم الاساسية موضع التساؤل, وهذا في الواقع يبطىء مسيرتنا. فجميع الدول في العالم تطبق برامج للتخاصية, وجميع الدول لديها استراتيجيات لترويج الاستثمار, وجميع الدول تبيع اصولا مملوكة للدولة مثل الاراضي لتشجيع التنمية. فاذا ما اتهمنا الحكومة في كل مرة تقوم فيها بمثل هذه النشاطات, على انها تمارس اعمالا سيئة وفاسدة, فاننا لن ننجح ابدا كدولة. ان الجدال يجب ان يركز على الشفافية وعلى استعمال عائدات هذه البيوعات لمصلحة شعبنا بدلا من الاستمرار في كيل الاتهامات الباطلة, وابدا لن تكون ثقافتنا وهويتنا الوطنية للبيع كما تردد بعض الاشاعات المغرضة.

* ربما كان الحديث عن بيع المدينة الطبية واحدا من المشروعات التي اثارت اكبر قدر من الجدل وخلقت الكثير من الحراك في الدوائر الاردنية. هل تحدثنا جلالتكم بالمزيد عن هذا الامر?

- اولا اسمح لي ان اقوم بتصحيح صغير ولكنه بالغ الاهمية لسؤالك: فالمدينة الطبية لم تبع. ولابدا من البداية, فليس سرا ان البنية التحتية للمدينة الطبية على جميع المستويات تخضع لضغوطات هائلة وهي بحاجة الى استثمار كبير. والمكونات الرئيسية للمدينة الطبية صممت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي من قبل شركة بريطانية وبدا البناء في الستينيات من القرن الماضي وافتتح اول مبنى في المدينة في نهاية الستينيات, ومن هنا يتبين ان المدينة بنيت عندما كان الاردن بلدا فقيرا ولم يؤخذ في الحسبان تصاعد الاحداث التي جرت اثناء بنائها والفترة التي تلت ذلك, احداث على سبيل المثال مثل حرب عام ,1967 والنمو الهائل في السكان, والارتفاع في اسعار النفط وما صاحبه من رخاء في سبعينيات القرن الماضي وحرب العراق الاولى, وغيرها من الاحداث. ونحن جميعا نعلم ما خلفته هذه الاحداث من تاثيرات .. وقد تحققت استثمارات لاحقة ولكنها لم تكن كافية لتلبية الطلب المتزايد .. وليس هناك من شك في ان المدينة الطبية واحدة من انجح الاستثمارات في تاريخ الاردن وقد خدمتنا بشكل جيد على مدى الاربعين عاما الماضية, ونحن بحاجة اليها لكي تخدمنا بنفس المستوى على مدى الاربعين سنة القادمة .. ونظرة عابرة كل صباح الى الاعداد الهائلة للمرضى المراجعين والمتوافدين الى المدينة الطبية تكفي لتقدير مدى الضغوط الهائلة على هذا الصرح الطبي والحاجة الماسة لتوسعة مرافقه وتطويرها. وطالما عبر لي عن ذلك الاطباء والعاملون النشامى على مدى السنوات الماضية.

قبل اشهر, اخبرني رئيس هيئة الاركان المشتركة ومدير الخدمات الطبية الملكية بانهم طلبوا من الحكومة توفير مبلغ يتجاوز 150 مليون دينار من اجل تطوير البنية التحتية في المدينة الطبية التي هي بامس الحاجة اليها, لكي تقوم بتطوير خدماتها لتلبية الطلب المتزايد في ايامنا هذه, وخفض الضغط الذي تتعرض له بنيتها التحتية الحالية, ونظرا لمحدودية امكانيات الموازنة العامة في تلبية هذا الطلب لم تتمكن الحكومة من تلبية هذا الطلب وتم التباحث بالخيارات امام الخدمات الطبية والتي كانت تتمثل في ان نؤخر تطوير وتحديث الخدمات الطبية لعدة سنوات, ولكن هذا سيكون على حساب شعبنا الاردني بصورة مؤلمة, في الوقت الذي يحتاج فيه الى الرعاية الطبية. كما قامت الحكومة بدراسة امكانية اقتراض المبالغ اللازمة للقيام بعمليات التحديث والتطوير وتجديد البنية التحتية للمدينة الطبية في اسرع وقت ممكن, وهذا لم يكن مجديا سيما في ضوء هدفنا الاستراتيجي بضرورة خفض مستويات المديونية, وكان احد الخيارات دراسة جدوى بيع بعض الاراضي التابعة لمدينة الحسين الطبية في عمان واستثمار عوائد البيع لبناء مجمع طبي جديد متكامل على قطعة ارض اخرى من اراضي الحكومة.

