التصريح الذي أطلقه نصر الله فوق قبر مغنية يتحدث عن ضربة مفاجئة
التصريح الذي أطلقه نصر الله فوق قبر مغنية أكثر من وعد بالانتقام حزب الله يتحدث عن ضربة مفاجئة
جاكي خوجي
بيروت يوم الخميس الماضي كانت ماطرة وباردة. آخر المعزين بدأوا بمغادرة منطقة الشهداء في مقبرة حزب الله. المساء كان قد خيم والتراب فوق القبر ما زال طريا صديق الميت الحميم جاء لتقديم الاحترام له.
قبل ذلك بيومين في مدينة دمشق لم يكن الله موجودا لحماية عماد مغنية. الان اصبح مدفونا تحت التراب. انت لست بحاجة ليميني بالانتقام لك قال الصديق باكيا وهامسا عند القبر. لن نعطيهم قوتا حتي ليندموا علي الجريمة التي ارتكبوها . النذر الذي اطلقه حسن نصرالله فوق قبر رفيقه كان اكثر من وعد بالانتقام لموته.
في الوقت الذي احتار فيه المحللون علي جانبي الحدود حول اسلوب الروليتا الروسية، ان كان وزراء حكومة سيكونون هم الهدف او مؤسسات يهودية في الخارج، كانوا في حزب الله يتحدثون بكلمات كبيرة. هناك في القيادات السرية في جنوب بيروت انطلقت مداولات استراتيجية حول الطابع الذي سيرتديه الصراع مع الكيان الصهيوني منذ الان. في قيادة التنظيم يتحدثون اليوم عن ضربة مفاجئة، لا تسوي الحساب مع اسرائيل فقط، وانما تعيد لحزب الله قدرته الردعية التي فقدها.
حزب الله لن ينهار اثر رحيل مغنية، وهو ابعد من ان يختفي عن الخارطة. جذوره مغروسة عميقاً في المجتمع اللبناني. ولكن حرب لبنان مهما بدا ذلك مفاجئاً قد غرست فيه شعوراً بالاخفاق والسلبية من النوع الذي ميز الجيش الاسرائيلي في السابق. نتائج هذه الحرب انتزعت من مغنية ورفاقه حرية الحركة وحولته الي شخص غير قادر علي المبادرة. من سأل نفسه ماذا كانت فائدة الحرب لاسرائيل فهذا هو الجواب علي ذلك. هذه الحرب ازالت توازن الرعب. النظرية التي كان الجانبان غارقين فيها والتي أشارت الي ان مطر الصواريخ الذي سيطلقه حزب الله علي التجمعات الشمالية في اسرائيل هو بوليصة التأمين في يديه من الهجوم الاسرائيلي. الجيش الاسرائيلي برهن بطلان هذه النظرية وانه قادر علي شن الهجوم من دون عائق رغم سقوط الصواريخ علي الجبهة الداخلية ـ النظرية انهارت.
حزب الله التنظيم الذي اعتاد تحديد جدول الاعمال للجيش الاسرائيلي، تحول الي كيان مقيد الارجل ـ جنوب لبنان يغص بالجنود اللبنانيين والاجانب ـ والايادي ايضاً مكبلة للوراء لأن خصومه اللدودين في الساحة السياسية ينتظرون سقوطه. كل هذا لم يكن كافياً لتأتي المفاوضات حول تبادل الاسري وتصل الي طريق مسدود، الامر الذي حول عملية الاختطاف كلها الي حماقة كبيرة للعودة للوراء. لاول مرة منذ سنوات يغرق حزب الله في اجواء الازمة. الحركة التي لم يعتادوا فيها الظهور لمدة طويلة جداً كمضطهد، تنظر لرحيل مغنية كفرصة للخلاص من المستنقع. هذا لن يكون انتقاماً فقط كما يأملون هناك وانما نقطة انعطافية. من كافة الانحاء يسود تفهم لرد حاد. هنا يضغط الجميع للانتقام ، قالت لنا احدي مواطنات بيروت في هذا الاسبوع، انصار حزب الله يريدون تسوية الحساب ومعارضوه يتمنون الرد حتي يقولوا بعد ذلك لقد قلنا لكم . اسرائيل التي لم تتميز ابداً بالتكتيك الاعلامي في مواجهة حزب الله فشلت في هذه المرة ايضاً. من تابع التصريحات العفوية الصادرة عن الجنرالات والسياسيين عندنا لاحظ انهم يسلمون علناً بحق حزب الله برد عنيف.
