مطالب بتفعيل خطبة مؤسس سنغافورة الحديثة: لو ولدت سعوديا

مطالب بتفعيل خطبة مؤسس سنغافورة الحديثة: لو ولدت سعوديا
غزة-دنيا الوطن

طالب خبراء سعوديون وعاملون في القطاع الخاص بتفعيل نصائح لي كوان يو الحاكم الإداري السابق لسنغافورة، الذي يصنف بأنه مؤسس سنغافورة الحديثة، التي وجهها للسعودية خلال الأسبوع الماضي، لما احتوته من إرشادات وتوجيهات من شأنها أن تعزز التقدم الحضاري والمدني الذي تعيشه السعودية حاليا.

وكان لي كوان يو قد قدم كلمة آخر يوم من فعاليات منتدى التنافسية الدولي، الذي عقد في العاصمة السعودية الرياض، بعد أن خصصت له جلسة كاملة امتدت إلى أكثر من وقتها المحدد، نتيجة تفاعل الحضور والمشاركين، لاسيما أنها جاءت بأسلوب الناصح المرشد مصحوبة بطريقة إلقاء وطرح أفكار شفافة. وتبرز أهمية ما طرحه الحاكم الإداري السابق لسنغافورة بأنها جاءت بافتراض نفسه سعوديا، إذ ركّز في معظم موضوعات حديثه عن السعودية، مشيرا إلى الإمكانيات والقدرات والمكانة التي تحتلها حاليا بين دول العالم.

لي كوان يو لم يسق نصائحه للسعوديين، الذين انبهروا بحجم التحدي الذي جاء في سياق القصة المثيرة، التي شهدتها بلاده خلال العقود الطويلة الماضية فحسب، بل تخطى ذلك إلى أن يمزج كل تلك التجارب والنصائح بذكريات مثيرة ـ استمع لها السعوديون ـ تمثلت في سجنه من قبل اليابانيين عام 1942، قبل أن يلتحق بالثورة التي عرفها جنوب شرق آسيا، ثم مشاركته في إسقاط النظام هناك، ليساهم بعد ذلك في استقلال سنغافورة.

وعن أهمية حديثه، يقول عبد المحسن البدر، اقتصادي سعودي وهو المدير التنفيذي لمنتدى التنافسية الدولي، إن التوصيات تم جمعها كاملة، من بينها ما يتعلق بكلمة لي كوان يو الذي يعد لدى منظمي المنتدى المتحدث الرئيسي لما سجله تاريخه الحافل من تجارب وخبرات فاعلة أدت لرفع مكانة بلاده إلى مصاف الدول المتقدمة في أقل من 30 عاما.

وانفرد يو مساء يوم الثلاثاء الماضي لأكثر من 60 دقيقة بالحديث لوحده أمام جموع غفيرة من الحضور، يقدر عددهم بـ1000 رجل وامرأة، كانوا يتطلعون إلى يو بإعجاب ولهفة شديدين، وهو يروي قصة نهضة سنغافورة من على منصة منتدى التنافسية العالمي. وقبل أن يدخل في تفاصيل القفزة التي قفزتها سنغافورة إلى مصاف الدول المتقدمة، أخذ يو أثناء إلقائه كلمته نفسا هادئا والكل يترقبه، وتوقف لثوانٍ ثم قال: «بعد أن حصلنا على استقلالنا انضممنا إلى ماليزيا، ثم انفصلنا بعد عامين، وشعرنا بأنه يتوجب علينا أن ندير الدفة، فاكتشفنا عزلتنا عن المثقفين..!»، لافتاً إلى أن التجربة التي يجب أن يأخذ بها كل بلد للحاق بركب التقدم والحضارة تتمثل في توفير الاستقرار واحترام الأعراق المختلفة إلى جانب اعتماد لغة واحدة تتقنها جميع الأعراق، والعمل على إتقان اللغة الانجليزية «لأن أفضل الوظائف تذهب لمن يتقنها».