وكان المنطق وراء هذه الفكرة كما يلي: ان القيمة الحالية للارض في منطقة المدينة الطبية عالية جدا. واذا ما بيعت الارض بهذ السعر العالي واذا ما تمكنت الحكومة من تخصيص ارض بديلة للمدينة الطبية مجانا, فعندها يمكننا استعمال عائدات بيع الارض لبناء مجمع طبي بمستوى القرن الحادي والعشرين يلبي الحاجات الطبية لشعبنا على مدى الاربعين عاما القادمة وما بعدها ان شاء الله. اضافة الى ذلك كانت الخطة ايضا استعمال العائدات لتحديث ورفع سوية جميع المستشفيات العسكرية في جميع ارجاء المملكة حتى لا يضطر المرضى الى السفر عبر مسافات بعيدة من اجل الاجراءات الروتينية, ولم تكن الفكرة مختصرة على تحسين خدماتنا الطبية بصورة هامشية, ولكن كان الهدف احداث نقلة نوعية في مستوى الخدمة التي نقدمها لابناء وبنات شعبنا العزيز. ومن الاهمية بمكان ان نعيد القول بان الفكرة لم تكن خصخصة المدينة الطبية كما رددت بعض الاشاعات, بل كانت بيع الاملاك القديمة الى مستثمرين من القطاع الخاص لتطويرها عقاريا وان تكون المرافق الحديثة الجديدة مملوكة للحكومة تديرها كما كانت دائما الخدمات الطبية الملكية في القوات المسلحة.

والسؤال الذي يفرض نفسه لماذا لم يعلن عن هذا على الفور? والجواب بسيط ومنطقي وهو ان هذا الامر كان مجرد فكرة وليس سياسة حكومية, ومن المهم بمكان ان يتفهم جميع الاردنيين ذلك, فهناك الالاف من الافكار التي تطفو هنا وهناك في دوائر الحكومة في جميع الاوقات. وقبل ان تتحول الافكار الى سياسة وتعلن للشعب عبر الاعلام لا بد من دراستها لتقرير جدواها, وكثير من الافكار لا تجد طريقها الى التنفيذ كما تعلمون.

وفي الواقع ان هذه الفكرة تحديدا تواجه بعدة تحديات: هل لدى الحكومة ارض مناسبة لمجمع جديد? ما هي كلفة المجمع الجديد? هل هناك مستثمرون مهتمون بمثل هذا الاقتراح? واذا كان الامر بالايجاب ما هو المبلغ الذي سيدفعونه للمجمع القديم? هل سيكون ذلك المبلغ كافيا لتغطية نفقات المجمع الجديد? واضافة الى ذلك كله هل المستثمرون مستعدون لان ينتظروا ما لا يقل عن اربع الى خمس سنوات لحين الفراغ من بناء المرفق الجديد قبل ان يتمكنوا من الاستفادة من الارض التي اشتروها? وهناك العديد من الاسئلة والتحديات الاخرى التي كانت بحاجة الى اجابات قبل الاعلان عن هذا الاقتراح, وقد نهضت جميع الجهات المعنية للعمل وبدات الحكومة في البحث عن الاراضي المحتملة لمثل هذا المشروع, وعقدت ادارة المدينة الطبية عدة اجتماعات لمناقشة الفكرة, كما قامت الحكومة باستشارة المستثمرين المحتملين لمعرفة افكارهم حول الموضوع بصورة مبدئية, وكان من الضرورة والصواب اعطاء الحكومة الوقت الكافي لدراسة مثل هذه الفكرة دراسة وافية. ولكن هذا لم يحدث وقد اختمرت الفكرة في بداية شهر شباط من هذا العام, وانطلقت اشاعات بيع المدينة الطبية بعد ثلاثة او اربعة اسابيع , واخذت تنتشر هنا وهناك, وكما هو متوقع لم يكن لدى الحكومة المعلومات الكافية للاجابة على سيل الاسئلة المنهمرة من وسائل الاعلام ومن الجمهور. ولا شك انه كانت هناك اخطاء ارتكبت في استراتيجية الاعلام والاتصال وفي تفسير ما حدث.



واليوم وكما هو الواقع الفعلي, فان المدينة الطبية كمؤسسة واسم لن يباع ابدا لاحد ولكن هناك احتمال لبيع بعض ممتلكاتها, فالحكومة بحاجة الى وقت اطول لدراسة الامر بعمق اكبر. والاشاعات بانها بيعت فعلا ليست صحيحة, والاشاعات بان البيع جزء من مؤامرة لتفكيك الدولة الاردنية ليس الا مجرد هراء والاشاعات حول الفساد الحكومي ليست اكثر من خيال وافتراء. وقبل ان تسالني اقول لك لا لم يتم بيع الجامعة الاردنية كما لم يتم بيع المدينة الرياضية وليس لدى اي احد النية لبيعهما.

* اشكر جلالتكم على اجابتكم المباشرة والواضحة ولكن لا بد لي من التوقف قليلا عند هذه القضية, فاذا ما تجاوزنا الاشاعات هناك البعض الذين يرون ان المدينة الطبية جزء من تاريخنا وحتى ممتلكاتها يجب ان لا تباع, وان الارتباط العاطفي بها وما نحمله تجاهها من ذكريات قوية جدا, ما رايكم في هذا التبرير?

- انا اتفهم القيمة المعنوية الغالية لهذه المؤسسة الوطنية لدى الكثير منا. وبالنسبة لي شخصيا فان مدينة الحسين الطبية هي المكان الذي شاهدت فيه والدي رحمه الله حيا لاخر مرة في حياتي. وهي المكان الذي ولد فيه جميع ابنائي حسين وايمان وسلمى وهاشم, وهي المكان الذي عولجت فيه طوال حياتي .. وانا اعرف اطباء قضوا جل حياتهم العملية وهم يعملون في هذه المباني. الارتباط العاطفي فعلا قوي ولكن علينا ان نوازن بين هذا وبين ما هو اكثر بالنسبة لملايين المرضى الاردنيين الذين يتلقون العلاج في المدينة الطبية والذين سيستفيدون من الخدمات الطبية التي تقدمها في المستقبل. واذا ما توافرت لنا الفرصة لتحسين الخدمات الطبية التي نقدمها لشعبنا بصورة جذرية, فهل نفوت هذه الفرصة ? علينا ان نتذكر ان التاريخ ليس مجرد شيء نرثه فهو ايضا شيء نصنعه وانا اتطلع الى تاريخ المدينة الطبية بفخر واعتزاز كبيرين, وهي من اهم المؤسسات التي نفتخر بها .. والسؤال هو اذا لم تقم الحكومة بالاستثمارات الصحيحة اليوم في المدينة الطبية فكيف ستنظر الاجيال القادمة الى هذا الامر? وهذا هو السؤال الذي يتوجب على جميع الاردنيين التفكير به.

