فلسطين.. الشركات العائلية تهيمن على القطاع الخاص
غزة-دنيا الوطن
يكاد يكون الاجتماعُ الأسبوعي لأعضاء مجلس الإدارة في مجموعة شركات عنبتاوي أقرب إلى لقاء عائلي، ومع هذا فهناك وجهات نظر مختلفة تظهر بين الأشقاء الأربعة خلال النقاش والمتابعات الخاصة بالعمل.
فالشركةُ التي أسسها والدهم الراحل صبحي عنبتاوي عام 1963 في مدينة نابلس بالضفة الغربية، توسعت بعد انضمام أبنائه تباعًا إليها بعد تخرجهم من الجامعة، لتتحول إلى مجموعة شركات متفرعة اقتصاديًا، وتصبح من أنجح الشركات العائلية في فلسطين، بفضل تكاتف الأخوة وتعاونهم في سبيل إنجاح مشروعهم المشترك.
العمل وفق منظومة إدارية
ويرى رئيسُ مجلس إدارة المجموعة المهندس زياد عنبتاوي "أن الشركات العائلية ظاهرة تميز الاقتصاد الفلسطيني، وتعزز من قيم التعاطف والتضامن بين أبناء شعبه، خاصةً في ظل الظروف الصعبة التي يمرون بها".
ويضيف لـ"الأسواق نت": "تتمتع المؤسسات العائلية بعدة إيجابيات كقوة الانتماء بين أفرادها، وارتفاع درجة الحماس لديهم للدفاع عن مؤسستهم والرغبة في الحفاظ عليها، وبالنسبة لنا، فقد أنشأ والدي وعمي الشركة، وفور تخرجنا نحن الأشقاء من الجامعة، كنا ننضم للعمل فيها، ويسعى كل منّا في مجال تخصصه أن يفيد العمل ويرفع ويطور من الإنتاج، فالمصلحة واحدة وإن اختلفت الآراء".
وفيما يخص تقسيم الأدوار، يؤكد عنبتاوي أن الهمّ الأول للجميع هو إنجاح الشركة، "الأمر الذي يتعزز إذا كان العمل وفق منظومة إدارية وعلمية واضحة تحدد المهام وتقسم الأدوار وتقلل من إمكانية حدوث مشاكل أو خلافات"، مضيفًا "في الشركة العائلية لست أنت من تختار شريكك، الأمر الذي لا يعني بالضرورة وجود انسجام دائم بين الشركاء بحجة صلة القرابة، وهذا أمر طبيعي، كما أنه ورغم التفاوت في الأداء بين الشركاء، إلا أن هناك تساويًا في النسب والفرص".
وحول إمكانية تحويل الشركة إلى مساهمة عامة، أكد عنبتاوي أن الموضوع طور التفكير، مشيرًا إلى أنه في حال تم استقطاب مستثمرين كبار سينضمون إلى مجلس الإدارة، وبالتالي ستفقد المجموعة صفتها العائلية، الأمر الذي قد يكون مقبولاً في حال كانت هناك مصلحة وفائدة.
مستقبل مهدد
ورغم كون الشركات العائلية ظاهرة فرضت نفسها بقوة على أجندة الاقتصاديين والساسة في العالم العربي عامة، وفلسطين بخاصة، إلا أن مستقبل هذه الشركات بات مهددًا في ظل المعطيات الراهنة والتطورات الاقتصادية المتلاحقة التي تفرض المزيد من الانفتاح وتحرر الأسواق وإلغاء كل أشكال الدعم والحماية وأيضًا الاحتكار.
ورغم ما تتميز بها الشركات والمؤسسات العائلية في فلسطين إلا أنها تواجه تحديات كثيرة، كما أن عددًا منها اندثر لعدم قدرتها على منافسة المنتجات الأخرى، خاصةً أن أغلب الشركات خدماتية غير منتجة ولا تمتلك مصانع أو منافذ تشغيل مهمة، وتعتمد بشكل رئيسي على الوكالات أو التوزيع أو الاستثمار.
ويأخذ المختصون على هذا النوع من الشركات اتباعها لسياسة توظيفية قد لا تعتمد على الكفاءة، كما أنه لا يوجد روح جماعية لدى العاملين فيها، يضاف إلى ذلك المشاكل الناجمة عن موت الكبار وعدم تفويض الصلاحيات، مؤكدين أهمية تشجيع الشركات العائلية على التحول إلى شركات مساهمة عامة حتى تستطيع الاستمرار لمدة أطول، بالإضافة إلى مساعدتها في تطبيق "الحوكمة" لتصبح قادرة على مواكبة التطورات الاقتصادية المحلية والعالمية.