ولم تقتصر نصائح يو للسعوديين على الجانب الاقتصادي والتنموي، إذ لم يفتأ عن ترديد «الثقافة والفنون» التي يعد التركيز عليها ـ بحسب لي كوان يو ـ أمراً يساعد في تكوين أشخاص قادرين على اختيار مواقعهم ووظائفهم ويؤمنون بأن الحياة تستحق العناء من أجلهم وأجل أبنائهم.

كان الصمت يلف قاعة التحدث الرئيسية، إلا من صوت لي كوان يو، الذي ما ان توقف حتى جاء صوت سيدة سعودية من بعيد تطلب نصيحة من أحد أهم خبراء التنمية في العالم للسيدات السعوديات، وكان يو يقطب عينيه ويضع يديه فوق جبينه محاولة منه للانتباه لسؤال السيدة التي تجلس في القاعة المخصصة للنساء، على بعد أمتار من منصة التحدث، وبعد سكوت للحظات في انتظار الجواب، تحرك يو ببطء نحو الطاولة المستديرة أمامه ثم أجاب: (علي أن أتوخى الحذر في كلماتي!). واستدرك قائلاً: «ربما بتعليم الفتيات، عليكم بإرسالهن إلى خارج السعودية للتعليم مع الحفاظ على انتمائهن للمملكة، فعندما لا يوجد أي اختلاف في المعاملة بين الجنسين في بلدكم أو أي بلد آخر تزول الفوارق في التعليم واكتساب المعرفة».

ومن أجل هذا الأفق الواسع، يعود البدر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» للتأكيد على أن المنظمين ركزوا على كلمة يو، التي تم تخصيص جلسة خاصة له من دون مشاركة أحد، بهدف تقديم كل ما يمكن تقديمه من خبرته، مفيدا بأن كلمة الحاكم الإداري السابق، بحسب ما تم رصده، قسمت إلى خليط نافع من المقترحات والنصائح والتجارب.

وأفصح البدر عن أن خلاصة ما ذكره من توصيات ستضم تحت قائمة التوصيات الأخرى، لاسيما أن هناك كما كبيرا من التوصيات مع تشعب وتوسع فعاليات المنتدى، إذ شاركت قطاعات وأنشطة مختلفة، منها المالي والصحي والتعليمي والنقل والموارد البشرية، مضيفا أن التوصيات سيتم رفعها إلى المقام السامي خلال الأسبوعين المقبلين.

وشدد البدر على أن هدف المنتدى من استقطاب شخصية تنموية بارزة مثل يو، جاءت بعد دراسة مستفيضة بما يمكن أن تقدمه تلك الشخصية من خلاصة تجربتها الطويلة التي استطاعت أن تجعل من دخل الفرد في سنغافورة واحدا من أعلى معدلات دخول الفرد عالميا، إلى جانب النجاحات في خلق حضارة ومدنية عالية المستوى والجودة في كافة الاتجاهات.

ويعود يو لاستعراض إشكالات تتعلق بآلية التعليم وتعليم المرأة، خلال حديثه إذ قال: «نحن اكتشفنا أن اليابانيين يخططون تعليمهم بحيث لا يذهب الطالب إلى الجامعة فوراً بل يدخل برنامجاً تعليماً قبل الالتحاق ببرنامج يدعى finishing school ووجدنا أن الفتيات اليابانيات انتقلن إلى الخارج لتلقي التعليم، وكن ثائرات على بعض التقاليد في مجتمعهن، فعندما يتم تعليم المرأة وعندما يتغير المجتمع، فإن القاعدة تكون خصبة للتطور... باختصار أن التعليم أساسي للمرأة والرجل، ولا أشك، ولو للحظة، أن ابنتي لا تملك نفس القدرات التي يملكها ابني، ويجب أن يتم التعليم بصورة لا تخل بالتوازن الاجتماعي».

