أولمرت يواجه صعوبة في التحرر من السيجار والساعات السويسرية

أولمرت يواجه صعوبة في التحرر من السيجار والساعات السويسرية
سيرة أولمرت المالية

يواجه صعوبة في التحرر من السيجار والساعات السويسرية والأقلام النفيسة

شلوم يروشالمي

رجل الاعمال جاكي بندهايم ينتمي لاحدي العائلات اليهودية الثرية والمعروفة في نيويورك، هو يقطن في الحي الراقي ريفردايل شمالي منهاتن ولديه في نيوجيرسي مصنع كبير لانتاج طعام الحيوانات واسمه فايبرو . أبوه تشارلز الذي توفي كان رئيس جمعية اصدقاء مستشفي شعاريه تصيدق وهناك اقسام كثيرة في المستشفي تخلد اسمه. ابنه جاكي يواصل تقاليد والده.
تشارلز في عهده ومن ثم ابنه جاكي تبرعا باموال كثيرة للسياسيين في البلاد. في انتخابات 2003 حولا 55 الف دولار لايهود اولمرت صديقهما الطيب الذي كان يخوض المنافسة علي رئاسة بلدية القدس وفاز فيها. وفي انتخابات حزب العمل التمهيدي الاخيرة تبرع جاكي بندهايم بـ 40 الف دولار لايهود باراك الذي تحول منذئذ الي صديقه المقرب والمؤتمن علي سره. ايضا وزير الرفاه يتسحاق هيرتسوغ تلقي منه (2000) دولار في الانتخابات التمهيدية. تشارلز وجاكي يعتمران قبعة المتدينين الا انهما معتدلان في آرائهما وقد تبرعا لحركة ميماد في بداية طريقها.
اولمرت لم يغلق ابوابه ابدا امام الاشخاص الاثرياء. هم ايضا ورطوه بصورة جيدة في قضايا قانونية حتي يومنا هذا. فهل انتهي كل ذلك اليوم؟ وهل ضبط اولمرت متلبسا؟ هل اصيب القضاة الذين استمعوا للنائب العام موشيه لادور يوم الثلاثاء في جلسة سرية بالذهول وهم يطلعون علي اساليب العمل والطريقة التي تبناها رئيس الوزراء لنفسه؟ الايام (القصيرة) هي التي ستخبرنا.

