نواعم فلسطينيات يقتحمن عالم المال والشهرة

نواعم فلسطينيات يقتحمن عالم المال والشهرة
غزة-دنيا الوطن
تفخر سيدة الأعمال الفلسطينية أمل المصري أنها بدأت عملها الخاص دون الحصول على أي قرض مالي من أي جهة كانت، نظراً لأن بعض العملاء كان لديهم ثقة بقدراتها، وبناءً على ذلك تم توقيع عقود معهم للشروع مباشرة في العمل.

كما تفخر المصري وهي صاحبة شركة "أوغاريت" للإعلان والتسويق في الضفة الغربية بأنها أوفت بالعهد الذي قطعته على نفسها بأن تحقق ذاتها قبل أن تصل الثلاثين من العمر. حيث تقول لـ"الأسواق.نت": "بالفعل حققت هذا الطموح عبر امتلاكي بالشراكة مع زوجي شركة "أوغاريت" والتي تتضمن خدماتها عقد خطط تسويقية وإجراء أبحاث تسويق، مما أضاف لي تراكماً في خبرات العمل في مجال العلاقات العامة والتسويق، إضافة إلى عملي كمدير عام لمركز طبي في مدينة رام الله.

ولعل الوصول إلى لقب "سيدة أعمال" ليس سهلا في ظل الظروف التي يمر بها الفلسطينيون، سواءً القيود المجتمعية، كالعادات والتقاليد السائدة التي ساهمت بشكل كبير في تحجيم قدرات النساء، أو السياسية والاقتصادية المتمثلة بالاحتلال الإسرائيلي وممارساته على الأرض، وما رافق ذلك من ظواهر سلبية، كانعدام الأمن والاستقرار، مما حد من انطلاق المرأة في مجال التجارة، والأعمال الحرة.

خلخلة المفاهيم المجتمعية

ومع هذا فالمختصون يرون أن الانتفاضة الحالية أحدثت "خلخلة" في المفاهيم المجتمعية المتعلقة بعمل المرأة، فالحاجة الاقتصادية التي أصابت الشعب الفلسطيني جراء الاحتلال، واستشهاد واعتقال عدد كبير من أرباب الأسر، اضطر المرأة التي كانت كثيرا ما تشارك في العمليات المسلحة للعمل لإعالة الأسرة، لكن ذلك لم يرقَ إلى اعتبارهن سيدات أعمال وصاحبات "بزنس".

ولا تتوفر أرقام دقيقة وإجمالية حول سيدات الأعمال الفلسطينيات، إلا أن التقديرات تشير إلى أن نسبة اللواتي يملكن ويدرن عملا منظما خاصا بهن مسجلا لدى الجهات المختصة لا تتجاوز 5% من مجموع الاقتصاديين وأصحاب "البزنس" بفلسطين.

وتشير رئيسة منتدى سيدات الأعمال الفلسطينيات منال زريق إلى أن واقعهن لا يختلف عن الرجال، نظرا للظروف الصعبة التي يمر بها الفلسطينيون عامةً، "فذات المعاناة يتعرض لها الطرفان من حصار وحواجز واغلاقات، فإسرائيل لا تفرق بين أحد حينما تنفذ إجراءاتها الاحتلالية بحقنا".

وتتابع في حديثها لـ"الأسواق .نت" "نتج عن هذه الممارسات عدم استقرار سياسي وبالتالي اقتصادي، رأينا أثره على الأرض من خلال هروب رؤوس الأموال وغياب الاستثمار، وكذلك عدم وجود التشريعات والقوانين المساندة.. في هكذا ظروف يصعب على الرجل العمل، فكيف الحال بالنسبة للمرأة؟.. من يستطع أن يصمد ويقاوم تسجل له نقطة نجاح وتميز".

وترى زريق أن تلك الممارسات زادت من العبء على المرأة ودفعت ثمنا مضاعفا، خاصة حينما فقد الزوج عمله ومصدر رزقه، غير أنها من جهة أخرى دفعتهن وكسرت حاجز الخوف والتردد لديهن لينطلقن في مبادرات اقتصادية لانتشال الأسرة من وضعها السيئ".