وأضاف «يجب ألا يكون هناك تنافس ضار بين المرأة المتعلمة والرجل المتعلم، وعندما تركز الدولة على تطوير التعليم في مختلف مراحله تحقق أفضل النتائج، وبالمساواة في التعليم وبتغيير التركيبة الاجتماعية استطعنا أن نصل إلى ما وصلنا إليه من تقدم». «لو ولدت سعودياً..» عبارة أطلقها لي كوان يو وأثارت شجون الحضور، إذ طالت جوانب عدة، أبرزها التعليم الذي يعد الصانع الأساس لاقتصاد قوي وحضارة متقدمة، وخصوصاً ما قاله يو في ما يتعلق بطرق التعليم وأساليبه، فهو يرى أن الإنفراد بطريق علمي مميز هو الطريق لأمة قوية وغنية. ويقول: «نحن خضنا النقاش القيمي في الدول الآسيوية، ولكن عندما اخترنا التعليم باللغة الانجليزية غيرنا أسلوب التعليم وأوجدنا لغة تمكن كل باحث في الحصول على المعلومات عن طريق شبكة الانترنت، فإنه من الصعب أن تمنع التأثير الأجنبي على مجتمعك بصورة كاملة، ولكن عندما تتغير أساليب الحياة تتغير مشاكل مجتمعكم فيتحقق لكم ما تريدون».

ورداً على سؤال عن جدوى التركيز على الصناعات النفطية أم الدخول إلى عالم الصناعات المتعددة، أجاب يو: «لو ولدت سعوديا وأعطيت هذه المهمة انطلاقا من بداياتنا لطرحت سؤالا مفاده ـ ما الذي سيزيد من أهميتي بالنسبة لدول العالم؟! حتما إنه ليس رملي ولا جمالي، بل إنه نفطي، فهذا المورد مورد نادر جداً». وتابع: «والسؤال هو كيف نفعل قيمة هذا النفط مع ندرته في المستقبل؟». ويجيب «إنني لن استهلكه فقط للتزود بالطاقة، بل سأستثمر في صناعات أخرى تعتمد على النفط كصناعة المواد البلاستيكية والنقل وغيرها.. فعليكم تطوير هذه الصناعات، بحيث يقوم شبابكم بها بأنفسهم، ومن المهم أن تقيموا صناعات تسمح لمواطنيكم بالاستثمار فيها، ولا بد أن ترسلوا أبناءكم للعمل في الدول المتقدمة، ثم العودة إلى تأسيس أعمال صناعية ومصارف إسلامية جديدة في بلدكم، فالمهم أن تتعلموا كيفية استثمار احتياطيكم النفطي وكيفية إدارة مواردكم لتحقيق أكبر فائدة ممكنة».

وهنا، يبين البدر أن لي كوان يو جاء مدركا لما يقول وينصح، لذا خصص جل كلامه للحديث عن السعودية، وحاول خلال حديثه الذهاب إلى إسقاط الأفكار الفاعلة وطرح المقترحات المختلفة لكافة القطاعات والأنشطة، مشددا على أهمية الاستشهاد بتجربة سنغافورة الناجحة.

وأثناء إجابات يو على أسئلة ونقاشات الحضور، توقف للحظات ثم قال: «إن البعض يعتقدون أنني الشخص الذي أجرى التحولات في سنغافورة والحقيقة ما من فرد يستطيع ذلك بمفرده، ولكننا قمنا في المجتمع السنغافوري بتحفيز بعضنا البعض، فمنذ البداية قررنا أننا إذا كنا أمام مهمة صعبة وغير نظيفة فلن ننجح، وإذا استطعنا التحرك على أساس إمكانيات أضخم من قدراتنا فلن ننجح، فكان علينا أن نتبين إمكاناتنا».

