محلات التمباك السودانية مزار للنشالين

غزة-دنيا الوطن
في ساعة مبكرة من الصباح، والطيور لم تتسوك بعد لتخرج من وكناتها.. توقف باص ترحيل عمال قبالة سينما الوطنية ببحري ليهبط ركابه في انتظام مدهش متجهين الي طلمبة وقود الكيف ، أو قل حيث العماري الممتاز...!
في الحاجز الحديدي الذي تعلوه شبكة للحد من حركة ايدي المارة التي تمتد عفواً الي حيث تستقر الحُقة الكبيرة وهي غالباً حلة طعام صنعت خصيصاً للمناسبات، إلا ان حظها العاثر جعلها ملاذاً لهذه العجينة السوداء.
بخط عربي رديء كتب في هذا الحاجز: سف وقارن.. وورق شجر سيئ الرسم كناية عن شجرة التمباك الطازج تتدلي جوار وجه انسان وعلي شفته السفلي تستقر سفة مكتنزة تذكرك بتلك الوجوه التي يرسمها الحلاقون الاحباش علي أبواب محلاتهم يعلنون عبرها عن حلاقاتهم المبتكرة..!
توقف ركاب الباص خلف السياج الحديدي وأخذ كل منهم حصته كيساً معتبراً من السعوط ، ونقدوا بائعه الثمن حتي تكاد تسمع رنين العملات المعدنية وهي تهبط تباعاً في علبة الحلاوة المتسخة التي وضعت خلف الحقة.. بعدها، صعد الركاب الي شاحنتهم التي سرعان ما غابت في شارع السيد علي الميرغني.
(1)
اشهر مناطق انتاج التمباك في السودان، هي شقرا في دارفور، وتعتبر المنطقة أمية التمباك كما يسميها اصحاب العماري ونباته قريب من شجرة السمسم، شكلاً وحجماً وتتم زراعته في فصل الشتاء، كما ان بعضه تتم زراعته مطرياً وهو أقل جودة حيث تتحكم في جودته طبيعة التربة التي ينبت فيها اضافة لمهارة قطعه من السيقان وتأتي لاحقاً عملية التمطير التي برع فيها البعض ولهم باع وسوق وشهرة حيث يتم اختطاف المشاهير منهم علي طريقة لاعبي الكرة ونجوم الكتابة الصحافية.. ويا بخت المحل الذي يظفر بـ ممطّر جيد، فحتماً ستمطر تبعاً لمجيئه الدنانير علي المحل..!
(2)
صناعة التمباك تبدأ بوزن الناشف منه أولاً ثم يخلط مع العطرون الممزوج بالماء ويعجن بطريقة معينة حتي لا تفقد هشاشة التماسك.
الخلطة المثالية للعماري الجيد هي ان تسكب قنطاراً من التمباك الناشف ـ شوالين ـ في نصف برميل من الماء ثم تضع عليه 25 رطلاً من العطرون الذي يؤتي بأجوده من وادي العطرون الشهير.
(3)
لطبيعة كون الزبائن في حالة وقوف وسكون وأعصاب أدمغتهم مشرئبة نحو حقة السعوط، صارت محلات العماري مزاراً للنشالين الذين لا يجدون مشقة في تفريغ جيوب اصحابها وهم منهمكون في انفاذ نصيحة: سف وقارن.. ولترددهم الكثير، صارت وجوههم مألوفة ممّا مكّن التمباكة من السيطرة عليهم وتحذير الزبائن من مصيرهم المنشول والمحتوم.
(4)
أثبتت جميع البحوث الطبية أن التمباك السوداني يحتوي علي نسبة عالية من المواد المسرطنة وانعكس ذلك في زيادة عدد مرضي سرطان الفم المترددين علي مستشفي الذرة بالخرطوم مع زيادة مقدرة في اعداد المتعاطين للتمباك ايضاً.
*القدس العربي

التعليقات