* هناك مقولة اخرى مثيرة للجدل حول بيع الميناء العام في العقبة هل يمكن لجلالتكم القاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع?

- كما اعلن رسميا بخصوص الميناء العام فقد جرى بيع ارض الميناء من قبل الحكومة مقابل 500 مليون دولار مقدما وقبل استلام الارض, والذي سيستغرق 5 سنوات من الان, بالاضافة الى 3% من الناتج الاجمالي لايرادات المشروع ستعود لخزينة المملكة. وقد استعملت العائدات المتحققة لشراء ديون خارجية للاردن وفرت على الخزينة ما معدله "240" مليون دولار سنويا, يمكن استخدامها لمشاريع حكومية تساهم في تحسين الخدمات التعليمية والصحية ومحاربة الفقر وتوفير فرص العمل على مدى الخمس عشرة سنة القادمة.

لقد احتاج الامر الى مفاوضات طويلة شاقة من قبل الحكومة لاقناع دائنينا الدوليين للسماح لنا بشراء ديوننا, وكان التفاوض على نسبة الخصم اشد واصعب. وقد شاركت شخصيا في اقناع بعض القادة في العالم لدعم طلبنا, وقد تم هذا كله بشفافية كاملة ونشر في الصحف. وبعد ان تم التوصل الى اتفاقية بتاريخ 17/10/2007 كان من الضروري تنفيذها قبل نهاية اذار من هذا العام.

كانت منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة على مدى سنوات تحاول نقل الميناء العام وابعاده بعيدا عن الشواطئ السياحية والمدينة السكنية, وهذا ياتي ضمن المخطط الشمولي لمنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة, وكان يفترض لعائدات البيع ان تخصص لبناء ميناء جديد. ولم تتمكن منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة من الحصول على سعر مناسب للميناء الحالي يمكنها من بناء ميناء جديد. وبعد ان عرضت بعض المواقع الاستثمارية على اخوتنا في الخليج العربي للاستثمار فيها تم الاتفاق على الاستثمار في هذا الميناء, لتغطية المبلغ الذي تحتاجه الحكومة لسداد الدين. و كان الهدف اقناعهم بان لا يتعاملون مع هذا الموضوع من منطلق تجاري واستثماري بحت بل كوسيلة لمساعدة الاردن في هذه الاوقات البالغة الصعوبة, وان يعتبروه كاستثمار ومساعدة في ان معا. وكعادتهم هب اخواننا في الامارات العربية المتحدة لمساعدتنا كما عودونا دائما, ونحن ممتنون لهم كثيرا لما فعلوه.

لقد قام بعض الصحافيين بصورة اوتوماتيكية ودون استقصاء الامر بنشر الاشاعات عن صفقة فيها فساد هائل, ويبدو ان بعض صحفيينا نسوا نبل مهنة الصحافة, فهي تعني اولا وقبل كل شيء القراءة والبحث والتقصي سعيا وراء الحقيقة لا الجلوس خلف المكتب واختراع القصص السخيفة. فلو انهم قاموا بواجبهم لعرفوا الحقيقة وادركوا ان ارض الميناء كانت ستباع في السابق باسعار اقل كثيرا من السعر الذي بيعت به. ولو ان هؤلاء الصحفيين قاموا فعلا بواجبهم في البحث والتقصي لتبينوا ان مصر الشقيقة المقابلة لنا على البحر, تعطي الاراضي الجيدة على شاطئ البحر الاحمر مجانا لجذب الاستثمارات الاجنبية, وقد نجحت استراتيجيتهم بجذب الكثير من الاردنيين للذهاب الى شرم الشيخ بدلا من الذهاب الى العقبة, والان فان دولا عربية اخرى مثل الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية توفر الارض باسعار مدعومة لتشجيع الاستثمار.

* هل توافق مع اولئك الذين يؤمنون بان المستثمرين الاردنيين يجب ان تكون لهم الافضلية على نظرائهم الاجانب عندما يتصل الامر ببيع الاصول التي تملكها الحكومة?

