مصري عالق بغزة لم يستطع العودة لبلاده يحاول الانتحار بإلقاء نفسه من شرفة المبنى

مصري عالق بغزة لم يستطع العودة لبلاده يحاول الانتحار بإلقاء نفسه من شرفة المبنى
غزة-دنيا الوطن
نشرت ايلاف التقرير التالي:"أن يحاصر الفلسطينيون في غزة أو على الحدود المتقاطعة مع أي دولة عربية أخرى،بات هذا المشهد مألوفا للجميع،ولكن ان تحاصر بلاد مواطنوها هذا ما يثير الاستغراب والتساؤلات لدى 2500 من المصريون الذين قدموا إلى غزة فترة افتتاح معبر رفح قبل شهرين ولم تسمح لهم السلطات المصرية العبور.

اليوم أصبح ستون، والحكايات امتزجت بالقلق والشوق والمعاناة،والمناشدات قوبلت بالصمت الرسمي،فلا إضراب عن الطعام يفيد ولا توسلات عبر وسائل الإعلام، ولا صرخة مولود على الحدود أو إقدام احدهم على الانتحار،تحرك ساكنا.

نائل بيتي حيتخرب
لم أكن اعرف أني سأحمل لقب عالق يوما ما، وأنا المدافع دوما على حق الفلسطينيين العالقين بالعريش في العودة الى ديارهم وان تبدلت الأماكن والشخوص هذه المرة " يقول نائل ابو هاشم القادم من مدينة العريش المصرية والعالق على الحدود بين مصر وقطاع غزة.

ويواصل أبو هاشم الناشط في لجنة دعم العالقين بالعريش ل" ايلاف " لأول مرة منذ 35 عاما هي سني عمري ادخل إلى غزة شيء يشبه الحلم،ولكن منعنا من العودة دون إبداء أسباب مقنعة حوله إلى كابوس يهدد بخراب بيوتنا ".

وقدم ابو هاشم و7 أفراد من أسرته بينهم والدته الى غزة بعد تفجير الجدار الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر في 23 من يناير الماضي، كحال الآلاف الذين قدموا من كلا الطرفين،لزيارة أبناء عمهم وحضور حفل زفاف قريبتهم في مدينة رفح.

ابو هاشم تتنازعه هموم عمله الذي توقف فترة مكوثه الشهرين، وغيابه غير المبرر عن أطفاله وزوجته الحامل بشهرها الخامس وقد أسقطت بسبب حزنها وقلقها على غيابه وانتظارها لعودته بعد ان باتت تتحمل المسؤولية وحدها.

قطع حديثنا جرس جواله قادما من العريش التي تبعد الكيلو مترات فقط بينما تفصلها السياسة الآلاف من الكيلو مترات، على عجل فتح الرسالة التي وصلته وطاف حزن بوجهه الخمري وتلا علينا نص الرسالة:" ابنك سقط ياترى الخبر ده مزعلك اهو الي ببطني راح وريحك، عاجبك خراب البيت " لو كنت زي الرجالة كان كنا مبسوطين زي الناس ".
كلمات العتاب هذه جرحت صدر أبو هاشم الذي لم يكن البقاء هنا خياره ولا يمتلك قرار العودة وليس بإمكانه أن يحمل على رفيقة دربه.

و يعمل أبو هاشم في مجال العقارات وتأجير الشاليهات وقد تعطل عمله بسبب غيابه ولم يصل الأمر الى ذلك يقول ابو هاشم " علي جلسة لقضية شيكات في 27 مارس وان لم احضر خلال الفترة المقررة سوف يحكم لي بالحبس ودفع غرامة إضافة إلى خسارتي.

ويتقاسم ابو هاشم ونحو 60 فردا بينهم الأطفال والمسنين هموم العيش ومرارة الغياب وقسوة تعامل المسؤولين المصريين مع قضيتهم،في نادي خدمات رفح جنوب قطاع غزة، بعد ان تقطعت بهم السبل، ونفد ما لديهم من أموال ‘ بينما يتوزع 2500 آخرون على بيوت غزة المنشغلة بهموم العيش في انتظار السماح لهم بعبور الحدود إلى ديارهم.
الحاجة فاطمة وجنسية لا تكفي للعبور
ولم تعد البطاقة ووثيقة السفر المصرية سارية المفعول تكفي لعبور الحاجة فاطمة سليمان50 عاما إلى بيتها في مدينة العريش المصرية،حيث دخلت غزة أثناء تدمير الجدار.ورغم ملامحها الصامتة الا انها حين تحدثت انفجرت بقصص موغلة في المعاناة،
" هذه المرة الأولى التي ادخل فيها غزة لزيارة أختي التي لم أرها منذ 15 سنوات، وكم كانت فرحتي وأقدامي تدوس ارض غزة،واصطحبت بناتي المتزوجات وأطفالهن،آملين ان تستمر زيارتنا يومين على الأكثر ونعود الى بيوتنا ".