من هي سيدة الأعمال؟

ويعرف المنتدى سيدة الأعمال بأنها كل امرأة تملك وتدير عملا منظما خاصا بها بكفاءة ونجاح، على شرط أن يكون مسجلا لدى وزارة التجارة، وهذا يعني أن هناك أكثر من شريك، وقد يكونون رجالا، وأن يكون لديها 5 موظفين فأكثر. حيث تقول زريق: "لا يهم المجال الذي تعمل به السيدة، فلدينا رئيسات مجالس إدارة أو عضوات في شركات ومؤسسات مختلفة كالاستشارات والخدمات بأنواعها، والدعاية والإعلان، وتكنولوجيا المعلومات والتجارة والصناعة، وغيرها". وتضيف "مع كل هذا، فهؤلاء لا يشكلن أكثر من 5% من مجموع الاقتصاديين بفلسطين، لكننا لو أردنا أن نوسع التعريف ليشمل كل سيدة تدير عملا خاصا بها، لكنه غير منظم أي غير مسجل رسميا لزادت النسبة، فهناك من يُدرنَ مكاتب وجمعيات وصالونات تجميل ومشاغل خياطة، بالإضافة إلى السيدات اللواتي يعملن في بيوتهن ولديهن مشاريعهن الخاصة".

وتوضح زريق الدور الذي يقوم به منتدى سيدات الأعمال بالقول: "نحاول أن نصل إلى كل سيدة تدير عملا خاصا بها غير منظم، لكي نقدم لها كل دعم ممكن، ونطور من أدائها ونكسبها مهارات وخبرات إضافية من خلال الدورات التدريبية وورشات العمل، كل هذا لنجعله منظما وبالتالي زيادة نسبة سيدات الأعمال، هذا بالإضافة إلى المشاركة في المؤتمرات العالمية للتشبيك مع الجمعيات والشركات والمنتديات الاقتصادية في الخارج، فقد أنشأنا شبكة علاقات مع 16 دولة عربية، الأمر الذي من شأنه الاطلاع على خبرات وتجارب الآخرين".

الكفاءة الحقيقية هي المعيار

وعودة للمصري، التي تلقت التشجيع الكافي من الأسرة ولم تجد أي عوائق تذكر من جانبهم، فهي تؤكد أن على سيدات الأعمال أن يصبرن قدر الإمكان، وأن يكنّ على ثقة عالية بقدراتهن، وفي ذات الوقت يجب أن يحرصوا على عدم خسارة حياتهم العائلية. وتضيف: "الكفاءة الحقيقية تفرض نفسها، خاصة إذا كانت المرأة تتحلى بالثقة بالنفس والقدرة على الإدارة بشكل جيد، إلا إذا تصرفت كأنثى، فإنها لن تفرض احترامها على أحد"، مشددة على أن سيدات الأعمال الفلسطينيات لديهن مؤهلات علمية وخبرة وثقة أهلتهن للنجاح.

وتشير المصري إلى وجود صعوبات وعقبات عدة تقف في وجه المرأة العاملة في فلسطين، يقف على رأسها الاحتلال الإسرائيلي وممارساتها على الأرض، "الأمر الذي يفقدنا الاستقرار السياسي وبالتالي الاقتصادي، فالمصادر المالية من الممكن جلبها، ولكن الاستقرار هو الأهم". وتتابع "لا يمكننا أن نغض الطرف عن الضوابط الاجتماعية، ونظرة المجتمع التي لا ترحم النساء اللواتي يعملن في مجال الأعمال، وأنا أؤكد أن لدى النساء طاقات كامنة كبيرة، لم يستثمرها المجتمع في العملية التنموية وبناء الاقتصاد، ولو أتيحت الفرص الكافية للفلسطينيات للانخراط في العملية الاقتصادية، فإنهن بلا شك سيصبحن رافعة للاقتصاد الوطني".

لم تطق الوظيفة

وتبدو قصة سيدة الأعمال خولة البجة مختلفة عن غيرها، فبعد تخرجها من الجامعة التحقت بوظيفة مُدرسة، غير أنها لم تطق احتمال ضيق أفق الوظيفة، لشعورها بوجود طاقة كامنة داخلها فاستقالت لتتجه للعمل الحر، حيث تقول: "بدأت العمل في شركة مطاعم الطابون في مدينة رام الله كموظفة صغيرة، وكنت باستمرار في تطور وظيفي ومهني، وكنت أعمل من الثامنة صباحا حتى الواحدة ليلا بشكل متواصل، جميع أيام السنة بما فيها العطل الأسبوعية، ولا يوجد أي يوم عطلة ولم أتغيب عن أي يوم يعمل فيه المطعم، وهو ما مكني من الوصل إلى أعلى الهرم".

وبالفعل أصبحت البجة مديرة لشركة "انتاجنا فخرنا" التي تدير مطعم الطابون، وهي شركة فلسطينية تدير أيضا مطاعم جامعة بيرزيت، كما أنها تدير أيضا أعمالاً ربحية أخرى، وتقوم ببناء إسكانات في مدينة رام الله ومحيطها وتعمل على بيعها.

