العقبة الأردنية تسعى الى منافسة شرم الشيخ

العقبة الأردنية تسعى الى منافسة شرم الشيخ
غزة-دنيا الوطن

ينهمك العامل المصري حسنين أسعد ببناء واجهة إحدى الوحدات السكنية المشيدة على الطراز الشرقي القديم داخل منتجع سياحي متكامل قيد التنفيذ في مدينة العقبة التي باتت تقطف ثمار التحول منذ تدشينها أول منطقة اقتصادية خاصة في الأردن عام 2001.

يندرج المنتجع ضمن سلسلة مشاريع قائمة أو قيد التنفيذ حوّلت العقبة إلى واجهة متكاملة للأعمال والاستثمار والترفيه ضمن اقتصاد متنوع قابل للاستدامة.

حسنين الذي يتقاضى تسعة دنانير (13 دولاراً) يومياً، يقول إن «المطور في عجلة من أمره لاستكمال هذا المشروع»، وهو بين الأضخم في منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة. ويضيف: «نعمل ساعات طويلة صيفاً وشتاء، لكن الحمد لله الدخل كويس... ويللي بيرضى بيعيش».

وتبني إحدى الشركات هذا المنتجع بكلفة 600 مليون دولار حول بحيرة اصطناعية من شأنها توسيع الشريط الساحلي المطل على البحر الأحمر بمساحة 1.5 كيلومتر مربع، علماً أن الساحل الطبيعي لا يتجاوز 27 كيلومتراً باتجاه الحدود مع السعودية. وتتوسط المشروع حدائق وممرات مائية، فضلاً عن فيلات، وستة فنادق وسوق، ومطاعم وأنشطة مائية وترفيهية يفتقر إليها مرفأ الأردن الوحيد المتاخم لشاطئ إيلات الإسرائيلي.

«ما يحدث اليوم في العقبة قصة نجاح بكل المقاييس من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والمالية والتطويرية ضمن منطقة جذب للاستثمارات»، يقول المهندس حسني أبو غيدا، رئيس مجلس مفوضي منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة. والمفوضية هي السلطة المركزية التي تدير المنطقة ولديها الصلاحيات كافة للتعامل مع المستثمرين عبر نافذة واحدة.

ويضيف أبو غيدا: «الجو الاستثماري المميز نشأ بفضل سلسلة قوانين سنّت لحماية الاستثمار والمال بطريقة شفافة تطمئن المستثمرين» وبشراكة المجتمع المحلي.

في خلفية المشهد المحلي والوطني تجاذب حاد بسبب توجهات سياسية واقتصادية يمثلها أصحاب نظرية اقتصاد الدولة ممن احتلوا مواقع نفوذ لعقود، وأقلية من منظري الليبرالية الاقتصادية باتوا خلال العقد الماضي قوة مؤثرة داخل دوائر صنع القرار.

هاتان المدرستان تتجاذبان مجمل أهداف التحديث وسط غياب توافق مجتمعي حيال شكل الأردن الجديد وهويته.

مريدو الانخراط في الاقتصاد العالمي يجادلون بأن مبادرة المنطقة الخاصة قصة نجاح تصلح نموذجاً لسائر محافظات الأردن الذي يحتاج الى مبادرات كهذه لتعزيز تنافسية اقتصاده وبناء مركز إقليمي متطور في وقت يعاني اقتصاده بيروقراطية خانقة وديوناً خارجية عالية وشحاً في الموارد الطبيعية وتدني إنتاجية الموارد البشرية. وخلال العام الماضي إطلقت مناطق اقتصادية خاصة في الشمال والجنوب الشرقي تحاكي قصة تحديث العقبة.

وكانت الأصوات المعارضة تخشى انسلاخ المنطقة الجديدة عن بقيّة الدولة الأردنية وتنشيط سوق تهريب الى المناطق المجاورة بسبب محدودية الضرائب المباشرة وغير المباشرة هناك. وكانت هناك مخاوف من أن تفقد الخزينة إيرادات سنوية بلغت 15 مليون دينار عام 2000 كفائض مالي كان يتم تحويله من الميناء وحوالى مليون دينار من ضرائب على الأفراد والأنشطة الاقتصادية الأخرى.