هيمنة للشركات العائلية
واستنادًا لنتائج دراسات إحصائية حول الشركات العائلية، فإن أغلب نشاطات القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتم ممارساتها من خلال شركات صغيرة ومتوسطة تأخذ شكل الشركات العائلية التقليدية، مشكلةً أكثر من 85% من شركات القطاع الخاص في المنطقة، وتصل النسبة لأكثر من 95% في الخليج العربي، وأكثر من 98% من شركات القطاع الخاص في فلسطين.
وبالنظر إلى حجم مساهمة هذه الشركات في الناتج المحلي، فإن ازدهارها واستقرارها من عدمه ينعكس بالضرورة إيجابًا أو سلبًا على الاقتصاد المحلي، لا سيما وأن الإحصاءات تشير إلى أنها توظف ما يزيد على 45% من مجموع الأيدي العاملة، وفي هذا إشارة إلى خطر حقيقي يتهدد الاقتصاد الوطني في حالة توقف أو تراجع أداء هذه الشركات.
التحول مرفوض
وعودة لأصحاب الشركات العائلية، ففي الوقت الذي لا يمانع القائمون على شركة عنبتاوي تحولها إلى مساهمة عامة، يرفض المهندس عبد الفتاح نيروخ مسؤول المبيعات في شركة نيروخ لصناعة القبانات والموازين هذا الأمر، مشيرًا إلى أن ذلك غير مطروح حاليًا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الأراضي الفلسطينية وقطاع الصناعة على وجه الخصوص.
وأضاف لـ"الأسواق نت": "لقد تحولنا إلى شركة مساهمة خاصة، حيث وضعنا نظامًا إداريًا متكاملاً حدد لكل شخص مهامه ومكانه على سلم الترتيب الإداري، بما في ذلك العاملين من أبناء العائلة، بحيث يتم التعامل معهم كموظفين ومساهمين، الأمر الذي أوجد حلاً مسبقًا في حال وقعت أية مشكلة في العمل، أو وفاة أحد المؤسسين".
وعن كيفية تصديهم للعولمة وانفتاح الأسواق واستيراد البضائع الصينية رخيصة الثمن تحديدًا، أوضح نيروخ أن 80% من إنتاج شركته هي من الحديد الخام، والذي يتحدد سعره عالميًا وليس محليًا، مشيرًا إلى أن التجار لا يستطيعون استيراد بضائع مشابهة لما يصنعونه في شركتهم؛ كون ذلك مكلفًا من ناحية، وما يتم استيراده من "التنك" رديء النوعية وليس من الحديد ذات المواصفات العالمية.
وتأسست شركة نيروخ عام 1953 في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وهي تعمل في مجال صناعة وتصدير القبانات والموازين والأثاث المعدني، مثل: الأرفف والموائد والأدراج والدواليب المعدنية الخاصة باستخدامات المكاتب، وتصدر معظم إنتاجها إلى داخل إسرائيل ولبعض الدول العربية والغربية.
حل مشابه
الصورة تبدو متشابهة في شركة عبد الرحمن حجاوي وأولاده لأعمال الطباعة والقرطاسية وتجارة الورق، حيث يشير المهندس عبد الله حجاوي مدير دائرة التصوير والمونتاج إلى أن احتمالية تحول الشركة إلى مساهمة عامة غير واردة في الوقت الحالي، وما يجري حاليًا هو العمل لتحويلها إلى شركة مساهمة خاصة تقتصر على أبناء العائلة.
ويضيف لـ"الأسواق نت": "لقد قمنا بترتيب أمورنا الإدارية وفق نظام الشركات الخاصة، بحيث تم توزيع المناصب على أفراد العائلة لتجنب حدوث أية مشاكل مستقبلية، خاصةً في حال وفاة أحد المؤسسين الذين يشكلون مجلس الإدارة، وإن حدث هذا يتم انتداب أحد أبناء المتوفى ليصبح عضوًا في مجلس الإدارة مكان والده، أما دخول الغرباء، فهو أمر ممنوع إلا الأنسباء من خلال زوجاتهم".