وأشار يو إلى أن ضبط السلوكيات، وضبط أسلوب التعليم يعد أسلوباً أمثل لبدء النهضة، وقال: «نحن في سنغافورة كانت لدينا مجموعة من المواطنين الحريصين على اكتساب العلم والمعرفة، اللذين بدونهما ما كنا لنحقق النجاح، وأنتم في السعودية لن تجدوا صعوبة في تطوير التعليم من التعليم الديني إلى التعليم العلمي، الذي ينقلكم الى مراتب متقدمة من التطور، فبالنسبة لكم العالم القديم كان مكونا من بدو وجمال، ولكن الآن أمامكم خيارات عظيمة لأن تطوروا أسلوب حياتكم وأمامكم الفرصة المؤاتية لأن تتساءلوا عن كيفية تطوير حياتكم واقتصادكم، لكي تعيشوا حياة ذات مستويات مرتفعة للغاية بعد حقبة النفط».

ويرى يو أن السعوديين يمتلكون فرصاً كبيرة في الوقت الراهن، إذ لا بد من جهود تعزز الإحساس بوجود الفرص. وقال: «إذا نظرتم إلى أداء الدول تجدون أن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى لأنها تتيح فرصاً للبحث العلمي وفرصاً للتقدم والرقي، ولأنها ما زالت بلدا مفتوحا يجتذب العلماء من كافة الجنسيات والبلاد، فالخيارات مطروحة أمام الناس لأن يختاروا المكان الذي يرسمون به مستقبلهم والفرص موجودة في كل دول العالم ولحسن الحظ أنكم بمواردكم الوفيرة في السعودية تستطيعون تحقيق كل ما حققناه».

وهنا، يدعو الدكتور عبد الرحمن الزامل رجل الأعمال المعروف ورئيس مجلس إدارة مركز الصادرات السعودي، إلى زيادة الوصل والتواصل والتعاون مع الخبرات العالمية في شتى المجالات مثل لي كوان يو، لافتا إلى تطلعاته بأن تصبح توصيات المنتدى في ميدان العمل والتطبيق قريبا.

وأسهب يو في الحديث في مجال التعليم، موضحا سر تصنيف النظام التعليمي في سنغافورة بالتفرد والامتياز، برده: «ما تعلمناه هو أن نفترض بأن كل طفل فريد من نوعه وعلينا أن نضمن له الحرية في اختيار خطه في الحياة، وقد أوجدنا معابر للموهوبين لأننا بحاجة للمبدعين في كل المجالات والفنون والعلوم، وأن نضمن التنوع لسكاننا ومواهبهم، فالمعرفة مقدسة، ويتوجه 98 في المائة من الناس للمدرسة لدخول قطاع محدد ويجب على النظام التعليمي أن يسمح لهم بذلك وعلى الدولة أن تقرر ماهية الأفراد الذين تريد أن تنتجهم، فنحن مثلاً في مرحلة من المراحل قررنا إنتاج المهندسين للحاق بالركب الصناعي، أما الآن فهناك من يتطلعون إلى الإدارة والفنون لأن فيها فرصا أكبر للتطور والسر ان نظامنا التعليمي مبنيٌ على قاعدة تقول لا تقمع الفضول عند الأطفال ولا تسكت صوتهم وأعطهم حرية التعبير».

وعن بداية التأسيس يحكي يو: «في بداية تأسيس الدولة كنا نلعب خارج نظام العلبة وهو مصطلح لم يكن معروفا آنذاك ، فكان التحدي في كيفية تأسيس نظام اقتصادي جديد خاص بنا، فبدأنا بصناعات خفيفة كصناعة فرشاة ومعجون الأسنان، ثم فكرنا في كيفية جعل بلدنا واحة من الدرجة الأولى في العالم الثالث إيماناً منا بأننا عندها ستزداد أهميتنا عند الدول المتطورة وسنصبح قاعدة للسلع والخدمات التي يمكن تصديرها لهذه الدول».