مصدر في حزب الله قدر في هذا الاسبوع ان تعويض الفراغ الذي نشأ مع رحيل مغنية قد يدفع الحركة الي الاستعانة حتي بالحلفاء في العراق وغزة والضفة. الهدف سيكون تنفيذ عملية مشتركة متعددة الاذرع. في المستقبل البعيد قد يبني تحالف ثلاثي. المنطقة دخلت في مرحلة جديدة ، قال احد الشخصيات في حزب الله للصحافي اللبناني ابراهيم الامين من محرري الاخبار ، من الصعب توقع ما سيحدث في المستقبل القريب او علي المدي المتوسط، ولكن من المؤكد ان ما كان قبل اغتيال مغنية لن يكون شبيهاً بما سيأتي من بعد .
المقربون من مغنية يقولون ان قدراته الميدانية الكبيرة تمثلت في القدرة علي اكتشاف الثغرات لدي الخصم. هذا ما فعله جيداً في عمليتي الاختطاف ضد الجيش الاسرائيلي في تشرين الاول (اكتوبر) 2000 في هاردوف وفي تموز (يوليو) 2006 بجانب زرعيت. رفاقه وصفوه كإنسان بارد الاعصاب وهادئ وذي قدرة ابداعية خلاقة. حسن نصرالله قال في جنازته بانه كان يتشوق بشغف للموت شهيداً. ابنته تتحدث عن انه كان لطيفاً طيب القلب في حياته الخاصة. وكان مثل الصديق ،كان يفيض رأفة ودفئاً ، تقول فاطمة مغنية ابنة 24 عاما كبري ابنائه الثلاثة. هو كان يتعامل مع احفاده وكأنهم اولاده وكان يلعب معهم. قلبي كان يحترق عليه عندما يغيب لمدة طويلة جداً عن المنزل . رغم ان مغنية لم يأت من خلفية دينية الا انه تمسك منذ نعومة اظفاره بالعقيدة الدينية. عندما كان عمره 13 عاما انتقلت عائلته من بيروت الي قرية طير دبي في جنوب لبنان. هذا كان في شهر رمضان. لم يكن لدينا شيء في البيت ، قالت امه في هذا الاسبوع. عماد كان يعمل حينئذ في الفلاحة، وكان صائماً ومع ذلك عمل طوال اليوم حتي يحصل علي الخمس ليرات (دولارين في ذلك الحين). هذا المال كان يذهب للتبرع من اجل انهاء طلاء المسجد في القرية. ونحن بقينا علي الرصيف . عندما علم امر موته في نهار يوم الاربعاء من الاسبوع الماضي حُكم علي امه ان تنهي حياتها من دون ابناء. أبناؤها الثلاثة رحلوا عن هذا العالم بطريقة غير طبيعية. الاول كان جهاد احد حراس آية الله محمد حسين فضل الله من كبار الفقهاء في العالم الشيعي، جهاد فقد حياته قبل 22 عاماً خلال محاولة اغتيال فاشلة لفضل الله. في عام 1994 قتل فؤاد الاخ الاوسط في انفجار حقيبة مفخخة. الشخص الذي دس له الحقيبة في مصنع البلاط التابع له اعتقل بعد حين علي يد حزب الله واعدم. حسب ادعاء حزب الله هذا الشخص كان عميلاً لاسرائيل.
جواز سفر ايراني
في عام 1982 اجتاح الجيش الاسرائيلي لبنان حتي يضع حدا لهجمات الكاتيوشا علي التجمعات السكانية الاسرائيلية في الجليل. ايران التي كانت حينئذ تعبق بالمشاعر الثورية قررت دق وتدٍ عميق في لبنان وشكلت تنظيم حزب الله. مغنية عاد الي بيروت في ذلك الحين وجند من قبل الايرانيين لجهاز الاستخبارات التابع للميلشيا. مغنية ترقي داخل هذا الجهاز، وخلال عامين اشتهر كأحد الارهابيين الاكثر عنفوانا وقسوة في العالم. اياديه كانت ملطخة بدماء اكثر من 350 جندياً امريكياً وفرنسياً كانوا قد قتلوا في عملية تفجيرية علي ارض لبنان وهو كان في ذلك الحين بالكاد ابن 21 عاما.