وعلل الحجاوي أسباب رفض التحول إلى مساهمة عامة، إلى الحفاظ على الاسم والسمعة التي اكتسبتها الشركة، والتي بدأت عملها في نابلس عام 1935 على يد والده عبد الرحمن حجاوي، مُقرًّا في الوقت نفسه بأهمية تحول الشركات العائلية إلى مساهمة عامة، مبررًا ذلك بأن الأخوة قد يتنازلون لبعضهم البعض في حال حدث خلاف بينهم، لكن الوضع قد يختلف بين الجيل الثالث وهم الأحفاد (أبناء العمومة)، بالإضافة إلى وجود امتيازات من ناحية الضرائب والإجراءات الحكومية بالنسبة للشركات المساهمة العامة.
ما لها وما عليها
وحول إيجابيات وسلبيات الشركات العائلية، يلخص عميد الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس الدكتور سائد الكوني أهم الإيجابيات في: زيادة الانتماء نتيجة الروابط العاطفية بين أفراد العائلة والشركة، زيادة روح العمل الجماعي، السلاسة في العمل وسرعة اتخاذ القرار نتيجة لعدم تعقد الهيكل الإداري، زيادة درجة المرونة والقابلية للتغيير، ارتفاع درجة الحماس لإنجاح النشاط بين أفراد العائلة.
أما السلبيات فأبرزها: انشغال العائلة بصورة كبيرة بأنشطة شركاتها من دون غيرها من الأنشطة ومن ثم تصبح معزولة، وجود نقص في بعض المهارات الإدارية المهمة في الشركة نتيجة الإفراط في الاعتماد على التوظيف من أفراد العائلة الذين قد لا تتوافر لديهم هذه المهارات، وما يرتبط مع ذلك من حالة عدم التأكد في صناعة القرار، نقص في روح المبادرة لدى القادة الإداريين من العائلة، هشاشة الهيكل الإداري والتنظيمي للشركة لاعتماده على أشخاص بعينهم، ليست لديهم الرغبة في تقديم أي تفويض للصلاحيات والسلطات.
تحديات وحلول
ويرى د. الكوني في حديثه لـ"الأسواق نت" أن التحديات التي تواجه الشركات العائلية الفلسطينية والتي يزيد عددها على 6 آلاف شركة أو مؤسسة تتمثل في التكتلات الإقليمية والثنائية، وثورة المعلومات، كذلك زيادة حجم التجارة الإلكترونية واتفاقية منظمة التجارة العالمية، وأخيرًا النظام التجاري الدولي الجديد، كاشفًا النقاب عن أن معدلات نموها في تراجع مستمر.
ويؤكد الكوني أن اعتماد مبادئ الحوكمة "الإدارة الرشيدة" والتحول إلى مساهمة عامة من شأنه أن يساعد الشركات العائلية على مواجهة تلك التحديات، مستدركًا بقوله: "هذا يتأتى من فتح الطريق أمام نمو الشركات وتحسين القدرة على جذب المستثمرين وتخفيض كلفة الاقتراض والدخول إلى الأسواق المالية، وكذلك مساعدتها على التأقلم في جو من المنافسة المتزايدة عبر عمليات دمج وتملك، وتقليص المخاطر عبر تنوع أصول الشركات، والعمل على إيجاد مناخ ملائم لانتقال الملكية والإدارة في الشركات العائلية وتقليص احتمالات وقوع تضارب مصالح، والإسهام في تطوير أنظمة مراقبة داخلية أفضل وبالتالي مساءلة أكبر وهوامش ربح أكبر.
متطلبات التغير
وعدّد الكوني متطلبات التغير في البيئة الداخلية للشركات العائلية، مؤكدًا أهمية الاستعانة بإدارة محترفة، وبناء هيكلية رقابية داخلية سليمة لضمان سلامة المخرجات من تقارير مالية وخلافه، إضافةً للتحالف مع الشركات الأجنبية للاستفادة مما لديها من مزايا لزيادة القدرة التنافسية، والاندماج بين الشركات العائلية الوطنية لتكوين كيانات أكبر حجمًا ذات قدرات تنافسية أكبر وقادرة على خفض التكاليف، وطرق مجالات جديدة ذات مزايا نسبية أفضل لا تتوقف على توفير الحماية والدعم من الدولة.