- بشكل عام انا لا اوافق على هذه المقولة, فانا لدي مشكلة مع كلمة " افضلية" لانها يمكن ان توحي بالانحياز الى رجال اعمال اردنيين على حساب المصلحة العامة ومصلحة الشعب. لماذا يتوجب على الحكومة ان تقوم بذلك وخاصة ان للقطاع الخاص الاردني كل الحق لاستغلال هذه الافضلية ومن ثم يبيع للمستثمرين الاجانب, وهذا يحدث كثيرا, لماذا يكون للقطاع الخاص الاردني حرية اكبر في هذا المقام من الحكومة التي تمثل الشعب. من الواضح ان هذا لا يعني اننا يجب ان نقف ضد المستثمرين الاردنيين, وكذلك وفي عالمنا الحالي, فان المستثمرين الاجانب اكثر دراية ولديهم الكثير من الخيارات في ارجاء العالم ليختاروا منها, وهم يناون بانفسهم عن البلدان التي يشعرون انها متحيزة ضدهم, ونحن بحاجة الى ان نعمل في مستوى يتلاءم مع مصالح الجميع وان نحافظ على مصلحة المواطنين, لا مصلحة مجموعة ضيقة من اصحاب المصالح الخاصة.

ان الاستثمار الاجنبي هام جدا لاي بلد في العالم لان اي بلد مهما كبر واغتنى لن يكون في كبر وغنى بقية العالم مجتمعا, وهذا ينسحب بصورة خاصة على دول صغيرة مثل الاردن, فالناتج المحلي الاجمالي لدينا يبلغ نحو 16 بليون دولار, و الناتج المحلي الاجمالي لدول الخليج يبلغ حوالي 1.8 تريليون دولار, بينما الناتج المحلي الاجمالي للعالم ككل يبلغ حوالي 65 تريليون دولار, والامر لا يحتاج الى عبقرية خاصة لكي نتبين انه اذا ما اعتمدنا على القطاع الخاص الاردني فقط, فسوف نفوت فرصا كبيرة متاحة لشعبنا. نحن بحاجة الى الاستثمار المحلي والاجنبي. اذا ما نظرنا الى الدول الغربية المتقدمة والغنية نتبين انه حتى اليوم ما زالوا اكبر مقصد للاستثمارات الاجنبية ولهذا حققوا هذا الازدهار الكبير الذي يحظون به والان فان دولا مثل الصين والهند بدات تنافسهم على جذب الاستثمارات الخاصة.

في هذا اليوم وفي هذا العصر من المحزن حقا ان نرى البعض في الاردن يروج بان هذا ليس خيارا لنا وانه لا يمكننا ان نتعلم من الغرب مثلما تعلم الغرب منا قبل قرون. واننا بقيامنا بهذا فاننا نبيع انفسنا وثقافتنا للاخرين. واصواتهم عالية حول ذلك, دون ان يكون لديهم اي بدائل ذات مصداقية, وكل ما يحبون ان يرونه هو ان يقيدوا يدي الحكومة وان يجلسوا في زاوية ويشكون سوء الاحوال.

وما اجده ايضا محزنا الى درجة كبيرة هو ان بعض المنظرين مستعدون لاعطاء محاضرات مطولة حول العمل العربي المشترك وعن الحاجة للمزيد من التنسيق بين الدول العربية والحاجة الملحة لسوق عربي مشترك, ولمقاطعة البضائع الغربية, وعندما قدم المستثمرون العرب واخيرا الى الاردن, يعاملوهم وكانهم جاءوا من المريخ لغزو بلدنا.

لقد تدربت كعسكري على ان تتوافق اقوالي مع افعالي, فانا هاشمي وقومي وعربي, وانا سعيد الى درجة كبيرة وفخور بان اشقاءنا من الخليج لديهم اليوم الامكانات للانتقال ببلادهم وببلدنا من مرحلة تنموية الى اخرى, ونحن نرحب بهم في الاردن, واليوم اكثر من اي وقت مضى. ونحن بحاجة الى دعمهم.

* هناك موضوع ساخن اخر يتناقله الناس في ارجاء المدينة, وهو موضوع مهرجان الاردن وان شركة تسمى "ببليسيز" تقوم بتنظيمه, والبعض يقول ان تلك الشركة لديها علاقات وثيقة مع اسرائيل, وقد نفت وزيرة السياحة والاثار ذلك, والكثيرون ما يزالون ينادون بمقاطعة المهرجان, ومن الاهمية بمكان ان نسمع من جلالتكم مباشرة لنعرف ماهية الحقيقة?

- لقد بحثت هذا الموضوع في الفترة الاخيرة مع رئيس الوزراء. وعلمت ان شركة ببليسيز ليست هي الشركة التي تنظم مهرجان الاردن, ومن يقوم بالتنظيم هي شركة فرنسية تدعى " ايه فيزيتور دوسوار".

واليوم يفكر الفنانون العرب في الغاء حفلاتهم والسياح العرب الذين كانوا يخططون لزيارة الاردن يقومون بالغاء حجوزاتهم, والحكومة الان تضيع وقتها ومواردها الثمينين في محاولة لحصر الاضرار, وكل هذا لان بعض من يسمون انفسهم صحافيين مهملون وغير كفؤين للقيام بواجبهم الاساسي قاموا بالافتراء وهو امر معيب. ان هذا يشكل اكبر مثال في كيف يتسبب الانسان في ايذاء نفسه, وفي كيفية التخلي عن المسؤولية والتصرف بدون مسؤولية, وفي كيفية التسبب بضرر كبير لبلده وشعبه, وفي كيفية ايقاف مسيرة التنمية. وفي الواقع وللاسف الشديد يبدو لي ان اسوا اعدائنا يقيمون بين ظهرانينا, فهل سيكون مستقبل الاردن رهينة للاشاعات والثرثرة, وهل ستكون المعلومة الكاذبة مرجعية صحافتنا الاردنية, وهل سنصمت حتى تصبح الحقيقة ضحية الصحافة غير المسؤولة.