مغنية اعتاد منذ صغرة الاقلال من الكلام والاكثار من الافعال. كان خلوقاً مثقفاً محباً والاهم ـ كان متديناً ومؤمنا . كان لديه شعور بالمسؤولية العائلية وكان في نفس الوقت متفوقاً في دراسته. الانسان لا يمكنه ان ينجح الا اذا كان محقا،ً ابني كان محقاً وهو لم يكذب أبداً . مغنية الذي كان مسؤولا عن امدادات السلاح من ايران لحزب الله، كان شخصاً مقرباً في قيادة الاستخبارات الايرانية والسورية. كانت لديه شقق سكنية في دمشق وايران وكان معتادا علي التحرك من خلالها في هوية تنكرية وجواز سفر دبلوماسي ايراني يسهل حركته في المطارات. عبر السنين التصقت به عدة القاب. الثعلب، الشبح، الحاج. فالمقربون منه كانوا ينادونه باسمه السري ـ الحاج رضوان. امه تقول انه كان قد قدم قبل سنوات كثيرة الي المنزل وازال كل صوره من هناك بما فيها تلك التي كانت منذ الطفولة. هو لم يسمح لي حتي بصورة واحدة. صورته التي نشرت بعد موته شاهدتها للمرة الاولي حينئذ فقط ، قالت. قبل مقتل مغنية بيومين كان قد جاء الي امه مريضاً. هي اعطته الدواء وودعته بسلام. رفاقه قالوا في هذا الاسبوع انه كان قد اصيب بعد انتهاء حرب لبنان بالارهاق وعاني منه لاسابيع طويلة. لا اعرف ان الامريكيين ينسجون الحكايات حولي ويلصقون بي المسؤولية عن الكثير من العمليات التي جرت ضدهم في شتي زوايا العالم ، قال مغنية لمقربيه، بعض الاحيان يبدو وكأن مفاتيح العالم بيدي من الصعب عليهم ان يقتنعوا انني جزء من جسم يدرس خطواته بهدوء ويعمل بصبرٍ ويخطط ما يتوجب عليه تخطيطه. هم يعرفون جيداً ان جدول اعمالنا يتمحور حول بند واحد ـ الخلاص من الاحتلال ودعم المقاومة الفلسطينية. المسؤولية عن فلسطين ستبقي علي اكتافنا حتي ان خرج من بينهم احدٌ ما يقول العكس .
زيارة مجاملة
العالم رفض الدخول في حالة حداد بعد موت الحاج رضوان. ومن الممكن الافتراض ايضاً انهم قد فرحوا في عدة عواصم عربية بدرجة لا تقل عن فرحة ايهود اولمرت في برلين. سعد الحريري توجه الي خيمة العزاء في بيروت وهو المعارض السياسي لحزب الله ولكنها كانت زيارة مجاملة لا غير. الحريري تمتم بعدة كلمات حول شجاعة الشهيد وصافح ابناء العائلة وعاد الي حاله.
