الهيشي: سيجارة محلية تحرق الفوارق الاجتماعية

الهيشي: سيجارة محلية تحرق الفوارق الاجتماعية
غزة-دنيا الوطن
يقول معاوية الجابي بائع الدخان المشهور في نابلس في الضفة الغربية، إنه لا فرق بين فقير أو غني أو رجل أو امرأة داخل محله، فالكل أمام تبغ 'الهيشي' سواء.

وأضاف الجابي (42 عاما) الذي لم يمارس التدخين البتة، أن تدخين هذا التبغ المصنع محليا لا علاقة له بالوضع الاجتماعي الذي يتساوى عند المدخنين جميعا، وهناك الكثير من أثرياء البلد ما زالوا يفضلونه على أكثر أصناف التبغ جودة.

ويعرض الجابي في محله عشرات الأصناف من الدخان المصنع محليا الذي تختلف أسماؤه، ويستطيع المارة تفحص ما هو معروض للبيع دون أن ينبسوا بكلمة واحدة مع البائع.

وإذا أراد أحدهم شراء كمية من التبغ يبدأ حينها النقاش، ويكون الجابي دائما على أهبة الاستعداد لتلبية رغبات زبائنه، فقد حضرت إلى المحل امرأة في الستينيات من عمرها تسأل عن أصناف محددة من التبغ، فيما استفسر شاب عن دخان 'السيجار' وهو الصنف المفقود في المحل.

وقال بائع الدخان الذي يواصل في أوقات فراغه ترتيب صناديق الكرتون التي يعرض فيها التبغ، إن مدخنين من طبقات اجتماعية مختلفة يقبلون على محله لشراء 'الهيشي'.

يردد المعنى ذاته مدخنون كثيرون يرون في هذا الصنف من التبغ عامل مساواة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.

ويواظب حسين فارس (65 عاما) على تدخين 'الهيشي' منذ أول سيجارة أشعلها في العام1960، 'كان ذلك في مطلع الشباب' حسب قوله، بينما راح ينفث دخان سيجارته بأعلى درجات الزفير على بعد خمسين مترا من محل الجابي.

بدا الدخان المتكور أكثر كثافة وهو يتصاعد عندما تخللته خيوط شمس في أحد الأزقة المفتوحة المتفرعة من خان التجار، الذي عادة ما تباع في بعض محلاته الأصناف المختلفة من التبغ.

'أستطيع أن أدخن أغلى أصناف التبغ، لكن أفضل الهيشي.. إنها عشرة عمر'، قال فارس الذي يعتقد أن 'الدخان كله سموم لكن أفضل هذه السموم هو الهيشي'.

ولا يزال هذا الصنف من التبغ، الذي يخلو من أي إضافات صناعية، يجد مدخنيه المخلصين في عموم الضفة الغربية وقطاع غزة كما هو الحال في معظم بلاد الشام.

ومدخنو 'الهيشي' في القرى الصغيرة معروفون لدى البائعين، لكن في المدن يصعب على الباعة معرفة زبائنهم كما قال الجابي، الذي يرتاد محله مدخنون كثيرون، وداخل المدن الكبيرة مثل نابلس، يباع الدخان الهيشي في محلات خاصة، وبعض التجار يعرضونه في محلات تبدو عليها علامات القِدَم، وفي القرى الأخرى يعرف أشخاص بعينهم بتداول هذا النوع من التبغ منذ زراعته حتى بيعه.

ويقول مدخنو 'الهيشي' إن أجود أنواع أوراق هذا التبغ تلك التي يضرب لونها للأصفر وتكون ناضجة ورائحتها فواحة.

في محل الجابي، هناك أصناف مختلفة من التبغ معروضة للمارة بعضها يطلق عليه 'عربي'، ومعظمها يزرع في منطقة جنين الأكثر شهرة بزراعة التبغ المحلي.

من على بعد يصعب التفريق بين سيجارة 'الهيشي' وغيرها من أصناف السجائر إلا من خلال رائحتها التي تعبق بقوة في المكان الذي يجلس فيه مدخنوها، الذين يحفظون هذا التبغ بعد معالجته عبر عدة مراحل في علبة حديدية تقليدية تعرف بعلبة الدخان، وبعضهم يضعه في كيس استخدم في السابق كوعاء لحفظ 'التوباكو' ذي الرائحة الفواحة.

لكن بعضهم يجعلون من كيس مصنوع من الحرير الأسود عليه مطرزات بألوان فاتحة، يشير إلى قيمتهم الاجتماعية الرفيعة، ومثل هذا الكيس معروف عند السكان البدو في فلسطين، وعند الذين ينتمون لطبقة اجتماعية مرفهة.

ويطلق على الدخان بكافة أصنافه في اللهجة المحلية الفلسطينية في بعض المناطق 'تِتِن'.

وجرت العادة أن يقدم مدخن الهيشي إذا هم على التدخين الكيس لجلسائه من المدخنين، فإذا تناوله أحدهم يأخذ ورقة لف رقيقة جدا ويضع فيها مقدارا من التبغ المفروم المنقى من الشوائب ويبللها باللعاب من طرف لسانه قبل أن يلفها بعناية ويسوق رأيه في صنف التبغ ومكان زراعته.

وقال مدخن إن هناك أصنافا لهذا التبغ منها 'العراقي' و'السلطي' و'حسن بكي'، لكل منها مزاياه المتعلقة بـ'ثقله' ورائحته ولونه، ويضيف 'إذا كانت أوراقه صفراء يكون قد نضج تماما قبل قطافه ويصبح أقل حرارة عند تدخينه'.

أما الذي يكون لون تبغه ضاربا للأخضر تكون أوراقة قد قطفت قبل أوانها فيصبح دخانه ثقيلا كما يقول. ويقال لهذا الصنف في قاموس مدخني الهيشي 'الدخان 6 عقدة' 'والديزل' في إشارة منهم إلى ثقله وقوته.

نابلس تعبق بالأصالة بكل ما فيها من محلات لبيع التبغ والعطارة والمقتنيات التراثية، لذلك يحافظ رجل من عائلة السركجي على الجلوس لبيع التبغ في مكان جلس فيه أجداده منذ ثلاثمائة عام.
*وفا

التعليقات