رائحة الموت تعبق الأزقة والشوارع تعج ببيوت العزاء شمال غزة
جباليا-دنيا الوطن- سامي أبو سالم
تدب أقدام المواطنين المغبرّة في الوحل والحفر بينما تتعلق عيونهم في السماء يرقبون موتاً يأتيهم بغتةً من مختلف الطائرات الحربية الإسرائيلية التي لم تفارق السماء، وهم يحملون على أكتافهم جثث العشرات من أحبتهم الذين استشهدوا أمس في سلسلة غارات إسرائيلية وحشية على قطاع غزة نالت منها بلدة جباليا نصيب الأسد.
وجوه شاحبة، وكذلك الشوارع والأزقة التي تعج بخيم العزاء في بلدة جباليا شمال قطاع غزة، أسراب من المواطنين يطوفون في شوارع البلدة ومخيمها، والرعب يتدحرج ككرة الثلج في أعينهم بعد أن كشرت الطائرات الحربية الإسرائيلية عن أنيابها وبدأت تصب حممها دون تمييز.
ستة وستون شهيداً، جلهم من المدنيين، مزقتهم الصواريخ الإسرائيلية في أقل من أربعة وعشرين ساعة في القطاع يوم السبت، وما يزيد عن مئة وعشرين جريحاً منهم حالات حرجة تخللها بتر أطراف.
رائحة الموت تنتشر بين الأزقة مع كل انفجار يهز أركان المنطقة، يتبعه صوت سيارات الإسعاف التي تتلمس نبض حياة في الشوارع باتجاه سحب الدخان السوداء التي ترتفع بين الفينة والأخرى. سيارات الإسعاف التي حظيت بقليل من الوقود أيضاً طالتها اليد القذرة، زخات من الرصاص تستهدف الطواقم الطبية التي تحاول نقل شهداء وجرحى تتسربل أجسادهم بالدم النازف.
فلم يستطع الطاقم الطبي الوصول إلى منزل الشهيدة الطفلة صفا أبوسيف (12 عاماً) التي طالتها الترسانة الإسرائيلية في حي "عزبة عبد ربه". لعدة ساعات تختلط دموع والدها "رعد" بدمائها التي تنزف بغزارة، يتوجه المسعفون أكثر من مرة وتقف نيران الاحتلال لهم بالمرصاد، الأب يستنجد مراراً لإنقاذها وهي تنزف بين يديه إلى أن صعدت روحها إلى بارئها.
كذلك الحال مع عشرات المواطنين المرضى هناك الذين لم يستطيعوا مغادرة منازلهم لتلقي علاجهم وفق الجدول الأسبوعي، سيما مرضى الفشل الكلوي والسكري والثلاسيميا، وذلك بسبب الرصاص الإسرائيلي العشوائي والمقصود الذي تصبه المروحيات الإسرائيلية على كل جسم متحرك.
تستمر "المحرقة" الحقيقة التي تطال الأطفال والنساء، خمسة أطفال وأربع فتيات، وأخوة وأبناء وآباء جمعهم الموت كما جمعتهم الحياة. صاروخ جمع الفتاة جاكلين أبو شباك ( 17 عام) وشقيقها إياد ( 14 عام) في بلدة جباليا، وليس ببعيد عنهما، مزق صاروخ آخر الأختين سلوى عسلية (19 عام) وشقيقتها سماح ( 23 عام).
قدر يجمع الأبناء بآبائهم قصراً، فالطفل محمد عبيد (15 عاماً) رافق أباه بسام عبيد (45 عاماً) في جنازتهم في جباليا، يتبعها قصف وقح في مدينة غزة يطال الأخوان خالد عطا الله (33 عاماً) وأخيه ابراهيم (30 عاماً)، وما أن أعلنت المصادر الطبية عن استشهادهما حتى لحقت بها أمهم سعاد عطا الله (60 عاماً) وكذلك أبيهم عبد الرحمن (60 عاماً).
أزيز طائرة الاستطلاع "الزنانة"، نذير الشؤم، بات سيد الأصوات شمال غزة، يرافقه هدير الأباتشي وصوت الأف 16 الذي ينذر بغارة ربما تٌلحق بعائلة جديدة إلى ركب قافلة الشهداء.
لم يعد هناك حديث بين المواطنين سوى العدوان، يتلقفون الأخبار وتفاصيلها عبر أجهزة التلفاز والإذاعات المحلية، هذا إذا توفر التيار الكهربائي، والعشرات من المواطنين يحملون أجهزة المذياع الصغيرة في جيوبهم في الشوارع.