في حي الاعظمية في بغداد نظم عدة مئات من الشيعة جنازة رمزية مع راية حزب الله الصفراء. وفي ايران نظمت مظاهرة غاضبة نعت المتظاهرون خلالها بوش بـ المجنون . مظاهرات محدودة العدد جرت ايضاً في الضفة وغزة. في الكويت شارك عددٌ من اعضاء البرلمان الشيعة في حفل تأبين لمغنية فأثاروا غضب رفاقهم السنة. في عام 1988 ارسل مغنية أتباعه لاختطاف طائرتين كويتيتين للضغط علي الحكومة باطلاق سراح 17 سجيناً شيعياً متهمين بتفجير السفارة الامريكية في الامارات. الصحافي ابراهيم الامين المقرب من حزب الله كتب في هذا الاسبوع بأن ضربة الفنان التي الحقتها اسرائيل بمغنية عندما اغتالته كانت لتجلب له تقديراً كبيراً لو بقي حياً. هو كان طوال الوقت يبحث عن افضل السبل للقضاء علي اسرائيل كتب الامين. هذا التعبير رافقه دائماً في افكاره وقد كان يضحك علي اولئك الذين يعتبرون هذا الامر خيالاً بدائياً او طفولياً. هو بالطبع لم يكتف باطلاق هذا الشعار فقط . بين مغنية خبير العمليات المختفي، وحسن نصرالله رجل الدين السياسي الذي يخطب في الساحات، كانت هناك صداقة عميقة. كلاهما تعرفا في أواخر السبعينيات خلال وجودهما في صفوف حركة امل التي كانت الطرف المهيمن في الشارع الشيعي. نصر الله كان رجل دين شاباً عاد لتوه من الدراسة في مدينة النجف العراقية. من وراء مغنية كانت هناك حينها سنة دراسية واحدة في الجامعة الامريكية في بيروت. وكان يستعد للسفر الي ايران حيث انضم هناك للحرس الثوري وقاتل في صفوفه علي الجبهة العراقية. منذئذ وحتي الثاني عشر من شباط (فبراير) لم يفترق الاثنان.
هو كان يحسدني علي حرية الحركة التي اتمتع فيها وعلي القدرة علي التنقل من مكان الي آخر من دون مرافقين قال مغنية مبتسماً متحدثاً عن حسن نصرالله. كان يضحكني ان بعض المجاهدين الذين لا يعرفونني كانوا احياناً يطلبون الاذن من المسؤولين عنهم حتي يسمحوا لي بالدخول .
بدرجة كبيرة كان نجاح حزب الله القتالي نتيجة للتعاون بين هذين الرجلين. الان اصبح نصرالله وحيداً مع نذره فوق قبر صديقه ومع الحاجة الملحة لتنفيذ عملية انتقامية محكمة. ولكن لأول مرة منذ 26 عاماً لن يكون عماد مغنية هناك حتي يقدم له النصح والمشورة.
*معاريف الاسرائيلية
جاكي خوجي
بيروت يوم الخميس الماضي كانت ماطرة وباردة. آخر المعزين بدأوا بمغادرة منطقة الشهداء في مقبرة حزب الله. المساء كان قد خيم والتراب فوق القبر ما زال طريا صديق الميت الحميم جاء لتقديم الاحترام له.
قبل ذلك بيومين في مدينة دمشق لم يكن الله موجودا لحماية عماد مغنية. الان اصبح مدفونا تحت التراب. انت لست بحاجة ليميني بالانتقام لك قال الصديق باكيا وهامسا عند القبر. لن نعطيهم قوتا حتي ليندموا علي الجريمة التي ارتكبوها . النذر الذي اطلقه حسن نصرالله فوق قبر رفيقه كان اكثر من وعد بالانتقام لموته.
في الوقت الذي احتار فيه المحللون علي جانبي الحدود حول اسلوب الروليتا الروسية، ان كان وزراء حكومة سيكونون هم الهدف او مؤسسات يهودية في الخارج، كانوا في حزب الله يتحدثون بكلمات كبيرة. هناك في القيادات السرية في جنوب بيروت انطلقت مداولات استراتيجية حول الطابع الذي سيرتديه الصراع مع الكيان الصهيوني منذ الان. في قيادة التنظيم يتحدثون اليوم عن ضربة مفاجئة، لا تسوي الحساب مع اسرائيل فقط، وانما تعيد لحزب الله قدرته الردعية التي فقدها.
