البدون فلسطينيون غرباء في وطنهم، عائلات مشتتة وأطفال بلا أوراق ثبوتية

غزة-دنيا الوطن-سامي أبو سالم
أطفال ونساء ورجال وشيوخ يجتمعون أيام الأحد من كل أسبوع تحت خيمة وسط مدينة غزة. بجهود فردية بحتة يحاولون أن يطرقوا جدار الصمت الذي خيم على قضيتهم التي حملت اسم 'البدون'، والتي باتت لعنة تلاحقهم في تفاصيل حياتهم.
أكثر من 120 ألف شخص في قطاع غزة يعيشون بلا بطاقة هوية ولا جواز سفر ولا أية أوراق ثبوتية، باتوا غرباء في وطنهم بعد أن عادوا إلى الجزء المتاح من الوطن على أمل أن يتخلصوا من قهر الغربة.
كل شخص فيهم له حكاية، فالأطفال غير مسجلين في السجلات الرسمية، والمرضى لا يستطيعون السفر لتلقي العلاج وأطفال بعيدون عن أمهاتهم، وزوجات أوروبيات وعربيات من مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا لم يستطعن رؤية أهاليهن منذ وصولهن غزة مع أزواجهن بـعيد اتفاق أوسلو عام 1993.
جلس المهندس محمد أبو سعدة (42 عاماً) تحت خيمة الاعتصام محتضناً عكازيه بعد أن بُترت ساقه اليمنى خلال انتظاره لتصريح من الاحتلال بالسفر للعلاج. وكان أبو سعدة قد عاد من الجزائر إلى أرض الوطن في كانون ثاني 1996، وفي أيار 2005 وأصيب بجرح في الركبة كشف عن مرض السرطان، بعد سبعة أشهر (تشرين ثاني 2005) من الانتظار و'التنسيق' أصدرت سلطات الاحتلال له تصريحاً 'مستعجلاً' للعلاج على نفقة السلطة الوطنية في المستشفيات الإسرائيلية بعد تعثر إصداره لأنه 'بلا هوية ووجوده مخالف لقانون الاحتلال'.

عاد أبو سعدة إلى غزة، بعد فترة وجيزة، وتطور الأمر وتأصل المرض في جسده، ومنذ آذار/ مارس 2006 حتى أيلول/ سبتمبر 2007 وهو يحاول استصدار تصريح لاستكمال العلاج بيد أن سلطات الاحتلال رفضت السماح له بالسفر. ومع تشديد الخناق على غزة وشح الأدوية واغلاق المعابر، تضاعفت أزمة المهندس أبو سعدة، الأمر الذي أدى إلى بتر ساقه في مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال القطاع، وما زال ينتظر متوجساً أن يطال المرض الخبيث ساقه اليسرى.

عطيات حسين، من جمهورية مصر العربية، تعاني من فشل كلوي، التحقت بزوجها عبد القادر النجار عام 1998 في غزة بعد أن سبقها ووصل عام 1996 بتصريح زيارة.
انتهت وثيقة السفر الخاصة بالنجار، ولم يعد العمل بها سارياً وبالتالي بات يلهث لاستصدار جواز سفر يمكنه من التحرك بحرية وربما السفر للعلاج في الخارج من مرض القلب الذي يعاني منه. أما عطيات حسين فلم ترَ أهلها منذ عشر سنوات، كانت تلهث وراء الهوية كي تزور أهلها في مصر، والآن تلهث وراء بطاقة هوية تمكنها من تأمين علاج فعال خارج غزة بسبب شح الأدوية فيه.

كذلك سمية صبّاح (47 عاماً) من المغرب، وصلت إلى غزة برفقة زوجها الفلسطيني محمد صباح عام 1999، ولم تستطع أن تغادر غزة منذ ذلك الحين لأنها 'بدون' هوية ولا مستندات رسمية تعطيها الحق في ممارسة حياتها كباقي سكان البسيطة.
وقالت صباح: 'نشعر أننا فاقدو الآدمية، أدنى حقوق الإنسان هو أن يعرّف الشخص بنفسه، لا نستطيع أن نعرف بأنفسنا، لا وثائق رسمية ولا أحد يعترف بنا، نحن نعيش في سجن غزة بدون تهمة، السجن أرحم'.
توفي والد سمية صباح عام 2005، فحاولت أن تزوره خلال مرضه دون جدوى، وأمها تتمنى رؤية أحفادها لكنها لا تستطيع القدوم لغزة ولا يستطيع أحفادها السفر، كل ذلك لأنهم بلا وثائق سفر.