لنفترض للحظة واحدة, ان ببلسيز فعلا تساعد في تنظيم الحدث, وفي واقع الامر فانني لا اعرف شركة عالمية كبيرة لا تتعامل مع اسرائيل, واذا كانت جميع هذه الشركات محرم علينا التعامل معها فلا شك اننا سنواجه مشكلات كبيرة. فعلى سبيل المثال, ان شركة "انتيل" التي تستعمل الرقائق التي تصنعها في 80% من اجهزة الكمبيوتر في ارجاء العالم, لديها استثمارات ببلايين الدولارات في اسرائيل, واقرب منافس لها وهي شركة "ايه ام دي" لديها ايضا استمثارات كبيرة جدا في اسرائيل, هل هذا يعني ان علينا ان نلقي باجهزة الكمبيوتر بعيدا ونتوقف عن استعمالها? هذا هراء, واذا ما اتبعنا هذا النمط من التفكير فسنكون قد ادينا اكبر خدمة لاسرائيل, وكل ما عليها هو ان تستعمل افضل تكنولوجيا وافضل المواهب في العالم كي تصبح اتوماتيكيا محرمة علينا.

* ولكن البعض يقولون اننا لا نحتاج الى شركة عالمية لمساعدتنا في تنظيم مهرجان الاردن, وكان علينا اللجوء الى شركة اردنية?

- ربما كانت هناك شركة اردنية يمكنها القيام بالمهمة, انا لا اعرف التفاصيل, الا انني على مدى حياتي تبينت شيئا وهو ان اذكى الناس الذين القاهم هم اولئك الذين يعترفون بسهولة انهم لا يعرفون شيئا ما, ومن ثم يعملون بجد للحصول على المعرفة, اما الذين يقعون في المشاكل باستمرار فهم اولئك الذين يدعون انهم يعرفون كل شيء, انا اؤمن حقا ان مواردنا البشرية هي اعظم ما نملك, وبنفس الدرجة اؤمن اكثر من اي وقت مضى في التاريخ, بان نجاح المؤسسات والشركات والدول يقوم على قدرتها على جذب المواهب واطلاق طاقاتها مهما كان المصدر الذي تاتي منه, ان انتقال المعرفة امر حيوي اساسي في هذا البلد في هذا اليوم والعصر, ونحمد الله على ان ثروتنا من المواهب المحلية توفر ارضا خصبة كي تتجذر هذه المعرفة وتنمو, مما يعزز في نهاية المطاف من قدرتنا على المنافسة لا على المستوى الاقليمي فحسب ولكن على المستوى العالمي ايضا.. اننا لا ندعي في الاردن اننا نعرف كيف نقوم بكل شيء على احسن وجه, ومثلنا مثل جميع البلدان في انحاء العالم, نرى من المفيد احيانا ان نلجا الى الخبراء العالميين للاستفادة منهم ومن خبراتهم.

* لقد تساءل البعض عن المنطق في الغاء مهرجان جرش واستبداله بمهرجان الاردن?

- مرة ثانية عليك ان تسال وزير السياحة والاثار ووزير الثقافة حول التفاصيل, وبقدر ما اعلم فان مهرجان جرش كان يتراجع على مدى السنين, مع ان الحكومة لم تتردد في تقديم الدعم له, وانا شخصيا قدمت دعما ماليا للمهرجان, على مدى السنوات القليلة الماضية, وهناك اسباب عديدة لتراجع هذا المهرجان, بعضها اداري وبعضها تنافسي, وبخلاف ما جرى في الماضي, اصبح على مهرجان جرش اليوم, ان يتنافس مع مهرجانات ذات سوية عالية في العالم العربي, وبعد سنوات من التراجع البطيء كان على الحكومة في العام الماضي, ان تعطي ادارة مهرجان جرش, الى شركة محلية, في محاولة لبث الروح في المهرجان, وكان الامر اخفاقا ذريعا الى درجة ان العديد من الفنانين المشاركين في المهرجان رفضوا الالتزام في المشاركة فيه في السنة التالية, وواضح ان الوقت قد حان لاتخاذ اجراءات جذرية, وكان هناك توافق بين عدد كبير من المعنيين ومن ابرزهم اعضاء لجنة مهرجان جرش, ان الوقت قد حان للتطوير ومن اجل حرصها على المصلحة العامة, ارسلت جلالة الملكة نور نفسها, رسالة لي حول موضوع الحاجة الى التطوير, وعندها خرجت الحكومة بمفهوم اقامة حدث يجذب السياح سواء اكانوا زوارا لعمان او جرش, على امل ان ينتشر اذا ما قيض له النجاح الى اجزاء اخرى من البلاد, ومن اجل التقليل من مخاوف الفنانين بعد ما حدث من مشاكل واداء سيئ في العام الماضي, قاموا بالتعاقد مع شركة اجنبية لها خبرة في تنظيم الاحداث والمهرجانات,

وهي " لي فيزيتور دو سوار".

* هناك بعض من يعلنون ولاءهم العميق لجلالتكم, ولكنهم يدعون انك محاط بمجموعة من الليبراليين الذين يقومون على اختطاف البلد ووضع السياسة العامة, ويحاولون تفكيك ارث الملك الحسين طيب الله ثراه ?