حزب الله لن ينهار اثر رحيل مغنية، وهو ابعد من ان يختفي عن الخارطة. جذوره مغروسة عميقاً في المجتمع اللبناني. ولكن حرب لبنان مهما بدا ذلك مفاجئاً قد غرست فيه شعوراً بالاخفاق والسلبية من النوع الذي ميز الجيش الاسرائيلي في السابق. نتائج هذه الحرب انتزعت من مغنية ورفاقه حرية الحركة وحولته الي شخص غير قادر علي المبادرة. من سأل نفسه ماذا كانت فائدة الحرب لاسرائيل فهذا هو الجواب علي ذلك. هذه الحرب ازالت توازن الرعب. النظرية التي كان الجانبان غارقين فيها والتي أشارت الي ان مطر الصواريخ الذي سيطلقه حزب الله علي التجمعات الشمالية في اسرائيل هو بوليصة التأمين في يديه من الهجوم الاسرائيلي. الجيش الاسرائيلي برهن بطلان هذه النظرية وانه قادر علي شن الهجوم من دون عائق رغم سقوط الصواريخ علي الجبهة الداخلية ـ النظرية انهارت.
حزب الله التنظيم الذي اعتاد تحديد جدول الاعمال للجيش الاسرائيلي، تحول الي كيان مقيد الارجل ـ جنوب لبنان يغص بالجنود اللبنانيين والاجانب ـ والايادي ايضاً مكبلة للوراء لأن خصومه اللدودين في الساحة السياسية ينتظرون سقوطه. كل هذا لم يكن كافياً لتأتي المفاوضات حول تبادل الاسري وتصل الي طريق مسدود، الامر الذي حول عملية الاختطاف كلها الي حماقة كبيرة للعودة للوراء. لاول مرة منذ سنوات يغرق حزب الله في اجواء الازمة. الحركة التي لم يعتادوا فيها الظهور لمدة طويلة جداً كمضطهد، تنظر لرحيل مغنية كفرصة للخلاص من المستنقع. هذا لن يكون انتقاماً فقط كما يأملون هناك وانما نقطة انعطافية. من كافة الانحاء يسود تفهم لرد حاد. هنا يضغط الجميع للانتقام ، قالت لنا احدي مواطنات بيروت في هذا الاسبوع، انصار حزب الله يريدون تسوية الحساب ومعارضوه يتمنون الرد حتي يقولوا بعد ذلك لقد قلنا لكم . اسرائيل التي لم تتميز ابداً بالتكتيك الاعلامي في مواجهة حزب الله فشلت في هذه المرة ايضاً. من تابع التصريحات العفوية الصادرة عن الجنرالات والسياسيين عندنا لاحظ انهم يسلمون علناً بحق حزب الله برد عنيف.
مصدر في حزب الله قدر في هذا الاسبوع ان تعويض الفراغ الذي نشأ مع رحيل مغنية قد يدفع الحركة الي الاستعانة حتي بالحلفاء في العراق وغزة والضفة. الهدف سيكون تنفيذ عملية مشتركة متعددة الاذرع. في المستقبل البعيد قد يبني تحالف ثلاثي. المنطقة دخلت في مرحلة جديدة ، قال احد الشخصيات في حزب الله للصحافي اللبناني ابراهيم الامين من محرري الاخبار ، من الصعب توقع ما سيحدث في المستقبل القريب او علي المدي المتوسط، ولكن من المؤكد ان ما كان قبل اغتيال مغنية لن يكون شبيهاً بما سيأتي من بعد .