عشرات العائلات أخلت بيوتها في الأحياء التي يتمركز عليها القصف، عزبة عبد ربه وحي دردونة ومنطقة جبل الكاشف شرق بلدة جباليا، علهم يحظون بمكان أقل خطراً، وفي مشهد مغاير يشكل المواطنون دروعاً بشرية على أسطح المنازل التي تلقت اتصالاً هاتفياً من "رقم مجهول" يبلغهم رسالة صوتية باسم جيش الاحتلال لإخلاء البيت تمهيداً للقصف.
يتعالى المواطنون على جرحهم الداخلي، الخلافات والمناكفات تذوب أمام حمم الموت التي لا تفرق بين أصفر أو أحمر أو أخضر أو أسود، المستشفيات في القطاع أخلت الحالات "غير الحرجة" لتفسح مجالاً لقافلة جديدة من الشهداء والجرحى، ونداءات التبرع بالدم تتصاعد.
سيارات الأجرة تحولت إلى صالونات سياسية، يتداول المواطنون فيها آخر أخبار العدوان والأسباب التي تدفع الجلاد لشحذ سوطه، منهم من يرى أنه استغلال للصمت العالمي المطبق، وآخر يعتقد أن جيش الاحتلال يريد أن يعيد هيبته بعد "بهدلته" في لبنان" وآخر يرى أن إسرائيل تستغل توقيت الدعاية الانتخابية لانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة التي يتوسل المرشحون فيها للرضى الإسرائيلي، ما يجبر البيت الأبيض إعطاء ضوء أخضر لنزف الدم الفلسطيني الأحمر.
المحرقة طالت الروتين اليومي للحياة، "الأونروا" أصدرت أمراً بإغلاق المدارس، أكثر من أربعين ألف طالب في مدارسها التزموا البيوت التي أيضاً باتت في خط، وطلاب الجامعات استنكفوا عن المحاضرات، والحكومة الفلسطينية تعلن الحداد.
يرخي الليل سدوله على غزة، ووسط انقطاع التيار الكهربائي تحاول الشموع الصغيرة ومصابيح الكيروسين أن تخترق ظلاماً مرعباً وصمت مطبق يخيم على المنازل، يخترقه هدير المروحيات التي لم تفارق السماء فيطل المواطنون برؤوسهم من الشبابيك يتبعون صوتها بعيونهم المنهكة.
الضوء الخاطف للانفجاريات التي تدك منازل المواطنين بات الضوء الوحيد الذي يلتقطه المواطنون في حلكة الليل، ترتفع التكبيرات من فوق أسطح المنازل، وكالعادة، يهرول العشرات منهم إلى مكان القصف لإخلاء الشهداء والجرحى.
العشرات منهم توجه إلى مسجد بدر في مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، نُقل أربعة شهداء ويشارك المواطنون الطواقم الطبية في رفع الأنقاض لانتشال جثتين، عشرات آخرين هبوا إلى منزل عائلة طبش في بلدة عبسان، شرق خانيونس جنوب القطاع، الذي تعرض للقصف الإسرائيلي وآخرين توجهوا لاستكشاف الدمار الذي حل بمنزل عائلة الناعوق في جباليا.
لم تذق محافظات غزة النوم، طواقم طبية وفرق انقاذ في حالة طوارئ على أهبة الاستعداد يرقدون في البرد داخل عربات الإسعاف والإنقاذ التي توزعت على مفترقات الطرق في انتظار إشارة للتحرك. كذلك الصحافيين ينصبون كاميراتهم فوق أسطح الأبراج أيضاً أمضوا ليلتهم يتفحصون برقاً في السماء لنقل مشاهد علها تطرق جدار الصمت الذي أُحكم على آذان عالم أخرس.
وبينما تنشغل عشرات العائلات في إخلاء الركام من منازلها، أمضى الآلاف ليلتهم في المستشفيات يتحسسون جثث فلذات أكبادهم، وآخرون اتخذوا ركناً من أركان المستشفى معبداً يتوسلون فيه رب العزة أن يُنقذ أبناءهم الذين أثخنتهم الجراح وسط شح الأدوية وعطل المعدات الطبية والحصار.
القوى الفلسطينية المختلفة شكلوا فرقاً للتحضير لعشرات الجنازات صباح اليوم الأحد، يبحثون عن عدد كاف من الشوادر والكراسي وهم يتساءلون عن موعد انتهاء المحرقة، يتفحصون تفاصيل الأخبار، هل صدر قرار إسرائيلي بالانسحاب أم ليس بعد، يبدأ اليوم الجديد بغارات جديدة وضحايا جدد، استشهاد كل من وسام فايز عبد ربه، وخالد منذر ريان من بلدة جباليا وخليل عز الدين في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة.