وكذلك تطبيق معايير الحوكمة والإدارة الرشيدة التي تتضمن الفصل بين الملكية والإدارة، وتحقق العدالة والشفافية والإفصاح، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على السرية المتعلقة بالتقنية والمعرفة والإنتاجية لأن الإفصاح عن مثل هذه الأمور يضر بنشاط الشركة.
وأيضًا الإعداد الجيد لقيادات العائلة الشابة لتولي إدارة هذه الشركات على النحو المطلوب، وغرس الالتزام بالمبادئ لديها للتغلب على مشكلة احتمال عدم استمرارية الشركة عند انتقال السلطة إلى الأجيال اللاحقة.
التحول.. مزايا ومخاوف
ويؤكد مختصون على أن تحول الشركات العائلية إلى مساهمةٍ عامة من شأنه أن يؤدي إلى بقاء واستمرارية وتطوير تلك الشركات، وهو أمر يعبِّر عن مصلحة اقتصادية وطنية، لأن الشركات العائلية تقوم بأدوار مهمة في مختلف المجالات، حيث إن أي اهتزازات قد تتعرض لها تؤثر سلبًا على الاقتصاد ككل.
وتتلخص مزايا التحول أولاً بحماية الشركة من التصفية أو التقسيم في حالة الوراثة، والفصل بين مالية الشركة وأموال الشركاء من العائلة، بالإضافة إلى توفير التمويل المطلوب لتوسيع نشاطاتها بتسهيل الاقتراض من البنوك، حيث تكون الشركات المساهمة أكثر جدارة في الحصول على القروض، ورابعًا فتتعلق بتوفير إطار قانوني يساعد على عمليات التطوير وتحقيق قدر أكبر من النجاح.
غير أن رفض أصحاب الشركات العائلية التحول إلى مساهمة عامة، يرجع- بحسب المراقبين- إلى خشيتهم على المكانة الاجتماعية وصعوبة تنازلهم عن وكالاتهم الحصرية، ورغبتهم في استمرار السيطرة المالية والإدارية على هذه الشركات والحفاظ على سرية ثرواتهم، خاصةً أن عملية التحول تعتمد على قواعد الإفصاح والشفافية، بينما يغلب على الكثير من الشركات العائلية طابع السرية.
يكاد يكون الاجتماعُ الأسبوعي لأعضاء مجلس الإدارة في مجموعة شركات عنبتاوي أقرب إلى لقاء عائلي، ومع هذا فهناك وجهات نظر مختلفة تظهر بين الأشقاء الأربعة خلال النقاش والمتابعات الخاصة بالعمل.
فالشركةُ التي أسسها والدهم الراحل صبحي عنبتاوي عام 1963 في مدينة نابلس بالضفة الغربية، توسعت بعد انضمام أبنائه تباعًا إليها بعد تخرجهم من الجامعة، لتتحول إلى مجموعة شركات متفرعة اقتصاديًا، وتصبح من أنجح الشركات العائلية في فلسطين، بفضل تكاتف الأخوة وتعاونهم في سبيل إنجاح مشروعهم المشترك.
العمل وفق منظومة إدارية
ويرى رئيسُ مجلس إدارة المجموعة المهندس زياد عنبتاوي "أن الشركات العائلية ظاهرة تميز الاقتصاد الفلسطيني، وتعزز من قيم التعاطف والتضامن بين أبناء شعبه، خاصةً في ظل الظروف الصعبة التي يمرون بها".
ويضيف لـ"الأسواق نت": "تتمتع المؤسسات العائلية بعدة إيجابيات كقوة الانتماء بين أفرادها، وارتفاع درجة الحماس لديهم للدفاع عن مؤسستهم والرغبة في الحفاظ عليها، وبالنسبة لنا، فقد أنشأ والدي وعمي الشركة، وفور تخرجنا نحن الأشقاء من الجامعة، كنا ننضم للعمل فيها، ويسعى كل منّا في مجال تخصصه أن يفيد العمل ويرفع ويطور من الإنتاج، فالمصلحة واحدة وإن اختلفت الآراء".