ويخشى المشككون أن تصبح العقبة منطقة استقطاب استثماري على حساب عمان ومناطق أخرى متعطشة الى ذلك بسبب وضعها كمنطقة خاصة بحسب قوانين تشريعية وتنظيمية حديثة، بما فيها حق تملك الأجانب للعقارات.

لكن واقع الحال يفيد بأن معدل العوائد لمصلحة الخزينة خلال الأعوام القليلة الماضية بلغ 25 مليون دينار سنوياً من ضريبة المبيعات والضريبة الخاصة، وحوالى 10 ملايين دينار سنوياً تحويلات أرباح الى الخزينة من شركة التطوير المركزية لمنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.

ويقول عماد فاخوري، رئيس مجلس الإدارة – الرئيس التنفيذي لشركة تطوير العقبة لـ «الحياة» ان مشروع منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة «قصة نجاح حتى على مستوى السياسة المالية... ولذا تم نقل النموذج الى مناطق اقتصادية جديدة في البلاد».

وزادت رسوم نقل ملكية الأراضي والموردة الى الخزينة من حوالى 1.25 مليون دينار عام 2000 الى 12 مليوناً، بينما تضاعفت تحصيلات الضرائب على الأفراد لتصبح حوالى 2.5 مليون سنوياً بعدما كانت 800 الف دينار عام 2000. كذلك خفّت الأعباء التي كانت ستترتب على الخزينة لقاء تطوير الموانئ والمطار ونقل الميناء الرئيس ومرافقه وتحسين الظروف البيئية لأنشطته، ومن المتوقع ان تبلغ نفقات كل ذلك للأعوام العشرين المقبلة حوالى بليون دينار.

وتظهر الإحصاءات الرسمية أن للعقبة حصة الأسد من مجمل التدفقات الاستثمارية الخارجية على المملكة خلال السنوات الماضية. اذ استقطبت المنطقة استثمارات وصلت الى ثمانية بلايين دولار حتى نهاية العام الماضي، متخطية حاجز الستة بلايين المنشودة بحلول عام 2020 في إطار استراتيجية المنطقة.

وتجرى الآن مفاوضات مع مستثمرين عقاريين لتطوير 5000 دونم في سفوح سلسلة الجبال والهضاب المشرفة على العقبة، لبناء مشاريع سكنية وسياحية. وفي حال إبرام الصفقتين سترتفع قيمة الاستثمارات المتدفقة إلى 10 بلايين دولار.

وبحسب الإحصاءات الرسمية، وفرت المنطقة حوالي 15 ألف فرصة عمل جديدة غالبيتها في قطاع الإنشاءات والسياحة، علماً أن الخطة الأصلية كانت تستهدف 70 ألف فرصة عمل مع نهاية 2020. لكنّ أياً من المسؤولين هناك غير قادر على تحديد نسبة مشاركة القوى العاملة المحلية من أجمالي الرقم الكلي في مدينة أصبحت منطقة جذب سكاني.

ويبدو أيضاً أن السلطة تعلمت من الدروس الماضية وباتت اليوم تفضّل إبرام عقود تأجير تمويلي طويل الأمد أو الدخول كشريك أساس مقابل تطويب حصص من أراضي الدولة كأصول بأسعار قريبة من قيمة السوق لتؤمن دخلاً مستمراً.

وفي خلفية المشهد ذكريات مؤلمة بسبب قيام الحكومة التي أشرفت على أول عملية بيع لأكثر من 2600 دونم من أراضي العقبة الإستراتيجية المملوكة للدولة لشركة أردنية/ عربية معنية بالاستثمارات السياحية قبل ثماني سنوات لقاء مبالغ زهيدة تضاعفت قيمتها بصورة خيالية. إذ قفز سعر الدونم إلى مليوني دينار اليوم مقارنة مع 2500 دينار في العام 2000 في المنطقة نفسها.

وتكمن التحديات في شكاوى متنامية في أن غالبية الوظائف الأساسية ذات الدخل المرتفع في منطقة «أسيزا» تذهب الى أردنيين وأجانب من غير سكان العقبة، وبالتالي لا تحسّن المستوى المعيشي لسكان المنطقة ذات النسيج المجتمعي المختلط. كما أن هناك عدداً من المشاريع السياحية والصناعية والاستراتيجية ما زالت قيد الإنجاز أو تأخر طرح عطاءاتها.