تراكم غير ملحوظ

من يعرف رئيس الوزراء لم يفاجأ من سماع تفاصيل القضية الاخيرة. النموذج معروف. اولمرت هو الشخص الذي يجلس علي المفترق الذي تمر منه الاموال من المليارديرات الي السياسيين. هو الانبوب الذي يربط رأس المال بالحكمة. الشخص الذي يفترض ان يربح من 40 عاما من العمل في السياسة ما قيمته 7.5 مليون شيكل (وفقا لحسابات الخبراء)، التي افترض ان ينفقها علي صيانة بيتهم واسرته، يملك الان عقارات بملايين الدولارات وفقا لشهادته هو.
اولمرت كان دائما يقوم بصفقات مع الاشخاص الذين يتبرعون له. هو يربطهم به بعلاقات تبدو محظورة او علي الاقل غير صالحة. الملياردير دانيال ابرامز مثلا من اصحاب شركة انتاج طعام الحمية الامريكي سليم باست كان احد اكبر اصدقاء ومتبرعي اولمرت طوال سنوات. في انتخابات 1993 حول له 68 الف دولار. مال قليل نسبيا. في شهر كانون الثاني (يناير) 2004 باع اولمرت لابرامز الفيلا التي يمتلكها في القدس مقابل 2.7 مليون دولار. بعد ذلك استأجر منه المنزل. وباع شقة اخري كانت تعود له في حي نحلاؤوت لمليونير آخر وهو رجل الاعمال اوري هيركام الذي كان قد تبرع له بـ 25 الف دولار في انتخابات 1993.
الخلط والمزج كان مطلقا. الاشخاص الذين تبرعوا لحملاته وجدوا أنفسهم جزءا من المشاريع الهامة التي كان مسؤولا عنها .
تراكم الحالات من هذا النوع مسألة غير ظاهرة وليس لها تفسير علي المستوي العام دائما. الفرد اكيروف الذي تبرع لاولمرت بالمال يقيم حتي اليوم مشروع ماميلا الضخم في المدينة وسيريل شتاين كان احد اصحاب فندق هيلتون الذي اقيم من خلال مشروع وتحول الي متسودات دافيد. ودافيد عزرئيلي شيد مجمع المالحة التجاري واليعيزر فيشمان صاحب الشركة الاقتصادية القدس ـ وهكذا دواليك حيث تطول القائمة.
في بعض الاحيان ينتقل المال من صاحب رأس المال الي الجيب مباشرة. هذا ما حدث مع اولمرت في بداية طريقه. عضو كنيست شاب في الليكود قليل التجربة والخبرة في التملص والمراوغة. في عام 1981 حصل اولمرت علي قرض بقيمة 50 الف دولار من شركة يمتلكها يهوشع هالبرين الذي كان رئيس بنك شمالي امريكا. اولمرت لم يعلم احدا بامر ذلك القرض وظهرت المسألة عندما انهار البنك بضجيج كبير. هالبرين اعتقل اما اولمرت فقد تدخل احد ما لمساعدته. اولمرت سئل في حينه ان كان هالبرين قد طلب المال منه فرد بالنفس: هو لم يتصل بي ولا مرة ولم يطلب مني اعادة المال . اثر التحقيق اعاد اولمرت المال. يوسف حريش المستشار القانوني في تلك الايام قرر عدم تقديمه للمحاكمة.