تدب أقدام المواطنين المغبرّة في الوحل والحفر بينما تتعلق عيونهم في السماء يرقبون موتاً يأتيهم بغتةً من مختلف الطائرات الحربية الإسرائيلية التي لم تفارق السماء، وهم يحملون على أكتافهم جثث العشرات من أحبتهم الذين استشهدوا أمس في سلسلة غارات إسرائيلية وحشية على قطاع غزة نالت منها بلدة جباليا نصيب الأسد.
وجوه شاحبة، وكذلك الشوارع والأزقة التي تعج بخيم العزاء في بلدة جباليا شمال قطاع غزة، أسراب من المواطنين يطوفون في شوارع البلدة ومخيمها، والرعب يتدحرج ككرة الثلج في أعينهم بعد أن كشرت الطائرات الحربية الإسرائيلية عن أنيابها وبدأت تصب حممها دون تمييز.
ستة وستون شهيداً، جلهم من المدنيين، مزقتهم الصواريخ الإسرائيلية في أقل من أربعة وعشرين ساعة في القطاع يوم السبت، وما يزيد عن مئة وعشرين جريحاً منهم حالات حرجة تخللها بتر أطراف.
رائحة الموت تنتشر بين الأزقة مع كل انفجار يهز أركان المنطقة، يتبعه صوت سيارات الإسعاف التي تتلمس نبض حياة في الشوارع باتجاه سحب الدخان السوداء التي ترتفع بين الفينة والأخرى. سيارات الإسعاف التي حظيت بقليل من الوقود أيضاً طالتها اليد القذرة، زخات من الرصاص تستهدف الطواقم الطبية التي تحاول نقل شهداء وجرحى تتسربل أجسادهم بالدم النازف.
فلم يستطع الطاقم الطبي الوصول إلى منزل الشهيدة الطفلة صفا أبوسيف (12 عاماً) التي طالتها الترسانة الإسرائيلية في حي "عزبة عبد ربه". لعدة ساعات تختلط دموع والدها "رعد" بدمائها التي تنزف بغزارة، يتوجه المسعفون أكثر من مرة وتقف نيران الاحتلال لهم بالمرصاد، الأب يستنجد مراراً لإنقاذها وهي تنزف بين يديه إلى أن صعدت روحها إلى بارئها.
كذلك الحال مع عشرات المواطنين المرضى هناك الذين لم يستطيعوا مغادرة منازلهم لتلقي علاجهم وفق الجدول الأسبوعي، سيما مرضى الفشل الكلوي والسكري والثلاسيميا، وذلك بسبب الرصاص الإسرائيلي العشوائي والمقصود الذي تصبه المروحيات الإسرائيلية على كل جسم متحرك.
تستمر "المحرقة" الحقيقة التي تطال الأطفال والنساء، خمسة أطفال وأربع فتيات، وأخوة وأبناء وآباء جمعهم الموت كما جمعتهم الحياة. صاروخ جمع الفتاة جاكلين أبو شباك ( 17 عام) وشقيقها إياد ( 14 عام) في بلدة جباليا، وليس ببعيد عنهما، مزق صاروخ آخر الأختين سلوى عسلية (19 عام) وشقيقتها سماح ( 23 عام).
قدر يجمع الأبناء بآبائهم قصراً، فالطفل محمد عبيد (15 عاماً) رافق أباه بسام عبيد (45 عاماً) في جنازتهم في جباليا، يتبعها قصف وقح في مدينة غزة يطال الأخوان خالد عطا الله (33 عاماً) وأخيه ابراهيم (30 عاماً)، وما أن أعلنت المصادر الطبية عن استشهادهما حتى لحقت بها أمهم سعاد عطا الله (60 عاماً) وكذلك أبيهم عبد الرحمن (60 عاماً).
أزيز طائرة الاستطلاع "الزنانة"، نذير الشؤم، بات سيد الأصوات شمال غزة، يرافقه هدير الأباتشي وصوت الأف 16 الذي ينذر بغارة ربما تٌلحق بعائلة جديدة إلى ركب قافلة الشهداء.
لم يعد هناك حديث بين المواطنين سوى العدوان، يتلقفون الأخبار وتفاصيلها عبر أجهزة التلفاز والإذاعات المحلية، هذا إذا توفر التيار الكهربائي، والعشرات من المواطنين يحملون أجهزة المذياع الصغيرة في جيوبهم في الشوارع.