وفيما يخص تقسيم الأدوار، يؤكد عنبتاوي أن الهمّ الأول للجميع هو إنجاح الشركة، "الأمر الذي يتعزز إذا كان العمل وفق منظومة إدارية وعلمية واضحة تحدد المهام وتقسم الأدوار وتقلل من إمكانية حدوث مشاكل أو خلافات"، مضيفًا "في الشركة العائلية لست أنت من تختار شريكك، الأمر الذي لا يعني بالضرورة وجود انسجام دائم بين الشركاء بحجة صلة القرابة، وهذا أمر طبيعي، كما أنه ورغم التفاوت في الأداء بين الشركاء، إلا أن هناك تساويًا في النسب والفرص".
وحول إمكانية تحويل الشركة إلى مساهمة عامة، أكد عنبتاوي أن الموضوع طور التفكير، مشيرًا إلى أنه في حال تم استقطاب مستثمرين كبار سينضمون إلى مجلس الإدارة، وبالتالي ستفقد المجموعة صفتها العائلية، الأمر الذي قد يكون مقبولاً في حال كانت هناك مصلحة وفائدة.
مستقبل مهدد
ورغم كون الشركات العائلية ظاهرة فرضت نفسها بقوة على أجندة الاقتصاديين والساسة في العالم العربي عامة، وفلسطين بخاصة، إلا أن مستقبل هذه الشركات بات مهددًا في ظل المعطيات الراهنة والتطورات الاقتصادية المتلاحقة التي تفرض المزيد من الانفتاح وتحرر الأسواق وإلغاء كل أشكال الدعم والحماية وأيضًا الاحتكار.
ورغم ما تتميز بها الشركات والمؤسسات العائلية في فلسطين إلا أنها تواجه تحديات كثيرة، كما أن عددًا منها اندثر لعدم قدرتها على منافسة المنتجات الأخرى، خاصةً أن أغلب الشركات خدماتية غير منتجة ولا تمتلك مصانع أو منافذ تشغيل مهمة، وتعتمد بشكل رئيسي على الوكالات أو التوزيع أو الاستثمار.
ويأخذ المختصون على هذا النوع من الشركات اتباعها لسياسة توظيفية قد لا تعتمد على الكفاءة، كما أنه لا يوجد روح جماعية لدى العاملين فيها، يضاف إلى ذلك المشاكل الناجمة عن موت الكبار وعدم تفويض الصلاحيات، مؤكدين أهمية تشجيع الشركات العائلية على التحول إلى شركات مساهمة عامة حتى تستطيع الاستمرار لمدة أطول، بالإضافة إلى مساعدتها في تطبيق "الحوكمة" لتصبح قادرة على مواكبة التطورات الاقتصادية المحلية والعالمية.
هيمنة للشركات العائلية
واستنادًا لنتائج دراسات إحصائية حول الشركات العائلية، فإن أغلب نشاطات القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتم ممارساتها من خلال شركات صغيرة ومتوسطة تأخذ شكل الشركات العائلية التقليدية، مشكلةً أكثر من 85% من شركات القطاع الخاص في المنطقة، وتصل النسبة لأكثر من 95% في الخليج العربي، وأكثر من 98% من شركات القطاع الخاص في فلسطين.
وبالنظر إلى حجم مساهمة هذه الشركات في الناتج المحلي، فإن ازدهارها واستقرارها من عدمه ينعكس بالضرورة إيجابًا أو سلبًا على الاقتصاد المحلي، لا سيما وأن الإحصاءات تشير إلى أنها توظف ما يزيد على 45% من مجموع الأيدي العاملة، وفي هذا إشارة إلى خطر حقيقي يتهدد الاقتصاد الوطني في حالة توقف أو تراجع أداء هذه الشركات.
التحول مرفوض
وعودة لأصحاب الشركات العائلية، ففي الوقت الذي لا يمانع القائمون على شركة عنبتاوي تحولها إلى مساهمة عامة، يرفض المهندس عبد الفتاح نيروخ مسؤول المبيعات في شركة نيروخ لصناعة القبانات والموازين هذا الأمر، مشيرًا إلى أن ذلك غير مطروح حاليًا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الأراضي الفلسطينية وقطاع الصناعة على وجه الخصوص.
وأضاف لـ"الأسواق نت": "لقد تحولنا إلى شركة مساهمة خاصة، حيث وضعنا نظامًا إداريًا متكاملاً حدد لكل شخص مهامه ومكانه على سلم الترتيب الإداري، بما في ذلك العاملين من أبناء العائلة، بحيث يتم التعامل معهم كموظفين ومساهمين، الأمر الذي أوجد حلاً مسبقًا في حال وقعت أية مشكلة في العمل، أو وفاة أحد المؤسسين".