قضية الفواتير

منذ تلك القضية مرت عبر اولمرت كميات كبيرة من الاموال التي زادت وضعه تعقيدا. في هذه المرة كانت السلطات اكثر حذرا واقل تسامحا. ولكن اولمرت اصبح اكثر مهارة واكثر ارتباطا بعشرات المرات الامر الذي مكنه من التملص من قضية الفواتير الوهمية في الليكود. قضية الفواتير التي انفجرت في نيسان (ابريل) 1989 تضم كالعادة اثرياء يهودا من الخارج وتبرعات جمعت من اجل الحكم ومالا غير قانوني انتقل من يد لاخري.
الامر الاكثر اثارة للاهتمام هو طريقة اولمرت في الفرار والذي خرج من قضية الفواتير بريئا. المسؤولون الماليون في مقر الليكود توجهوا لاثرياء وطلبوا منهم تبرعات مقابل فواتير مزيفة لتغطية النفقات. عشرات لوائح الاتهام قدمت اثر القضية بما في ذلك ضد المتبرعين الذين اشتروا لانفسهم نفوذا سياسيا كبيرا بثمن رخيص. المحاكمة جرت ضد مردخاي ياهال محاسب الليكود سابقا وضد مناحيم (مانتا) عتصمون الذي كان مسؤولا عنه وضد يونا بيليد الذي كان يعمل في جمع التبرعات. كلهم ادينوا. اولمرت بدوره لم يقدم للمحاكمة. ولكن في ايلول (سبتمبر) 1996 طلب المستشار القضائي منه ان يسمح له بزيارته في ديوانه في مقر بلدية القدس حيث قرر بعدها تقديم لائحة اتهام ضده في قضية الفواتير المزيفة.
اولمرت اقنع القاضي بعد الصدمة التي اصيب بها من القرار بانه لم يكن جزءا من المسألة وانه كان مسؤولا عن جمع الاموال في الخارج فقط وانه وثق في الاشخاص الذين يعملون تحت امرته. في قضية التصريح الكاذب الذي ادلي به الليكود لمراقب الدولة والذي كان مذيلا بتوقيع اولمرت ـ قال القضاة امورا تذكر روحية لجنة فينوغراد في حرب لبنان الثانية ومعاملته للمراقب ميخا ليندنشتراوس: طريقة التوقيع هذه تثير الغضب الشديد. هي تعبر عن نظرة غير جدية لمؤسسة رقابة الدولة والمسؤولية العامة التي يمتلكها الموقع كتب القاضي.
التشابه بين القضية الحالية والقضايا الاخري لم ينتهِ مع المحاكمة. الصحافي اوري بلاو كتب في تحقيقه في صحيفة هآرتس في بداية 2006 ان الشرطة ابدت شكوكها خلال قضية الفواتير من ان زوجة اولمرت عليزا وابنته ميخال قد سافرتا الي نيويورك مستخدمتين المال الذي تم التبرع به لحملة الليكود. لم يجدوا أدلة لذلك.
اولمرت يتبع نهج شن الهجمات علي من ينتقدونه وهذا اسلوب معروف له حتي هذا اليوم رغم كونه رئيسا للوزراء.
خلال السنين كان هناك مقربون حاولوا ثني اولمرت عن اللهاث وراء الاثرياء. هم قالوا له انه قد ربح ما يكفي لنفسه ومن الخسارة ان يخسر كل شيء بسبب رغبته بالمزيد والمغامرة بصفقة خطيرة اخري. اولمرت لم يصغِ لهم، هو لا يستطيع ان يقطع صلته بأصحاب رأس المال الذين يرتبط معهم بعلاقات تجارية وصفقات ويواجه صعوبة في التحرر من رموز المكانة الاعتبارية مثل السيجار الكبير والساعات السويسرية الراقية والأقلام التي تبلغ قيمتها الاف الدولارات. اولمرت وجد صعوبة في التنازل عن الحياة الجيدة والدرجة الاولي في الطائرات ومقعد الشرف في مجمع كامب توا في برشلونة والجناح الفاخر في الفنادق الضخمة مثل بانينسولا في نيويورك الذي يمتلكه المليونير مايكل كادوري.
الصحافية نعومي ليفتسكي رافقت اولمرت في نيويورك في اواخر الثمانينيات عندما كان وزيرا بلا حقيبة. الاثنان كانا يلتقيان هناك مرة في السنة ويتناولان الطعام في مطاعم راقية ويشاهدان مباريات كرة السلة في نيويورك. اولمرت كان يحجز البطاقات وذات مرة استأجر سيارة لينكولن انتر كونتننتال بيضاء واصطحب ليفتسكي معه وذهب للقمار في كازينو اتلانتيك ـ سيتي. اولمرت رفض التعليق علي ذلك.

جزيرة النعم في اليونان

طوال السنين تجمع حول اولمرت اشخاص كثيرون تمتعوا بالمال الكثير المتدفق علي المنطقة. معاركه الانتخابية كانت تتأثر بالمال الذي يحول للنشطاء بسخاء. في ايلول (سبتمبر) 1999 قرر اولمرت منافسة ارييل شارون علي رئاسة الليكود. خلال الحملة سافر في مروحية متنقلا بين المواقع لتغطية حملته. رجل الاعمال المليونير دافيد آفل تطوع لمساعدته وكذلك الناشط المثير للخلاف شلومي عوز عضو مركز الليكود الذي نسب لاولمرت مئات الاشخاص في الانتخابات التمهيدية.
بعد ذلك بحين اندلع خلاف مالي بين ابراهام هيرشيزون الذي كان رئيسا لطاقم اولمرت في الانتخابات وبين عوز. هيرشيزون متهم اليوم بالسرية الا ان اولمرت لا يتأثر من ذلك ويواصل تكليفه بالمناصب (عينه قبل شهر عضوا في اللجنة البلدية في حزب كاديما). دافيد أفل ورط اولمرت في قضية الجزيرة اليونانية. مرة اخري ينتقل المال من الاثرياء الي السياسيين مقابل استغلال العلاقات. أفل طلب اقامة جزيرة النعم وكان عليه ان يربط بين اليونانيين واصحاب النفوذ في البلاد. هو طلب من اولمرت ان يعقد توأمة بين مدينة القدس وبين اثينا، اولمرت وافق. هو كان بحاجة للمال في حملته ضد شارون. شولا زكين توسطت ومن ثم أخذت علي عاتقها مسؤولية تنظيم العملية. الشرطة أوصت بتقديم اولمرت للمحاكمة بتهمة الرشوة من افل. اما هو فقال ان التوأمة هي مصلحة لمدينة القدس. مزوز اغلق الملف فنجا اولمرت مرة اخري.
اولمرت بالمناسبة اجاد استغلال علاقاته لمساعدة مساعديه الذين رغبوا بالتقدم للامام الا انه طالبهم بالولاء التام له. احد مقربيه تحول بدعم منه الي رجل اعمال ناجح. ولكن ما ان قرر تأييد خصم اولمرت قطع هذا الاخير كل صلته به.

