السامريون بنابلس على خطى النبي موسى

السامريون بنابلس على خطى النبي موسى
غزة-دنيا الوطن
أخذت التراتيل التوراتية المتناغمة تتعالى شيئا فشيئا على قمة جبل جرزيم، وعلى وقع أصوات الخراف التي شخرت بعدما جزت رقابها بنحرة واحدة بأنصال حادة، رفع السامريون أيديهم إلى السماء متذكرين 'مرارة خروجهم من مصر'.

على تلك الهيئة التي خرج فيها شعب بني إسرائيل من مصر تحت وطأة تهديد وقتل الفراعنة لهم، أحيت أصغر طائفة دينية في العالم عيد الفسح بالأهازيج والأغاني والدموع حتى ساعة مبكرة من فجر اليوم تخللها إخراج الأضاحي المشوية وأكل أجزاء منها على عجل.

وقال سامري في مقتبل عمره 'نحتفل اليوم حتى نتذكر تلك الليلة التي خرج الشعب فيها من مصر'.

في اللحظة التي غابت فيها الشمس تماما، بدأ الكاهن الأكبر عبد المعين صدقة أمام السامريين الذين تجمعوا في ساحة المذبح، بقراءة سور من التوراة تحث أبناء الطائفة على ذبح الخراف تخليدا لذكرى الخروج.

بدأ السامريون يتحركون في شتى الاتجاهات وسط جلبة كبيرة متأهبين إلى أقصى درجة، حاملين بأيديهم الانصال الحادة مختلفة الأحجام للقيام بهذا الواجب الديني.

وحمل ثمانية وأربعون من الخراف التي جزت رقابها علامات فارقة كي تعرف كل عائلة سامرية خروفها، وكل عائلة من العائلات التي قدمت أضاحي الليلة ذبحت خرافا حسب حجمها مثلما قدمت عائلة يافيت الكاهن خروفين سمينين ذكرين لا عيوب فيها حسبما تنص الشريعة السامرية التي ترتكز على خمسة أسفار من التوارة، ويشارك في سلخ جلود الخراف كل أبناء الطائفة الذكور كبيرا وصغيرا.

ويحتفل السامريون بأعياد التوراة فقط وهي موسمية، وعددها سبعة هي: عيد الفسح، وعيد الفطير (العجين الغير مختمر)، وعيد الحصاد، وعيد رأس السنة العبرية، وعيد الغفران، وعيد العرش 'المظال'، والعيد الثامن أو فرحة التوراة.

وفي هذه الأعياد يحج السامريون إلى جبلهم المقدس 'جبل جرزيم' ثلاث مرات سنويا، أثناء عيد الفسح وعيد الحصاد وعيد العرش، وليس للسامريين الذين يصفون أنفسهم بأنهم بقايا شعب قديم، ينحدر من مملكة اسرائيل الشمالية، أعياد وطنية أو قومية.

وصادف أن يأتي الفسح هذا العام يوم السبت، 'العيد عيدين' قال سامري في إشارة منه إلى حرمة السبت في الدين السامري.

على قمة جبل جرزيم التي تقدسها الطائفة، انتشر السامريون حول المذبح يرددون في حلقات التراتيل الدينية خلف الكاهن الأكبر الذي حضر من الكنيس قبيل الاحتفال في موكب شارك فيه بعض المسلمين.

وبدأ السامريون يغطون رؤوسهم بعمامات وطرابيش حمراء يتدثرون بقنابيزهم البيضاء تحزموا فوقها بزنانير لفوها حول أوساطهم، وحمل الرجال في ايديهم عصي خشبية غليظة (صولجان) رؤوسها مدببة، وتجمعوا حول خندق ليس عميق تجز عنده أعناق الخراف وهو مكان يظهر أفراد الطائفة إرادة قوية في الحفاظ عليه طاهرا حسب الدين السامري.

ويحظر على غير السامري الاقتراب من حفر الذبح، لذلك عندما اقترب مصور تلفزيوني من حافة الحفرة زجره شاب سامري بقسوة ودفعه بيده بعيدا.

عندما ذبحوا خرافهم وتلطخت ملابسهم البيضاء بالدماء أخذ السامريون الذين يحرم عليهم الانشغال في هذا اليوم بأي شيء آخر يقبلون بعضهم البعض مرددين 'كلشينا واتما شالوم' التي تعني باللغة العربية كل سنة وانتم سالمين.

وشوهد الأبناء يقبلون أيدي آبائهم وأجداههم، فيما انزوت النساء اللاتي لبسن أروابا متباينة الألوان في زوايا مختلفة يتابعن عملية الذبح والتراتيل بابتسامات متواصلة تعبر عن الفرحة الكامنة في صدورهن.

من الطقوس السامرية بعد الذبح أن يأكل أبناء الطائفة نبتة المارورة ذات الطعم المر، ولا يتناولون أي طعام معد خارج البيت لذلك عندما قدمت عائلة الكاهن لضيوفها العصير قدمته طازجا من صنع منزلي.

وقالت الشابة بدوية الكاهن التي كانت تحمل في يدها جزءا من هذه النبتة وضعتها في قطعة خبز غير مختمر العجين 'مرارة النبتة تذكرنا بمرارة الخروج من مصر'.

رغم الشعور بطعم المرارة، كما يشير السامريون، عمت الفرحة أرجاء قمة الجبل وعلا الصياح وطفحت الابتسامات على الوجوه مع كل قبلة تهنئة تبادلها أفراد الطائفة الذين يعدون حوالي 750 في حولون وجرزيم.

والسامريون الذين يقولون إن احتفالهم بالفسح يمثل تلك الصورة التي خرج فيها الشعب الإسرائيلي من مصر عندما اقدم المصريون على قتل أبكارهم الذكور، يعمدون بعد الذبح إلى تلطيخ جباههم بالدماء التي سالت من الأضاحي لتخليد تلك الذكرى 'الأليمة'.

'الدماء على جباهنا تذكرنا بتلك القصة'، قال الشاب اسحق الكاهن بينما كان يعمل على تعليق ذبيحته على وتد خشبي طويل قبل ان توضع في نار الحفرة الملتهبة.

كانت الشابة السامرية بدوية التي تجللت بروب خمري اللون تقود ابنها عطا ابن العامين بالقرب من الخراف المذبوحة وبدت نقطة دم على جبينه العريض، بدت الأم والابن فرحين لممارستهما طقوس الفسح السامري.

مثلما يقول السامريون ويقول الكاهن يافيت أحد كهنتم إن طقوس العيد هي تتبع لخطى موسى وشعب بني اسرائيل عندما خرجوا من مصر، يبدو المشهد على قمة جرزيم (الطور) أكثر عمقا عندما يكشف عن طقوس عمرها 3686 سنة وهو يوم الخروج.

ظلت احتفالات السامريين المنهمكين في طقوس دينية صارمة حتى ساعات الفجر الأولى وستتسمر ستة أيام.

'في اليوم السابع سنحتفل بعيد الصعود الى الجبل وهو عيد الحج، لا نأكل أي شيء خامر خلالها'، قال الكاهن يافيت فيما كان شبان سامريون يفرغون الخراف المذبوحة من أحشائها.
*وفا-جميل ضبابات

التعليقات