وعن سر نجاحها، تقول: "رغم أنني أحمل شهادة العلوم إلا أنني شاركت في عددٍ كبيرٍ من الدورات المتخصصة والمكثفة في مجال الإدارة والقيادة الجامعية ومجالات ترشيد الاستهلاك وإعادة الاستفادة من المواد الخارجة من الإنتاج، عملت على الحصول على جميع الدورات المتعلقة بعملي بما فيها المحاسبة والتدقيق".

وعن نصيحة توجهها للشابات الواعدات تقول: "أول نصيحة أن لا تتنازل الفتاة عن تعليمها، وأن تحصل على الأقل الشهادة الجامعية الأولى، التي تعتبر ضرورية لكل امرأة، كما يتوجب عليها أن لا تعتبر نفسها كأي شيء في البيت، يجب أن تعمل وتنتج، فالنساء نصف المجتمع، وإذا أصيب هذا النصف بالشلل نحتاج إلى زمن مضاعف للتقدم".

وصفة النجاح

مديرة المؤسسة المصرفية وصندوق التنمية في محافظات غزة نبراس بسيسو، تمتد تجربتها العملية لأكثر من 23 عاماً في مجال إدارة الأعمال، تتحدث عن المواصفات التي يجب أن تتحلى بها سيدة الأعمال، فتقول لـ"الأسواق .نت": "عليها أن تملك إرادة وتحد من الممكن أن تواجه وتتحدى وتنجح في أي مجال تختاره، بالإضافة إلى القدرة على التعامل مع الجمهور، ونسج علاقات جيدة مع المجتمع المحيط، وأن يكون لديها قدرة على اتخاذ قرارات صعبة في وقت قياسي، وأن تلم بطبيعة العمل الذي تتولاه ولديها خلفية عنه حتى تستطيع أن تستمر.

وأكدت بسيسو أن العمل في المجال المصرفي بالنسبة للمرأة أمر ليس بالسهل، "لكنني حصلت على تشجيع ودعم كبير من أسرتي، وهذا كان سبباً رئيسيًّا في المضي في هذا الطريق، مما ساعدني على مواجهة التحديات، خاصة أن تولي المرأة لمنصب قيادي كهذا في ظل الظروف التي نعيشها أمرٌ في غاية التعقيد"، معتبرة أن هناك العديد من السيدات أخذن حظهن في هذا الجانب، وفي المقابل هناك مناطق أخرى لم يتسن للمرأة أخذ فرصتها المناسبة.

وعن المفاضلة ما بين الرجال والنساء في العمل، أوضحت بسيسو أن النساء لسن أقل خبرة وكفاءة من الرجال في مجال الأعمال، وقالت: "إن سيدات الأعمال يتمايزن في عملهن ويبدعن إذا أتيحت الظروف المناسبة، وهيئت لهن الأجواء الملائمة، إضافة إلى درجة الالتزام العالية التي يتمتعن بها".

ما المطلوب؟

ويؤكد الخبير الاقتصادي أيمن أبو زعرور أن العادات والتقاليد والضغوط الاجتماعية ما زالت تلعب الدور الأكبر في ضعف مشاركة المرأة في العمل، حيث يقول "لا تزال عاداتنا وتقاليدنا الخاصة بالنساء تشكل أكبر المشاكل، فكثير من النساء العاملات في يواجهن صعوبات في إقناع أقاربهن وأبناء قراهن بالحاجة إلى العمل خارج المنزل أو بعيدا عنه، كما أن النساء لا يزلن يواجهن مشاكل في السفر والتنقل خارج البلدة أو المدينة، والبقاء لساعات طويلة قد يتطلبها العمل". مشيرا إلى أن عدد المشروعات التي تديرها النساء في القطاع الرسمي لا تزيد عن 3% ولكن المشروعات غير الرسمية كثيرة ولا يمكن إحصائها، مثل تجارة الشنطة والصناعات الغذائية وصناعة الملابس والتطريز وتوريد بعض الخدمات وغيرها.

وحول المطلوب عمله لدعم وجود المرأة على الساحة الاقتصادية، طالب أبو زعرور في حديثه لـ"الأسواق .نت" الحكومة والجهات المختصة بالعمل الجاد من أجل تطوير عمل المرأة، قائلا: "المطلوب سن قوانين تفتح الباب أمام المرأة للاستثمار ومشاركة الرجل في قطاع الأعمال، وأن تُقدم السلطة والوزارات المعنية التسهيلات اللازمة والمهارات المطلوبة لتشجيع النساء للانخراط والتقدم في هذا القطاع، وكذلك تسهيل إجراءات التسجيل للمشروعات النسائية وإيجاد مراكز تدريب وتأهيل مهني ومالي في مناطق سكناها، وخاصة في المناطق الريفية، مع إعطاء حوافز مالية، وإعفائها من الضرائب لفترة من الزمن".
*سامر خويرة

التعليقات