- لنبتعد عن التلاعب بالكلام, واسمح لي ان اكون واضحا في فهم هذا الهراء, فالسؤال يعني اما ان اكون جزءا من هذه المؤامرة, او ان اكون بعيدا منعزلا ولا ادري ما الذي يجري في بلدي. وكلا هذين الافتراضين مسيء, والحقيقة هي ان هذين السيناريوهين هما ابعد ما يكونا عن الحقيقة.

انني اسمع باستمرار عبارة الليبراليين تتردد ويتم تناقلها هذه الايام. وانا شخصيا اعتقد ان بعض الناس يستعملون كلمات كبيرة لا يفهمون فعلا معناها, وباختصار فان الليبرالية هي مدرسة فكرية اكاديمية, تؤمن بان كل شيء يجب ان يترك لقوى السوق, وان الحكومة يجب ان لا تتدخل بقوى السوق هذه.

والواقع ان من حولي يعملون بجد واجتهاد واقتدار في مبادرات مثل مبادرة "سكن كريم لعيش كريم", التي هي عبارة عن سكن مدعوم, او يحاولون ايجاد مساعدات للاستمرار في دعم بعض السلع او لتجديد القرى والمدارس ولانشاء شبكة امان اجتماعي تحمي الفقير, وكل ذلك في تناقض مباشر مع النظرية الليبرالية الراديكالية. وهذا لا يعني اننا ضد الخصخصة او تقوية القطاع الخاص, او زيادة الاستثمار في البلد, لانني لست مرتبطا بشكل حصري باي مبدا او نظرية بعينها, لا الليبرالية ولا المحافظة, لا اليسار ولا اليمين, لا الحرس القديم ولا الحرس الجديد, ان عقيدتي ومبداي الوحيدين هما ان اراعي المصلحة الافضل للاردن واحافظ عليها دائما وابدا.

ومن المضحك ان اولئك الناس الذين ينشرون هذه النظريات المفلسة, قد تجذرت فيهم الشكوك حول كل شيء نجح في هذا العالم الحديث, ولا يمكنهم اقتراح اي طرق بديلة للنجاح, ولانهم ليس لديهم رؤية ذات مصداقية للمستقبل, فانهم ينغمسون في السلبية, ويحاولون تجميل الاداء غير المتميز بمسميات وهمية يبتدعونها. انا لدي رؤية للمستقبل, فانا اريد للاردن ان يكون البلد الاكثر تقدما في العالم, واريد له ان يكون منفتحا على العالم بغير خوف او وجل, فلدينا من العراقة والاصالة والنسيج الوطني القوي ما يجعلنا نواجه بثقة واقتدار كل التحديات, فنحن ورثة الثورة العربية الكبرى, وطن الاصالة والتراث العربي الاسلامي الهاشمي, والبلد الغني بعشائره التي كانت وستظل بعون الله الركيزة والعمود والسند الاساسي لمتانته وصموده واستقراره ونهضته, ونحن بلد سيادة القانون وتكافؤ الفرص والعدل والمساواة, بلد المؤسسات الذي يحميه الدستور وقواتنا المسلحة الباسلة واجهزتنا الامنية التي نفاخر بها العالم.

لقد كان المغفور له باذن الله والدي الحسين, قوة كبرى للتغيير وركز دائما على المستقبل, ولم يشعر ابدا بالخوف من التطوير وعلى العكس من ذلك كان يتبنى التغيير وكان على الدوام يدعو بقوة الى اتخاذ اجراءات تعزز وتنوع اقتصادنا. وكان يحاول دائما ترويج الاردن كمقصد استثماري, ولسوء الحظ فان الفرصة التي تتيحها الطفرة الحالية لنا اليوم, لم تكن متوافرة له في حينه, حتما ليس بهذه الضخامة التي نراها اليوم.

وفي الواقع فان العديد من اولئك الذين حولي نشاوا وترعرعوا في ظل والدي, رحمه الله, وخلفياتهم واضحة ومعروفة للجميع.. فنادر الذهبي رئيس الوزراء الحالي, خدم قبل عهدي بصورة مميزة في سلاح الجو ومديرا للخطوط الجوية الملكية الاردنية, وانا فخور جدا بانجازاته وسعيد بادائه الحالي, ورئيس الديوان الملكي باسم عوض الله تلقى تعليمه الجامعي بمنحة دراسية من المرحوم والدي, وقد خدم بتميز مرموق في اربع من الحكومات التي شكلت في عهد والدي رحمه الله, ومنحه وسامين لعطائه وتميزه وخدمته, ولا احد يستطيع ان يشكك في خلفية رجال الحسين من العسكريين في قواتنا المسلحة من رئيس هيئة الاركان المشتركة الى الجندي العادي في الميدان, والاجهزة الامنية ومنها دائرة المخابرات العامة التي يراسها محمد الذهبي "وهو احد الذين خدموا هذا الجهاز على مدى سنوات" خَدَمَتْ بلدنا وحمته بوسائل وطرق سنظل دائما عاجزين عن ايفائها ما تستحق من تقدير, ومن رئيس مجلس الاعيان الى رئيس مجلس النواب فهم جميعا رجال والدي رحمه الله وانا فخور بهم وبانجازاتهم.