وتواصل الحاجة فاطمة المصرية الجنسية :" جئنا نتضامن مع غزة واليوم بحاجة لمن يتضامن معنا، وتابعت" اليومان أصبحا ستون يوما، وانا مريضة بالكبد وعلي مراجعة الطبيب في الزقازيق المصرية كل 15 يوما، وعلاجي الذي رافقني لم يكفي فاضطررت لشراؤه وبصعوبة، لم أجده فاضطررت لشراء بديل عنه، وبسعر مرتفع.

وتوضح الحياة في غزة غالية، والناس الذين أقمنا عندهم نقدر ظروفهم الصعبة، بعت صيغة" ذهب" بناتي واحلاق الأطفال واخدنا نصرف على حالنا، ولم نعد نطيق اكثر من ذلك.
وتشعر الحاجة فاطمة بالذنب لاصطحابها بناتها واطفالهن خاصة ان ازواج بناتها يهددونهن بالطلاق حال عدم عودتهن وتقول :" بيوت بناتي حتتخرب، ما في حدا بالبيت يسد مكانا ما كنت نتخيل انو ده حيصير لينا ".

تجلس مقابلنا ابنة الحاجة فاطمة وهي تحتضن أطفالها وبوجه ممسوح بالحزن، تقول :" مستقبل أطفالي الدراسي تدمر، المدارس أرسلت لنا برفضهم بسبب الغياب، واحد أطفالي مصاب بفشل كلوي،يحتاج لمراجعة الطبيب كل ثلاثة أيام وحالته الصحية تتراجع، لا أدري ما ذنبا لنعاقب بهذا الشكل المؤلم والقاسي،فيما تضرب الأخرى يدا بيد وصوت زوجها يحاصرها بتهديده ان لم تعد حالا فإنها لن تعود للبيت.

صلاح الدين" أصغر العالقين

أما أصغر العالقين "صلاح الدين " المولود 15 يوما" ولم تسجل له شهادة ميلاد للآن، فستكون له حكاية ولادة مختلفة عن إخوته، الخمسة وقد احتفلت به وسائل الإعلام واستقبلته عدسات الكاميرات، سيسردها ان كتب له العمر وخرج من هنا بسلام،
على الرغم من ملامحه الهادئة إلا أنه جاء في ظروف متوترة،تقول والدته الفت العشري من مدينة العريش المصرية وهي تهدهد لطفلها "صلاح الدين " كي ينام "لم اعش أياما في حياتي أقسى من تلك التي عشتها هنا على الرغم من فرحتي أنني بغزة لأول مرة بعد 20 عاما إلا ان هذه الفرحة تبددت و بهتت مع إغلاق الحدود وعدم السماح لنا بالعودة إلى بيوتنا التي تفصلنا الكيلو مترات عنها.
محاولة انتحار
ولعل حكاية صهيب (16 عاما) كانت من أكثر الحكايات مأساة، وتستحق الوقوف عندها،
علها تحطم جدر الصمت القاتل،فصهيب حاول أكثر من مرة "الانتحار" بإلقاء نفسه من شرفة المبنى، وهو يبدو في حالة نفسية سيئة جدا، ولا تسمح والدته لنفسها بتركه دقيقة واحدة، خوفا عليه من تكرار التجربة وقتْل نفسه هربا من الواقع الصعب الذي يعيشه".
وعن محاولات إقدامه على الانتحار يقول صهيب "أنا طالب متفوق في مدرستي، وكنت دائما من الأوائل في صفي، ولم اعتاد على الغياب لفترات طويلة عن المدرسة، إلى أن تلقيت منذ أسبوع اتصالا هاتفيا من صديقي ابلغني فيه أن موعد الامتحانات قد اقترب، فشعرت أن سلسلة نجاحاتي ستتوقف، وستضيع هذه السنة مني بسبب حرماني من حقي في الرجوع إلى وطني وعائلتي ومدرستي، ولا أجد أي مبرر لذلك العمل الغريب ممكن يتعين عليهم مساعدتنا والوقوف إلى جانبنا بدلا من التعامل معنا كغرباء قدموا من عالم آخر".