الورطة تزداد عمقا

اولمرت غادر بلدية القدس في 2003. شارون اغدق عليه المناصب هو وصديقه هيرشيزون رغم مرتبته المتدنية جدا في انتخابات الليكود، ومن بعد حل محله بعد ان فاجأه المرض السريع وهنا زادت الورطة اتساعا رغم ان قاعدة وركيزة علاقة رأس المال بالحكم بقيت علي حالها.
في تموز (يوليو) 2007 نشر مراقب الدولة ميخا ليندنشتراوس تقريرا خطيرا تطرق فقط الي اسلوب عمل اولمرت المعروف حيث منح الامتيازات لبعض الاطراف عندما كان وزيرا للصناعة والتجارة لخدمة المقربين ومصالحهم. بالاضافة لذلك ما زالت قضية منزله في شارع كارمية (8) في القدس مقبلة علي الحسم. واولمرت اشتري المنزل بخصم يبلغ مئات الاف الدولارات مقابل المساعدة في تشريع المشروع كله الذي افترض به ان يكون مشروعا للحفاظ علي المباني والعمران. وهناك قضية سلطة المهن الصغيرة التي بقيت مفتوحة حتي الان. اولمرت كما ادعي نفذ سلسلة تعيينات سياسية لاعضاء مركز الليكود غير الملائحين واشتري لنفسه نفوذا سياسيا. في السابق نجا اولمرت من تقرير مشابه في قضية التعيينات السياسية في بلدية القدس الذي كان مراقب البلدية السابق عوزي سيفان قد نشره. هذه التعيينات كلفت دافع الضرائب في القدس ستة ملايين شيكل.

وماذا يحدث للدولة؟

كل من يتابع اولمرت طوال السنين يمكنه فقط أن يتساءل ان كان هذا الرجل غير قادر علي التعلم من اخطائه ام انه يسخر بالقانون والنظم السائدة او ربما يحب التورط او ان الامور كلها تسير معا علي منوال واحد. في قضية بنك ليئومي التي نجا منها اولمرت وجدنا اسس النهج الذي مارسه دائما مراقب الدولة والشرطة بحثوا في العالم كله للتأكد من قيام اولمرت بتحويل صفقة بيع البنك لاصدقائه الذين نعرفهم من القضايا السابقة فرانك لوي من استراليا ودانيال ابرامز من الولايات المتحدة (الذي اشتري الشقة منه). في اخر المطاف لم يجدوا أدلة علي قيامه بمخالفة جنائية.
القضية الاخيرة تعتبر في نظر القانونيين الكبار ملفا خطيرا ذا اساس قوي وانه سيقود لتقدم لائحة اتهام. في هذه المرة توجد ادلة قاطعة وصعبة جدا حسب قولهم. الدراما في ذروتها والسؤال هو ان كان لدي اولمرت القوة والقدرة والحيلة المناسبة للتملص مرة اخري. سؤال آخر وربما الاهم: هل يجدر باولمرت وهل بمقدوره في الواقع أن يكون رئيسا للوزراء وادارة شؤون الدولة في الوقت الذي ينشغل فيه مرة تلو الاخري في قضية شهود الدولة .

كاتب دائم في الصحيفة
معاريف 9/5/2008

التعليقات