وفيما يتصل بارث الملك الحسين, رحمه الله فاني لن اقبل اي مزايدات مهما كان نوعها فهو والدي واشعر انه جزء مني وان حماية ارثه والحفاظ عليه يعتبران بالنسبة لي امرين طبيعيين كالتنفس, واشعر براحة كبيرة عندما احي ذكراه بكل وسيلة ممكنة, سواء من خلال تعداد الدروس التي تعلمتها منه او من خلال التجارب التي خضتها معه او بكل بساطة بان احتذي حذوه, وليس هناك ما هو اجمل على سمعي من ذكر الملك الحسين, وهذا هو السبب بان العديد من المباني العامة والمواقع والمؤسسات سميت باسمه في الفترة الاخيرة, من مسجد الحسين الى جامعة الحسين الى حديقة الملك الحسين, الى مطار الملك الحسين بالعقبة, الى متحف الملك الحسين الى معهد الملك الحسين للتكنولوجيا الحيوية والسرطان الى منطقة الملك الحسين الاقتصادية التنموية في المفرق, وان شاء الله سيكون المزيد من المؤسسات التي تحمل اسم الحسين.. وما دمت حيا فان مدينة الحسين الطبية ستظل تحمل هذا الاسم دائما.

* اذا ما اخذنا الاوقات الصعبة التي نشهدها اليوم فان البعض يقول ان السياسات الاقتصادية في السنوات العشر الماضية فشلت, هل توافق على ذلك?

- ان كل مؤشر وكل خبير يوافق على ان الاردن يحقق تقدما ثابتا, وانكار ذلك جريمة بحق الاردن وبحق كل من عمل بجد واجتهاد في القطاع العام لدينا في هذه الحكومة وفي الحكومات السابقة وانا شخصيا فخور بانجازاتهم, والعديد من الاردنيين من الفقراء والاغنياء استفادوا من هذا التقدم ومع ذلك فان علينا جميعا ان نعترف بان هذه المزايا لم تصل الى جميع الاردنيين, وهذا هو السبب في اننا نحتاج الى ان نعمل بجد اكبر وبصورة اسرع من ذي قبل .. لا يوجد هناك حلول سهلة وسريعة لمحاربة الفقر والبطالة ولو كانت هناك مثل هذه الحلول, فان هذه المشكلات كانت ستختفي من ارجاء العالم.

ايضا ليس هنا شك بان الزيادات الكبيرة التي حدثت اخيرا في الاسعار قوضت بعض اركان التقدم الذي حققناه وان وضع اللوم على السياسات الحالية والسابقة معيب, فليس هناك احد في العالم كان يمكنه التنبوء بهذه الارتفاعات في الاسعار, وليس لدى الحكومة الاردنية سيطرة عليها وفي الواقع يمكنني القول بان الامور كانت ستكون اسوا كثيرا لو لم نتخذ الاجراءات التي اتخذناها في الماضي, فعلى سبيل المثال لو لم تقم الحكومة باتخاذ القرار بالتحرير التدرجي لاسعار النفط, منذ عام 2005 لتحملت الموازنة العامة هذا العام اعباء اضافية قد تصل الى 5ر1 مليار دينار, مما كان سيترتب عليه تهديد حقيقي للاستقرار المالي في المملكة.

واود هنا ان اطرح مثلا اخر, فخلال شهر شباط عام ,2004 تم توقيع اتفاقية نقل الغاز من مصر الى الاردن, والبدء في استعمال الغاز المصري بدلا عن النفط في توليد الكهرباء وفي ذلك الحين, كان سعر النفط متدنيا جدا, وكنا نحصل على نفط مدعوم, وكان المنطق الذي طرح لبناء خط الانابيب هو تنويع بعض مصادر الطاقة بعيدا عن النفط واللجوء الى الغاز وان ننوع التوريد بحيث لا يكون محصورا في بلد واحد فقط, والمعقول ان عددا من الناس راوا ان هذا استثمار لا ضرورة له اذا اخذنا بالاعتبار اننا نحصل على النفط الرخيص من الاشقاء العرب. اما غير المعقول, فهو ان الاشاعات انتشرت بان هناك اناسا يحصلون على عمولات من بناء خط الغاز وان ذلك كان السبب الوحيد لبنائه, اما اليوم فانني فخور بان اقول لشعبي بان سعر الكهرباء كان سيتضاعف لو لم نقم باتخاذ ذلك القرار, وخضعنا للاشاعات والهراء, وانني فخور ايضا بان هذا الاجراء ادى الى تخفيض كلفة تزويد الكهرباء بحوالي 150 مليون دينار سنويا.

هناك شيء اود لجميع الاردنيين ان يتفهموه انه حتى مع تنويع مصادر الطاقة بعيدا عن النفط, فان فاتورة المحروقات ارتفعت من 400 مليون دينار عام 2004 الى ما نتوقع ان يكون 3000 مليون دينار هذا العام, وهذا يعني ان كمية كبيرة من العملة الاجنبية تخرج من البلاد وان علينا ان نعوضها, وهناك اربعة طرق رئيسية تمكننا من جلب العملة الاجنبية الى البلاد: ما يحوله المغتربون من الاردنيين, الصادرات, السياحة, الاستثمارات الاجنبية, ويمكننا زيادة تحويلات المغتربين من الاردنيين عن طريق الاستثمار في التعليم وزيادة الصادرات من خلال ايجاد بيئة اعمال صديقة للمستثمرين المحليين والاجانب وزيادة مردود السياحة من خلال ترويج الاردن عن طريق مبادرات مثل مهرجان الاردن وتوفير الاراضي الحكومية للتطوير السياحي كما جرى في العقبة والبحر الميت, ويمكننا زيادة الاستثمار الاجنبي من خلال الخصخصة والاشياء الاخرى التي ذكرتها. وقد قامت الحكومات السابقة بهذا, وهذا هو الذي يسمح لاحتياطياتنا من العملات الاجنبية ان ترتفع بحمد الله, بالرغم من انه يتوجب علينا ان ندفع فاتورة متزايدة لاثمان النفط.