المقربون من مغنية يقولون ان قدراته الميدانية الكبيرة تمثلت في القدرة علي اكتشاف الثغرات لدي الخصم. هذا ما فعله جيداً في عمليتي الاختطاف ضد الجيش الاسرائيلي في تشرين الاول (اكتوبر) 2000 في هاردوف وفي تموز (يوليو) 2006 بجانب زرعيت. رفاقه وصفوه كإنسان بارد الاعصاب وهادئ وذي قدرة ابداعية خلاقة. حسن نصرالله قال في جنازته بانه كان يتشوق بشغف للموت شهيداً. ابنته تتحدث عن انه كان لطيفاً طيب القلب في حياته الخاصة. وكان مثل الصديق ،كان يفيض رأفة ودفئاً ، تقول فاطمة مغنية ابنة 24 عاما كبري ابنائه الثلاثة. هو كان يتعامل مع احفاده وكأنهم اولاده وكان يلعب معهم. قلبي كان يحترق عليه عندما يغيب لمدة طويلة جداً عن المنزل . رغم ان مغنية لم يأت من خلفية دينية الا انه تمسك منذ نعومة اظفاره بالعقيدة الدينية. عندما كان عمره 13 عاما انتقلت عائلته من بيروت الي قرية طير دبي في جنوب لبنان. هذا كان في شهر رمضان. لم يكن لدينا شيء في البيت ، قالت امه في هذا الاسبوع. عماد كان يعمل حينئذ في الفلاحة، وكان صائماً ومع ذلك عمل طوال اليوم حتي يحصل علي الخمس ليرات (دولارين في ذلك الحين). هذا المال كان يذهب للتبرع من اجل انهاء طلاء المسجد في القرية. ونحن بقينا علي الرصيف . عندما علم امر موته في نهار يوم الاربعاء من الاسبوع الماضي حُكم علي امه ان تنهي حياتها من دون ابناء. أبناؤها الثلاثة رحلوا عن هذا العالم بطريقة غير طبيعية. الاول كان جهاد احد حراس آية الله محمد حسين فضل الله من كبار الفقهاء في العالم الشيعي، جهاد فقد حياته قبل 22 عاماً خلال محاولة اغتيال فاشلة لفضل الله. في عام 1994 قتل فؤاد الاخ الاوسط في انفجار حقيبة مفخخة. الشخص الذي دس له الحقيبة في مصنع البلاط التابع له اعتقل بعد حين علي يد حزب الله واعدم. حسب ادعاء حزب الله هذا الشخص كان عميلاً لاسرائيل.
جواز سفر ايراني
في عام 1982 اجتاح الجيش الاسرائيلي لبنان حتي يضع حدا لهجمات الكاتيوشا علي التجمعات السكانية الاسرائيلية في الجليل. ايران التي كانت حينئذ تعبق بالمشاعر الثورية قررت دق وتدٍ عميق في لبنان وشكلت تنظيم حزب الله. مغنية عاد الي بيروت في ذلك الحين وجند من قبل الايرانيين لجهاز الاستخبارات التابع للميلشيا. مغنية ترقي داخل هذا الجهاز، وخلال عامين اشتهر كأحد الارهابيين الاكثر عنفوانا وقسوة في العالم. اياديه كانت ملطخة بدماء اكثر من 350 جندياً امريكياً وفرنسياً كانوا قد قتلوا في عملية تفجيرية علي ارض لبنان وهو كان في ذلك الحين بالكاد ابن 21 عاما.
مغنية اعتاد منذ صغرة الاقلال من الكلام والاكثار من الافعال. كان خلوقاً مثقفاً محباً والاهم ـ كان متديناً ومؤمنا . كان لديه شعور بالمسؤولية العائلية وكان في نفس الوقت متفوقاً في دراسته. الانسان لا يمكنه ان ينجح الا اذا كان محقا،ً ابني كان محقاً وهو لم يكذب أبداً . مغنية الذي كان مسؤولا عن امدادات السلاح من ايران لحزب الله، كان شخصاً مقرباً في قيادة الاستخبارات الايرانية والسورية. كانت لديه شقق سكنية في دمشق وايران وكان معتادا علي التحرك من خلالها في هوية تنكرية وجواز سفر دبلوماسي ايراني يسهل حركته في المطارات. عبر السنين التصقت به عدة القاب. الثعلب، الشبح، الحاج. فالمقربون منه كانوا ينادونه باسمه السري ـ الحاج رضوان. امه تقول انه كان قد قدم قبل سنوات كثيرة الي المنزل وازال كل صوره من هناك بما فيها تلك التي كانت منذ الطفولة. هو لم يسمح لي حتي بصورة واحدة. صورته التي نشرت بعد موته شاهدتها للمرة الاولي حينئذ فقط ، قالت. قبل مقتل مغنية بيومين كان قد جاء الي امه مريضاً. هي اعطته الدواء وودعته بسلام. رفاقه قالوا في هذا الاسبوع انه كان قد اصيب بعد انتهاء حرب لبنان بالارهاق وعاني منه لاسابيع طويلة. لا اعرف ان الامريكيين ينسجون الحكايات حولي ويلصقون بي المسؤولية عن الكثير من العمليات التي جرت ضدهم في شتي زوايا العالم ، قال مغنية لمقربيه، بعض الاحيان يبدو وكأن مفاتيح العالم بيدي من الصعب عليهم ان يقتنعوا انني جزء من جسم يدرس خطواته بهدوء ويعمل بصبرٍ ويخطط ما يتوجب عليه تخطيطه. هم يعرفون جيداً ان جدول اعمالنا يتمحور حول بند واحد ـ الخلاص من الاحتلال ودعم المقاومة الفلسطينية. المسؤولية عن فلسطين ستبقي علي اكتافنا حتي ان خرج من بينهم احدٌ ما يقول العكس .