وكان إبراهيم زعرب الناطق باسم المحتجزين المصرين داخل غزة قد حذر من تردي الوضع الصحي والنفسي لدى المحتجزين مستنكرا الموقف المصري من قضيتهم مشيرا " أنها لم تتفاوض أو تتصل بأي منهم وكلما حاولوا الاعتصام عند معبر رفح طلبت السلطات المصرية من قوات الأمن الفلسطينية ابعاد المتظاهرين عن الحدود واعادتهم "لمنع تأزم الوضع"، منوهاً إلى أن السلطات المصرية أخذت من العالقين كشف بأسمائهم ولم تفعل أي شيء بصدد قضيتهم حتى اللحظة ".

أسئلة كثيرة تسكن بخاطر النساء هنا حول توقيت العودة إلى بيوتهن،وتجاهل المسؤولين المصريين لمعاناتهن،وشوقهن لرؤية أطفالهن الآخرون، لا تجد إجابة شافية إلا الدموع، وإحساس بالذنب والأسى وكلمات للزوج كالسياط تعذبهن " عن البيوت التي تخلو من الحياة وتساؤلات الأطفال عن غياب أمهم دون إجابة ولقمة العيش التي فقدوها للتفرغ لرعاية الأطفال في غيابهن.

و تنظر ألفت لعيون طفلها الناعسة الذي سجلت ولادته على الحدود بين مصر وغزة وحمل اسم " بوابة صلاح الدين " التي كانت ترتادها يوميا فترة حملها محاولة العبور.
وقالت :" كنت مقررة انا وزوجي ان نسميه عبد الرحمن ولكن عندما ولد هنا قررت وبموافقة زوجي تسميته "صلاح الدين " ليكون فاتحة خير لنا على طريق العودة وافتتاح المعبر.
وتشرح الفت معاناتها قائلة :" قدمت وأنا حامل بشهري الثامن بصحبة طفلي ذو 4 سنوات لزيارة أقارب زوجي المقيمين في وسط قطاع غزة والعودة في غضون يومين ولكن الأيام طالت إلى ستون والطفل أصبح طفلان والهموم ضاعفت معاناتي.

وتروي:" جاءني المخاض من الخوف لحظة قصف مسجد بدر المجاور للنادي في رفح من قبل الطيران الإسرائيلي " لأول مرة أعيش ما كنت أشاهده بالتلفزيون واقعا، تزلزلت كثيرا وارتعشت من شدة الخوف وانا المريضة بالضغط والمتعبة بحملي،حتى تم نقلي لمستشفى ابو يوسف النجار بمدينة رفح، وولدت بظروف قاسية لم أكن احمل ملابس للمولود أو استعدادات الولادة التي ساعدني فيها الناس هنا.

وتقول رغم تعبي الشديد كنت اذهب من الصباح حتى المساء على "بوابة صلاح الدين" على أمل العبور لبيوتنا خشية ان اضع مولودي هنا،ولكنهم يجيبونا بان ليس لديهم أي معلومات وعلينا الانتظار تتسأل إلى متى لا أحد يدري!!.

وتضيف :" أقيم مع زوجي فلسطيني الجنسية بالعريش وأهلي بالقليوبية وليس لي أقارب اعتمد عليهم لرعاية أطفالي الأربعة أكبرهم في الصف الخامس الابتدائي فاضطر والدهم للتضحية بترك عمله والإقامة معهم، مشيرة أنها تعيش بحالة نفسية سيئة وبوضع صحي متدهور وهي في أمس الحاجة للرعاية والتغذية في مثل هذه الفترة من حياتها.

أما أنصاف موسى 40 عاما فقد استقبلت يوم الأم بالدموع وسط استغاثات أطفالها بالعودة للاحتفال بعيدها و تسلمها الهدايا التي احضروها لها، وقد تركت أطفالها ووالدها المريض وقدمت لزيارة أقارب زوجها بغزة.

وتقول سامية 24 عاما التي عاد زوجها وطفليها وبقيت هي على الأمل بالحاق بهم بعد ساعتين " وعدني الجنود المصريون على الحدود بان الحق بأطفالي وزوجي بعد ساعتين دون إبداء الأسباب وقالت بناء على ذلك تركت زوجي وطفلي ليعبروا ولكن الساعتين أصبحن ستون يوما وها أنا أتعذب من فراقهم خاصة وأن أطفالي لم يتجاوزوا العامان ووهما بحاجة لرعايتي".
وناشد العالقون مجتمعون الرئيس حسني مبارك وحرمه سوزان بفتح المعبر والسماح لهم بالعودة إلى بيوتهم وأطفالهم مستنكرين تجاهل المصريون لقضيتهم، ويبحثون على تفسير مقنع او سبب لإقامتهم هنا ومنعهم من الدخول إلى وطنهم.

التعليقات