عشرات العائلات أخلت بيوتها في الأحياء التي يتمركز عليها القصف، عزبة عبد ربه وحي دردونة ومنطقة جبل الكاشف شرق بلدة جباليا، علهم يحظون بمكان أقل خطراً، وفي مشهد مغاير يشكل المواطنون دروعاً بشرية على أسطح المنازل التي تلقت اتصالاً هاتفياً من "رقم مجهول" يبلغهم رسالة صوتية باسم جيش الاحتلال لإخلاء البيت تمهيداً للقصف.
يتعالى المواطنون على جرحهم الداخلي، الخلافات والمناكفات تذوب أمام حمم الموت التي لا تفرق بين أصفر أو أحمر أو أخضر أو أسود، المستشفيات في القطاع أخلت الحالات "غير الحرجة" لتفسح مجالاً لقافلة جديدة من الشهداء والجرحى، ونداءات التبرع بالدم تتصاعد.
سيارات الأجرة تحولت إلى صالونات سياسية، يتداول المواطنون فيها آخر أخبار العدوان والأسباب التي تدفع الجلاد لشحذ سوطه، منهم من يرى أنه استغلال للصمت العالمي المطبق، وآخر يعتقد أن جيش الاحتلال يريد أن يعيد هيبته بعد "بهدلته" في لبنان" وآخر يرى أن إسرائيل تستغل توقيت الدعاية الانتخابية لانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة التي يتوسل المرشحون فيها للرضى الإسرائيلي، ما يجبر البيت الأبيض إعطاء ضوء أخضر لنزف الدم الفلسطيني الأحمر.
المحرقة طالت الروتين اليومي للحياة، "الأونروا" أصدرت أمراً بإغلاق المدارس، أكثر من أربعين ألف طالب في مدارسها التزموا البيوت التي أيضاً باتت في خط، وطلاب الجامعات استنكفوا عن المحاضرات، والحكومة الفلسطينية تعلن الحداد.
يرخي الليل سدوله على غزة، ووسط انقطاع التيار الكهربائي تحاول الشموع الصغيرة ومصابيح الكيروسين أن تخترق ظلاماً مرعباً وصمت مطبق يخيم على المنازل، يخترقه هدير المروحيات التي لم تفارق السماء فيطل المواطنون برؤوسهم من الشبابيك يتبعون صوتها بعيونهم المنهكة.
الضوء الخاطف للانفجاريات التي تدك منازل المواطنين بات الضوء الوحيد الذي يلتقطه المواطنون في حلكة الليل، ترتفع التكبيرات من فوق أسطح المنازل، وكالعادة، يهرول العشرات منهم إلى مكان القصف لإخلاء الشهداء والجرحى.
العشرات منهم توجه إلى مسجد بدر في مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، نُقل أربعة شهداء ويشارك المواطنون الطواقم الطبية في رفع الأنقاض لانتشال جثتين، عشرات آخرين هبوا إلى منزل عائلة طبش في بلدة عبسان، شرق خانيونس جنوب القطاع، الذي تعرض للقصف الإسرائيلي وآخرين توجهوا لاستكشاف الدمار الذي حل بمنزل عائلة الناعوق في جباليا.
لم تذق محافظات غزة النوم، طواقم طبية وفرق انقاذ في حالة طوارئ على أهبة الاستعداد يرقدون في البرد داخل عربات الإسعاف والإنقاذ التي توزعت على مفترقات الطرق في انتظار إشارة للتحرك. كذلك الصحافيين ينصبون كاميراتهم فوق أسطح الأبراج أيضاً أمضوا ليلتهم يتفحصون برقاً في السماء لنقل مشاهد علها تطرق جدار الصمت الذي أُحكم على آذان عالم أخرس.
وبينما تنشغل عشرات العائلات في إخلاء الركام من منازلها، أمضى الآلاف ليلتهم في المستشفيات يتحسسون جثث فلذات أكبادهم، وآخرون اتخذوا ركناً من أركان المستشفى معبداً يتوسلون فيه رب العزة أن يُنقذ أبناءهم الذين أثخنتهم الجراح وسط شح الأدوية وعطل المعدات الطبية والحصار.
القوى الفلسطينية المختلفة شكلوا فرقاً للتحضير لعشرات الجنازات صباح اليوم الأحد، يبحثون عن عدد كاف من الشوادر والكراسي وهم يتساءلون عن موعد انتهاء المحرقة، يتفحصون تفاصيل الأخبار، هل صدر قرار إسرائيلي بالانسحاب أم ليس بعد، يبدأ اليوم الجديد بغارات جديدة وضحايا جدد، استشهاد كل من وسام فايز عبد ربه، وخالد منذر ريان من بلدة جباليا وخليل عز الدين في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة.

التعليقات