وتواجه المفوضية اليوم تحدي التخطيط لحاجات ما بعد العام 2020 في مدينة يتوقع أن تشهد ازدحامات مرورية وتحديّات بيئية واجتماعية وتنموية وتعليمية بسبب سرعة التطوير مقارنة مع واقع الإمكانات المتاحة ومستوى الكوادر البشرية.

وخلال الشهور المقبلة سيطرح عطاء استراتيجي بكلفة تفوق 3 بلايين دولار لنقل ميناء العقبة إلى الشاطئ الجنوبي بالتزامن مع إقامة مشروع عقاري سيغيّر شكل موقع الميناء الرئيس الذي سيتم اخلاؤه لبناء نسخة عن مشروع «سوليدير» في وسط العاصمة اللبنانية بيروت.

وبعد أسابيع سيتم وضع الحجر الأساس لحديقة وسط المدينة على مساحة 300 دونم تتضمن مكتبة ومركزاً ثقافياً بعد ان افتتح مشروع طريق العقبة الساحلي بكلفة 33 مليون دينار (47 مليون دولار) بهدف فصل مسار الشاحنات عن السيارات. كما سيعلن في أقل من شهرين إطلاق أول مشروع سكني وطني ريادي مدعوم من الحكومة لتوفير مساكن ملائمة لذوي الدخل المحدود من أهالي العقبة تماشياً مع توجيه ملكي بأن يكون 2008 عام الإسكان.

ويقر رجال أعمال ومستثمرون وعدد من العاملين في السلطة ان عليها التحرر من البيروقراطية بعد سلسلة من تعيينات في وظائف متقدمة كانت أثارت جدالاً بسبب دخول الواسطة والمحسوبية على الخط في إدارة كان يفترض أن تكون نموذجاً للشفافية ولتعيين الرجل المناسب في المكان المناسب.

كما على المفوضية التعامل مع تحدي إشراك المجتمع المحلي في المكتسبات الاقتصادية بطريقة تحقق عدالة اكبر من خلال رفع المستوى المعيشي والتأهيلي والتدريبي وتشجيع عمل المرأة، ورفع مستوى التعليم وتوفير سكن لمتوسطي الدخل والفقراء، وسط شكاوى متنامية من أن غالبية مرافق الترفيه باتت مكلفة وأن إمكان استعمال الشواطئ الرملية المجانية في المنطقة الشمالية بات مستحيلاً. ويشكو المجتمع المحلي من ضعف الدخل مع أن العاطلين من العمل باتوا يجدون فرص عمل أكثر.

وما زالت ثقافة العيب الوظيفي سيدة الموقف. فغالبية العاملين في الفنادق في مجال الخدمة وتنظيف الغرف هم إما عرب أو أردنيون من خارج العقبة، بسبب قلة برامج التدريب والتأهيل. ويقول أحد المسؤولين هناك: «دخلنا في معركة لإقناع المجتمع المحلي بتشغيل أبنائه وبناته في مهن سياحية وخدمية مدرة للدخل».

ويدعو المستثمر الأردني إلى إعادة تسيير «رحلات تسوق اليوم الواحد» من العاصمة وسائر المدن الأردنية إلى العقبة.

مصطفى العقباوي، الذي يدير مطعماً فخماً، يؤكد أن غالبية أصحاب المطاعم «يشترون الوقت لئلا يفلسوا لأن لا طاقة لغالبية سكان العقبة على أسعار البيع المرتفعة.

أبو غيدا يرى أن تدشين مشاريع خدمية جديدة يفتح الباب أمام المنافسة في هذه السوق، وبالتالي تخفيض الكلفة على الأردنيين بناء على العرض والطلب. ويلفت رئيس المفوضية إلى وجود 2000 غرفة فندقية في العقبة الآن تتجه للقفز إلى 5000 بعد استكمال بناء 13 فندقاً بحلول عام 2010، في مقابل 33 ألفاً في شرم الشيخ المصرية.

وفي مسعى لتحفيز المجتمع المحلي، خصّصت السلطة منحاً جامعية لـ120 شاباً وشابة في تخصصات مطلوبة في مجال السياحة والتمريض.

وغيرت المنطقة الخاصة في العقبة بصورة كبيرة من ملامح هذه المدينة عبر سلسلة مشاريع متعددة الأنشطة من سياحية عملاقة ومطاعم و «مولات» غالبيتها لذوي الدخل المرتفع تحاكي الثقافة الاستهلاكية المعولمة.

*الحياة اللندنية

التعليقات