وهناك من يتساءل اليوم, حول جميع الادوات التي استعملت من قبل الحكومات السابقة لتدارك الكارثة. فهم ضد الاستثمارات الاجنبية وهم ضد الخصخصة وهم يهاجمون مهرجان الاردن, وهم ضد بيع الاراضي للاغراض التنموية, ومما يحزن انه ليس لديهم بدائل, فاحذروهم.

ان رسالتي الى هذه الحكومة هو ان امامكم تحديات لم تتم مواجهتها من قبل الحكومات السابقة, وامامكم في الوقت ذاته فرص لم تتح من قبل, استمعوا الى ما يقوله المهنيون والخبراء, وتجاهلوا الاشاعات والثرثرة. ودائما تواصلوا بوضوح وشفافية مع المواطنين في كافة انحاء المملكة.

* البعض يدعي ان هناك تدخلا من قبل الديوان الملكي في الشؤون الحكومية مما يعارض ما ورد في الدستور?

- من حيث موقعي كقائد لهذا البلد, اعتبر ان الاولوية الاولى هي حماية وصيانة الدستور, والتاكد بان السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية, تلتزم بالدستور حرفيا, وفي الواقع فان احترامنا لدستورنا وتقيدنا الذي لا يتزعزع به هو الذي ميزنا كدولة مؤسسات, ومع ان الحكومة خاضعة للمساءلة امامي وامام الشعب من خلال مجلس الامة, فانني احاول دائما ان اضمن بان الحدود التي تؤطر ما فوضت به الحكومة تظل مقدسة بحيث لا يتجاوزها احد, لا باسمي ولا باسم اي احد اخر, وبالتاكيد فانني لا اتردد في ان اوجه وفي ان اضع الاولويات من خلال كتب التكليف للحكومات وان اقدم نصحي

ومشورتي عندما ارى ذلك ضروريا, ولكن في نهاية المطاف فان الحكومة هي الجهة التنفيذية وهي المسؤولة عن القيام بذلك, اي التنفيذ.

* ربما كانت الصراحة في طرح اسئلتي هي التي قادت جلالتكم الى الدخول في التفصيلات وارجو ان تقبلوا اعتذاري الشديد عن ذلك.

- كلامك صحيح, فليس من عادتي ان اناقش تفاصيل القضايا على هذا المستوى, ولا انوي ان اجعل هذا نمطا متبعا في المستقبل!! وبالتاكيد فان تركيزي دائما هو على القضايا الاكبر والاشمل, ومع ذلك شعرت بان الجو السائد في هذا الوقت يتطلب مني ان اقوم بشيء استثنائي وقد شعرت انه من الضروري ان اصحح المفاهيم والاقوال حول قضايا معينة وان اوضح هذه القضايا بعيدا عن المعلومات الخاطئة التي يتم تبادلها ونشرها باستهتار وانعدام مسؤولية .. وسواء قام اولئك الذين ينخرطون في هذه الاعمال الجاهلة بما يقومون به بقصد او بدون قصد, فانهم في النتيجة يمكن ان يسببوا اذى جسيما لبلدنا وسمعته, اضافة الى تقويض الجهود التي نبذلها على الارض بهدف تحسين مستوى معيشة المواطن الاردني, ان الفرص المتاحة لشعبي ورفاهه امران ادافع عنهما بقوة. وشخصيا فان بابي مفتوح وسيظل مفتوحا لكل شخص ولكل راي, اذا ما كان القصد هو مصلحة الاردن والاردنيين ورفاههم .. واني انظر دائما وبكل اخلاص الى حالنا باعتبارنا اسرة الاردن الموحدة المتلاحمة, والشيء الذي اعرفه هو ان العاطفة السائدة في هذه الاسرة هي حسن النية لا الشك, والحب لا العداء, والتعاون لا الاتهامات, وفي الوقت الذي قد يختلف اعضاء هذه الاسرة ويتجادلون من حين لاخر, فسيظل دائما مكان لكل واحد منهم في قلبي ما داموا لا ينوون الاذى والشر لهذه الوحدة المركزية التي هي الاسرة.

* اخيرا ما هي النصيحة التي توجهونها جلالتكم لابناء شعبكم?

- ساستلهم في كلامي ايات من الذكر الحكيم: بسم الله الرحمن الرحيم " يا ايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" وقوله تعالى "ان بعض الظن اثم" صدق الله العظيم.

واول كلمة وجهها الباري سبحانه وتعالى الى رسوله النبي العربي الهاشمي الامين كانت اقرا, فيجب ان نقرا عن العالم حولنا قبل ان نحكم على انفسنا, ولنتعلم من خبرات الاخرين, لننفتح على العالم دون خوف او وجل, لان هذه هي الطريقة الوحيدة كي نتقدم, لتكن المعرفة سلاحكم .. ولا تصدقوا الاشاعات, وخاصة عندما يقول لكم احدهم انها من مصادر موثوقة. واخيرا اعلموا انكم كل شيء بالنسبة لي.
*وكالة بترا