وعن كيفية تصديهم للعولمة وانفتاح الأسواق واستيراد البضائع الصينية رخيصة الثمن تحديدًا، أوضح نيروخ أن 80% من إنتاج شركته هي من الحديد الخام، والذي يتحدد سعره عالميًا وليس محليًا، مشيرًا إلى أن التجار لا يستطيعون استيراد بضائع مشابهة لما يصنعونه في شركتهم؛ كون ذلك مكلفًا من ناحية، وما يتم استيراده من "التنك" رديء النوعية وليس من الحديد ذات المواصفات العالمية.
وتأسست شركة نيروخ عام 1953 في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وهي تعمل في مجال صناعة وتصدير القبانات والموازين والأثاث المعدني، مثل: الأرفف والموائد والأدراج والدواليب المعدنية الخاصة باستخدامات المكاتب، وتصدر معظم إنتاجها إلى داخل إسرائيل ولبعض الدول العربية والغربية.
حل مشابه
الصورة تبدو متشابهة في شركة عبد الرحمن حجاوي وأولاده لأعمال الطباعة والقرطاسية وتجارة الورق، حيث يشير المهندس عبد الله حجاوي مدير دائرة التصوير والمونتاج إلى أن احتمالية تحول الشركة إلى مساهمة عامة غير واردة في الوقت الحالي، وما يجري حاليًا هو العمل لتحويلها إلى شركة مساهمة خاصة تقتصر على أبناء العائلة.
ويضيف لـ"الأسواق نت": "لقد قمنا بترتيب أمورنا الإدارية وفق نظام الشركات الخاصة، بحيث تم توزيع المناصب على أفراد العائلة لتجنب حدوث أية مشاكل مستقبلية، خاصةً في حال وفاة أحد المؤسسين الذين يشكلون مجلس الإدارة، وإن حدث هذا يتم انتداب أحد أبناء المتوفى ليصبح عضوًا في مجلس الإدارة مكان والده، أما دخول الغرباء، فهو أمر ممنوع إلا الأنسباء من خلال زوجاتهم".
وعلل الحجاوي أسباب رفض التحول إلى مساهمة عامة، إلى الحفاظ على الاسم والسمعة التي اكتسبتها الشركة، والتي بدأت عملها في نابلس عام 1935 على يد والده عبد الرحمن حجاوي، مُقرًّا في الوقت نفسه بأهمية تحول الشركات العائلية إلى مساهمة عامة، مبررًا ذلك بأن الأخوة قد يتنازلون لبعضهم البعض في حال حدث خلاف بينهم، لكن الوضع قد يختلف بين الجيل الثالث وهم الأحفاد (أبناء العمومة)، بالإضافة إلى وجود امتيازات من ناحية الضرائب والإجراءات الحكومية بالنسبة للشركات المساهمة العامة.
ما لها وما عليها
وحول إيجابيات وسلبيات الشركات العائلية، يلخص عميد الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس الدكتور سائد الكوني أهم الإيجابيات في: زيادة الانتماء نتيجة الروابط العاطفية بين أفراد العائلة والشركة، زيادة روح العمل الجماعي، السلاسة في العمل وسرعة اتخاذ القرار نتيجة لعدم تعقد الهيكل الإداري، زيادة درجة المرونة والقابلية للتغيير، ارتفاع درجة الحماس لإنجاح النشاط بين أفراد العائلة.
أما السلبيات فأبرزها: انشغال العائلة بصورة كبيرة بأنشطة شركاتها من دون غيرها من الأنشطة ومن ثم تصبح معزولة، وجود نقص في بعض المهارات الإدارية المهمة في الشركة نتيجة الإفراط في الاعتماد على التوظيف من أفراد العائلة الذين قد لا تتوافر لديهم هذه المهارات، وما يرتبط مع ذلك من حالة عدم التأكد في صناعة القرار، نقص في روح المبادرة لدى القادة الإداريين من العائلة، هشاشة الهيكل الإداري والتنظيمي للشركة لاعتماده على أشخاص بعينهم، ليست لديهم الرغبة في تقديم أي تفويض للصلاحيات والسلطات.