وزاد «وقد كانت مهمة صعبة ولكن غير مستحيلة، وكانت الصعوبة تكمن في كيفية تحويل قناعة السكان عن التفكير بأنهم مواطنون في دولة من دول العالم الثالث إلى التفكير بطريقة مواطني الدول المتطورة، وقد غيرنا العادات والتقاليد بشن حملات قوية، مثل منع مضغ العلكة والالتزام بالنظام من قبل المواطنين».

كيف نهضت سنغافورة؟ بالإضافة إلى حديثه عن الجانب التعليمي والسلوكي، والجانب المتعلق بالطبيعة الاجتماعية، التي يجب أن تتوافق مع المتغيرات العالمية، رد يو: «منذ 25 عاما أحضر زملائي العالم (سيدني بريمير) للقائي وكان عالماً متخصصاً في علم الميكروبات، وشرح لي أن دولة صغيرة كسنغافورة إذا كانت لديها عزيمة وتبنت تطوير هذا العلم فإنها ستصبح ذات شأن لأن هذه العلوم أساسية للتقنية، فقلنا فلنحاول وبدأنا بتأسيس المعهد العلمي للجينات البيولوجية واستقدمنا خبراء من بريطانيا والسويد واليابان ووسعنا عملنا معهم، ولأننا عملنا على مستوى دولي فقد كان الاتصال معهم سهلاً وأصبحت لنا صناعة طبية متطورة للعقاقير.

وتابع: «فنحن نجتذب المهارات من مختلف مناطق العالم ونستخدم علماء يتحدثون اللغة الانجليزية، حيث أننا من خلال هؤلاء الأخصائيين المهرة وبفضل تعاونهم معنا حققنا أكبر استفادة، وجدير بالذكر أن نبين أن الذين يأتون إلينا ويلتحقون بدراسات إنسانية في بلادنا فإن بعضهم لا يعود لبلاده لأنهم يحصلون على ما يريدون ـ وهكذا ننمو بسرعة».

من ناحيته، عاد الزامل وهو أيضا عضو مجلس الشورى السعودي ليبين أن بلاده تسجل نجاحا جيدا على صعيد التواصل والاستمرار مع الخبرات العالمية، بل انها تتفاعل أكثر من ذلك بالتنسيق والذهاب إلى تلك الخبرات والاطلاع على التجارب عن كثب وقرب، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن بلاده ترى بمنظار الأهمية لتجربة بلدان مثل سنغافورة وماليزيا، حيث يتطلع إلى هذه التجربة بجدية.

وذهب الزامل، الذي يعد واحدا من أهم شخصيات قطاع الأعمال متابعة واهتماما بالمشاركة أو النقاش في المنتديات والمؤتمرات والفعاليات الاقتصادية والاستثمارية الرئيسية، إلى أهمية أن تنشر الهيئة العامة للاستثمار نصائح الخبراء بمن فيهم لي كوان يو على كل الجهات والقطاعات لتعميم الفائدة المرجوة.

وقال الزامل لـ«الشرق الأوسط»: «من تجربتي الطويلة نجد أن المنتديات والفعاليات الكبيرة تأخذ حيزا من اهتمام الحكومة وتصل إلى أعلى مستويات السلطات البحثية والاقتصادية كمجلس الشورى والمجلس الاقتصادي الأعلى، وذلك بهدف تفعيل المقترحات والتوصيات التي تنتهي إليها تلك الفعاليات إلى أصحاب القرار وأصحاب المنفعة».

ويرى الزامل أن أهمية الفعاليات الرئيسية التي تبحث الموضوعات المهمة تنبع من مشاركة أصحاب القرار فيها من قطاعات حكومية أو قطاع خاص، إضافة إلى أن تجربته كشفت له عن تحول تلك المقترحات إلى برامج عمل من خلال مشاركة المسؤولين كلا حسب مجال علمه.