حالة أخرى، هي فهد إدريس (45 عاماً) من سوريا، وصلت إلى غزة عام 1995، مع زوجها دياب جحا، ولم تغادره، وإن غادرت فلن تستطيع العودة، فليس لديها أوراق تثبت شخصيتها سوى جواز سفر منتهي الصلاحية.
وقالت 'ليس لدي إثبات شخصية سوى جواز السفر السوري، وأرسلته لدمشق للتجديد وترفض السلطات السورية تجديده إلا بوجودي (وفق القوانين المعمول بها في سوريا)، كيف أسافر وأنا دون هوية أو أي وثيقة تثبت شخصيتي؟' .
وتخشى ادريس على أحفادها، الذين ولدوا ولم يحصلوا على أوراق ثبوتية رسمية وغير مسجلين في السجلات الرسمية، وأضافت: 'أشعر أنني تائهة، لا أملك شيئا هنا، ولدي خمسة أولاد دون أوراق ثبوتية، منهم من تزوج وأنجب أطفالاً، وأطفالهم أيضاً الآن غير مسجلين في السجلات الرسمية'.

بعيدا عن الجلبة والأحاديث المتناثرة تحت الخيمة، جلس محمود بكر (70 عاماً) شارداً بعينيه يخاطب سقف الخيمة، انفجر بالبكاء فور الحديث عن أبنائه وحالته المزرية. لم تخلُ نبرته من استجداء طفولي وهو يشكي حرمانه من رؤيته أولاده منذ أربعة عشر عاماً.
أما الحاج بكر، الذي عاد إلى غزة عام 1994، فتشتت أسرته، كآلاف الأسر، بين مصر والسعودية وغزة بسبب رفض اسرائيل اصدار بطاقات هوية له. قدم أوراقه للجهات الرسمية عام 2005، بُعيد توقيع اتفاق المعابر، وما زال ينتظر.
حالة مشابهة، هي كريمة ميلزي من الجزائر، وصلت إلى غزة عام 1998 مع زوجها رجاء أبو دقة الذي كان يدرس في الجزائر. أنجبت ميلزي ثلاثة أطفال في غزة، جميعهم دون شهادات ميلاد رسمية وغير مسجلين في سجلات الأحوال المدنية. لم تغادر ميلزي غزة قط منذ ذلك التاريخ، لم تر أهلها وهم لا يعرفون أطفالها.
تعمل ميلزي محاضرة في جامعة القدس المفتوحة بغزة، وتتمنى أن تكمل دراسة الدكتوراة في علوم الكمبيوتر، لكنها لا تستطيع لأنها 'بدون'. علامة فارقة في حالتها، أن زوجها مواطن الأصل (غير مسجل كلاجئ) من مدينة خانيونس غرب قطاع غزة، ويملك أراضٍ بالميراث كاخوته، ولا يمك بطاقة هوية.

الطفل أسامة البطش (16 شهراً) الذي يعاني من تشوهات خلقية في القدمين، أيضاً لا يستطيع السفر للعلاج لأنه 'بدون'، حتى وإن ااستخرجت له بطاقة فلن يتمكن من السفر لوحده، بل يحتاج إلى من يرافقه، فوالدته أيضاً التي عادت إلى غزة عام 1998 لا تملك بطاقة هوية وهو السبب أيضاً الذي لم يمكنها من السفر إلى رام الله للعلاج من مرض السرطان.
عيدة قاسم (55 عاماً) ابنها في قطر وأمها، التي تحتضر، وسبعة من أشقائها وشقيقاتها في الأردن لم ترهم منذ أحد عشر عاماً، لا تعرف أطفالهم وهم لا يعرفون أطفالها، تحلم بأن تحصل على بطاقة هوية تمكنها من أداء فريضة الحج، فبطاقة الهوية أيضاً باتت تحول دون حرية العبادة في القرن الحادي والعشرين.