تحديات وحلول
ويرى د. الكوني في حديثه لـ"الأسواق نت" أن التحديات التي تواجه الشركات العائلية الفلسطينية والتي يزيد عددها على 6 آلاف شركة أو مؤسسة تتمثل في التكتلات الإقليمية والثنائية، وثورة المعلومات، كذلك زيادة حجم التجارة الإلكترونية واتفاقية منظمة التجارة العالمية، وأخيرًا النظام التجاري الدولي الجديد، كاشفًا النقاب عن أن معدلات نموها في تراجع مستمر.
ويؤكد الكوني أن اعتماد مبادئ الحوكمة "الإدارة الرشيدة" والتحول إلى مساهمة عامة من شأنه أن يساعد الشركات العائلية على مواجهة تلك التحديات، مستدركًا بقوله: "هذا يتأتى من فتح الطريق أمام نمو الشركات وتحسين القدرة على جذب المستثمرين وتخفيض كلفة الاقتراض والدخول إلى الأسواق المالية، وكذلك مساعدتها على التأقلم في جو من المنافسة المتزايدة عبر عمليات دمج وتملك، وتقليص المخاطر عبر تنوع أصول الشركات، والعمل على إيجاد مناخ ملائم لانتقال الملكية والإدارة في الشركات العائلية وتقليص احتمالات وقوع تضارب مصالح، والإسهام في تطوير أنظمة مراقبة داخلية أفضل وبالتالي مساءلة أكبر وهوامش ربح أكبر.
متطلبات التغير
وعدّد الكوني متطلبات التغير في البيئة الداخلية للشركات العائلية، مؤكدًا أهمية الاستعانة بإدارة محترفة، وبناء هيكلية رقابية داخلية سليمة لضمان سلامة المخرجات من تقارير مالية وخلافه، إضافةً للتحالف مع الشركات الأجنبية للاستفادة مما لديها من مزايا لزيادة القدرة التنافسية، والاندماج بين الشركات العائلية الوطنية لتكوين كيانات أكبر حجمًا ذات قدرات تنافسية أكبر وقادرة على خفض التكاليف، وطرق مجالات جديدة ذات مزايا نسبية أفضل لا تتوقف على توفير الحماية والدعم من الدولة.
وكذلك تطبيق معايير الحوكمة والإدارة الرشيدة التي تتضمن الفصل بين الملكية والإدارة، وتحقق العدالة والشفافية والإفصاح، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على السرية المتعلقة بالتقنية والمعرفة والإنتاجية لأن الإفصاح عن مثل هذه الأمور يضر بنشاط الشركة.
وأيضًا الإعداد الجيد لقيادات العائلة الشابة لتولي إدارة هذه الشركات على النحو المطلوب، وغرس الالتزام بالمبادئ لديها للتغلب على مشكلة احتمال عدم استمرارية الشركة عند انتقال السلطة إلى الأجيال اللاحقة.
التحول.. مزايا ومخاوف
ويؤكد مختصون على أن تحول الشركات العائلية إلى مساهمةٍ عامة من شأنه أن يؤدي إلى بقاء واستمرارية وتطوير تلك الشركات، وهو أمر يعبِّر عن مصلحة اقتصادية وطنية، لأن الشركات العائلية تقوم بأدوار مهمة في مختلف المجالات، حيث إن أي اهتزازات قد تتعرض لها تؤثر سلبًا على الاقتصاد ككل.
وتتلخص مزايا التحول أولاً بحماية الشركة من التصفية أو التقسيم في حالة الوراثة، والفصل بين مالية الشركة وأموال الشركاء من العائلة، بالإضافة إلى توفير التمويل المطلوب لتوسيع نشاطاتها بتسهيل الاقتراض من البنوك، حيث تكون الشركات المساهمة أكثر جدارة في الحصول على القروض، ورابعًا فتتعلق بتوفير إطار قانوني يساعد على عمليات التطوير وتحقيق قدر أكبر من النجاح.
غير أن رفض أصحاب الشركات العائلية التحول إلى مساهمة عامة، يرجع- بحسب المراقبين- إلى خشيتهم على المكانة الاجتماعية وصعوبة تنازلهم عن وكالاتهم الحصرية، ورغبتهم في استمرار السيطرة المالية والإدارية على هذه الشركات والحفاظ على سرية ثرواتهم، خاصةً أن عملية التحول تعتمد على قواعد الإفصاح والشفافية، بينما يغلب على الكثير من الشركات العائلية طابع السرية.

التعليقات