* لي كوان يو .. وزير ناصح لـ«جزيرة صغيرة» ومستشار خاص لـ«عملاق نائم»

* ولد لي كوان يو الوزير الناصح حاليا لسنغافورة، الدولة القابعة فوق جزيرة صغيرة في 16 سبتمبر (أيلول) 1923، حيث ترعرع ونشأ كإنسان عادي جدا تدرج في التعليم الأولي وصولا إلى معهد رافيل التابع لكلية رافيل السنغافورية. وشهد يو أحداثا سياسية مهمة في حياته منذ الصغر، كان أبرزها وأهمها الاحتلال الياباني لسنغافورة خلال الأعوام 1942 وحتى 1945.

بعدها اتسع أفق يو بالتعليم والدراسة في الخارج، حينما أصبح طالبا يافعا بقبوله في كلية فاتز وليام التابعة لجامعة كامبريدج البريطانية، واستمر من عام 1946 وحتى 1949 حينما تخرج بمرتبة الشرف الأولى في مجال القانون، ليسجل بعدها تميزا آخر بحصوله على درجة الامتياز في الاختبارات النهائية خلال عام 1950.

وبعد عودته لبلاد وتوليه مناصب إدارية عدة، شهد تحولا علميا جديدا عند اختياره ليكون زميلا فخريا بمعهد ميدل تيمبل باريستار في مجال القانون على رتبة قاض فخري، كان ذلك عام 1469. وبات يو يجمع ويستفيد من ذكائه وتجارب الآخرين مع اعتلائه منصب رئيس وزراء سنغافورة عام 1959 واستمر في ذلك لمدة 30 عاما، بعد أن توالت نجاحاته وبدأ شعبه يثق فيه أكثر، باستيعاب أهدافه وخططه الطموحة للبلاد. وحاليا يعد لي كوان يو واحدا من أبرز زعماء العالم في العصر الحديث، حيث استطاع على مدى أكثر من 30 عاما أن يصنع واحة من أكبر المعجزات الاقتصادية، بتمكنه من تحويل بلاده من جزيرة فقيرة إلى واحدة من الاقتصاديات المتقدمة واحدى دول العالم الأولى، حتى أصبحت سنغافورة أكثر دول العالم تنافسية لعشر سنوات متتالية، وأفضل دول العالم من حيث تطور الخدمات الصحية والتعليمية والنموذج الذي يتمنى الكثير من الدول في جميع أنحاء العالم تطبيقه. وربما يسجل ليو أنه استطاع بفضل إمكانياته الفكرية العالية من الوصول إلى منصب عملي وتشريفي جديد، حيث يشغل حاليا، الى جانب منصبه وزيرا مرشدا للحكومة السنغافورية، منصب مستشار خاص بشكل غير رسمي لجمهورية الصين «العملاق النائم» وأضخم دولة من حيث التعداد السكاني في العالم.

* لي كوان يو وسنغافورة

* يبلغ عدد سكان سنغافورة الجزيرة الصغيرة النائية، نحو 4.3 مليون نسمة، يصل دخل الفرد منهم إلى 29 ألف دولار، يمثل أعلى دخل في العالم، وتدين بنهضتها الشاملة وارتفاع تنافسيتها إلى لي كوان يو، الذي تسلم رئاسة الوزراء منذ استقلال بلاده عام 1959 حتى 1990، وتمكن خلال 31 عاما من تحويل هذه الجزيرة إلى أهم مركز تجاري ومالي في العالم، رغم عدد سكانها القليل ومساحتها المحدودة وانعدام مواردها الطبيعية.

ويرى السنغافوريون أنه نتيجة لسياسات يو، أصبحت واحدة من أكبر الأسواق المالية، التي تضم أكثر من 700 مؤسسة أجنبية و60 مصرفا تجاريا، إضافة إلى بورصة مزدهرة لتبادل العملات الصعبة بحدود 60 مليار دولار، إضافة إلى إيمانهم الكامل بحقيقة اقتصادية واحدة لا يمكن أن يختلف عليها السنغافوريون، وهي أنه استطاع خلال فترة حكمة أن يرفع دخل الفرد من 400 دولار سنويا.

التعليقات