آلاف الحالات المشابهة، بل والأكثر قسوة، شكلوا تجمعاً أطلق عليه اسم 'اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق المواطنة' (البدون)، يمارسون حملاتهم الإعلامية ونشاطاتهم المحلية محاولين لفت أنظار الكاميرات والساسة إلى قضيتهم.
ويشارك بعضهم بشكل دوري في خيمة الاعتصام الأسبوعية، لكن القاطنين خارج حدود المدينة، يفضلون التراخي لأن المواصلات ستكلفهم أكثر من قوت يومهم الذي بالكاد يحصلون عليه في ظل الحصار والبطالة.
وانضم اليوم لـ'البدون' مبعدو كنيسة المهد، 98 مواطناً هم المبعدون الستة والعشرين الذين أبعدتهم سلطات الاحتلال من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، انضم اليهم زوجاتهم وأبنائهم للمشاركة في الاعتصام.
وقال رجاء أبو دقة الأمين العام للجنة، إن عدد الذين دخلوا قطاع غزة يلغ حوالي 45 ألفا منذ توقيع اتفاق أوسلو، ومنذ ذلك الحين ارتفع عددهم إلى 120 ألفا، فمنهم من تزوج وأنجب أطفالاً أضيفوا إلى قائمة البدون، ناهيك عن أولئك الذين دخلوا خلال فتح معبر رفح عام 2005 و2008.
وأضاف أبو دقة 'نحن لسنا فاقدو هوية، بل القضية أكبر من ذلك، نحن نطالب بحق المواطنة، والحصول على الهوية هو جزء من المواطنة'.

وأشار إلى أن أجنبيات وعربيات دخلن بتصاريح زيارة، لكن الأكثر تضرراً هن الزوجات العربيات لأن الدول العربية لا يوجد لها تمثيل دبلوماسي لدى السلطة الوطنية أو إسرائيل، سيما ليبيا والجزائر والسعودية والعراق وسوريا. أما الزوجات غير العربيات 'الأجنبيات' فقد تم ترحيلهن عبر التنسيق مع قنصليات بلدانهم ولن يستطعن العودة لأزواجهن وأطفالهن ولا يستطيع الأزواج والأولاد اللحاق بهن.

وأضاف:'الأطفال بلا رقم هوية وشهادات ميلادهم تحمل طابورا من الأصفار ولا يضافون في جواز السفر ولا يُعترف بهم في المحافل الرسمية ويواجهون عراقيل في المؤسسات التعليمية والصحية وغيرها'.

وتساءل أبو دقة عن أولئك الساسة والمؤسسات الدولية التي تهتم بالرياضة والفنون ولا تعير اهتماماً لأكثر من 120 ألف مواطن من فاقدي المواطنة بتفاصيلها من تعليم وعلاج وحرية حركة وحرية عبادة.
وحذر أبو دقة من خديعة تمارسها سلطات الاحتلال فيما يتعلق بأرقام المواطنين الذين تنتزع السلطة الوطنية حق المواطنة لهم من الحكومة الاسرائيلية، فعلى سبيل المثال فإن أحد العائدين إلى أرض الوطن ولديه أطفال الآن من المفترض أنه هو وزوجته وأولاده يُحتسبون حالة واحدة، أما السلطات الاسرائيلية فتحتسب كل فرد حالة وهذا تضليل وخداع في العدد.

وشدد أبو دقة على أهمية الحالات الاستثنائية في إصدار الأسماء التي تستطيع السلطة الوطنية انتزاعها من الجانب الإسرائيلي وعلى رأسها الحالات المرضية وأبناء الشهداء وأبناء الأسرى بغض النظر عن تاريخ عودتهم للوطن، مستغرباً التلكؤ الاسرائيلي في استثناء الحالات الخاصة التي لا تزيد عن 600 حالة فقط.

وناشد أبو دقة، جون هولمز ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة لحقوق الانسان والإغاثة، وكل مؤسسات حقوق الإنسان التدخل لانقاذ آلاف الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية عبر الضغط على الحكومة الاسرائيلية لاستصدار بطاقات هوية لهم كجزء من حقهم الإنساني قبل أي اعتبار لسياسة وغيرها، لتمكينهم من ممارسة حياتهم كبشر.
يذكر أن مديرية الأحوال المدنية في وزارة الداخلية كانت أصدرت بطاقات هوية لهؤلاء 'للاستخدام الداخلي فقط'، بهدف حصرهم وتنظيمهم وتسهيل معاملاتهم في المؤسسات الرسمية كالمؤسسات الطبية والتعليمية وغيرها، إلا أن هذه البطاقة لا يتم التعامل بها لإجراءات رسمية كالسفر وما شابه.
عن "وفا"

التعليقات