زيارة مجاملة
العالم رفض الدخول في حالة حداد بعد موت الحاج رضوان. ومن الممكن الافتراض ايضاً انهم قد فرحوا في عدة عواصم عربية بدرجة لا تقل عن فرحة ايهود اولمرت في برلين. سعد الحريري توجه الي خيمة العزاء في بيروت وهو المعارض السياسي لحزب الله ولكنها كانت زيارة مجاملة لا غير. الحريري تمتم بعدة كلمات حول شجاعة الشهيد وصافح ابناء العائلة وعاد الي حاله.
في حي الاعظمية في بغداد نظم عدة مئات من الشيعة جنازة رمزية مع راية حزب الله الصفراء. وفي ايران نظمت مظاهرة غاضبة نعت المتظاهرون خلالها بوش بـ المجنون . مظاهرات محدودة العدد جرت ايضاً في الضفة وغزة. في الكويت شارك عددٌ من اعضاء البرلمان الشيعة في حفل تأبين لمغنية فأثاروا غضب رفاقهم السنة. في عام 1988 ارسل مغنية أتباعه لاختطاف طائرتين كويتيتين للضغط علي الحكومة باطلاق سراح 17 سجيناً شيعياً متهمين بتفجير السفارة الامريكية في الامارات. الصحافي ابراهيم الامين المقرب من حزب الله كتب في هذا الاسبوع بأن ضربة الفنان التي الحقتها اسرائيل بمغنية عندما اغتالته كانت لتجلب له تقديراً كبيراً لو بقي حياً. هو كان طوال الوقت يبحث عن افضل السبل للقضاء علي اسرائيل كتب الامين. هذا التعبير رافقه دائماً في افكاره وقد كان يضحك علي اولئك الذين يعتبرون هذا الامر خيالاً بدائياً او طفولياً. هو بالطبع لم يكتف باطلاق هذا الشعار فقط . بين مغنية خبير العمليات المختفي، وحسن نصرالله رجل الدين السياسي الذي يخطب في الساحات، كانت هناك صداقة عميقة. كلاهما تعرفا في أواخر السبعينيات خلال وجودهما في صفوف حركة امل التي كانت الطرف المهيمن في الشارع الشيعي. نصر الله كان رجل دين شاباً عاد لتوه من الدراسة في مدينة النجف العراقية. من وراء مغنية كانت هناك حينها سنة دراسية واحدة في الجامعة الامريكية في بيروت. وكان يستعد للسفر الي ايران حيث انضم هناك للحرس الثوري وقاتل في صفوفه علي الجبهة العراقية. منذئذ وحتي الثاني عشر من شباط (فبراير) لم يفترق الاثنان.
هو كان يحسدني علي حرية الحركة التي اتمتع فيها وعلي القدرة علي التنقل من مكان الي آخر من دون مرافقين قال مغنية مبتسماً متحدثاً عن حسن نصرالله. كان يضحكني ان بعض المجاهدين الذين لا يعرفونني كانوا احياناً يطلبون الاذن من المسؤولين عنهم حتي يسمحوا لي بالدخول .
بدرجة كبيرة كان نجاح حزب الله القتالي نتيجة للتعاون بين هذين الرجلين. الان اصبح نصرالله وحيداً مع نذره فوق قبر صديقه ومع الحاجة الملحة لتنفيذ عملية انتقامية محكمة. ولكن لأول مرة منذ 26 عاماً لن يكون عماد مغنية هناك حتي يقدم له النصح والمشورة.
*معاريف الاسرائيلية

التعليقات